قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، ثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد، عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل الله على نبيه (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) الآية إلى آخرها.
(التفسير ح رقم ٣١٧٢). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه، والضياء المقدسي أيضاً (الدر المنثور ١/٣٤٥). وهل الأثر إسناده حسن، وقد تكلم ابن منده وحده في جعفر بن أبي المغيرة، لكن وثقه الإمام أحمد، وابن شاهين، وقال الذهبي: كان صدوقاً. (انظر: ثقات ابن شاهين رقم ١٦٧، تهذيب التهذيب ٢/١٠٨، الميزان ١/٤١٧). وبقية رجال الإسناد. ما بين ثقة إمام، وصدوق، فيكون الإسناد حسناً كما تقدم تقريره. ويشهد له ما سيأتي عن البراء بن عازب.
قوله تعالى (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)
قال الحاكم: أخبرنا محمد بن أحمد بن إسحاق الصفار العدل. ثنا أحمد بن محمد بن نصر. ثنا عمرو بن طلحة القناد. ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب في قول الله عز وجل (ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) قال: نزلت في الأنصار كانت الأنصار تخرج إذا كان جذاذ النخل من حيطانها أقناء البسر فيعلقونه على حد رأس اسطوانتين في مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيأكل منه فقراء المهاجرين فيعمد أحدهم فيدخل قنو الحشف يظن أنه في كثرة ما يوضع من الأقناء فنزل فيمن
فعل ذلك (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه)
يقول: لو أهدي لكم لم تقبلوه إلا على استحياء من صاحبه عطاء أنه بعث إليكم بما لم يكن له فيه حاجة واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم حميد.
(هذا حديث غريب صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (المستدرك ٢/٢٨٥).
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عمارة بن عمير، عن عمته أنها سألت عائشة رضي الله عنها: في حجري يتيم أفأكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه".
(السنن ٣/٢٨٨ - كتاب البيوع - باب في الرجل يأكل من مال ولده، ح ٣٥٢٨) وأخرجه الترمذي (كتاب الأحكام، ب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده ح ١٣٥٨)، والنسائي (٧/٢٤١ - كتاب البيوع، ب الحث على الكسب) كلاهط من طريق عمارة بن عمير به. وأخرجه ابن ماجه (كتاب التجارات، ب الحث على الكسب ح ٢١٣٧) من طريق إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة به.
قال الترمذي: حديث حسن صحح. وصححه الألباني (صحيح الجامع ٢/٤٩).
قال النسائي: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب قال: حدثني عبد الجليل بن حميد اليحصبي أن ابن شهاب حدثه قال: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله عز وجل (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) قال: هو الجعرور ولون حُبَيْق فنهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تؤخذ في الصدقة الرذالة.
(السنن ٥/٤٣ - كتاب الزكاة - باب قوله عز وجل (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وأخرجه ابن خزيمة (٤/٣٩ - كتاب الزكاة - باب الزجر عن إخراج الحبوب والتمور الرديئة ح ٢٣١٢) من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب به. وأخرجه الحاكم من طريق الزهري به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/٢٨٤) قال الألباني: إسناده حسن صحيح. والجُعرور: نوع رديء من العمر (المصباح المنير ١/١٠٢). والحُبيق: لون من الدْقل رديء (مختار الصحاح ٢٠٥).
انظر حديث أبي هريرة المتقدم عند تفسير الآية (١٧٢) من سورة البقرة.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قال: (ولا تيمموا)، لا تعمدوا.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قال: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون)، قال: كانوا يتصدقون -يعني من النخل- بحشفه وشراره، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتصدقوا بطيبه.
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قال: (ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) يقول: لستم بآخدي هذا الرديء بسعر هدا الطيب، إلا أن يغمض لكم فيه.
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوا بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال فذلك قوله (إلا أن تغمضوا فيه) فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ وهو قوله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) آل عمران: ٩٢.
قوله تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا)
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن قتادة قال: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) يقول مغفرة لفحشائكم وفضلاً لفقركم.
قوله تعالى (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ)
أخرج الشيخان بسنديهما عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها".
(صحيح البخاري- العلم، ب الاغتباط في العلم والحكمة ١/١٦٥ ح ٧٣)، (وصحيح مسلم ١/٥٥٨ ح ٨١٦ - ك صلاة المسافرين، ب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه)..
أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يعني المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابيه، ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله.
أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد قال: (يؤتي الحكمة من يشاء)، قال: يؤتي الإصابة من يشاء.
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين