ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

ثم عطف على جميع (١) هذه الحدود والأحكام الوصية بالتقوى فيها فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
٢٣٤ - قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا الآية، يُتَوَفَّوْنَ معناه: يموتون ويُقْبَضُون.
وأصلُ التَّوَفِّي: أخذُ الشيء وافيًا، يقال: تَوَفَّى الشيءَ واسْتَوفَاه، وتُوُفِّي فلانٌ وتَوَفَّى إذا مات، فمن قال تُوفي كان (٢) معناه قُبض وأُخِذَ، ومن قال: تَوَفَّى، معناه: تَوَفَّى أَجَلَه، واسْتَوْفَى أُكُلَه وعُمُرَه (٣).
وعلى هذا قراءة علي رضى الله عنه (يَتَوفون) بفتح الياء (٤).
وَيَذَرُونَ معناه: يتركون، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر، استغناء عنهما بترك تركًا، ومثله أيضًا: يدع في رفض مصدره وماضيه (٥).
قال ابن المظفر: العربُ قد أماتت المصدر من يذر والفعل الماضي، واستعملته في الغابر (٦) والأمر، فإذا أرادوا المصدر قالوا: ذَرْه تَرْكًا (٧).

= بنحوه، وينظر "البحر المحيط" ٢/ ٢١٨.
(١) في (ش) (جمع).
(٢) ساقطة من (ي).
(٣) ينظر في توفي: "تهذيب اللغة" ١٥/ ٥٨٤ - ٥٨٧، "المفردات" ٥٤٣، "لسان العرب" ١٥/ ٤٠٠ - ٤٠١ (مادة: وفي).
(٤) عزاها إليه ابن جني في "المحتسب" ١/ ١٢٥، وأبو حيان في "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٣.
(٥) تنظر مادة وذر، في: "اللسان" ٨/ ٤٨٠٥، "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٠.
(٦) هكذا في الأصل، وفي "اللسان" ٨/ ٤٨٠٥، ووردت (الحاضر) في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٦٦.
(٧) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٦٦.

صفحة رقم 258

وقال ابن السِّكِّيت: يقال: ذر ذا ودع، ولا يقالُ: وَذَرْتُه ولا ودعته، وأمَّا في الغابر (١) فيقال: يذره ويدعه، ولا يقال: واذِرٌ ولا وادِعٌ، ولكن يقال: تركته فأنا تاركٌ (٢).
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ ابتداء، ولابد للابتداء من خبر يكون هو أو يكون له فيه ذكر. واختلف النحويون في خبر (الذين) هاهنا:
فقال الأخفش: المعنى: يتربصن بعدهم (٣). وقال المبرد: التقدير والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا أزواجهم يتربصن (٤).
وقال الكسائي: المعنى: يتربصْنَ أزواجهم، فكنى الله عن الأزواج، فجاءت النون دالة على تأنيث المضمر (٥).
وقال الفراء (٦): ترك الخبر عن (الذين) وأخبر عن الأزواج؛ لأن المعنى على ذلك، قال: والعرب تذكر اسمين ثم تترك الأول بلا خبر، وتخبر عن الثاني، وأغنى الإخبار عن الثاني الإخبار عن الأول، كذلك

(١) هكذا في الأصل، وفي "اللسان" ٨/ ٤٨٠٥، وصوابه: الحاضر، كما في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٦٦، وهو المصدر الذي ينقل عنه الواحدي وابن منظور.
(٢) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨٦٦. وينظر في المادة "المفردات" ص ٥٣٣، "اللسان" ٨/ ٤٨٠٥، "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٠.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ١٧٦، ونصه: فخبر (والذين يتوفون) يتربصن بعد موتهم، ولم يذكر بعد موتهم، كما يحذف بعض الكلام، تقول: ينبغي لهن أن يتربصن، فلما حذف ينبغي وقع يتربصن موقعها.
(٤) نقله عنه في "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٢.
(٥) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣١٤ - ٣١٥، "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣١٧، "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٢.
(٦) ساقط من (ي).

صفحة رقم 259

ههنا أخبر عن الأزواج وترك الذين. والمعنى عنده: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، وأنشد:

لَعلِّي إن مَالَتْ بي الرِّيحُ مَيْلةً على ابن أبي ذِبَّانَ أن يَتَنَدَّما (١)
قال: المعنى: لعل ابن أبي ذِبان أن يتندم أن مالت بي الريح ميلة عليه (٢)، فأخبر عن الابن واكتفى بخبره من خبر الياء في لعلي (٣).
قال أبو إسحاق: وهذا القول غير جائز، لا يجوز أن يبتدأ بالاسم ولا يحدث عنه؛ لأن الكلام إنما وضع للفائدة، فما لا يفيد فليس بصحيح، والذي هو الحق في هذه المسألة: أن ذكر الذين قد جرى ابتداء، وذكر الأزواج قد جرى متصلا بصلة الذين، فصار الضمير الذي في (يتربصن) يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، كأنك قلت: يتربصن أزواجهم. قال: ومثل هذا من الكلام: الذي يموت ولخلف ابنتين ترثان الثلثين، المعنى: ترث ابنتاه الثلثين (٤).
(١) البيت لثابت بن كعب العتكي المعروف بثابت قطنة من أبيات قالها يرثي بها يزيد بن المُهَلِّب ينظر "تاريخ الطبري" ٢/ ٥١١، و"المخصص" ١٣/ ١٧٥. "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٢ والبيت دون نسبة في "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٥٠، "تفسير الطبري" ٢/ ٥١١، "معاني القرآن" و"إعرابه" للزجاج ١/ ٣١٥ والصاحبي في فقه اللغة ص ٢١٧ "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٥٥، وأبو ذُبّان: كنية عبد الملك بن مروان؛ لأنه كان أبخراً لفسادٍ كان في فمه، وأراد بابنه: هشام بن عبد الملك. ينظر "لسان العرب" ٣/ ١٤٨٤ [ذبب].
(٢) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٥٠ - ١٥١، وذكر أبو حيان في "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٢ ردا عليه.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٥٠ - ١٥١ "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٥١.
(٤) "معاني القرآن" لأبي إسحاق الزجاج ١/ ٣١٥ - ٣١٦.

صفحة رقم 260

وهذا الذي ذكره أبو إسحاق هو قول أبي العباس بعينه، إلا أنه مَثَّل مثالًا لا يليق بما قدَّمه من الكلام والتقدير؛ لأنه مثل بالفعل والفاعل، وكان ينبغي أن يمثل بالمبتدأ والخبر، ألا ترى أنه قال: فصار الضمير الذي في يتربصن يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ما يرجع إليه الضمير الذي في (يتربصن) يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء (١)، وجب أن يمثل بالابتداء، ليكون المثال مطابقًا للوصف، فيقول بدل قوله: يتربصن أزواجهم، أزواجهم يتربصن، وكذلك: الذي يموت ويخلف ابنتين يرثان الثلثين (٢).
ثم قال: المعنى: يرث (٣) ابنتاه الثلثين، والمعنى: كذا من حيث (٤) كان معنى الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر هاهنا واحدًا، إلا أن الأشبه بغرضه، والأولى أن يقول: ابنتاه يرثان الثلثين (٥)، وهذا نقد عليه في اللفظ لا في المعنى.
قال أبو علي الفارسي في تأويل هذه الآية: وتقدير المحذوف منها خلاف، فالواضح منها: أن الذين يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء فلا يخلو خبره من حكم خبر الابتداء، وهو أن يكون هو هو، أو يكون له فيه ذكر. ولا يجوز (٦) أن يكون على هذا الظاهر الذي هو عليه، لخلوه من ضربي

(١) قوله: "وإذا ارتفع بالابتداء". ساقطة من (ي).
(٢) في (ش): (الثلث).
(٣) في (ش): (ترث).
(٤) في "الإغفال": والمعنى -لعمري- يقرض كذا.
(٥) من الإغفال ص ٥١٨ - ٥١٩ بتصرف.
(٦) في "الإغفال" ص ٥٢٠: ولا يجوز عندنا.

صفحة رقم 261

خبر الابتداء، فالذي يحتمله القول في ذلك: أن يكون المعنى: يتربصن بعدهم، على ما قاله أبو الحسن الأخفش (١)، والمعنى على هذا (٢)، لأن المراد: أن أزواج المتوفين يتربصن عن التزوج بعدهم أربعة أشهر وعشرًا، وإذا كان المعنى عليه، جاز حذف هذا الذي يتعلق به هذا الراجع إلى المبتدأ من جملة الخبر (٣)، يدل على جواز ذلك وحسنه: إجازة الناس: السمنُ مَنَوَانٍ بدرهم، والمعنى على: منوان منه بدرهم، لا يستقيم الكلام إلا بتقدير ذلك، لأن المنوين ليس بالسمن، إنما هو عبارة عن المقدار.
وإذا كان كذلك فلابد (٤) من راجع يرجع إليه، وجاز الحذف هاهنا في الجار والمجرور للعلم به والدلالة عليه واقتضاء الكلام (٥) (٦).

(١) "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٣٧٢، وينظر"إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٧١ "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٥٦.
(٢) اختصر الواحدي الكلام، وتمامه في "الإغفال" ص ٥٢٠: وهذا قول أبي الحسن، أو أن يكون: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ. أخبرنا بهذا القول أبو بكر عن أبي العباس، وهذا هو الذي ذهب إليه أبو إسحاق أيضا، أو يكون ما ذهب إليه الكسائي من أن المعنى: يتربصن أزواجهم، ثم كنى عن الأزواج.
(٣) اختصر الكلام، وتمامه في "الإغفال" ص ٥٢١: إذ الخبر إذا عرف جاز حذفه بأسره، فإذا جاز حذف جميعه جاز حذف بعضه.
(٤) في (ش) (ولابد).
(٥) ساقطة من (م) و (أ).
(٦) في "الإغفال" ص ٥٢١ ورد الكلام هكذا: فإذا كان ذلك كذلك، فلابد من راجعين يرجع كل واحد منهما إلى كل واحد من المبتدأين، فالذي يرجع إلى الأول هو هذا الضمير المتصل بالجار المحذوف مع الجار، والذي يرجع إلى الثاني ما في الظرف، وجاز الحذف هنا في الجار والمجرور للعلم به، والدلالة عليه، واقتضاء الكلام له.

صفحة رقم 262

وهذه المعاني كلها قائمة في الآية، وإذا كان كذلك جاز تأويل أبي الحسن هذه المسألة التي لا خلاف في جوازها، وهذا القول أمثل من قول أبي العباس: أن التقدير: أزواجهم يتربصن، فحذف الأزواج، وحَذْفُ المبتدأ في كلامهم كثير، نحو: قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ [الحج: ٧٢] يعني: هو النار، وقوله: فَصَبُرُ جمَيلٌ [يوسف: ١٨]، لأن أبا العباس يقدر حذف مبتدأ مضاف، فيوالي بين الحذفين حذف المبتدأ، وحذف المضاف إليه مع اقتضاء الكلام لكل واحد منهما، أما اقتضاؤه للمبتدأ فلأن له خبرًا أسند إليه (١) وهو قوله: يَتَرَبَّصْنَ، وأما اقتضاؤه للضمير فلأنه يرجع إلى قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وليس إذا جاز حذف شيء جاز حذف شيئين، وليس حد حذف المبتدأ المضاف كحد حذف المبتدأ المفرد غير المضاف؛ لأن المضاف شيئان: المبتدأ والضمير.
ولأبي العباس أن يقول: حذف المبتدأ المضاف يسوغ من حيث ساغ حذف المفرد، لأن المفرد إنما ساغ حذفه للدلالة عليه، والدلالة (٢) إذا قامت على حذف المضاف قيامها على حذف المفرد، وجب أن يكون جوازه كجوازه؛ لمشاركته المفرد فيما له جاز الحذف، وقيام الدلالة على حذف المضاف: أن الأزواج قد تقدم ذكرهن في الصلة، فإذا تقدم ذكرهن ساغ إضمارهن وحسن، ألا ترى أنه لو قيل له: أين زيد؟ ساغ أن يقول (٣): في السوق، ويضمر الاسم لجَرْي ذكره، وأما حذف المضاف إليه وهو

(١) من قوله: (الكلام لكل واحد...) ساقط من (ش).
(٢) في (ش) و (ي) (فالدلالة).
(٣) في (م) (يقول).

صفحة رقم 263

الضمير في (أزواجهم) ولتقدم (١) ذكر ما يعود هذا الضمير إليه، وجري ذكره وجري ذكر الاسم مما (٢) يسهل حذف الضمير العائد إليه، لدلالة المذكور عليه، فلا فصل إذن بين حذف المفرد والمضاف في باب الحسن والجواز، ألا ترى أنه قد جاء المضاف من المبتدأ محذوفًا كما جاء المفرد، وذلك كقوله: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] والمعنى: تقلبهم متاع قليل، فقد رأيت المضاف حذف كما حذف المفرد (٣)، فهذان القولان أجود هذه الأقوال.
وأما قول الكسائي فليس بالمتجه؛ لأن المبتدأ على قوله ليس يعود إليه ذكر، لا مثبت ولا محذوف، وليس تقديره كواحد من هذين التقديرين في المساغ، ألا ترى أن المثبت في الكلام لا يرجع منه إلى المبتدأ شيء، وقد استقل الفعل بفاعله في يَتَرَبَّصْنَ وليس بهذه الجملة افتقار إلى ذلك الضمير الذي تقدره، لأن (يتربصن) مستقلة بالأزواج الظاهرة فلم يضمر عائدًا على المبتدأ، كما أضمر أبو الحسن وأبو العباس (٤).
وأما قول الفراء: إنه (٥) اعتمد على الثاني ورفض الأول، فبعيد من الصواب جدًا، ومن فساده أنه ينكسر عليه قوله، وذلك أنه يقول؛ إن الأول مرتفع بالثاني، فإذا اعتمد على الثاني ورفض الأول لم يكن له برافع، وإذا لم يكن له برافع (٦) وجب أن لا يرتفع، فارتفاعه وظهور الرفع فيه يدفع ذلك

(١) في (م) (ليقدم)، وفي (ي) و (أ) غير منقوط.
(٢) في (أ) و (م) (فما).
(٣) من كلام أبي علي في الإغفال ص ٥٢٦، بتصرف واختصار.
(٤) من كلام أبي علي في الإغفال ص ٥٢٦ - ٢٢٧، بتصرف كثير واختصار.
(٥) في (ي) (فإنه).
(٦) قوله: وإذا لم يكن له برافع ساقطة من (ي).

صفحة رقم 264

ويمنع منه.
والمبتدأ (١) إنما يذكر ويلقى إلى المخاطب ليسند إليه حديث (٢) يُفَاده (٣) المخاطب، وإذا كان كذلك، علمت أن رفضه خلاف الغرض الذي يقصد به، وهذا في المعنى فاسد مرذول، وليس في كلامهم (له) نظير (٤)، وما احتج به من البيت يجوز على حذف: أن يتندم لأجلي، لا على أنه ترك الأول (٥).
وقوله تعالى: وَعَشْراً بلفظ التأنيث، وأراد الأيام، وإنما كان كذلك تغليب الليالي على الأيام إذا (٦) اجتمعن في التاريخ وغيره، وذلك أن ابتداء الشهر يكون بالليل، فلما كانت الليالي الأوائل غلبت، لأن الأوائل أقوى من الثواني (٧).
قال ابنُ السِّكِّيت: يقولون (٨): صمنا خمسًا من الشهر، فيغلبون

(١) في (ي): (فالمبتدأ).
(٢) في (ش): (حديثًا).
(٣) في الإغفال: (بإفادة).
(٤) من كلام أبي علي في "الإغفال" ص ٥٢٨.
(٥) ينظر: في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣١٧ - ٣١٨، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٥٤، "التبيان" ص ١٤٠، "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٢. وذكر قول سيبويه، وحاصله: أن (الذين) مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: وفيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم، ومثله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ [المائدة: ٣٨].
(٦) في (ي): (فإذا).
(٧) ينظر: "الكتاب" لسيبويه، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٥٩، "شرح الكافية الشافية" ٣/ ١٦٩٠ - ١٦٩٢، "الأصول" لابن السراج ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩، "همع الهوامع" ٢/ ١٤٨.
(٨) في (ي): (يقول).

صفحة رقم 265

الليالي على الأيام، إذا لم يذكروا الأيام وإنما يقع الصيام على الأيام؛ لأن ليلة كل يوم قبله، فإذا أظهروا الأيام قالوا: صُمنا خمسة أيام (١).
قال الزجاج: وإجماع أهل اللغة: سرنا خمسًا بين يوم وليلة (٢)، وأنشدوا للجعدي:

فَطَافَتْ ثَلاثًا بَيْن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ وكان النَّكِيُر أن تُضيفَ وتَجْأَرا (٣)
وفيه وجه آخر لأصحاب المعاني: وهو أنه أنث العشر لأنه أراد الليالي، والعرب تذكر الليالي والمراد بها الأيام، كقولهم: خرجنا ليالي الفتنة، وخفنا ليالي إمارة الحجاج، وقال أبو عمرو بن العلاء: هربنا ليالي إمارة الحجاج.
وإنما يُراد الأيام بلياليها، وهذا قريب من الأول (٤).
وكان المبرد يقول: إنما أنث العشر لأن المراد به المدة، معناه: وعشر مدد، وتلك المدد كل مدة منها يوم وليلة، والليلة مع اليوم مدة معلومة من الدهر (٥).
وذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية فقال: إذا انقضى لها أربعة أشهر
(١) "لسان العرب" ٢/ ١٢٦٢ (مادة: خمس).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣١٦.
(٣) البيت في ديوانه ص ٤١، و"الكتاب: لسيبويه" ٣/ ٥٦٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٦٠و"الكتاب: لسيبويه" ٣/ ٥٦٣، "لسان العرب" ٢/ ١٢٦٢ (مادة: خمس) والشاعر يصف بقرة فقدت ولدها.
(٤) ينظر: "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٥.
(٥) نقله في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١١٦٠، "المحرر الوجيز" ٢/ ٣٠٠، "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٣.

صفحة رقم 266

وعشُر ليال حلت للأزواج، فتأول العشر لليالي، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم (١).
ومعنى الآية: بيان عدة المتوفى عنها زوجها، وأنها تعتد من حين وفاة الزوج أربعة أشهر وعشرًا (٢)، إلا أن تكون حاملًا، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، أو تكون أمة فإنها تعتد نصف عدة الحرة (٣)، وسنذكر في سورة الحج (٤) عند قوله:
فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ [الحج: ٥] الآية: لم اختصت عدة المتوفى عنها زوجها (٥) بهذا العدد، إن شاء الله.
وهذه الآية ناسخة (٦) لقوله: مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:

(١) نقله ابن عطية في: "المحرر الوجيز" ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، والقرطبي ٣/ ١٨٦، وأبو حيان في "البحر المحيط" ٢/ ٢٢٣.
(٢) من: (ليال حلت). ساقط من (ش).
(٣) قال ابن العربي في "أحكام القرآن" ١/ ٢١٠: فإن كانت أمة فتعتد نصف عدة الحرة إجماعاً، إلا ما يحكى عن الأصم، وهذا الإجماع فيه نظر، فهذا ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٥/ ١٦٢ - ١٦٤ ينقل أن عدتها أربعة أشهر وعشرٌ عن علي وعمرو بن العاص وأبي عياض، وسعيد بن المسيب، والحسن وسعيد بن جبير والزهري وعمر بن عبد العزيز. وقد تعقب القرطبي في "تفسيره" ٣/ ١٨٣ قول ابن العربي فقال: قول الأصم صحيح من حيث النظر، فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء على هذا النظر، فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة، وكما استوت الأمة والحرة في النكاح فكذلك تستوي معها في العدة والله أعلم.
(٤) في (ي) (سورة الحجر).
(٥) في (ي) (الزوج).
(٦) سيأتي الحديث عن النسخ عند الآية الأخرى ٢٤٠ من سورة البقرة.

صفحة رقم 267

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية