يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ جياد، وقال ابن مسعود ومجاهد : من حلالات ما كستبم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يكسب عبد مال فيتصدق منه فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك فيه، ولا يترك خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار لا يمحو السيء بالسيء لكن يمحو السيء بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث »(١) رواه أحمد، وهذه الآية سند للإجماع وحجة للجمهور على داود حيث قال : لا يجب الزكاة إلا في الأنعام أو النقود وعند الجمهور يجب في العروض والعقار أيضا إذا كان للتجارة وإنما شرطوا بنية التجارة لأن النمو شرط لوجوب الزكاة بالإجماع ولا نمو في العرورض إلا بنية التجارة، عن ابن عمر : ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة رواه الدارقطني، وعن سمرة بن جندب كان يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج الزكاة مما نعد للبيع رواه أبو داود والدارني والبراز وعن سليمان بن سمرة عن ابيه عند البزار وفي إسناده جهالة، ومما يدل على وجوب الزكاة في العروض ما روي عن حماس قال : مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة أحملها فقال ألا تؤدي زكاتك يا حماس ؟ فقال : ما لي غير هذا أوهب في القرط، قال : تلك مال ضعها فوضعها بين يديه فحسبها فوجدها قد وجبت الزكاة فيها فأخذ منها الزكاة رواه الشافعي وأحمد وابن أبي شيبة وعد الرزاق وسعيد بن منصور والدارقطني، وعن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته » قالها بالزاء المعجمة رواه الدارقطني بثلاثة طرق ضعاف مدار الطريقتين على موسى بن عبيدة الزيدي، قال أحمد : لا يحل الرواية عنه وفي الطريق الثالث عبد الله بن معاوية بن عاصم ضعفه النسائي وأنكره البخاري وفيه ابن جريج عن عمران بن أنيس قال البخاري لم يسمع ابن جريح عنه، وله طريق رابع رواه الدارقطني والحاكم «في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته، ومن رفع دارهم أو دنانير لا يعدها لغريم ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكوي به يوم القيامة » وهذا إسناد لا بأس به قال ابن دقيق : الذي رأيته في نسخة المستدرك البر بضم الباء الموحدة والراء المهملة. ثم اختلف العلماء فيما إذا لم يبع عروض التجارة سنين ؟ فقال مالك : لا يجب عليه شيء وإن طال زمانه فإذا باعه فليس عليه إلا زكاة واحدة، وقال الأئمة الثلاثة : يجب عليه زكاة في كل سنة وإن لم يبع لعموم قوله صلى الله عليه وسلم يخرج الزكاة عما يعد للبيع يعني سواء بيع أو لا.
ومما أخرجنا لكم من الأرض قيل هذه الآية في صدقات التطوع عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما من ملسم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له به صدقة »(٢) رواه أحمد والشيخان والترمذي، قلت : هذا الحديث يدل على استحباب الزرع، وحديث أبي أمامة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :«لا يدخل هذا يعني شيئا من آلة الحرث بيت قوم إلا أدخله الذل »(٣) رواه البخاري يدل على شؤمه والله أعلم، والصحيح أن الآية في الزكاة لأن الأمر للوجوب ولا وجه لحملها على التطوع فهذا أمر بإخراج العشور من خارج الأرض.
مسألة : أجمع العلماء على وجوب العرشر في النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب إن كان مسقيا بماء السماء أو العيون أو الأودية والأنهار التي لا مؤونة فيها ونصف العُشر إن كان مسقيا بغرب أو دالية، وعلى أنه لا صدقة في كلأ وحطب ما لايراد به استغلال الأرض، واختلفوا فيما سوى ذلك من الأصناف ؟ فقال أبو حنيفة : يجب في جميع أصناف الخارج من الحبوب والثمار والخضروات محتجا بعموم هذه الآية وعموم قوله صلى الله عليه وسلم :«فيما سقت السماء والعيون أو كان عشريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر » رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن حبان وابن جارود من حديث ابن عمر ورواه مسلم من حديث جابر ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ورواه النسائي وابن ماجه من حديث معاذ ورواه أبو داود وغيره من حديث علي، وقال مالك والشافعي : لا زكاة إلا فيما يقتات به كالرطب والعنب والحنطة والشعير. والحمص والأرز ونحوها لا غير، وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد : يجب فيما يبقى في أيدي الناس مما يكال أو يوزن فيجب عندهم في مثل السمسم والشهرانج واللوز والبندق والفتسق والزعفران والكمون والقرطم أيضا، احتجوا على نفي الصدقة في الخضروات بحديث معاذ قال : فيما سقت السماء والسيل العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر يكون ذلك من التمر والحنطة والحبوب وأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضروات فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي وفي ضعف وانقطاع إسحاق وابن نافع من رواته ضعيفان قال يحيى بن معين إسحاق ليس بشيء لا يكتب حديثه وقال أحمد والنسائي متروك، ورواه الترمذي بلفظ إنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضروات وعن البقول قال :" ليس فيها صدقة " وهوضعيف أيضا قال الترمذي : إسناد هذا الحديث ليس بصحيح ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وذكر الدارقطني في العلل وقال الصواب مرسل ورى البيهقي من حديث موسى بن طلحة وقال عندنا كتاب معاذ وراوه الحاكم وقال موسى تابعي كبير لا ينكر أنه لقي معاذا وقال ابن عبد البر لم يلق معاذا ولا أدركه ورواه الدارقطني بطرق عن موسى ن طلحة عن أبيه مرفوعا " ليس في الخضروات صدقة " وفي أحد طرقه الحراث بن بنهان حكى تضعيفه عن جماعة، وفي طريقه الثاني نصر بن حماد قال يحيى كذاب وقال يعقوب بن أبي شيبة ليس بشيء وقال مسلم واهي الحديث وفي طريقه الثالث محمد بن جابر ليس بشيء قال أحمد لا يحدث عنه إلا شر منه، وروى الدارقطني من طريق مروان بن محمد السخاوي عن موسى بن طلحة عن أنس ومروان بن محمد لا يحل الاحتجاج به. وروى أبو يوسف في كتاب الخراج عن موسى بن طلحة أنه كان لا يرى صدقة إلا في الحنطة والشعير والنخل والكرم والزبيب وقال عندنا كتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم عن معاذ، والتحقيق أن المرسل عن موسى بن طلحة يصح كذا قال الترمذي وغيره والمرسل حجة لا سيما باعتضاد ما ذكرنا من المسانيد، ويؤيده حديث علي مرفوعا رواه الدارقطني وفيه صقر بن حبيب ضعيف جدا ورواه أبو يوسف مرقوفا وفيه قيس ابن الربيع صدوق سيء الحفظ ليس بالقوي، وحديث عائشة مرفوعا " ليس فيما أنبتت الأرض من الخضرة زكاة " رواه الدارقطني وفيه صالح بن موسى قال البخاري والنسائي : متروك منكر الحديث. وههنا أحاديث أخر تدل على نفي الزكاة في غير أربعة أشياء التمر والزبيب والحنطة والشعير روى الحاكم والبيهقي من حديث أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم :" لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر " قال البيهقي : رواته ثقات وهو متصل، ورواه الطبراني من حديث موسى بن طلحة عن عمر : إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة فذكرها، وكذا روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وروى أبو يوسف عن موسى بن طلحة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا زكاة إلى في أربعة التمر والزبيب والحنطة والشعير " وروى البيهقي عن الشعبي. كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن :" إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب " وقد روي " الزكاة في خمسة " الأربعة المذكورة والذرة لكنه ضعيف واه. قلت : ولما أجمع العلماء على عدم حصر الزكاة في هذه الأربعة وجب تأويله بحذف المضاف يعني لا زكاة إلا في مثل هذه الأربعة فاعتبر مالك والشافعي المماثلة في الاقتيات في حالة الاختيار والأولى أن يعتبر المماثلة في الكيل أو الوزن والادخار لأن المقصود في باب الزكاة الغناء الحاصل بالمال لا الاقتيات وكل ما يكال ويوزن ويدخر يحصل به الغناء فيجب فيه الزكاة، ولا يشترط في زكاة الزروع حولان الحول إجماعا لأن اشتراطها للتنمية وهذا إنماء كله، ولا يشترط العقل والبلوغ لوجوب العشر عند أبي حنيفة أيضا كما لا يشترطان عند غيره في جميع الأموال، وجه الفرق لأبي حنيفة أن زكاة الأموال عبادة محضة لا بد فيه من النية وأما العشر فهو عبادة فيه معنى المؤنة فمن حيث كونه عبادة يشترط فيه الإسلام فيجب على الكافر الخراج دون العشر وكذا إذا اشترى الكافر أرضا عشرية عند الجمهور خلافا لمحمد، ومن حيث كونه مؤنة يجب على الصغير والمجنون أيضا كما يجب عليه نفقة الزوجة ونحوها.
واختلفوا في اشتراط النصاب ؟ فقال أبو حنيفة : لا يشترط فيه النصاب وتجب الصدقة في الخارج وإن قل للعمومات المذكورة في الخلافية الأولى وهو المروي عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وإبراهيم النخعي أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن الثلاثة فيما أنبتت من قليل أو كثير العشر وزاد في حديث النخعي حتى في عشر وستجات بقل وستجة وأخرج أبو يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم نحوه، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد : يشترط فيه النصاب وذلك خمسة أوسق كل وسق ستون صاعا مما يكال بالأوسق ومما لا يكال بالأوسق يعتبر خمسة أعداد من أعلى ما يقدر به ذلك الجنس عند محمد ففي القطن خمسة أحمال كل حمل ثلاثمائة من وفي الزعفران خمسة أمناء ويعتبر بقيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل تحت الوسق عند أبي يوسف والحجة لجمهور على اشتراط النصاب قوله صلى الله عليه وسلم :" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه مسلم من حديث جابر ورواه أحمد والدارقطني من حديث أبي هريرة والبيهقي من حديث عمرو بن حزم الدارقطني من حديث عائشة والله أعلم.
مسألة : هذه الآية تدل على أن العشر واجب في خارج كل أرض للإطلاق وعدم تقييده بأرض دون أرض فإن ملك المسلم أرض خراج وزرع فيه فإما أن يسقط عنه الخراج فيحب عليه العشر فقط و يجتمع هناك عشر في الزرع والخراج في الأرض وذلك عند الجمهور فإن الخراج وظيفة الأرض والعشر زكاة الأرض ومن ثم يشترط النصاب في الخارج، وقال أبو حنيفة : لا يسقط الخراج عن أرض خراجية قط ولا يجتمع في أرض عشر وخراج فإن العشر عنده زكاة الأرض دون الزرع ومن ثم لا يشترط النصاب عنده في الخارج ومسألة سقوط الخراج وعدمه لا مقام لها ههنا ولم يثبت منع الجمع عن يحيى بن عنبسة حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يجتمع على مسلم عشر وخراج " باطل، قال أبو حاتم : ليس هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحيى بن عنبسة دجال يضع الحديث كذب على أبي حنيفة ومن بعده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عدي : لا يروي هذا الحديث غير يحيى بن عنبسة بهذا الإسناد وإنما يروي هذا من قول إبراهيم وقول إبراهيم ليس بحجة وكذا قول الشعبي وعكرمة لا يجتمع عشر وخراج في أرض أو في مال روى الأثرين ابن أبي شيبة، واحتج صاحب الهداية بالإجماع فقال : أحد من أئمة الجور والعدل ثم يجمع بينهما وكفى بإجماعهم حجة، ودعو
٢ أخرجه البخاري في كتاب: المزارعة، باب: فضل الزرع والغرس إذا أكل منه٢٣٢٠أخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: فضل الغرس والزرع١٥٥٣. وأخرجه الترمذي في كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في فضل الغرس١٣٨٢.
٣ أخرجه البخاري في كتاب: المزارعة، باب: ما يحذر من الاشتغال بآلة الزرع٢٣٢١.
التفسير المظهري
المظهري