ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

٢٦٧- قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) الآية |البقرة : ٢٦٧|.
اختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق الزكاة المفروضة |أو التطوع فقال علي بن أبي طالب وغيره : هي الزكاة المفروضة|(١) نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدلا عنه(٢) عن الجيد. وأما التطوع فكما أن للمرء ألا يتطوع بقليل، فكذلك له أن يتطوع بنزر في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول فإنه الزكاة المفروضة على الوجوب. وأما البراء بن عازب |وقتادة|(٣) والحسن بن أبي الحسن، فظاهر أقوالهم أن الآية في التطوع. وروى البراء وعطاء أن الأنصار كانوا أيام الجذاذ يعلقون أفناء التمر في حبل بين إسطوانتين في المسجد، فيأكل من ذلك فقراء المهاجرين، فعلق رجل حشفا، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بيده : " بئس ما علق هذه " (٤) فنزلت الآية. فالأمر على هذا على الندب(٥).
|و قال أبو الحسن : الأمر على الفرض والنفل من طريق الندب والوجوب، وإن كان الأمر أظهر من جهة الوجوب إلا أن يقال أن الآية على الندب|(٦) فمن هذا الوجه يظهر أن يقال هو أولى بالوجوب(٧)، ومن جهة أخرى وهو أنه في النفل يجوز أداء القليل والكثير الجيد والرديء(٨).
وقوله تعالى :( ولستم بآخذيه ) الآية |البقرة : ٢٦٧|.
يؤكد الاختصاص بالواجب، فإن مثل هذا إنما يذكر في الديون إذا تسامح طالبها فيها فقبل الرديء(٩)، والزكاة دين الله على عباده، فلا يقبل منه الرديء إلا مسامحة وعلى إغماض، فالأمر على هذا القول على الندب(١٠). وإن كان في الزكاة المفروضة، وكذلك ندبوا أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار.
وكل من ذكرنا قوله في الآية، قالوا(١١) يعني من طيبات ما كسبتم يعني من جيد ما كسبتم ومختاره، وجعلوا الخبيث بمعنى الرديء والرذالة. وخالف في ذلك ابن زيد وقال معناه من حلال ما كسبتم(١٢)، وجعل الخبيث الحرام(١٣). فعلى التأويل الأول في الآية يجب على الإنسان إذا كان له من التمر أو الحب ما تجب فيه الزكاة أن لا يتعمد إخراج الرديء منه في الزكاة فإن كان ماله المزكى كله جيدا فقيل : إنه يخرج منه وقيل : إن له أن يأتي بوسط من ذلك ولا يخرج منه. والروايتان عن مالك(١٤). ووجه القول الأول قوله تعالى :( ومن طيبات ما كسبتم ) |البقرة : ٢٦٧| وإن كان كلهم رديئا، فقد اختلف فيه. فذهب الجمهور إلى أنه يخرج منه وليس عليه غير ذلك. وفال عبد الملك : إن كان رديئا كله لم يؤخذ منه وكلف صاحبه أن يخرج من غيره. والروايتان عن مالك أيضا. وحجة القول الأول قوله تعالى :( من طيبات ما كسبتم ) فقيد بالطيب من الكسب فإذا لم يكن في الكسب طيب، فليس عليه سواه.
وإنما أمر الله تعالى بذلك من وجد كسبا طيبا فأخرج رديئا كما كانوا يفعلون في ذلك الوقت. وقد تتأول هذه الآية على مذهب عبد الملك(١٥) فقال : المراد بها أنفقوا من الطيبات من أي نوع تكسبونه كان الطيب من ذلك النوع المكسوب أو لم يكن. والتأويل الأول أظهر. وإن كان هذا سائغا وإذا كان الجيد والرديء متساويين في القدر أو أحدهما أكثر من الآخر، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يخرج من الوسط(١٦). وروى أشهب عنه أنه قال يخرج من كل شيء بقدره(١٧).
وقوله تعالى :( ما كسبتم ) |البقرة : ٢٦٧|.
معناه كما كانت لكم فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مناولة بتجارة والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه لأن الضمير في ( كسبتم ) إنما هو لنوع الإنسان والمؤمنين(١٨).
وقوله تعالى :( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) |البقرة : ٢٦٧|.
يعني النباتات والمعادن والركاز وما ضارع ذلك(١٩). وقد اختلف الناس فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب بعد اتفاقهم على وجوبها في أربعة أشياء : الحنطة والشعير، والتمر، والزيت. فقالت فرقة : لا صدقة إلا في هذه الأربعة، وهو قول الحسن وابن سيرين.
وقالت فرقة : لا صدقة إلا فيها وفي السلت(٢٠)، وهو قول ابن عمر.
وقالت فرقة : لا صدقة إلا في ستة أشياء الخمسة المتقدمة مع الذرة وهو قول النخعي. وذهبت فرقة إلى إيجاب الصدقة في الثمار والنخل، والكرم والحبوب كلها. وهذا قول الجمهور ومالك ومن تابعه. ثم عن مالك على ما تأول بعضهم ثلاثة أقوال :
أحدها :|أن|(٢١) الزكاة تجب في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسلت والأرز، والدخن، والذرة، والقطاني(٢٢).
والثاني : أنها تجب في كل ما كان من الحبوب يؤكل، ويدخر، ويختبز. فعلى هذا لا تجب زكاة القطنية لأنها لا تختبز إلا في الشدائد، وليس ذلك الشأن فيها.
والثالث : أنها تجب في كل حب يأكله الناس ويدخر وعلى هذا لا يقتصر على ما جاء عنه في القول الأول، الذي ذكرنا بل تجب على كل بلد في كل حب يأكله الناس مقتاتا أصلا للعيش.
فمن ذلك التين قال ابن القصار : يرجح فيه قول مالك وإنما تكلم على بلده(٢٣)، ولم يكن التين عندهم إلا مجلوبا فأما بالشام وغيره ففيه الزكاة. قال بعضهم وكذلك بالأندلس وعموم الآية حجة لمن يرى الزكاة في جميع ذلك.
واختلف في سائر ما أخرجته الأرض من غير الحبوب والثمار هل فيها صدقة ؟ فقيل : إن فيها الصدقة حتى أن في عشرة دساتج(٢٤) بقل دستجة بقل. وهو قول النخعي على اختلاف عنه في ذلك.
وقال أبو حنيفة في كل ما أخرجت الأرض الزكاة إلا الحطب والعشب والقصب والتين، وقصب الذرة والسكر(٢٥).
وقال ابن حبيب من أصحاب مالك : فيما أخرجت الأرض من الخضروات(٢٦) والفواكه الزكاة.
وذهب الجمهور ومالك ومن تابعه إلى أنه لا يجب في شيء من ذلك زكاة(٢٧). وحجتهم ما تواتر من عمل أهل المدينة في ذلك.
ومن حجة النخعي، ومن رأى الزكاة في شيء من ذلك عموم قوله تعالى :( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) |البقرة : ٢٦٧|.
والجمهور على نفي الزكاة فيه لأن العموم عندهم مخصص بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس في الخضروات صدقة " (٢٨) وتخصيص العموم بخبر الواحد مختلف فيه.
قال أبو الحسن : وقد احتج قوم لأبي حنيفة في قوله تعالى :( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) على أن ذلك عموم في قليل ما تخرجه وكثيره وفي سائر ما تخرجه الأرض.
وهذا بعيد فإن المراد بيان الجهات التي يتعلق حق الله تعالى بها، وليس ذكر النصاب فيها مقصودا ولا بيان ما لا زكاة فيه(٢٩).
وفي الخل والعسل خلاف هل فيهما زكاة أم لا ؟.
فمن رأى الزكاة فيهما وهو أبو حنيفة اتبع عموم ظاهر(٣٠) الآية ولم يخصص، فمن رأى عدم الزكاة فيهما رآهما مخصصين(٣١) من العموم(٣٢).
وأحسب أني رأيت في البغال والحمير والعبيد خلافا.
ومن اكترى أرضا فزرعها فعلى المكتري زكاة ما تخرجه الأرض إذا بلغ خمسة أوسق خلافا لأبي حنيفة في قوله تعالى إن العشر على رب الأرض. ودليلنا قوله تعالى :( من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ) |البقرة : ٢٦٧| فكان على الزارع(٣٣).
وقوله تعالى :( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) |البقرة : ٢٦٧|.
اختلف في تأويله، فقال ابن عباس والبراء وغيرهما : معناه بآخذيه في ديونكم(٣٤) وحقوقكم عند الناس إلا بأن تتساهلوا في ذلك وتتركون من حقوقكم وأنتم مكرهون، فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم.
وقال الحسن : معنى ذلك ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع إلا أن يهضم لكم من ثمنه. وقال البراء أيضا : المعنى لستم بآخذيه ولو أهدي لكم إلا أن تستحيوا من المهدي.
وقال ابن زيد : المعنى ( ولستم بآخذيه ) أي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه(٣٥).

١ سقطت من أ وهي ثابتة في ب وموافقة لما في المحرر الوجيز..
٢ في ب "من"..
٣ زيادة من ن..
٤ أخرجه من حديث البراء بن عازب وليس فيه اللفظ المرفوع الترمذي في التفسير (٢٩٨٧) وابن ماجه في الزكاة (١٨٢٢) والطبري (٣/١٠٧) والواحدي في أسباب النزول (ص ٥٦) وصحح إسناد ابن ماجه البوصيري. ويراجع العجاب في بيان الأسباب (ص ٤٤٤ -٤٤٩)..
٥ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٣، ٢٤٤) ويراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٧٤، ١٧٥)..
٦ سقطت من أ وفي بعض الألفاظ بياض في ب وفي أحكام الهراسي: "إلا أن تقوم دلالة الندب"..
٧ في أحكام الهراسي "الواجب"..
٨ أحكام القرآن للهراسي (١/٢٢٦)..
٩ المصدر السابق (١/٢٢٦)..
١٠ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٧٤، ١٧٥)..
١١ في ب "قال"..
١٢ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢٢٤٤) ويراجع تفسير الطبري (٣/١٠٥، ١٠٦) قال ابن عطية: "وقول ابن زيد ليس بقوي من جهة نسق الآية، لا من معناه في نفسه"..
١٣ يراجع المدونة لسحنون (١/٣٤٠)..
١٤ في أ "مالك"..
١٥ ينظر المدونة (١/٣٤٠)..
١٦ يراجع المحرر الوجيز (٢/٢٤٤، ٢٤٥)..
١٧ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٥)..
١٨ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٥)..
١٩ قاله ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٥)..
٢٠ سقطت من أ..
٢١ في ن "إلا في الأربعة الأشياء المتقدمة وفي السلت"..
٢٢ يراجع الموطأ، الزكاة (١/٣٦٩/٧٤١ و٧٤٢)..
٢٣ قاله ابن عبد البر في الاستذكار (٩/٢٧٢): "واختلفوا في التين، فالأشهر عند أهل المغرب ممن يذهب مذهب مالك، أنه لا زكاة عندهم في التين إلا عبد الله بن حبيب فانه كان يرى الزكاة على مذهب مالك قياسا على التمر والزبيب. والى هذا ذهب جماعة من البغداديين المالكيين: إسماعيل بن إسحاق ومن اتبعه. وقد بلغني عن الأبهري وجماعة من أصحابه أنهم كانوا يفتون به ويرونه مذهب مالك على أصوله عندهم.."..
٢٤ الدستجة هي الحزمة من الشيء..
٢٥ يراجع شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/٣٧، ٣٨) والاستذكار لابن عبد البر (٩/٢٧٤، ٢٧٥)..
٢٦ في ب "الخضر"..
٢٧ الموطأ، الزكاة (١/٣٧٢/٧٤٩) والاستذكار (٩/٢٧٠ -٢٧٣)..
٢٨ أخرجه من حديث موسى بن طلحة ابن عدي وابن عدي في الكامل (٢/٦١٠) والدارقطني في السنن (٢/٩٦) والبيهقي في السنن (٤/١٢٩) وسنده ضعيف.
وله طرق وشواهد من حديث معاذ بن جبل قواه بها البيهقي وغيره ويراجع نصب الراية للزيلعي (٢/٣٨٩ -٣٨٦) والتلخيص الحبير لابن حجر (٢/١٦٦) وإرواء الغليل للألباني (٣/ رقم ٨٠١)..

٢٩ كذا قال المؤلف نقلا عن أبي الحسن الهراسي في أحكام القرآن (١/٢٢٧) وفيه تصرف..
٣٠ في أ "عموم الظواهر"..
٣١ في ب "مخصوصين"..
٣٢ يراجع الموطأ الزكاة (١/٣٧٢ -٣٧٤) والإشراف لعبد الوهاب (١/٣٩٧) والاستذكار لابن عبد البر (٩/٢٨٤ -٢٨٧) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٣٥، ٢٣٦)..
٣٣ يراجع الإشراف لعبد الوهاب (١/٣٩٧/ رقم ٥٤٩)..
٣٤ في ب "أموالكم"..
٣٥ بنحوه ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٤٧) وروى أغلب هذه الأقوال الطبري في تفسيره (٣/١٠٩ -١١٣)..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير