ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

قوله تعالى : وإن كان ذو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى ميسرة فيه تأويلان ؛ أحدهما : وإن كان ذو عسرة غريماً لكم فنَظِرَةٌ إلى ميسرة، والثاني : على أن " كان " المكتفية باسمها على معنى :" وإن وَقَعَ ذو عسرة أو إن وجد ذو عسرة " كقول الشاعر :
* فِدًى لبني شَيْبَانَ رَحْلي ونَاقَتي * إذا كانَ يومٌ ذُو كواكِبَ أشْهَبُ *
معناه : إذا وجد يوم كذلك.
وقد اختلف في معنى قوله : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فرُوي عن ابن عباس وشُرَيح وإبراهيم " أنه في الربا خاصة " وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون. ورُوي عن إبراهيم والحسن والربيع بن خيثم والضحاك " أنه في سائر الديون "، ورُوي عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك. وقال آخرون :" إن الذي في الآية إنظارُ المعسر في الربا، وسائر الديون في حكمه قياساً عليه ".
قال أبو بكر : لما كان قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة محتملاً أن يكون شاملاً لسائر الديون على ما بينا من وجه الاحتمال، ولتأويل من تأوله من السلف على ذلك، إذْ غير جائز أن يكونوا تأوّلوه على ما لا احتمال فيه، وَجَبَ حمله على العموم وأن لا يُقتصر به على الربا إلا بدلالة، لما فيه من تخصيص لفظ العموم من غير دلالة. فإن قيل : لما كان قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة غير مُكْتَفٍ بنفسه في إفادة الحكم وكان متضمناً لما قبله، وجب أن يكون حكمه مقصوراً عليه. قيل : هو كلام مُكْتَفٍ بنفسه لما في فحواه من الدلالة على معناه ؛ وذلك لأن ذكر الإعسار والإنظار قد دلّ على دَيْن تجب المطالبة به، والإنظارُ لا يكون إلا في حقّ قد ثبت وجوبه وصحت المطالبة به إما عاجلاً وإما آجلاً، فإذا كان في مضمون اللفظ دلالة على دَيْنٍ يتعلق به في حكم الإنظار إذا كان ذو عُسْرة، كان اللفظ مكتفياً بنفسه ووجب اعتباره على عمومه ولم يجب الاقتصار به على الربا دون غيره.
وزعم بعض الناس ممن نصر هذا القول الذي ذكرناه أن هذا لا يجوز أن يكون في الربا، لأن الله تعالى قد أبطله، فكيف يكون منظراً به ؟ قال : فالواجب أن تكون الآية عامّة في سائر الديون. وهذا الحِجَاجُ ليس بشيء، لأن الله تعالى إنما أبطل الربا وهو الزيادة المشروطة ولم يبطل رأس المال، لأنه قال : وذروا ما بقي من الربا والربا هو الزيادة، ثم قال : وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ثم عقب ذلك بقوله : وإن كان ذو عسرة يعني سائر الديون، ورأسُ المال أحدُها ؛ وإبطال ما بقي من الربا لم يبطل رأس المال، بل هو دين عليه يجب أداؤه.
فإن قيل : إذا كان الإنظارُ مأموراً به في رأس المال، فهو وسائر الديون سواء، قيل له : إنما كلامُنا فيما شَمْله العموم من حكم الآية، فإن كان ذلك في رأس مال الربا فلم يتناول غيره من طريق النصّ وإنما يتناوله من جهة العموم للمعنى، فيحتاج حينئذ إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه وردِّه إلى المذكور في الآية بمعنى يجمعهما ؛ وليس الكلام بينك وبين الخصم من جهة القياس، وإنما اختلفتما في عموم الآية وخصوصها، والكلامُ في القياس ورَدُّ غير المذكور إلى المذكور مسألة أخرى.
وقوله تعالى : وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم قد اقتضى ثبوت المطالبة لصاحب الدَّيْن على المَدِينِ وجواز أخذ رأس مال نفسه منه بغير رضاه، لأنه تعالى جعل اقتضاءه ومطالبته من غير شرط رِضَى المطلوب، وهذا يوجب أنّ من له على غيره دين فطالبه به فله أخذه منه شاء أم أبَى ؛ وبهذا المعنى ورد الأثَرُ عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت له هند : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال :" خُذِي مِنْ مَالِ أبي سُفْيَانَ ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوف " فأباح لها أخْذَ ما استحقته على أبي سفيان من النفقة من غير رِضَى أبي سفيان.
وفي الآية دلالةٌ على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالماً، ودلالتُها على ذلك من وجهين، أحدهما : قوله تعالى : وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم فجعل له المطالبة برأس المال، وقد تضمَّن ذلك أمر الذي عليه بقضائه وتَرَكَ الامتناع من أدائه، فإنه متى امتنع منه كان له ظالماً ولاسم الظلم مستحقّاً، وإذا كان كذلك استحق العقوبة وهي الحبس. والوجه الآخر من الدلالة عليه : قوله تعالى في نسق التلاوة : لا تَظْلمون ولا تُظْلمون يعني والله أعلم : لا تَظْلِمُون بأخذ الزيادة ولا تُظْلَمُون بالنقصان من رأس المال ؛ فدلّ ذلك على أنه متى امتنع من أداء جميع رأس المال إليه كان ظالماً له مستحقّاً للعقوبة. واتّفق الجميع على أنه لا يستحق العقوبة بالضرب، فوجب أن يكون حبساً، لاتفاق الجميع على أن ما عداه من العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا.
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما دلّت عليه الآية، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي قال : حدثنا عبدالله بن المبارك، عن وبر بن أبي دليلة، عن محمد بن ميمون، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ " قال ابن المبارك : يحل عِرْضه : يُغْلِظُ له، وعقوبته : يُحْبَس. وروى ابن عمر وجابر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُحِيلَ أحَدُكُمْ على مَلِيءٍ فلْيَحْتَلْ " فجعل مَطْلَ الغنيّ ظلماً، والظالم لا محالة مستحق العقوبة وهي الحبس، لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره. وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا معاذ بن أسد قال : أخبرنا النضر بن شميل قال : أخبرنا هرماس بن حبيب رجل من أهل البادية عن أبيه عن جده قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي، فقال لي :" ألْزَمْه ! " ثم قال :" يا أخا بَني تميم مَا تُرِيدُ أن تَفْعَلَ بأَسِيرِكَ ؟ " وهذا يدلّ على أن له حبس الغريم، لأن الأسير يحبس ؛ فلما سماه أسيراً له دلّ على أن له حبسه. وكذلك قوله :" ليُّ الواجد يُحِلُّ عِرْضَهُ وعقُوبَتَهُ " والمراد بالعقوبة هنا الحبس، لأن أحداً لا يوجب غيره.
واختلف الفقهاء في الحال التي توجب الحبس، فقال أصحابنا : إذا ثبت عليه شيء من الديون من أي وجه ثبت فإنه يحبس شهرين أو ثلاثة، ثم يُسأل عنه فإن كان موسراً تركه في الحبس أبداً حتى يقضيه، وإن كان معسراً خَلَّى سبيله. وذكر ابن رستم عن محمد عن أبي حنيفة : أن المطلوب إذا قال إني مُعْسِرٌ وأقام البَيِّنَةَ على ذلك، أو قال : فسَلْ عنّي، فلا يسأل عنه أحداً، وحَبَسَهُ شهرين أو ثلاثة ثم يسأل عنه إلا أن يكون معروفاً بالعسر، فلا يحبسه، وذكر الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران قال : كان متأخرو أصحابنا، منهم محمد بن شجاع، يقولون :" إن كل دين كان أصله من مال وقع في يدي المدين كأثمان البياعات والعروض ونحوها، فإنه يحبسه به، وما لم يكن أصله من مال وقع في يده مثل المهر والجعل من الخلع والصلح من دم العمد والكفالة، لم يحبسه به حتى يثبت وجوده وملاؤه. وقال ابن أبي ليلى :" يحبسه في الديون إذا أُخْبِرَ أن عنده مالاً ". وقال مالك :" لا يُحبس الحرُّ ولا العبدُ في الدين ولا يُستبرأ أمره، فإن اتّهم أنه قد خبّأ مالاً حبسه، وإن لم يجد له شيئاً لم يحبسه وخلاّه ". وقال الحسن بن حي :" إذا كان موسراً حُبِس، وإن كان معسراً لم يُحبس ". وقال الشافعي :" إذا ثبت عليه دَيْن بِيعَ ما ظهر ودُفع ولم يحبس، فإن لم يَظْهَرْ حُبِسَ وبِيعَ ما قدر عليه من ماله، فإن ذكره عسره قبلت منه البينة بقوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأحلفه مع ذلك بالله ومنع عرماءه من لزومه ".
قال أبو بكر : إنما قال أصحابنا " إنه يحبسه في أول ما ثبت عند القاضي دينه " لما دللنا عليه من الآية والأثر على كونه ظالماً في الامتناع من قضاء ما ثبت عليه وأنه مستحق للعقوبة متى امتنع من أدَاءِ ما وجب عليه، فالواجب بقاء العقوبة عليه حتى يثبت زوالها عنه بالإعسار. فإن قيل : إنما يكون ظالماً إذا امتنع من أدائه مع الإمكان، لأن الله تعالى لا يذمّه على ما لم يُقْدِرْهُ عليه ولم يُمَكِّنْه منه، ولذلك شرط النبي صلى الله عليه وسلم الوجود في استحقاق العقوبة بقوله :" ليُّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته " وإذا كان شرط استحقاق العقوبة وجود المال الذي يمكنه أداؤه منه، فغير جائز حبسه وعقوبته إلا بعد أن يثبت أنه واجدٌ ممتنعٌ من أداء ما وجب عليه ؛ وليس ثبوت الدين عليه عَلَماً لإمكان أدائه على الدوام، إذ جائز أن يحدث الإعسار بعد ثبوت الدين قيل له : أما الديون التي حصلت أبدالها في يده فقط علمنا يساره بأدائها يقيناً ولم نعلم إعساره بها، فوجب كونه باقياً على حكم اليسار والوجود حتى يثبت الإعسار. وأما ما كان لزمه منها من غير بَدَلٍ حصل في يده يمكنه أداؤه منه، فإن دخوله في العقد الذي ألزمه ذلك اعترافٌ منه بلزوم أدائه، وتوجَّه المطالبة عليه بقضائه، ودعواه الإعسار به بمنزلة دَعْوَى التأجيل للموسر فهو غير مصدَّق عليه ؛ ولذلك سَوَّى أصحابُنا بين الديون التي قد علم حصول إبدالها في يده وبين ما لم تحصل في يده، إذ كان دخوله في العقد الموجب عليه ذلك الدين اعترافاً منه بلزوم الأداء وثبوت حق المطالبة للمطالب، وذلك لأن كل متعاقِدَيْن دخلا في عقد فدخولهما فيه اعتراف منهما بلزوم موجب العقد من الحقوق، وغير مصدق بعد العقد واحد منهما على نفي موجبه ؛ ومن أجل ذلك قلنا إن ذلك يقتضي اعترافاً منهما بصحته، إذْ كان ذلك مضمناً للزوم حقوقه، وفي تصديقه على فساده نفي ما لزمه بظاهر العقد ؛ ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن مدَّعي الفساد منهما بعد وقوع العقد بينهما وصحته في الظاهر غير مصدَّقٍ عليه وأن القول قول مدَّعي الصحة منهما، وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا مِنْ أن مَنْ ألزم نفسه ديناً بعَقْدٍ عَقَدَهُ على نفسه أنه يلزمه أداؤه ومحكوم عليه بأنه موسر به وغيرمصَدَّقٍ على الإعسار المسقط عنه المطالبة، كما لا يصدَّقُ على التأجيل بعد ثبوته عليه حالاً. وإنما قال أصحابنا " إنه يحبسه في أول ما يرفعه إلى القاضي إذا طلب ذلك الطالب، ولا يُسأل عنه " مِنْ قِبَلِ أنه توجهت عليه المطالبة بأدائه ومحكوم له باليسار في قضائه، فالواجب أن يستبرىء أمره بدياً، إذ جائزٌ أن يكون له مال قد خبأه لا يقف عليه غيره، فلا يُوقَفُ بذلك على إعساره، فينبغي له أن يحبسه استظهاراً لما عسى أن يكون عنده، إذ كان في الأغلب أنه إن كان عنده شيء آخر أضجره الحبس وألجأه إلى إخراجه، فإذا حبسه هذه المدة فقد استظهر في الغالب فحينئذ يُسأل عنه ؛ لأنه جائز أن يكون هناك من يعلم يساره سرّاً فإذا ثبت عنده إعساره خلاّه من الحبس. وقد رُوي عن شُرَيح أنه كان يحبس المعسر في غير الربا من الديون، فقال له معسر قد حبسه : قال الله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فقال شريح : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [ النساء : ٥٨ ] والله لا يأمرنا بشيء ثم يعذبنا عليه. وقد قدمنا ذكر مذهب شُريح في تأويل الآية، وأن قوله تعالى :{ وإن كان ذو عسرة

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير