وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أي يموتون، والتوفي : أخذ الشيء وافيا بتمامه يعني يتوفون آجالهم حال كونهم منكم ويذرون أزواجا يتربصن أي ينتظرن الضمير عائد على الأزواج يعني تتربص أزواجهم أو المضاف محذوف في المبتدأ يعني أزواج الذين يتوفون يتربصن بعدهم بأنفسهم أربعة أشهر وعشرا أنت العشر باعتبار الليالي لأنها غرر الشهور والأيام، والعرب إذا أبهمت العدد بين الليالي والأيام غلبت عليها الليالي ولا يستعم التذكير في مثله قط حتى أنهم يقولون صمت عشرا وقال الله تعالى : إن لبثتم إلا عشرا ثم قال : إن لبثم إلا يوما والآية تشمل الحوامل وغيرهن ثم نسخ حكمها في الحوامل بقوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن قال ابن مسعود : من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى يعني سورة الطلاق نزلت بعد سورة النساء الطولى يعني سورة البقرة وعليه انعقد الإجماع، عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية نفست بضم الفاء أو ولدت بعد زوجها بليال فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت، رواه البخاري وكذا في الصحيحن من حديث سبيعة، ومن حديث أم سلمة ورواه النسائي أنها ولدت بعد وفاة زوجها لنصف شهر وفي رواية البخاري بأربعين ليلة وفي رواية قريبا من عشر ليال، ورواه أحمد من حديث ابن مسعود فقال بعده بخمس عشرة، وروي عن علي وابن عباس أنها تعتد إلى أبعد الأجلين أخرجه أبو داود في ناسخه عن ابن عباس، وروي عن عمر أنه قال لو وضعت وزوجه على السرير حلت، رواه مالك والشافعي وابن أبي شيبة. مسألة : وعدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمسة أيام إجماعا.
فصل : يجب الإحداد في عدة الوفاة بالإجماع إلا ما حكي عن الحسن والشعبي أنه لا يجب، وفي عدة الطلاق الرجعي لا إحداد بالإجماع، واختلفوا في المعتدة للبائن فقال أبو حنيفة يجب وقال مالك لا يجب وعن الشافعي وأحمد كالمذهبين، ولا إحداد عندنا على الصغيرة فإنها غير مكلفة، ولا على الذمية فإنها غير مخاطبة بالشرائع، وعند مالك والشافعي وأحمد يجب عليهما والإحداد ترك الطيب والزينة من الكحل والحناء ولبس م صبغ لأجل الزينة كالمعصر والمزعفر ونحوهما والحرير والديباج والخضاب وتدهين الرأس والجسد بالدهن المطيب وغير المطيب، وقال الشافعي : لا بأس بتدهين غير الرأس من البدن بدهن لا طيب فيه فإن اضطرت إلى كحل فقد رخص فيه كثير من العلماء، وقال الشافعي : يكتحل ليلا ويمسحه بالنهار وكذا لا بأس في الخضاب ونحوه إن كان بعذر، ولا يجوز للمطلقة الرجعية والبائنة الخروج من بيتها ليلا ولا نهارا لقوله تعالى : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن والمتوفى عنها زوجها تخرج نهارا أو بعض الليل ولا تبيت في غير منزلها، وقال الشافعي يجوز للمتوفى عنها زوجها الخروج مطلقا، وللبائنة الخروج نهارا، قال عطاء آية الميراث نسخت السكنى فتعتد حيث شاءت ووجوب الإحداد ثبت بحديثة أم حبيبة وزينب بنت جحش عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا يجل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " متفق عليه، عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تحد امرأة عل ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا وتلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا ظهرت نبذة من قسط أو أظفار " متفق عليه، وزاد أبو داود " ولا تختضب " وعن أم سلمة قالت : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لا، ثم قال :" إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول " متفق عليه، وعن أم سلمة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال :" ما هذا يا أم سلمة ؟ قلت : إنما هو صبر ليس في طيب فقال :" إنه يشيب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب، قلت : بأي شيء أمتشط يا رسول الله ؟ قال " " بالسدر تغفلين به رأسك " رواه أبو داود والنسائي، وعنها عن النبي صلى الله عليه وسلم :" المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل " رواه أبو داود والنسائي، وعن زينب بنت كعب أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه قالت : فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة فقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نعم " فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني فقال :" امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا " رواه مالك وابن حبان في صحيحه والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي، ورواه الحاكم من وجهين وقال صحيح الإسناد من الوجهين جميعا ولم يخرجاه، وقال الترمذي حديث صحيح، وقال ابن عبد البر إنه حديث مشهور، واحتجوا بما رواه الدراقطني أنه عليه السلام أمر المتوفي عنها زوجها أن تعتد حيث شاءت فقال فيه لم يسنده غير أبي مالك الأشجعي وهو ضعيف، وقال ابن القطان ومحبوب بن محرر أيضا ضعيف وعطاء بن السائب مختلط وأبو بكر بن مالك أضعفهم ولذلك أعله الدارقطني، قال أبو حنيفة فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت لأن هذا الانتقال بعذر والعبادات تؤثر فيها الأعذار فصار كما إذا خافت سقوط المنزل أو كانت فيها بأجر ولا تجد ما يؤديه ولا يخرج عما انتقلت إليه.
فإذا بلغن أجلهن أي انقضت عدتهن فلا جناح عليكم أيها الأئمة المسلمون فيما فعلن في أنفسهن من الزينة و التزويج والخروج بالمعروف بالوجه الذي لا نكره الشرع ومفهومه أنهن لو فعلن ما ينكر الشرع فعليهم أن يمنعوهن فإن النهي عن المنكر واجب فإن قصروا فيه فعليهم الجناح والله بما تعملون خبير فيجازيكم على حسب أعمالكم.
التفسير المظهري
المظهري