التسليم عليه. وذلك دليل لقول من يفرق بين قوله: أعطيتتني كذا، فلم أقبضه. وسلمتني فلا أقبضه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ).
أي: فيما أمركم من الإنفاق، والكسوة، ونهاكم من إضرار أحدهما صاحبه.
وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
وهو وعيد على ما سبق من الأمر والنهي.
* * *
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)
وقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
قيل: هي ناسخة لقوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ). إنها وإن كانت مقدمة في الذكر، وتلك مؤخرة، (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، ناسخة لتلك. إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل؛ ألا ترى إلى ما جاء في الخبر: أن امرأة أتت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فذكرت: أن بنتًا لها تُوفي عنها زوجها، واشتكت عينها، وهي تريد أن تكحلها. فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " قد كانت إحداكن في الجاهلية تجلس حولًا في منزلها ثم تخرج عند رأس الحول، فترمى بالبعر، وإنما هو أربعة أشهر وعشرا ". فثبت
أن ما كان ذلك مما تقدم الأمر به، نسخ بالثاني.
وقال آخرون: إنه قد أثبت في الآية متاعًا أو وصية، ثم ورد النسخ على كل وصية كانت للوارث بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ". وإلا كان الاعتداد الواجب اللازم هو أربعة أشهر وعشرًا.
وأمكن أن يستدل بقوله: (فَإِنْ خَرَجْنَ)، إذ كان على إثر قوله: (غَيرَ إخرَاجٍ) أن قوله، (فَإِنْ خَرَجْنَ)، كان النهي على (الإخراج)، دون (الخروج). وهذا أصل في الوصايا بالمتاع: ألا يمنع الرد وإن أجبر على التسليم.
وفي الآية دلالة جواز الوصية بالسكنى إذا بطلت بحق الميراث، لا بحق الوصية - واللَّه الموفق - وهو جائِز فيمن لم تنسخ له الوصية.
وأمكن الاستدلال بالآية على عدة الوفاة بالحبل إن ثبت ما روي: " أنه يكون أربعين يومًا نطفة، وأربعين يومًا علقة، وأربعين يومًا مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشرة ".
فإذا كان ما ذكرنا أمرت بتربص أربعة أشهر وعشر ليتبين الحبل إن كان بها. وإذا كان بهذا معنى العدة فإذا ولدت بدونه انقضت العدة. واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: الأمة أليست لا تختلف عن الحرة في تبيين الحبل، ثم لم يجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا، فإذا لم يجعل ذلك كيف لا بَانَ أن الأمر بتربص أربعة أشهر وعشرا إلا لهذا المعنى؟
قيل: لوجهين:
أحدهما: أن الحرائر هن الأصول في النكاح، وفيهن تجري الأنكحة، فيخرج الخطاب لهن.
والثاني: أنها حق أخذت الحرة، والحقوق التي تأخذ الحرائر هن الأصول في النكاح، إذا صرف ذلك إلى الإماء تأخذ نصف ما تأخذ الحرائر.
والثالث: أنه لا يقصد آجالهن؛ لما فيه رق الولد واكتساب الذل والدناءة.
ورُويَ عن عليٍّ بن أبي طالب، رضيَ اللَّهُ تعالى عنها، أنه قال: تعتد أبعد الأجلين احتياطًا. ذهب في ذلك إلى أن الاعتداد بوضع الحبل إذا ذكر في الطلاق، ولم يذكر في الوفاة؛ فيحتمل أن يكون ذلك في الوفاة كهو في الطلاق ويحتمل ألا يكون، فأمرها بذلك احتياطًا.
وأما عندنا: ما رُويَ عن عمر، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عَبَّاسٍ،
رضيَ اللَّهُ تعالى عنهم، أنهم قالوا: إذا وضعت ما في بطنها، وزوجها على السرير، انقضت عدتها. وكذلك رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أن امرأة مات عنها زوجها، وكانت حاملًا، فوضعت بعد ذلك بأيام، فأذن لها بالنكاح ".
ثم الأمر بالإحداد أربعة أشهر وعشرا، ما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: " لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا المرأة على زوجها، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ".
فَإِنْ قِيلَ: أليس وجب ذلك على المطلقة، والخبر إنما جاء في الموت، قيل: ليس للموت ما وجب ولكن لمعنى في الموت، وهو فوت النعمة في الدِّين، وذلك الفوت في الطلاق كهو في الموت؟!
ألا ترى أنه لم يجب ذلك في موت أبيها ولا في موت ولدها، دل أنه لم يجب للموت نفسه، ولكن لفوت النعمة في الدِّين؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أن المرأة الصالحة مفتاح الجنة، فأمرت بإظهار الحزن على ما فات منها من النعمة بترك الزينة والتشوف؛ إذ النكاح نعمة. ثم الدخول بها سواء في وجوب المهر والعدة وترك الزينة وإظهار الحزن على فوت النعمة، وأما المطلقة قبل الدخول بها لم يلزمها ذلك؛ لأن العدة لم تلزمها فتتجدد لها النعمة، لما لها أن تنكح للحال، فتكتسب نعمة. واللَّه أعلم. ألا ترى أن الصبي الصغير إذا مات عن امرأته تلزمها أربعة أشهر وعشر، دل هذا على أن وجوبها لفوت النعمة. والله
أعلم.
وقوله: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
قوله: (فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) قيل: لا تبعة عليكم ولا إثم (فِيمَا فَعَلْنَ) قيل: تزين
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم