اللَّجَبْ (١).
وقرأتُ على سعيد بن محمد، قال: قرأت على أبي علي الفارسي، قال: قرأت على أبي إسحاق الزجاج، قال: قرأت على المبرد، عن يونس: لَبِبْتُ لبابًا، وليس في المضاعف حرف على فَعُلت غير هذا، ولم يروه أحدٌ غير يونس (٢).
وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي: الدماء مخافة القصاص (٣).
١٨٠ - قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الآية. يعني: إذا تيقن حضور الموت، ورأى أعلامه، ولم يشكُك في قربهِ منه.
فقوله: إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يريد: أسبابَ الموت ومقدماته، من العلل والأمراض. وكان الإيصاء فرضًا قبل نزول أسباب الموت، ولكن يتضيق عند نزول سبب الموت حتى لا يجوز التأخير، فلذلك (٤) قال: إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ليس أنه قبل الحضور لم يكتب عليه (٥). وإنما قال:
(٢) ينظر في معاني اللبيب: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٢٢٤ - ٣٢٢٦، "المفردات" ص ٤٤٩، " اللسان" ٧/ ٣٩٧٩ (لبب).
(٣) "تفسير الطبري" ٢/ ١١٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٩٢.
(٤) في (ش): (فكذلك).
(٥) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٠، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٩٣، "البحر المحيط" ٢/ ١٦، وذكر قولًا آخر: وهو أن المراد بالموت حقيقته لا مقدماته، فيكون الخطاب متوجهًا للأوصياء والورثة أن ينفذوا الوصية.
كُتِبَ، لأنه أراد بالوصية الإيصاء، أو للفصل بين الفعل والوصية؛ لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول: حَضَرَ القاضي امرأةٌ، فَيُذَكِّرون؛ لأن القاضي فَصَل بين الفعل وبين المرأة. وقد أحكمنا هذا فيما سبق (١). ورفع الْوَصِيَّةُ من وجهين:
أحدُهما: على ما لم يسم فاعله، والثاني: على الابتداء، ويكون لِلْوَالِدَيْنِ الخبر، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ كُتِبَ، كما تقول: قيل: عبدُ الله قائم، فترفع عبدَ الله بقائم، وقائمًا بعبد الله، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ (قيل) (٢).
وقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الخيرُ: اسم جامعٌ للمالِ وغيرِهِ، والخيرُ يراد به المالُ في كثيرٍ من القرآنِ، كقوله: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: ٢٧٢] وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨]، مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] (٣).
وقوله تعالى: بِالْمَعْرُوفِ أي: بالشيء الذي يعلم ذوو التمييز أنه لا حيف فيه، فهو العدل الذي لا ينكر، يعني: لا يزيد على الثلث (٤).
(٢) من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٠، وينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ١١٠، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٩٣، "التفسير الكبير" ١/ ٦٠، "البحر المحيط" ١/ ١٩.
(٣) ينظر في معاني الخير: "المفردات" ص ١٦٧ - ١٦٨، "البحر المحيط" ١/ ١٧.
(٤) من "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٠، وينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١١٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٩٤، "المحرر الوجيز" ٢/ ٩٧.
وقوله تعالى: حَقًّا أي: حقَّ ذلك عليكم حقًّا (١).
وقوله تعالى: عَلَى الْمُتَّقِينَ أي: المؤمنين الذين يتقون الشرك (٢).
وقد اجتمعت العلماء على نسخ هذه الآية (٣).
وكان السبب في نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعداء رياءً وسمعةً، ويتركون العيالَ عالةً، فصرف الله بهذه الآية ما كان يُصرف إلى البعداء إلى الأهلِ والأقرباء، فَعُمِل بها ما كان العمل صلاحًا، ثم نسختها آية المواريث (٤)، فكانت الوصية للوالدين والأقربين فرضًا على من مات وله مال، حتى نَزَلَتْ آيةُ المواريث في سورة النساء، فأجمعوا على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون (٥)؛ لقوله - ﷺ -:
(٢) "تفسير الطبري" ٢/ ١١٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٩٤.
(٣) تابع المؤلف -رحمه الله- الزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٢٤٩ في هذا الإجماع، وسيأتي في كلامه ما يدل على نقض هذا الإجماع، وممن ذكر الخلاف في الآية فأطنب: الإمام الطبري في "تفسيره" ٢/ ١١٦، ولو قال -رحمه الله-: أجمع العلماء على نسخ حكم هذه الآية في القريب الوارث، لكان مقاربا، وهذا ما ذكره بعد عدة أسطر.
(٤) أشار إلى هذا الزجاج في "معاني القرآن" ١/ ٢٥٠، وذكره الرازي ٥/ ٦٠.
(٥) رواه عن ابن عباس: البخاري (٢٧٤٧) كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وأبو داود (٢٨٦٩) الوصايا، باب: ما جاء في نسخ الوصية للوالدين، والدارمي ٢/ ٤١٩ - ٤٢٠، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص٢٣٠، والطبري ٢/ ١١٧ - ١١٩.
"ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (١).
فأما الأقرباء الذين لا يرثون، والوالدان اللذان لا يرثان بكفر أو رقٍّ، ففل تجب الوصية لهم؟ اختلفوا، فذهبت جماعة إلى أن الوصية للوارث نسخت، والوصيِّة لهؤلاء الذين لا يرثون لم تنسخ، وهو (٢) مذهب مسلم بن يسار، والعلاء بن زياد (٣) (٤)، ومسروق (٥) والحسن (٦)، حتى قال
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٣/ ٤٤٢: استفاض عند أهل العلم، وقوله: لا وصية لوارث استفاضة هي أقوى من الإسناد والحمد لله.
وقد ذكره السيوطي ضمن الأحاديث في كتابه: "الأزهار المتناثرة" ص ١١٩؛ وكذا الكتاني في "نظم المتناثرة من الحديث المتواترة" ص ١٧٦، ينظر: "نصب الراية" للزيلعي ٤/ ٤٠٣.
(٢) في (م): (وهذا).
(٣) العلاء بن زياد بن مطر العدوي، أبو نصر البصري، ثقة، أحد العباد، توفي في ولاية الحجاج سنة ٩٤ هـ. ينظر: "الثقات" ٥/ ٢٤٦، "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣٤٣.
(٤) رواه عن مسلم والعلاء في أثر واحد: ابن أبي شيبة في "المصنف" ١١/ ١٦٦، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ٢٣٢، والطبري في "تفسيره" ٢/ ١١٨.
(٥) هو: أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني، تابعي ثقة، من أخص تلاميذ ابن مسعود، كان عابدًا فقيهًا مقرئًا، توفي سنة ١٦٢ هـ، وقيل بعدها. ينظر: "السير" ٤/ ٦٣ - ٦٩، "الأعلام" ٧/ ٢١٥.
(٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ١١٨.
الضحاك: من مات ولم يُوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية (١).
وقال طاوس: إن أوصى للأجانب (٢) وترك ذوي قرابته نزع منهم، ورد إلى ذوي قرابته (٣).
فعلى قول هؤلاء: النسخُ تناول بعض أحكام الآية وهو الوصية للوارث (٤). والأكثرون من العلماء -وهو الذي يعمل به اليوم- على أن حكم الآية كلّه (٥) منسوخ، ولا تجب على أحد وصية لأحد قريب ولا بعيد. وإذا أوصى فله أن يُوصِي لكل من شاء من الأقارب والأباعد إلا الوارث (٦).
قال أبو عبيد: وعلى هذا القول أجمعت العلماء من أهل الحجاز وتهامة والعراق والشام، منهم سفيان ومالك الأوزاعي (٧) والليث، وجميع
(٢) في (ش): (الأجانب).
(٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" ٩/ ٨١، والطبري ٢/ ١١٧، وعزاه في "الدر" ١/ ٣١٩ إلى عبد بن حميد، وذكره الثعلبي ٢/ ١٩٨، والرازي ٥/ ٦٣.
(٤) عزا الطبري في "تفسيره" ٢/ ١١٧، ١١٨ القول بذلك أيضًا إلى ابن عباس وقتادة والربيع وإياس بن معاوية.
(٥) سقطت من (م).
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١١٧، "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٢٩٩، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٠، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس ١/ ٤٨٤، "تفسير البغوي" ١/ ١٩٢، "المحرر الوجيز" ٢/ ٩٧، "البحر المحيط" ١/ ١٧، "التفسير الكبير" ٥/ ٦٢.
(٧) هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو يحمد الأوزاعي، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا وزهدًا، توفي سنة ١٥٩ هـ. ينظر: "السير" ٧/ ١٠٧ - ١٣٨، "الأعلام" ٣/ ٣٢٠.
أهل الآثار والرأي، وهو القول المعمول به، أن الوصية جائزة للناس كلهم، ما خلا الورثة، غير واجبة (١).
والخير في هذه الآية حمل على المال الكثير (٢)، فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مريض يعوده، فقال: إني أريد أن أوصي، فقال علي: إن الله عز وجل يقول: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا وإنما تدع شيئًا يسيرًا، فَدعه لعيالك، فإنه أفضل (٣).
وروي أيضًا أن رجُلًا قال لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا وإن هذا شيء يسير، (٤) فاتركه
(٢) الخير هنا: المال، في قول جميع المفسرين، وقد اختلف المفسرون فيه: فمنهم من جعل له حدًا معينًا، فمن ترك ذلك أوصى، وإلا فلا، واختلفوا في ذلك الحد، ومنهم من قيده بوصف، وهو المال الكثير عرفا كما بينه الواحدي، ومنهم من أطلق في القليل والكثير، كما روي عن الزهري، ونصره الطبري. ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ١٢١، "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٢٩٩، "التفسير الكبير" ٥/ ٥٩، "البحر المحيط" ١/ ١٧.
(٣) رواه الثوري في "تفسيره" ص ٥٥، وعنه عبد الرزاق في "المصنف" ٩/ ٦٣، والدارمي في "سننه" ٢/ ٤٠٥، والطبري في "تفسيره" ٢/ ١٢١، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٢٩٨، وسعيد بن منصور في "سننه" ٢/ ٦٥٩، والبيهقي ٦/ ٢٧٠، وابن أبي شيبة في "المصنف" ١١/ ٢٠٨، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٠١، وقال: صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي بقوله: فيه انقطاع يعني الانقطاع بين عروة بن الزبير وعلي -رضي الله عنه-.
(٤) في (م): (شيئًا يسيرًا).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي