ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

باب المكاسبة


قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض . فيه إباحةُ المكاسب وإخبارٌ أن فيها طيّباً والمكاسب وجهان : أحدهما إبدالُ الأموال وإرباحها، والثاني : إبدال المنافع، وقد نصّ الله تعالى على إباحتها في مواضع من كتابه، نحو قوله تعالى : وأحل الله البيع وقوله تعالى : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله [ المزمل : ٢٠ ] وقال تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم [ البقرة : ١٩٨ ] يعني، والله أعلم : من يتجر ويكري ويحج مع ذلك. وقال تعالى في إبدال المنافع : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن [ الطلاق : ٦ ] وقال شعيب عليه السلام : إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حجج [ القصص : ٢٧ ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" مَنِ اسْتَأجَرَ أجِيراً فلْيُعْلِمْهُ أجْرَهُ " وقال صلى الله عليه وسلم :" لأَنْ يأْخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلاً فيحْتَطِبَ خَيْرٌ له مِنْ أن يَسْأَلَ النَّاسَ أعْطوه أوْ مَنَعُوه ". وقد رَوى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنّ أطْيَبَ ما أَكَلَ الرّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِه ". وقد رُوي عن جماعة من السلف في قوله تعالى : أنفقوا من طيبات ما كسبتم أنه من التجارات، منهم الحسن ومجاهد.
وعمومُ هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال، لأن قوله تعالى : ما كسبتم ينتظمها، وإن كان غير مُكْتَفٍ بنفسه في المقدار الواجب فيها، فهو عمومٌ في أصناف الأموال مجملٌ في المقدار الواجب فيها، فهو مفتقر إلى البيان ؛ ولما ورد البيان من النبي صلى الله عليه وسلم بذكر مقادير الواجبات فيها صحّ الاحتجاج بعمومها في كل مال اختلفنا في إيجاب الحق فيه، نحو أموال التجارة.
ويحتج بظاهر الآية على من ينفي إيجابَ الزكاة في العُروض، ويُحْتَجُّ به أيضاً في إيجاب صدقة الخيل وفي كل ما اخْتُلِفَ فيه من الأموال، وذلك لأن قوله تعالى : أنفقوا المراد به الصدقة، والدليل عليه قوله تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون يعني : تتصدقون. ولم يختلف السلف والخلف في أن المراد به الصدقة. ومن أهل العلم من قال : إن هذا في صدقة التطوع، لأن الفرض إذا أُخرج عنه الرديُّ كان الفضل باقياً في ذمته حتى يؤدَّى. وهذا عندنا يوجب صرف اللفظ عن الوجوب إلى النفل من وجوه : أحدها أن قوله : أنفقوا أمْرٌ والأمْرُ عندنا على الوجوب حتى تقوم دلالة الندب، وقوله : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون لا دلالة فيه على أنه ندب، إذْ لا يختص النهي عن إخراج الرديِّ بالنفل دون الفرض، وإن يجب عليه إخراج فضل ما بين الرديِّ إلى الجيد ؛ لأنه لا ذكر له في الآية، وإنما يعلم ذلك بدلالة أخرى، فلا يعترض ذلك على مقتضى الآية في إيجاب الصدقة. ومع ذلك لو دلّت الدلالة من الآية على أنه ليس عليه إخراج غير الرديّ الذي أخرجه، لم يوجب ذلك صرف حكم الآية عن الإيجاب إلى الندب، لأنه جائز أن يبتدىء الخطاب بالإيجاب ثم يعطف عليه بحكم مخصوص في بعض ما اقتضاه عمومه، ولا يوجب ذلك الاقتصار بحكم ابتداء الخطاب على الخصوص وصَرْفه عن العموم ؛ ولذلك نظائر كثيرة قد بيّناها في مواضع.
وقوله تعالى : ومما أخرجنا لكم من الأرض عمومٌ في إيجابه الحق في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره في سائر الأصناف الخارجة منها. ويُحْتَجّ به لأبي حنيفة رضي الله عنه في إيجابه العُشْرَ في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره في سائر الأصناف الخارجة منها مما تقصد الأرض بزراعتها. ومما يدل مِنْ فَحْوَى الآية على أن المراد بها الصدقات الواجبة قوله تعالى في نسق التلاوة : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه وهذا إنما هو في الديون إذا اقتضاها صاحبها لا يتسامح بالرديّ عن الجيد إلا على إغماض وتساهل، فدلّ ذلك على أن المراد الصدقة الواجبة، والله أعلم، إذْ ردّها إلى الإغماض في اقتضاء الدين، ولو كان تطوعاً لم يكن فيها إغماضٌ، إذْ له أن يتصدق بالقليل والكثير وله أن لا يتصدق ؛ وفي ذلك دليل على أن المراد الصدقة الواجبة.
وأما قوله تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون رَوَى الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال :" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نوعين من التمر : الجعرور ولون الحبيق " قال :" وكان ناسٌ يُخْرِجُون شرَّ ثمارهم في الصدقة فنزلت : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ورُوي عن البراء بن عازب مثل ذلك، قال في قوله تعالى : ولستم بآخذيه إلاّ أن تغمضوا فيه :" لو أن أحدكم أُهْدِيَ إليه مثل ما أعْطَى لما أخذه إلاّ على إغماض وحياء ". وقال عبيدة :" إنما ذلك في الزكاة والدرهم الزائف أحب إليَّ من الثمرة " وعن ابن معقل في هذه الآية قال :" ليس في أموالهم خبيثٌ ولكنه الدرهم القسيّ والزيف ولستم بآخذيه " قال :" لو كان لك على رجل حقّ لم تأخذ الدرهم القسي والزيف ولم تأخذ من الثمر إلا الجيد إلا أن تغمضوا فيه، تجوَّزوا فيه ". وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وهو ما كتبه في كتاب الصدقة وقال فيه :" ولا تُؤْخَذُ هَرَمَةٌ ولا ذاتُ عَوَارٍ " رواه الزهري عن سالم عن أبيه. وقد قيل عن ابن عباس في قوله تعالى : إلا أن تغمضوا فيه " إلا أن تَحُطُّوا من الثمن ". وعن الحسن وقتادة مثله. وقال البراء بن عازب :" إلا أن تتساهلوا فيه ". وقيل :" لستم بآخذيه إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة ". هذه الوجوه كلها محتملة ؛ وجائز أن يكون جميعها مراد الله تعالى بأنهم لا يقبلونه في الهدية إلا بإغماض ولا يقبضونه من الجيد إلا بتساهل ومسامحة ولا يبيعون بمثله إلا بحطّ ووكس.
وقد اختلف أصحابنا فيمن أدَّى من المكيل والموزون دون الواجب في الصفة، فأدَّى عن الجيد ردياً، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف :" لا يجب عليه أداء الفضل ". وقال محمد :" عليه أن يؤدي الفضل الذي بينهما ". وقالوا جميعاً في الغنم والبقر وجميع الصدقات مما لا يكال ولا يوزن :" إن عليه أداء الفضل ". فيجوز أن يُحتج لمحمد بهذه الآية، وقوله تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون والمراد به الرديُّ منه ؛ وقوله تعالى : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ولصاحب الحق أن لا يغمض فيه ولا يتساهل ويطالب بحقه من الجودة، فهذا يدل على أن عليه أداء الفضل حتى لا يقع فيه إغماضٌ، لأن الحق في ذلك لله تعالى وقد نَفَى الإغماضَ في الصدقة بنهيه عن إعطاء الرديّ فيها. وأما أبو حنيفة وأبو يوسف فإنهما قالا :" كل ما لا يجوز التفاضل فيه فإن الجيد والرديّ حكمهما سواء في حظر التفاضل بينهما، وإن قيمته من جنسه لا يكون إلاّ بمثله، ألا ترى أنه لو اقتضى ديناً على أنه جيد فأنفقه ثم علم أنه كان رديّاً أنه لا يرجع على الغريم بشيء وأن ما بينهما من الفضل لا يغرمه ؟ " وإنما يقول أبو يوسف فيه :" إنه يغرم مثل ما قبض من الغريم ويرجع بدينه " وغير ممكن مثله في الصدقة، لأن الفقير لا يغرم شيئاً، فلو غرمه لم تكن مطالبة المتصدق بردّ الجيد عليه، فلذلك لم يلزمه إعطاء الفضل. وإنما نهى الله تعالى المتصدق عن قصد الرديِّ بالإخراج وقد وجب عليه إخراج الجيد، فإنهم يقولون إنه منهيٌّ عنه، ولكن لما كان حكم ما أعْطَى حكم الجيد فيما وصفنا أجزأ عنه ؛ وأما ما يجوز فيه التفاضل فإنه مأمورٌ بإخراج الفضل فيه، لأنه جائز أن تكون قيمته من جنسه أكثر منه ويباع بعضه ببعض متفاضلاً. وأما محمد فإنه لم يُجِزْ إخراجَ الرديِّ من الجيد إلا بمقدار قيمته منه، فأوجب عليه إخراج الفضل إذْ ليس بين العبد وبين سيده رباً.
وفي هذه الآية دلالة على جواز اقتضاء الرديِّ عن الجيد في سائر الديون، لأن الله تعالى أجاز الإغماض في الديون بقوله تعالى : إلا أن تغمضوا فيه ولم يفرق بين شيء منه، فدلّ ذلك على معانٍ : منها جواز اقتضاء الزيوف التي أقلها غشّ وأكثرها فضة عن الجياد في رأس مال السلم وثمن الصرف اللذين لا يجوز أن يأخذ عنهما غيرهما، ودلّ على أن حكم الرديِّ في ذلك حكم الجيد، وهذا يدلّ أيضاً على جواز بيع الفضة الجيدة بالردية وزناً بوزن لأن ما جاز اقتضاء بعضه عن بعض جاز بيعه به ؛ ويدلّ على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم :" الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلاً بِمِثْلٍ " إنما أراد المماثلة في الوزن لا في الصفة، وكذلك سائر ما ذكره معه ؛ ويدلّ على جواز اقتضاء الجيد عن الرديِّ برضا الغريم كما جاز اقتضاء الرديّ عن الجيد، إذْ لم يكن لاختلافهما في الصفة حُكْمٌ ؛ وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم :" خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاء " قال جابر بن عبدالله :" قضاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وزادني ". ورُوي عن ابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي قالوا :" لا بأس إذا أقرضه دراهم سُوداً أن يقبضه بيضاً إذا لم يشترط ذلك عليه ". ورَوَى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود " أنه كان يكره إذا أقرض دراهم أن يأخذ خيراً منها ". وهذا ليس فيه دلالة على أنه كرهه إذا رَضِيَ المستقرض، وإنما لا يجوز له أن يأخذ خيراً منها إذا لم يَرْضَ صاحبه.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير