في هذه الحصة من سورة البقرة، يتولى الحق سبحانه وتعالى تنظيم حياة المسلمين أفرادا وجماعات، ويصدر إليهم أحكاما خالدة قاطعة في عدة شؤون من العبادات والمعاملات.
ففيها آيات عن الصيام وعن الاعتكاف من جهة، وفيها آيات عن طريقة كسب المال وعن وجوه إنفاقه وصاحبه لا يزال على قيد الحياة، وعن الوصية به لمن ينتفع به بعد الموت، وعن القصاص وحكمته، وعن رشوة الحكام لصالح المحكومين.
وسيرا في نفس الاتجاه الذي خطه دستور الإسلام الخالد، وهو أن للمال وظيفة اجتماعية سامية، ألا وهي الإسهام في إسعاد المجتمع ورفاهيته ورفع مستواه، وتوزيع الثروة بين أفراده على أوسع نطاق، لم يقتصر كتاب الله على ذكر نماذج من وجوه البر التي يطالب المسلم بالإنفاق فيها وهو على قيد الحياة، بل امتد نظره إلى ماذا سيكون مآل أموالهم وماذا سيفعل بها بعد موتهم.
فنزلت آيات خاصة بالمواريث تحدد فرائض الوارثين في تركة موروثهم تحديدا قاطعا لا تبديل فيه ولا تغيير يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَولاَدِكُمْ . إلى آخر آيات الميراث التي ستأتي مع تفسيرها بحول الله وقوته في سورة النساء.
وفي حق هؤلاء اكتفى الشارع بتحديد أنصبة الإرث الخاصة بكل وارث، ومنعهم من الانتفاع بالوصية، اكتفاء بما نالوه من إرث، طبقا لقوله صلى الله عليه وسلم عام الفتح " لا وصية لوارث ".
أما أقرباء المسلم وذوو أرحامه الذين لا يدخلون في عداد الوارثين، ولا ينجر إليهم أدنى حق في التركة، فهؤلاء قد حض الإسلام على الوصية لهم، إن كانت ثروة المسلم الذي ينتمون لقرابته تتسع للورثة الأصليين وبقية الأقربين، وذلك ما ينبغي فهمه من قوله تعالى في هذا الربع : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ( ١٨٠ ) .
ولا يستغربن السامع ذكر الوالدين هنا في سياق الوصية دون الإرث، فهناك من الوالدين من لا حق له في الإرث، وهناك من الأقارب من لا حق لهم فيه أيضا، مثال ذلك الأم الكتابية التي ليست على دين ابنها المسلم، والزوجة الكتابية التي ليست على دين زوجها المسلم، فهذه الأم لا ترث ابنها، وهذه الزوجة لا ترث زوجها، وإنما أباح الله في حق مثلهما الوصية دون الإرث، فيمكن لولد الأولى أو لزوج الثانية أن يوصي لها قبل وفاته بنصيب من ثروته، لكن يجب أن تكون هذه الوصية ( بالمعروف ) كما قال الله تعالى، أي بحيث لا تؤدي إلى الإجحاف بحقوق الورثة الشرعيين، وتكون في حدود الثلث الجائز فما دونه.
والوصية لهؤلاء ومن في حكمهم ليست في درجة الوجوب، وإنما هي أمر مرغب فيه ومطلوب، وذلك بالنسبة لمن يرغب في صلة رحمه، وستر ذويه من بعده، جزاء ما بذلوا في سبيله من اعتناء وبرور، وجهد مشكور، حتى لا يوصم بالتقصير في حقهم ونكران جميلهم، ولهذا المعنى يشير قوله تعالى : حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ . قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري في كتابه أحكام القرآن : " قوله تعالى-على المتقين-يدل على كونه ندبا، لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين، فلما خص الله تعالى به من يتقي، أي من يخاف تقصيرا، دل على أنه غير لازم ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري