ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

وقال بعضهم: عليها خدمة مثلها، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوّة أو ترفه، فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم، وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقمّ البيت وتطبخ وتغسل، لقوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة ٢/ ٢٢٨] وهذا الرأي أسلم، عملا بما جرى عليه عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه، ألا ترى أن أزواج النّبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك. وقسم النّبي صلّى الله عليه وسلّم- كما بينا- شؤون المعيشة بين علي وفاطمة، فجعل لفاطمة شؤون البيت، ولعلي شؤون الكسب والمعاش خارج البيت.
واجب الرجل في معاملة المطلّقة وولاية التزويج
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣١ الى ٢٣٢]
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)
الإعراب:
ضِراراً مفعول لأجله. إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ إذا: ظرف زمان، ويتعلق إما بفعل: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أو بقوله: أَنْ يَنْكِحْنَ. والواو في تَراضَوْا يراد به الأزواج

صفحة رقم 348

والنساء، لكن غلب جانب المذكر على جانب المؤنث. وقوله: بِالْمَعْرُوفِ جار ومجرور متعلق بفعل تَراضَوْا أو بفعل يَنْكِحْنَ والأولى الأول، لأنه أقرب إليه.
ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ وحد الكاف، وإن كان الخطاب لجماعة، لأنه أراد به الجمع، كأنه قال:
أيها الجمع، والجمع: لفظه مفرد، ويجوز أن يثنى ويجمع على العدد، مثل قوله تعالى: ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ.
البلاغة:
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: مجاز مرسل، أطلق فيه الكل على الأكثر، لأنه لو انقضت العدّة لما جاز له إمساكها.
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ من باب عطف الخاص على العام، لأن الكتاب والسّنة من أفراد النعمة الإلهية.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ جناس اشتقاق بين اعْلَمُوا وعَلِيمٌ.
أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ من باب المجاز المرسل، إذ المراد به المطلقين، وسمّوا أزواجا باعتبار ما كان.
المفردات اللغوية:
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ قاربن انقضاء عدتهن، والأجل يطلق على المدّة كلها وعلى آخرها، فيقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل. والمراد به هنا زمن العدّة. فَأَمْسِكُوهُنَّ بالمراجعة. بِمَعْرُوفٍ من غير ضرر، والمعروف ما استحسنته النفوس شرعا وعرفا وعادة. أَوْ سَرِّحُوهُنَّ التسريح: ترك المراجعة حتى تنقضي العدة. ضِراراً أي بقصد الإضرار بهنّ.
لِتَعْتَدُوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل العدّة. والاعتداء: الظلم. ظَلَمَ نَفْسَهُ بتعريضها لعذاب الله. آياتِ اللَّهِ هي أحكام الطلاق والرجعة والخلع ونحوها.
هُزُواً مهزوءا بها بالإعراض عنها والتهاون في الحفاظ عليها. نِعْمَتَ اللَّهِ الإسلام وسائر نعم الله والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين. وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ أي ما أنزل الله في القرآن من آيات أحكام الزوجية التي تحقق السعادة في الدارين. وَالْحِكْمَةِ السّنة الشريفة، أو سرّ تشريع الأحكام وما فيها من منافع ومصالح، وقيل: هي الإصابة في القول والعمل. يَعِظُكُمْ بِهِ بأن تشكروها بالعمل به.
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ البلوغ: الانتهاء، والأجل هنا آخر مدّة العدّة، فهو على الحقيقة

صفحة رقم 349

لاقربها، كما في الآية السابقة، لأن إمكان المراجعة لا يتأتى إلا في العدّة، قال الشافعي: دلّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين. فَلا تَعْضُلُوهُنَّ الخطاب للأولياء، أي لا تمنعوهنّ من نكاح أزواجهنّ المطلقين لهنّ. والعضل: الحبس والتضييق والمنع. إِذا تَراضَوْا أي الأزواج والنساء.
بِالْمَعْرُوفِ شرعا. ذلِكَ النهي عن العضل. يُوعَظُ بِهِ العظة: النّصح والتذكير بالخير، وكان مقتضى الظاهر: أن يقال: «ذلكم يوعظ به»، لأنه يخاطب جماعة، وإنما قال:
ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ لكثرة تردده على ألسنة العرب في كلامها. أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ أفضل وأطيب، من الزكاء: وهو النماء والبركة والخير، ومن الطّهر: وهو الطيب والنقاء. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما في ذلك من المصلحة والزكاء والطّهر. وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك، فاتبعوا أمره.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٣١) :
أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته، ثم يراجعها قبل انقضاء عدّتها، ثم يطلقها، يفعل ذلك، يضارّها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية.
وأخرج الطبري عن السّدّي قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، طلّق امرأته، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها، ثم طلّقها مضارّة، فأنزل الله: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا «١».
وقوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً
أخرج ابن أبي عمر في مسنده وابن مردويه عن أبي الدرداء، قال: كان الرجل يطلّق، ثم يقول: لعبت، ويعتق، ثم يقول: لعبت، فأنزل الله: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً فقرأها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: «ثلاث جدّهن جدّ وهزلهن جدّ: الطلاق والنكاح والرّجعة».
وقال أيضا: «من طلّق لاعبا، أو أعتق لاعبا، فقد جاز عليه».

(١) البحر المحيط: ٢/ ٢٠٧

صفحة رقم 350

نزول الآية (٢٣٢) :
روى البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم عن معقل بن يسار: أنه زوّج أخته رجلا من المسلمين، فكانت عنده، ثم طلّقها تطليقة، ولم يراجعها، حتى انقضت العدّة، فهويها وهويته، فخطبها مع الخطّاب، فقال له: يا لكع «١»، أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها؟! والله لا ترجع إليك أبدا، فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إليه، فأنزل الله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ إلى قوله:
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، فلما سمعها معقل، قال: سمعا لربّي وطاعة، ثم دعاه، وقال: أزواجك، وأكرمك، فزوجها إياه.
التفسير والبيان:
إذا طلقتم النساء، وقار بن إتمام العدّة، فعليكم أحد أمرين: إما إمساك المرأة بالمعروف (أي بالمراجعة دون إيذاء)، أو إخلاء سبيلها بالمعروف (أي الخلو من إلحاق ضرر بها). وفسّر بلوغ الأجل بقرب إتمام العدّة، لأن العدّة إذا انقضت لا تجوز مراجعتها، فهذا المعنى مضطر إليه، أما بلوغ الأجل في الآية التالية فهو الانتهاء، لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية، مجاز في الأولى.
ثم أكّد منع الضرر، فقال: ولا تراجعوهنّ بقصد إلحاق الضرر بهنّ وإيذائهنّ بالحبس وتطويل العدّة، حتى يضطرن إلى الفدية ودفع المال لكم، فهذا اعتداء عليهن، ومن يفعل هذا الفعل الممنوع وهو الإمساك على سبيل الضرار والعدوان، فقد ظلم نفسه في الدنيا بإقلاق ضميره وفتح باب الشّر والعداء مع أسرة المرأة، وفي الآخرة بتعريض نفسه لعذاب الله وغضبه، بسبب تسلطه على الضعفاء، واستغلاله حاجة المرأة إلى الخلاص منه.

(١) أي يا لئيم.

صفحة رقم 351

ولا تتهاونوا في امتثال أوامر الله تعالى، والتزام حدوده التي شرعها لكم، فإن تهاونتم وقصرتم كنتم كمن يستهزئ بالله وأمره. وفي هذا وعيد شديد لمن يتجاوز الحدود الشرعية، وفيه حثّ للمؤمن على احترام صلة الزوجية، والبعد عن أفعال الجاهلية.
واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وسائر نعمه، ومنها جعل الرحمة والمودة بين الزوجين، كما قال الله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم ٣٠/ ٢١].
واذكروا ما أنزل الله عليكم في القرآن والسّنة النّبوية من أحكام وحكم تشريعيّة، لتوفير استقرار الحياة الزوجية، وتحقيق السعادة والهناءة وغير ذلك، مما فيه مصلحة ومنفعة، إذ أن الأحكام تضع أصول النظام، وأسرار الحكمة التشريعية تساعد على الامتثال والاتّعاظ والاقتناع.
ثم وثّق الحقّ سبحانه وتعالى الأحكام التشريعية في الزواج بما يبعث على احترامها، وهو التقوى أي خوف الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، وترك احتقار المرأة وعدم المبالاة برابطة الزوجية المقدسة، خلافا لما كان عليه العرب في الجاهلية من الاستهانة بالمرأة، واتّخاذها مجرد متاع، وتطليقها لأتفه الأسباب، ومضارّتها بالمراجعة، وجعلها كالمعلّقة، وهذا ما يفعله الجهّال والطّائشون اليوم.
واعلموا أن الله يعلم بكلّ شيء وبما عملتم من تعدي حدوده وتضييع أوامره، فيجازيكم على ما عملتم، فهو تعالى لا يرضى إلا باتّباع أحكامه، مع الإخلاص له في السّر والعلن.
وإذا طلقتم النساء معشر المؤمنين، وانقضت عدّتهن تماما، فلا يجوز لكم أيها الأولياء أن تمنعوهنّ من العودة إلى الزواج بالزوج السابق بعد الطلقتين الأولى والثانية، ولا يجوز لكم أيها الأزواج أيضا أن تمنعوهنّ بما لكم من النفوذ من الزواج

صفحة رقم 352

بزوج آخر بعد الطّلقة الثالثة وانقضاء العدّة، إذا حصل التّراضي بين المرأة والخاطب لها، وكان الخاطب كفؤا، وبمهر المثل، ولم يكن هناك محظور شرعي. وعلى الأمة أيضا ممثلة بوجهائها وعلمائها وحكامها وعقلائها أن تكون متكافلة متضامنة في تحقيق المصلحة العامة، فلا تمنع المعروف، ولا تقرّ المنكر، فتهلك وتتضرّر.
ذلك الذي تقدّم من نهي الأولياء عن عضل النساء وأحكام التشريع، يوعظ به أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، فهم الذين يتقبلونه، وتخشع له قلوبهم، امتثالا لأمر ربّهم، فشأن المؤمن الطاعة والعظة، وذلك النهي عن ترك العضل أزكى لكم، وأطهر من أدناس الآثام، أي أن فيه بركة وصلاحا لمتّبعيه، وفيه الطّهر بحفظ العرض والشّرف وعدم التّسبّب في الفسوق والفساد وانحراف المطلقات، والنّجاة من التّورّط في الآثام والمحرّمات والذّنوب والسّيّئات.
والله يعلم ما في ذلك من النّفع والصّلاح لكم، والزّكاة والطّهر وصون السمعة، فامتثلوا أوامره، وأنتم لا تعلمون الحقائق وأبعاد المستقبل، ومخاطر ترك المرأة الأيم أو الثّيب من غير زواج، إرضاء للأهواء وحظوظ النّفس المريضة غير المتعقّلة، وإنما التي تتّبع الأوهام أو تناسق مع الأنفة والكبرياء.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على أحكام كثيرة هي ما يأتي:
١- الإمساك بالمعروف: وهو القيام بما يجب للمرأة من حقّ على زوجها، كالنّفقة، فإذا لم يجد ما ينفق على الزوجة، خرج عن حدّ المعروف، ويطلّقها، فإن لم يفعل طلّق عليه الحاكم من أجل الضّرر اللاحق بها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر عليه، وهو رأي الجمهور (مالك والشافعي

صفحة رقم 353

وأحمد)
لقوله صلّى الله عليه وسلّم في صحيح البخاري: «تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلّقني».
وقال الحنفية: لا يفرّق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلّق النفقة بذمته بحكم الحاكم، لقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة ٢/ ٢٨٠].
٢- التّسريح بإحسان: أي الطّلاق بدون إضرار لقوله تعالى:
وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا [البقرة ٢/ ٢٣١]، والتّسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما: تركها حتى تتمّ العدّة من الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها. وهذا قول السّدّي والضّحاك. والمعنى الآخر: أن يطلّقها ثالثة فيسرحها، وهذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، وهو أصحّ لوجوه ثلاثة ذكرها القرطبي «١» :
أحدها- ما
رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فلم صار ثلاثا؟ قال: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»
وفي رواية هي الثالثة.
الثاني- أن التّسريح من ألفاظ الطّلاق.
الثالث- أن فعّل تفعيلا يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل. قال ابن عبد البرّ: وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ هي الطّلقة الثالثة بعد الطّلقتين، وإياها عنى بقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة ٢/ ٢٣٠].

(١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٢٧

صفحة رقم 354

٣- يحرم الاستهزاء بالأحكام الشرعية: لأنه تعالى قال: لا تأخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو، فإنها جدّ كلها، فمن هزل فيها لزمته. ومن الهزء:
الاستغفار من الذّنب قولا مع الإصرار فعلا.
٤- من طلّق هازلا يلزمه الطّلاق بالإجماع، لما
روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ: النكاح، والطّلاق، والرّجعة».
وقال علي وابن مسعود وأبو الدرداء:
«ثلاث لا لعب فيهنّ، واللاعب فيهنّ جادّ: النّكاح، والطّلاق، والعتاق».
٥- شكر النعمة: أمر الله تعالى بتذكر نعمه علينا من الإسلام وبيان الأحكام، وتشريع الأنظمة، وتبيان القرآن بالحكمة أي الأسرار التشريعية والسّنة النّبوية. كل ذلك للتخويف وإعداد النفس للتقوى، لأن الله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
نهي أولياء المرأة عن أن يعضلوها: أي يمنعوها حقّ الزواج إذا خطبها الكفء، وتراضت المرأة والخاطب لها.
٧- لا يجوز النّكاح بغير ولي: دلّت الآية على أنه لا يجوز النّكاح بغير ولي، بدليل سبب النزول في أخت معقل، فقد كانت ثيّبا، ولو كان الأمر إليها دون وليّها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليّها: معقل، فالخطاب إذن في قوله تعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ للأولياء، وأن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهنّ، ولأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بدون رضا وليّها، ولم يكن للولي شأن لما كان معنى لنهي الأولياء عن أن يعضلوا النساء. وهذا رأي الجمهور (مالك والشافعي وأحمد).
وقال الحنفية: للمرأة أن تزوّج نفسها، لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها، كما قال: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ولم يذكر الولي، ولأن الخطاب في آية

صفحة رقم 355

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية