ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

يأمر تعالى عباده المؤمنين بالأنفاق والمراد به الصدقة هاهنا من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها، يعني التجارة بتيسيره إياها لهم، وقال علي والسدي : مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ يعني الذهب والفضة، ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض، قال ابن عباس : أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولهذا قال : وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث أي تقصدوا الخبيث، مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ : أي لو أعطيتموه ما أخذتموه إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى منكم فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل معناه : لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه. وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ :« إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يُسْلم عبد حتى يسلم قلبُه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه - قالوا : وما بوائقه يا نبي الله؟ قال : غشه وظلمه - ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث » قال ابن كثير : والصحيح القول الأول.
قال ابن جرير رحمه الله : عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قول الله : ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ الآية، قال نزلت في الأنصار؛ كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر يظن أن ذلك جائز، فانزل الله فيمن فعل ذلك : وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ ، وقال ابن أبي حاتم : عن البراء رضي الله عنه وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ قال : نزلت فينا؛ كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر والتمر، فيأكل وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشف والشيص، فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه فنزلت : وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ قال : لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذ إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده.

صفحة رقم 298

وعن عبد الله بن مغفل في هذه الآية وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ قال :( كسب المسلم لا يكون خبيثاً، ولكن لا يصَّدَق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه )، وقال الإمام أحمد عن عائشة قالت :« أتي رسول الله ﷺ بضب فلم يأكله ولم ينه عنه قلت : يا رسول الله نطعمه المساكين؟ قال :» لا تطعموهم مما لا تأكلون « وعن البراء وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ يقول : لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه؟، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ يقول : لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفَسه؟
وقوله تعالى : واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها، وما ذلك إلا أن يساوي الغني الفقير، كقوله : لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ [ الحج : ٣٧ ] وهو غني عن جميع خلقه، وجميعُ خلقه فقراء إليه. وهو واسع الفضل لا ينفذ ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب فليعلم أن الله غني واسع العطاء كريم؛ جواد وسيجزيه بها ويضاعفها له أضعافاً كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد : أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
وقوله تعالى : الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، قال ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ :»
إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك بإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان « ثم قرأ : الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً الآية. ومعنى قوله تعالى : الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر أي يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله، وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء : أي مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاّق، قال تعالى : والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ أي في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء، وَفَضْلاً أي في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ .
وقوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ، قال ابن عباس : يعني المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخرة وحلاله وحرامه وأمثاله.

صفحة رقم 299

وقال مجاهد : الْحِكْمَةَ ليست بالنبوة ولكنه العلم والفقه والقرآن، وقال أبو العالية : الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة، وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً :« رأس الحكمة مخافة الله »، وقال أبو مالك : الحكمة السنّة. وقال زيد بن أسلم : الحكمة العقل. قال مالك : وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمر يدخله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبيّن ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفاً في أمر دنياه عالماً بأمر دينه بصيراً به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة : الفقه في دين الله. وقال السُّدي : الحكمة النبوة. والصحيح أن الحكمة لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض الأحاديث :« من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه » وقال ﷺ :« لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ».
وقوله تعالى : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب أي وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل، يعي به الخطاب ومعنى الكلام.

صفحة رقم 300

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية