اللبن للولد لبن أمه باتفاق الأطباء، ولبن المرضع يؤثر في جسم الطفل وفي أخلاقه وسجاياه، ولذلك يحتاط في انتقاء المراضع، ويجتنب استرضاع المريضة، والفاسدة الأخلاق والآداب «١».
عدة المتوفى عنها زوجها
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٤]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)
الإعراب:
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ.. الذين: مبتدأ، وفي الخبر أربعة أوجه:
الأول- أن يكون خبره مقدرا، وتقديره: فيما يتلى عليكم الذين، مثل وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ أي فيما يتلى عليكم.
الثاني- أن يكون خبره: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ على تقدير: يتربصن بعدهم بأنفسهن، فحذف «بعدهم» للعلم به، لأن الجملة إذا وقعت خبرا للمبتدأ، فلا بد من أن يعود منها عائد إليه.
الثالث- أن يكون التقدير: فأزواجهن يتربصن، والجملة من المبتدأ أو الخبر: خبر الَّذِينَ.
الرابع- أن يكون الخبر: يَتَرَبَّصْنَ، على أن يكون التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن.
المفردات اللغوية:
يُتَوَفَّوْنَ يموتون بأن يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم، قال الله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [الزمر ٣٩/ ٤٢] فإذا حذف الفاعل أسند الفعل إلى المفعول وَيَذَرُونَ: ويتركون
أَزْواجاً يطلق الزوج على الذكر والأنثى، كما قال تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ يَتَرَبَّصْنَ أي ليتربصن أي لينتظرن بِأَنْفُسِهِنَّ بعدهم عن الزواج أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً من الليالي، وهذا في غير الحوامل، أما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق (٤). فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي أتممن عدتهن وانتهت مدة تربصهن وانتظارهن. فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للخطاب. بِالْمَعْرُوفِ شرعا خَبِيرٌ عالم بباطن العمل وظاهره.
المناسبة:
هذا بيان متصل في أنواع العدة، فقد ذكر أولا عدة الطلاق بالحيض، وذكر هنا عدة الوفاة المخالفة لها.
التفسير والبيان:
ذكر الله في هذه الآية حكم الحداد على الأزواج ووجوب العدة على النساء، عقب بيان أحكام الطلاق والرجعة والإرضاع وواجبات الوالد نحو ولده وزوجته، وكان بيان عدة الوفاة لئلا يتوهم أنها مثل عدة الطلاق.
والعدة: هي المدة التي تمكث فيها المرأة في بيت الزوجية دون زواج ولا خروج من المنزل إلا لعذر شرعي للتعرف على براءة الرحم أو للحداد على الزوج.
وعدة المطلقة: ثلاثة قروء، وعدة المتوفى عنها زوجها غير الحامل أربعة أشهر وعشرة أيام، أما الحامل فعدتها بوضع الحمل، ولو بعد الوفاة بساعة. ولا حداد على غير الزوج من أخ أو أب أو قريب أكثر من ثلاثة أيام.
ولا فرق في حال الوفاة بين الصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وغير المدخول بها، لأن العدة في الأصل للحداد، وبراءة الرحم تبعا.
وقد بدأ الله تعالى بذكر الرجال الذين يتوفون، وترك الخبر عنهم إلى الإخبار عن أزواجهم، ليبين صلة العدة بالرجل، ومعنى الآية: إن زوجات
الذين يموتون: عدتهن أربعة أشهر وعشرة أيام، قال الزمخشري: وقيل: عشرا، ذهابا إلى الليالي، والأيام داخلة معها.
فلا يحل لهن فيها الخطبة والزواج والخروج من المنزل إلا لعذر شرعي. وهذا الحكم لغير الحوامل، أما الحامل التي يموت زوجها فتنقضي عدتها بوضع الحمل، ولو بعد الموت بساعة، عملا بآية الطلاق السابق الإشارة إليها، وبما روى أبو داود من حديث سبيعة الأسلمية أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أفتاها بأنها حلت حين وضعت حملها، وكانت ولدت بعد موت زوجها بنصف شهر.
ما تمتنع منه المعتدة:
اختلف العلماء في الذي يتربص عنه هذه المدة، فقال بعضهم: يتربصن عن النكاح والطيب والزينة والنقلة من المسكن الذي يسكنه في حياة أزواجهن، وأدلتهم من السنة الصحيحة كثيرة، منها: ما
رواه الشيخان عن زينب بنت أم سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبو سفيان (والدها) فدعت بطيب فيه صفرة- خلوق وغيره، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المنبر يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا».
وقالت زينب: سمعت أمّي أمّ سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: «لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر».
والكحل الذي منعه النّبي صلّى الله عليه وسلّم هو كحل الزينة، لا كحل التداوي بدليل
حديث الموطأ عن أم سلمة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار».
وقال بعضهم: إنما عدة المتوفى عنها زوجها أن تتربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والنقلة من المنزل، فلم تنه عن ذلك. واحتجوا بما
روي عن أسماء بنت عميس قالت: «لما أصيب جعفر، قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: تسلّبي «١» ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت»
ويرد عليهم بأنه يحتمل أن يكون أمرها بالتسلب ثلاثا، ثم لبس ما شاءت من الثياب التي يجوز للمعتدة لبسها، مما لم يكن زينة، ولا تطيبا، لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة، ولا ثياب تسلب.
وتقدير المدة بأربعة أشهر وعشر أمر تعبدي، لا يبحث عن حكمته، فهو كأعداد الركعات ومقادير الزكوات.
والحكمة في هذه العدة: استبراء الرحم من ماء الزوج المتوفى، فيمنع نكاح المعتدة حتى تمضي مدة تتبين فيها: أهي حامل، فيلحق ولدها بالزوج المتوفى؟
أم حائل (غير حامل) فإذا تزوجت وولدت لحق الولد بالزوج الثاني. ومنعت الطيب والزينة، لأنهما من دواعي الزواج، وذريعة إليه. ومنعت الخروج من البيت الذي كانت تسكنه لأن هذه الرقابة أدعى إلى الصيانة. ومنع عقد الزواج عليها وخطبتها صراحة في العدة، لأن ذلك ذريعة، ورخص في التعريض بالخطبة لمعتدة الوفاة.
أما في الجاهلية فكانت المرأة تحد على زوجها سنة كاملة لا تمس طيبا ولا زينة، ولا تبدو للناس في مجتمعهم.
ثم أبان الله تعالى ما يباح بعد انتهاء العدة بقوله: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ.. «١» فخاطب الأولياء بأنه إذا أتممن عدتهن، فلا إثم عليكم أيها الأولياء وجميع الناس فيما فعلن في أنفسهن ما كان محظورا عليهن قبل ذلك من التزوج فما دونه من التزين، والتعرض للخطاب، واختيار الأزواج وتقدير الصداق، والخروج من البيت على الوجه المعروف شرعا وعرفا: وهو ما أذن الله لهن فيه، والله بما تعملون خبير، فهو محيط بدقائق أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها، ويعلم من يعضل النساء فيجازيه، ويعلم من يحسن توجيه النساء نحو التزام حدود الشرع، أو يتساهل ويفرط في حقوق الله، فإن جعلتم نساءكم تسير على نهج الشرع سعدتم، وإن فرطتم وانحرفتم عن حدود الله وقعتم في الشقاء والعذاب.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم، ومعناها الخصوص فهي مخصوصة بغير الحوامل، لقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق ٦٥/ ٤].
وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة ٢/ ٢٤٠]. لأن الناس كانوا في مبدأ الإسلام إذا توفي الرجل وخلّف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة، وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وبالميراث.
وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها: وضع حملها عند جمهور العلماء. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين. لكن روي عن ابن عباس أنه رجع عن هذا. وحجتهما الجمع بين قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً وبين قوله: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. لأنها إذا قعدت أقصى الأجلين، فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل، فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق علماء الأصول ما عدا الحنفية الذين يقدمون الترجيح على الجمع. ويرد على هذا الاتجاه
بحديث سبيعة الأسلمية في الصحيح، كما تقدم، وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأباح لها أن تتزوج.
قال الزهري: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر، وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء.
واتفق العلماء على أن عدة الحامل المطلقة تنتهي بوضع الحمل.
وليس لمعتدة الوفاة نفقة في رأي الجمهور، لانتهاء الزوجية بالموت، وأوجب لها المالكية السكنى مدة العدة إذا كان المسكن مملوكا للزوج، أو مستأجرا ودفع أجرته قبل الوفاة، وإلا فلا، بدليل
قوله عليه الصلاة والسلام للفريعة: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله».
وأجمع أهل العلم على وجوب نفقة الحامل المطلقة ثلاثا أو الرجعية، لقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ، فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق ٦٥/ ٦].
وعلى المرأة في رأي مالك إذا أتاها نعي زوجها، وهي في بيت غير بيت زوجها، الرجوع إلى مسكنه. وقال سعيد بن المسيب والنخعي: تعتد حيث أتاها الخبر حتى تنقضي العدة.
والإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيّب والحليّ والكحل والخضاب بالحنّاء ما دامت في عدتها، لأن الزينة داعية إلى الأزواج. فنهيت عنها سدا للذرائع، وحماية لحرمات الله تعالى أن تنتهك.
والحداد على القريب ثلاثة أيام فقط، وعلى الزوج أربعة أشهر وعشر، وهو مقصور على ترك الزينة والطيب وعدم الخروج من المنزل إلا لضرورة أو عذر «١»،
روى البخاري ومسلم عن أم عطية أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تحدّ امرأة على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب «٢»، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار»
«٣»
وفي حديث أم حبيبة: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا»
الحديث، وهو يدل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، خلافا للأعراف الفاسدة السائدة اليوم.
وأجاز الحنفية والمالكية «٤» للمتوفى عنها زوجها لا المطلقة أن تخرج من منزل العدة نهارا في حوائجها الضرورية، لاكتساب ما تنفقه، لأنه لا نفقة لها من الزوج المتوفى، بل نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة، ثم تعود فتبيت في ذلك المنزل، ولا تخرج بالليل، لعدم الحاجة إلى الخروج ليلا، كما لا تخرج لزيارة ولا تجارة ولا تهنئة ولا تعزية.
(٢) العصب: من برود اليمن، وهو الذي يصبغ غزل السدي فيه دون اللحمة، ثم ينسج مصبوغا فيخرج موشيا، لبقاء بعض ما عصب منه أبيض ولم ينصبغ.
(٣) النّبذة: الشيء اليسير، والقسط والأظفار: نوعان من البخور، ونبذة: منصوب على الاستثناء.
(٤) البدائع: ٣/ ٢٠٤- ٢٢٠، الشرح الصغير: ٢/ ٦٨٩، تفسير القرطبي: ٣/ ١٧٩
ولا خلاف في أن الخضاب والكحل داخلان في جملة الزينة المنهي عنها، وأنه لا يجوز لبس الثياب المصبوغة والمعصفرة، إلا ما صبغ بالسواد فإنه مرخص فيه في المذاهب الأربعة.
وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، واتفقوا على عدم وجوبه على المطلقة طلاقا رجعيا، لأنها في حكم الزوجة، لها أن تتزين لزوجها، ليرغب في إعادتها إلى الزوجية. أما المطلقة طلاقا بائنا فلا يجب عليها الحداد عند الجمهور، وإنما يستحب فقط، لأن الزوج أذاها بالطلاق البائن، فلا تلزم بإظهار الحزن والأسف على فراقه، واستحباب الحداد لها لئلا تدعو الزينة إلى الفساد.
وأوجب الحنفية الحداد على المبتوتة والمطلقة طلاقا بائنا، لأنه حق الشرع، ولإظهار التأسف على فوات نعمة الزواج، كالمتوفى عنها.
وتبدأ العدة في المذاهب الأربعة في الطلاق والوفاة من يوم الموت أو الطلاق. وأجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها، ثم توفي قبل انقضاء العدة: أن عليها عدة الوفاة وترثه. واختلفوا في عدة المطلقة ثلاثا في المرض، فقالت طائفة: وهي مالك والشافعي: تعتد عدة الطلاق، لأن الله جعل عدة المطلقات الأقراء. وقال أبو حنيفة ومحمد: عليها أربعة أشهر وعشر، تستكمل في ذلك ثلاث حيض.
وتلزم عدة الوفاة الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة، والتي لم تبلغ المحيض، والتي حاضت، واليائسة من المحيض، والكتابية، دخل بها أو لم يدخل، إذا كانت غير حامل، ومدة العدة كما بينا أربعة أشهر وعشرة أيام، لعموم الآية:
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً.
وقوله تعالى: عَشْراً: سئل أبو العالية: لم ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر؟ قال: لأن الروح تنفخ فيها.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي