ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

وثانيهما- تزكية أنفسنا وتطهيرها من الشوائب التي تعوقها عن الكمال، كالبخل والمبالغة في حب المال، وتوطينها على البذل في سبيل الله.
والخلاصة: أن الله في الآية (٢٦٥) ضرب المثل للمخلصين في الإنفاق وفي الآية (٢٦٦) ضرب مثلا آخر للمرائين، والمؤذين والمنّانين، والقصد هو المقارنة والمقابلة بين حال الفريقين، وأن المثل الثاني ليس خاصا بالآخرة أو المرائي، وإنما ينطبق أيضا على حال الدنيا فيشمل المنان والمؤذي.
إنفاق الطيب من الأموال لا الخبيث
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)
الإعراب:
تَيَمَّمُوا أصله تتيمموا، فكرهوا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد وهما التاءان فسكنوا التاء الأولى، وأدغموها في الثانية تُنْفِقُونَ حال من ضمير تيمموا إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أن وصلتها: في موضع نصب بآخذيه لأن التقدير: بأن تغمضوا، فلما حذفت الباء اتصل بآخذيه.
البلاغة:
تُغْمِضُوا فِيهِ مجاز مرسل يراد به التساهل لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك، أو تشبيه على سبيل الاستعارة.
المفردات اللغوية:
أَنْفِقُوا زكوا مِنْ طَيِّباتِ جياد وحسان، مفرده طيب أي جيد مستطاب، وضده

صفحة رقم 57

الخبيث المستكره ما كَسَبْتُمْ من المال وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي ومن طيبات ما أنبتنا من الحبوب والثمار وَلا تَيَمَّمُوا تقصدوا الْخَبِيثَ الرديء وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ بالتساهل وغض البصر، فكيف تؤدون منه حق الله؟! غَنِيٌّ عن نفقاتكم حَمِيدٌ مستحق للحمد على نعمه الكثيرة.
سبب النزول:
روى الحاكم والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الناس ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجل بالقنو فيه الشّيص والحشف «١»، وبالقنو قد انكسر، فيعلّقه «٢»، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ.
وروى أبو داود والنسائي والحاكم عن سهل بن حنيف قال: كان الناس يتيممون شر ثمارهم، يخرجونها من الصدقة، فنزلت: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ.
وروى الحاكم عن جابر قال: أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء، فنزل القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ الآية.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يشترون الطعام الرخيص، ويتصدقون به، فأنزل الله هذه الآية.

(١) القنو: العذق وهو عنقود النخلة والشماريخ مثمرة. والشيص: التمر الذي لا يشتد نواه، وإنما يتشيّص إذا لم تلقح النخل. والحشف: التمر يجف قبل النضج، فيكون رديئا وليس له لحم.
(٢) على حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول صلّى الله عليه وسلّم، فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان الرجل يعمد فيخرج قنو الحشف، وهو يظن أنه جائز عنه.

صفحة رقم 58

المناسبة:
بيّن الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة ما يجب أن يتصف به المنفق عند الإنفاق من الإخلاص لله، وقصد تزكية النفس، والبعد عن الرياء، وما يجب أن يتحلى به بعد الإنفاق من البعد عن المن والأذى.
ثم بين تعالى هنا صفة المال المبذول: وهو أن يكون من جيد الأموال.
التفسير والبيان:
يا من اتصفتم بالإيمان آمركم أن تنفقوا الطيب الجيد من الأموال، سواء أكان نقودا أم ماشية أم حبوبا وزروعا أم سلعا تجارية وغيرها، كالمعادن والكنوز والركاز (دفين الجاهلية)، كقوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران ٣/ ٩٢] وأنهاكم أن تقصدوا إلى الخبيث الرديء من أموالكم، فتنفقونه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولا يقبل ما تكرهه نفوسكم.
والخبيث ينطلق على معنيين: أحدهما- ما لا منفعة فيه، كما
في حديث الشيخين: «كما ينفي الكير خبث الحديد»
والثاني- ما تنكره النفس، وهو مقصود الآية: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ.
وكيف يروق لكم أن تتصدقوا بالخبيث الرديء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم إلا أن تتساهلوا وتتسامحوا فيه تساهل من غض بصره عن شيء فلم ير العيب فيه، ولو كان لأحدكم حق أو دين، فجاءكم دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟! فحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه.
واعملوا أن الله- وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها- فهو غني عنها وعن إنفاقكم وغني عن جميع خلقه، وإنما يأمركم به لمنفعتكم، ولتحقيق المساواة بين الغني والفقير، وليختبركم فيما تنفقون، فلا تتقربوا إليه بالرديء، وهو أيضا

صفحة رقم 59

مستحق للحمد والشكر على جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ونعمه. ومن الحمد اللائق بجلاله: إنفاق الطيب مما أنعم به.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآية: وجوب اختيار الطيب الجيد من مكاسب الأموال عند إنفاقها في سبيل الله، سواء أكانت من الزكوات الواجبة أم من الصدقات المندوبة لأن القصد هو التقرب إلى الله تعالى، وادخار الثواب على فعل الخير، وذلك لا يتحقق إلا بجياد الأموال وأطيبها.
والآية خطاب لجميع أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم «١»، واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا، فقال علي بن أبي طالب وعبيدة السّلمانيّ وابن سيرين: هي الزكاة المفروضة، نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد.
وقال البراء بن عازب والحسن البصري وقتادة: إن الآية في التطوع، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد.
والظاهر أن الآية عامة تشمل الزكاة والصدقة، لكن الزكاة الأمر فيها على الوجوب، ومخصوصة بالقدر المفروض، وأما التطوع فالأمر فيه على الندب، وليس مخصوصا بقدر معين، فيجوز بالقليل وبالكثير، لكن يختار الجيد، وليس القصد هو الممتاز، فهو الأولى، ولكن الحد الأدنى المطلوب هو الوسط، كما قرر الفقهاء في الزكاة.
ودلت الآية على أن للوالد أن يأكل من كسب ولده لأن
النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أولادكم من طيّب أكسابكم، فكلوا من أموال أولادكم هنيئا» «٢».
واستدل أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى: وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ

(١) البحر المحيط: ٢/ ٣١٦
(٢) رواه البزاز بلفظ: «أولادكم من هبة الله لكم، فكلوا من كسبهم».

صفحة رقم 60

على وجوب زكاة العشر فيما سقي بالمطر، ونصف العشر فيما سقي بالبئر ونحوه مما فيه كلفة، في كل ما تخرجه الأرض من أصناف زراعية، قليلا كان أو كثيرا، من غير تقدير بنصاب، ولا تخصيص بنوع معين من الأقوات، فتجب الزكاة عنده في الزروع والثمار كلها، ويعضده
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية «١» نصف العشر».
وأجيب من قبل الجمهور: بأنه لا متعلق له من الآية لأنها إنما جاءت لبيان محل الزكاة، لا لبيان نصابها أو مقدارها،
وقد بيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم الأنصبة بقوله فيما رواه ابن ماجة: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» «٢».
وهناك أدلة أخرى للفريقين «٣».
ويلاحظ أن الآيات التي تطالب بالإنفاق تختم عادة أو غالبا إما بقوله تعالى: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أو بقوله: وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وذلك يرشدنا إلى أن النفقة جزء مما أنعم الله به من رزق على العباد، وأنه تعالى سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافا كثيرة، ويخلف المبذول على المنفق لأنه واسع الفضل والرحمة والعطاء، ويرشدنا أيضا إلى أن القصد هو اختبار الناس فهو لا يأمرهم بالصدقة حين العوز، وإنما حال السعة واليسر، فكل إنسان مكلف حسب طاقته وقدرته على الإنفاق، وهو سبحانه محمود على كل حال، وعلى جميع نعمه،

(١) الدالية: الغرافة التي تديرها البقرة أو الجمل ونحوهما من الدواب، والناعورة التي يديرها الماء. والحديث رواه الجماعة إلا مسلما عن ابن عمر.
(٢) الذود من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، والكثير:
أذواد. ونصاب الفضة: مائتا درهم، والدرهم العربي (٩٧٥، ٢ غم)، والخمسة الأوسق تعادل (٦٥٣ كغ). [.....]
(٣) أحكام القرآن للجصاص الرازي: ١/ ٤٥٨، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٣٥ وما بعدها.

صفحة رقم 61

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية