٧٠- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَّنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إلى : بِالْمَعْرُوفِ وقال عز وجل : اِلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى اَلنِّسَاء ١ الآية. وقال في الإماء : فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ٢ قال الشافعي : زعم بعض أهل العلم بالقرآن أن معقل بن يسار٣ كان زَوَّجَ أختا له٤ ابن عمٍّ له فطلقها، ثم أراد الزوج وأرادت نكاحه بعد مُضِي عدتها، فأبى معقل، وقال : زوجتك وآثرتك على غيرك فطلقتها، لا أزوجكها أبداً، فنزل٥ : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ يعني الأزواج اَلنِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني فانقضى أجلهن : يعني عدتهن فَلا تَعْضُلُوهُنَّ يعني أولياءهن أَنْ يَّنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إن طلقوهن ولم يَبُتُّوا طلاقهن، وما أشبه معنى ما قالوا من هذا بما قالوا، ولا أعلم الآية تحتمل غيره، لأنه إنما يؤمر بأن لا يعضل المرأة من له سبب إلى العضل بأن يتم به نكاحها من الأولياء، والزوج إذا طلقها فانقضت عدتها فليس بسبيل منها فيعضلها وإن لم تنقض عدتها، فقد يحرم عليها أن تنكح غيره، وهو لا يعضلها عن نفسه. وهذا أبيَنُ ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف.
قال الشافعي : وجاءت السنة بمثل معنى كتاب الله عز وجل. أخبرنا مسلم وسعيد وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى٦، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها الصداق بما استحل من فرجها »٧. وقال بعضهم في الحديث : فإن اشتجروا٨. وقال غيره منهم : فإن اختلفوا فالسلطان ولي من لا ولي له. أخبرنا مسلم وسعيد عن ابن جريج قال : أخبرني عكرمة بن خالد قال : جمعت الطريق ركبا فيهم امرأة ثيب فولت رجلا منهم أمرها فزوجها رجلا. فجلد عمر بن الخطاب الناكح وردَّ نكاحها٩.
أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمان بن معبد بن عمير١٠ : أن عمر رضي الله عنه ردَّ نكاح امرأة نكحت بغير ولي١١. أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج قال : قال عمرو بن دينار : نكحت امرأة من بني بكر بن كنانة يقال لها : بنت أبي ثمامة عمر بن عبد الله بن مضرس. فكتب علقمة بن علقمة العتواري إلى عمر بن عبد العزيز وهو بالمدينة : إني وليها وإنها نكحت بغير أمري، فرده عمر وقد أصابها١٢.
قال الشافعي : فأي امرأة نكحت بغير إذن وليها فلا نكاح لها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« فنكاحها باطل »١٣. وإن أصابها فلها صداق مثلها بما أصاب منها بما قضى لها به النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أن الصداق يجب في كل نكاح فاسد بالمسيس، وأن لا يرجع به الزوج على من غرَّه، لأنه إذا كان لها وقد غرَّته من نفسها ولم يكن له أن يرجع به عليها وهو لها، وهو لو كان يرجع به فكانت الغارَّةُ له من نفسها بطل عنها، ولا يرجع زوج أبدا بصداق على من غرَّه، امرأة كانت أو غير امرأة، إذا أصابها.
قال : وفي هذا دليل على أن على السلطان إذا اشتجروا أن ينظر : فإن كان الولي عاضلا أمره بالتزويج، فإن زوج فحق أداه، وإن لم يزوج فحق منعه. وعلى السلطان أن يزوج أو يوكل وليا غيره فيزوج، والولي عاص بالعضل لقول الله عز وجل : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ١٤ وإن ذكر شيئا نظر فيه السلطان. فإن رآها تدعو إلى كفاءة لم يكن له منعها، وإن دعاها الولي إلى خير منه، وإن دعت إلى غير كفاءة لم يكن له تزويجها والولي لا يرضى به وإنما العضل أن تدعو إلى مثلها أو فوقها فيمتنع الولي. ( الأم : ٥/١٢-١٣. ون الأم : ٥/١٦٦-١٦٧. والأم : ٥/١٤٣-١٤٤. ومختصر المزني : ١٦٣-١٦٤. وأحكام الشافعي : ١/١٧١-١٧٤. )
٢ - النساء: ٢٥..
٣ - معقل بن يسار المزني، حديبي. عنه: الحسن، ومعاوية بن قرة، وعدة. بقي إلى آخر دولة معاوية. الكاشف: ٣/٤٥. ون الإصابة: ٢/١٨٤. و الطبقات الكبرى: ٧/١٤. والتهذيب: ٨/٢٧٣. وقال في التقريب: صحابي..
٤ - اسمها جُميلُ بنت يسار، وقيل: فاطمة، رضي الله عنها..
٥ - رواه البخاري في التفسير (٦٨) باب: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسَاء (٤٢) (ر٤٢٥٥). وأبو داود في النكاح (٦) باب: في العضل
(٢١) (ر٢٠٨٧). والترمذي في التفسير (٤٤) باب: (٢٨) (ر٢٩٨١). ولباب النقول ص: ٥٣..
٦ - سليمان بن موسى الأموي، مولاهم الدمشقي الأشدق، أحد الأئمة. عن: واثلة، وكثير بن مرة، ومكحول. وعنه: الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. قال النسائي ليس بالقوي. وقال البخاري: عنده مناكير. ت سنة: ١١٩هـ. الكاشف: ١/٣٥٤. ون التهذيب: ٣/٥٠٩. وقال في التقريب: صدوق فقيه، في حديثه بعض لين وخولط قبل موته بقليل. وتعقبه صاحب التحرير ٢/٧٨ فقال: بل فقيه صدوق حسن الحديث. وعبارة بن حجر غير دقيقة. وقوله «خولط قبل موته» لم يقلها كبير أحد، وهذا الفقيه الكبير وثقه يحيى بن معين، ودحيم، وأبو داود، وابن سعد، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه..
٧ - رواه أبو داود في النكاح (٦) باب: في الولي (٢٠) (ر٣٠٨٣) بلفظ «فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له».
ورواه الترمذي في النكاح (٨) باب: ما جاء لا نكاح إلا بولي (١٤) (ر١١٠٢) وقال: هذا حديث حسن.
ورواه ابن ماجة في النكاح (٩) باب: لا نكاح إلا بولي (١٥) (ر١٨٧٩).
ورواه الدارمي في النكاح (١١) باب: النهي عن النكاح بغير ولي (١١) (ر٢١٠٥).
ورواه أحمد في مسند عائشة. قال شاكر: إسناده صحيح.
ورواه الشافعي في المسند (ر١٠٣٠-١٠٣١)..
٨ - يريد به: تشاجر العضل والممانعة في العقد..
٩ - رواه البيهقي في النكاح باب: لا نكاح إلا بولي ٧/١١١..
١٠ - عبد الرحمن بن معبد من الطبقة الأولى من أهل مكة ممن روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره. ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى: ٥/٤٨٢. وهو من التابعين..
١١ - رواه البيهقي في النكاح باب: لا نكاح إلا بولي ٧/١١١ وقال: وهو قول عمر وعلي وشريح ومسروق. ورواه الشافعي في المسند (ر١٠٣٣). ورواه عبد الرزاق في مصنفه كتاب النكاح باب: النكاح بغير ولي (ر١٠٤٨٥)..
١٢ - رواه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب النكاح باب: النكاح بغير ولي (ر١٠٤٨٤)..
١٣ - سبق تخريجه..
١٤ - البقرة: ٢٣٢..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي