٧٣ أوروى أبو داود في «سننه»، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ/ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» «١». انتهى.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ يقتضي الزجْرَ للكفَّارِ المستحلِّين للربا، ووصْف «الكَفَّار» ب «أثيم» إِما مبالغةٌ من حيثُ اختلف اللفظانِ، وإِما ليذهب الاشتراكُ الذي في «كَفَّار» إِذ قد يقع على الزَّارِعِ الذي يستر الحَبَّ في الأرض، قاله ابنُ فُورَكَ «٢».
ولما انقضى ذكْر الكافرين، عقَّب سبحانه بذكْرِ ضدِّهم ليبين ما بين الحالَتَيْنِ، فقال:
| إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا | الآية، وقد تقدَّم تفسير مثل هذه الألفاظ. |
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا... الآية: سبَبُ هذه الآيةِ أنه لما افتتح النبيّ صلّى الله عليه وسلم مكَّة، قال في خُطْبَتِهِ اليَوْمَ الثانِيَ من الفَتْح: «ألا كُلُّ رِباً فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوّل ربا أضعه ربا «٣»
(٢) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٣). [.....]
(٣) قال صاحب «المصباح» : الربا: الفضل والزيادة، وهو مقصور على الأشهر، ويثنّى فيقال: ربوان بالواو على الأصل، وقد يقال: ربيان على التخفيف، وينسب إليه على لفظه، فيقال: ربويّ. قاله أبو عبيد وغيره.
وزاد المطرزي فقال: الفتح في النسبة خطأ.
وربا الشيء يربو، إذا زاد ونما، وأربى الرّجل (بالألف) دخل في الرّبا، وأربى على الخمسين، زاد عليها.
وفي «اللسان» : ربا الشيء يربو ربوّا ورباء: زاد ونما، وأربيته: نميته.
وفي التنزيل العزيز: وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [البقرة: ٢٧٦] ومنه: آخذ الربا الحرام. وأربى الرّجل في الربا: يربي، وقد تكرر ذكره في الحديث. والأصل فيه الزيادة من: ربا المال، إذا زاد وارتفع، والاسم:
الربا مقصور، وأربى الرجل على الخمسين ونحوها: زاد، وفي حديث الأنصار يوم «أحد» :«لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم». أي: لنزيدنّ ولنضاعفنّ. وفي حديث الصدقة: «وتربو في كف-
العبّاس» «١» فبدأ صلّى الله عليه وسلم بعَمِّه، وأخَصِّ الناسِ به، وهذه من سنن العَدْلِ للإِمام أنْ يفيض العَدْل على نَفْسه وخاصَّته، فيستفيض في النَّاس، ثم رجع رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم إِلى المدينةِ، واستعمل على مكَّة عَتَّابَ بْنَ أسيد «٢»، فلمّا استنزل صلّى الله عليه وسلم أهْلَ الطائِفِ بَعْد ذلك إِلى الإِسْلامِ، اشترطوا شُرُوطاً، وكان في شروطهم: أنَّ كُلَّ رباً لهم على النَّاسِ فإِنهم يأخذونه، وكُلُّ رباً علَيْهم، فهو موضُوعٌ، فيروى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم قَرَّر لهم هذه، ثم ردَّها اللَّه بهذه الآية كما ردّ
وقرىء: «وربأت» فمن قرأ: «وربت» فهو من ربا يربو، إذا زاد على أيّ الجهات زاد.
ومن قرأ: «وربأت» بالهمز فمعناه: ارتفعت، وسابّ فلان فلانا، فأربى عليه في السّباب، إذا زاد عليه.
وقوله (عز وجل) : فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً [الحاقة: ١٠] أي: أخذه تزيد على الأخذات.
قال الجوهري: أي: زائدة، كقولك: «أربيت، إذا أخذت أكثر مما أعطيت».
واصطلاحا:
عرفه الحنفية بأنه: فضل مال خال عن عوض، شرط لأحد العاقدين، في معاوضة مال بمال.
وعرفه الشّافعية بأنه: عقد على عوض مخصوص، غير معلوم التماثل في معيار حالة العقد، أي: مع تأخير في البدلين، أو أحدهما.
وعرفه المالكية بأنه: عقد معاوضة على نقد أو طعام مخصوص بجنسه، مع التفاضل، أو مع التأخير مطلقا.
وعرفه الحنابلة بأنه: الزّيادة في أشياء مخصوصة.
وقد قسّم الفقهاء الرّبا إلى قسمين، وزاد الشافعية قسما ثالثا:
١- ربا الفضل، وهو: البيع مع زيادة أحد العوضين عن الآخر.
٢- ربا النّسا، وهو: البيع لأجل، أو تأخير أحد العوضين عن الآخر.
٣- ربا اليد، وهو: البيع مع تأخير قبضهما، أو قبض أحدهما.
ينظر: «الصحاح» (٦/ ٢٣٥٠)، و «المغرب» (١٨٢)، و «المصباح المنير» (١/ ٣٣٣)، و «المطلع» (٢٣٩).
وينظر: «شرح فتح القدير» (٧/ ٣)، «تبيين الحقائق شرح كنز الحقائق» (٤/ ٨٥)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (٢/ ٣١)، «مغنى المحتاج» (٢/ ٢١)، «فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب» (١/ ١٦١)، «المغني» (٤/ ١٢٢)، «مجمع الأنهر» (٢/ ٨٣)، «كشاف القناع» (٣/ ٢٥١).
(١) هو جزء من حديث جابر في صفة حج النبي صلّى الله عليه وسلم، وقد تقدم تخريج هذا الحديث عند آيات الحج في سورة البقرة.
(٢) عتّاب بن أسيد بن أبي العيص الأموي، أبو عبد الرحمن من مسلمة الفتح. ولي للنبي صلّى الله عليه وسلم «مكّة» وله عشرون سنة. وعنه ابن المسيّب، وعطاء مرسلا لأنه مات يوم مات الصّديق. وذكر الطبراني أنه عمل لعمر، وفي صحيح مسلم حديث يدل على ذلك إلى سنة إحدى وعشرين.
ينظر: «الخلاصة» (٢/ ٢٠٨).
صُلْحَه لكُفَّار قُرَيْش في ردِّ النِّسَاءِ إِليهم عامَ الحُدَيْبِية، وذكَرَ النَّقَّاش روايةً أنَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَسْفَلِ الكِتَابِ لِثَقِيفٍ: «لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيهِمْ»، فلما جاءَتْ آجال رِبَاهُمْ، بعثوا إِلى مكَّة لِلاقتضاءِ، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين، فقال بنو المُغِيرَةِ: لا نُعْطِي شَيئاً فإِن الربَا قد وُضِعَ، ورفعوا أمرهم إِلى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ بمكَّة، فَكَتَب به إلى رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى عتَّابٍ، فعلمتْ بها ثقيفٌ، فكَفَّت: هذا سببُ الآية على اختصارٍ ممَّا روى ابْنُ إِسحاق، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغيرهم «١».
فمعنى الآية: اجعلوا بينكم وبيْنَ عذابِ اللَّهِ وقايةً بترككمْ ما بَقِيَ لكُمْ من رباً، وصَفْحِكُمْ عنه، ثم توعَّدَهُمْ تعالَى، إِن لم يذروا الربَا بحَرْبٍ منه، ومِنْ رسوله، وأمَّته، والحَرّب داعية القَتْلِ.
وقوله تعالى: فَأْذَنُوا قال سِيبَوَيْهِ: آذَنْتُ: أعْلَمْتُ.
ت: وهكذا فسره البخاريُّ، فقال: قال أبو عبد اللَّهِ: فَأذَنُوا، فاعلموا «٢»، وقال ع «٣» : هي عنْدِي من الأَذَنِ، وقال ابن عَبَّاس وغيره: معناه فاستيقنوا بحَرْبٍ «٤».
ثم ردَّهم سبحانه مع التوبة إِلى رءوس أموالهم، وقال لهم: لا تَظْلِمُونَ في أخذِ الزائِدِ، ولا تُظْلَمُونَ في أنْ يتمسَّك بشيء من رءوس أموالكُمْ، ويحتمل لا تَظْلِمُونَ في مَطْلٍ، لأن مَطْل الغنيّ ظلم كما قال- عليه الصلاة والسلام «٥» - فالمعنى أنه يكون
(٢) ينظر: صحيح البخاري (٨/ ٥٢)، كتاب «التفسير»، باب (فأذنوا بحرب من الله)، حديث (٤٥٤٢).
(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٥).
(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١/ ٨) برقم (٦٢٦٥)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٥)، والسيوطي في «الدر المنثور» (١/ ٦٤٧)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(٥) أخرجه مالك (٢/ ٦٧٤)، كتاب «البيوع»، باب جامع الدين والحول، حديث (٨٤)، والبخاري (٤/ ٤٦٤) كتاب «الحوالة»، باب هل يرجع في الحوالة، حديث (٢٢٨٧)، ومسلم (٣/ ١١٩٧)، كتاب «المساقاة»، باب تحريم مطل الغني، حديث (٣٣/ ١٥٦٤)، وأبو داود (٣/ ٦٤٠)، كتاب «البيوع»، باب في المطل، حديث (٣٣٤٥)، والنسائي (٧/ ٣١٧)، كتاب «البيوع»، باب الحوالة. والترمذي (٣/ ٦٠٠)، كتاب «البيوع»، باب مطل الغني ظلم، حديث (١٣٠٨)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٣) كتاب-
القضاءُ، مع وضْعِ الربا وهكذا سنة الصُّلْح، وهذا أشبه شيء بالصُّلْح ألا ترى أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم لَمَّا أشارَ على كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَّطْرِ، فقال كعب: نعم، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لِلآخَرِ: «قُمْ، فاقضه» «١»، فَتلقَّى العلماءُ أمره بالقَضَاء سنّة في المصالحات.
وأحمد (٢/ ٢٤٥)، والدارمي (٢/ ٢٦١) كتاب «البيوع»، باب في مطل الغني ظلم. والحميدي (٢/ ٤٤٧) رقم (١٠٣٢)، وأبو يعلى (١١/ ١٧٢- ١٧٣) رقم (٦٢٨٣)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ٨)، والبيهقي (٦/ ٧٠) كتاب «الحوالة»، باب من أحيل على ملىء فليتبع، كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على ملىء فليتبع».
وأخرجه البخاري (٥/ ٧٥) كتاب «الاستقراض»، باب مطل الغني ظلم، حديث (٢٤٠٠)، ومسلم (٣/ ١١٩٧)، كتاب «المساقاة»، باب تحريم مطل الغني. وأحمد (٢/ ٣١٥)، وعبد الرزاق (٨/ ٣١٦) رقم (١٥٣٥٥)، والبيهقي (٦/ ٧٠) كتاب «الحوالة»، باب من أحيل على ملىء فليتبع، كلهم من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم».
لفظ البخاري هكذا مختصرا.
وأخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ٢٣١) من طريق أبي قرة موسى بن طارق عن ابن جريج عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم».
وقال الطبراني: لم يروه عن صالح إلا ابن جريج، تفرد به أبو قرة. قال السهمي في «سؤالاته للدارقطني» (٤٠٢) : سألت أبا الحسن الدارقطني، قلت: أبو قرة موسى بن طارق لا يقول: «أخبرنا» أبدا، يقول:
ذكر فلان. أيش العلة فيه؟ فقال: هو سماع له كله، وقد كان أصاب كتبه آفة فتورع فيه، فكان يقول: ذكر فلان. اهـ.
وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٩٤) من طريق علي بن مسهر عن عاصم الأحول عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم».
وفي الباب عن ابن عمر:
أخرجه الترمذي (٣/ ٦٠٠- ٦٠١) كتاب «البيوع»، باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، حديث (١٣٠٩)، وابن ماجة (٢/ ٨٠٣) كتاب «الصدقات»، باب الحوالة، حديث (٢٤٠٤)، وأحمد (٢/ ٧١) من طريق هشيم: ثنا يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على ملىء فاتبعه، ولا تبع بيعتين في واحدة».
والحديث ذكره الحافظ البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٢٤٢) مع أنه ليس على شرطه فقد أخرجه الترمذي أيضا، ولم ينفرد به ابن ماجة.
فقال: هذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع، قال أحمد بن حنبل: لم يسمع يونس بن عبيد من نافع شيئا، إنما سمع من ابن نافع عن أبيه. وقال ابن معين وأبو حاتم: لم يسمع من نافع شيئا.
(١) أخرجه البخاري (١/ ٦٥٧)، كتاب «الصلاة»، باب التقاضي والملازمة في المسجد، حديث (٤٥٧)، (١/ ٦٦٩)، كتاب «الصلاة»، باب رفع الصوت في المسجد، حديث (٤٧١)، ومسلم (٣/ ١١٩٢)، كتاب «المساقاة»، باب استحباب الوضع من الدين، حديث (٢٠، ٢١/ ١٥٥٨).
٧٣ ب وقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ/، فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ حكم اللَّه تعالى لأرباب الربَا برُءُوس أموالهم عنْدَ الواجدين للمال، ثم حكم في ذِي العُسْرَةِ بالنَّظَرَةِ إِلى حال اليُسْرِ، والعُسْرُ: ضيقُ الحالِ من جهة عدمِ المالِ، والنَّظِرَةُ التأخيرُ.
ت: وفي «الصحيحين» عَنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» «١»، وفي «صحيح مسلمٍ» :«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»، وفي روايةٍ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ»، وفي رواية: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ الله في ظلّه» «٢». انتهى.
(٢) ورد من حديث أبي اليسر، وأبي هريرة، وأبي قتادة، وعثمان، وابن عباس، وكعب بن عجرة، وأسعد بن زرارة.
حديث أبي اليسر:
أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٧)، والدارمي في «السنن» (٢/ ٢٦١)، كتاب «البيوع»، باب فيمن أنظر معسرا، ومسلم في «الصحيح» (٤/ ٢٣٠٢)، كتاب «الزهد» (٥٣)، باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر (١٨)، الحديث (٧٤/ ٣٠٠٦)، وابن ماجة «السنن» (٢/ ٨٠٨)، كتاب «الصدقات» (١٥)، باب إنظار العسر. (١٤)، الحديث (٢٤١٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٨- ٢٩)، كتاب «البيوع»، باب من أنظر معسرا، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٨)، كتاب «البيوع»، باب من عجل له أدنى من حقه، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ١٩- ٢٠) في ترجمة كعب بن عمرو أبي اليسر، رقم (١١٥) بلفظ: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووهم، لإخراج مسلما إياه.
حديث أبي هريرة:
أخرجه الترمذي في «السنن» (٣/ ٥٩٩)، كتاب البيوع (١٢)، باب ما جاء في إنظار المعسر والرفق به (٦٧)، الحديث (١٣٠٦). والقضاعي في «مسند الشهاب» (١/ ٢٨١)، الحديث (٤٥٩) بلفظ: «من أنظر معسرا أو وضع له، أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله». قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
حديث أبي قتادة:
أخرجه أحمد (٥/ ٣٠٠، ٣٠٨)، والدارمي (٢/ ٢٦١- ٢٦٢)، ومسلم (٣/ ١١٩٦) كتاب «المساقاة»، باب فضل إنظار المعسر، الحديث (٣٢/ ١٥٦٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٦٦) في ترجمة حماد بن زيد، رقم (٣٧٣) بلفظ: «من نفس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة» لفظ أحمد والدارمي، وقال مسلم: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينظر معسرا، أو ليضع عنه» وقال أبو نعيم: «من أنظر معسرا أو وهب له، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله».
حديث عثمان: -
والمَيْسَرَةُ: مصدرٌ بمعنى اليُسْرِ، وارتفع: «ذُو عُسْرَةٍ» ب «كان» التامة الَّتي هي بمعنى:
«وُجِدَ، وَحَدَثَ»، وارتفعَ قَوْلِه: «فَنَظِرَةٌ» علَى خبر ابتداءٍ مقدَّر، تقديره فالواجبُ نَظِرَةٌ.
واختلف أهْلُ العلْمِ هلْ هذا الحُكْم بالنَّظِرَةِ إِلى الميسرةِ واقفٌ على أهل الربا خاصَّة، وهو قول ابن عبَّاس، وشُرَيْح «١»، أو هو منسحبٌ على كلِّ دين حلال، وهو قول جمهور
وحديث ابن عباس:
أخرجه أحمد في «المسند» (١/ ٣٢٧) عنه قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا، وأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلى الأرض: «من أنظر معسرا، أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم».
وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٣٦- ١٣٧) وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الله بن جعوية السلمي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
حديث آخر لابن عباس:
أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١٣٣٠) عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من أنظر معسرا إلى ميسرته، أنظره الله بدينه إلى نوبته».
قال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٣٨) : رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط»، وفيه الحكم بن الجارود، ضعفه الأزدي. وشيخ الحاكم وشيخ شيخه لم أعرفهما.
حديث كعب بن عجرة:
أخرجه الطبراني في «الصغير» (١/ ٢٠٩- ٢١٠)، و «الكبير» (١٩/ رقم ٢١٤) «من أنظر معسرا أو يسر عليه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله».
وذكره الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٣٧)، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبيدة بن معتب، وهو متروك.
حديث أسعد بن زرارة:
أخرجه الطبراني في الكبير (٨٩٩) بلفظ «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر، أو ليضع عنه».
وذكره الهيثمي في «المجمع» (٤/ ١٣٧)، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» من طريق عاصم بن عبيد الله عن أسعد، وعاصم ضعيف، ولم يدرك أسعد بن زرارة. [.....]
(١) شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية الكندي، أبو أميّة الكوفي، مخضرم، ولي لعمر «الكوفة» فقضى بها ستين سنة، وكان من جلة العلماء، وأذكى العالم عن علي وابن مسعود، وعنه الشّعبي، وأبو وائل، وثقه ابن معين، قال الشعبي: كان أعلم الناس بالقضاء. وقال ابن حصين: اختصم إليه رجلان فحكم على أحدهما، فقال: قد علمت من حيث أتيت، فقال شريح: لعن الله الراشي والمرتشي والكاذب، قال محمد بن نمير: مات سنة ثمانين على الأصح، عن مائة وعشر سنين وقيل:
عشرين سنة.
ينظر: «الخلاصة» (١/ ٤٤٧).
العلماء «١» ؟
ع «٢» : وما قاله ابن عبَّاس إِنما يترتَّب، إِذا لم يكُنْ فقر مُدْقِعٌ، وأما مع الفقر والعُدْمِ الصريحِ، فالحُكْمُ هي النَّظِرة ضرورةً.
ت: ولا يخالف ابن عبَّاس في ذلك.
وقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ: نَدَبَ اللَّه بهذه الألفاظ إِلى الصدَقَة على المُعْسِر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله جمهور العلماء.
وروى سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب أنه قَالَ: كان آخر ما نَزَلَ من القُرآن آية الربا، وقُبِضَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولَمْ يفسِّرْها لَنَا، فدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةَ «٣».
وقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا «٤».
قال ع «٥» : ومعنى هذا عنْدي، أنها من آخر ما نَزَلَ لأن جمهور النَّاس ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، وابنُ جْرَيجٍ، وغيرهم، قالوا: آخر آية نزلَتْ قوله تعالى:
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ورُوِيَ أَنَّ قوله: وَاتَّقُوا نزلت قبل موت النبيّ صلّى الله عليه وسلم بِتِسْعِ ليالٍ، ثم لم ينزلْ بعدها شيْءٌ، ورُوِيَ بثلاثِ ليالٍ، وروي أنَّها نزلَتْ قبل موته بثلاث ساعات، وأنّه صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «اجعلوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبَا وَآيَةِ الدَّيْنِ»، وحكى مكّيّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اجعلها على مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرةِ» «٦».
وقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ... الآية: وعْظٌ لجميعِ الناسِ، وأمْرٌ يخصُّ كلَّ إِنسان.
ت: حدَّثني من أثقُ به أنه جَلَسَ عند شيخ من الأفاضل يجوّد عليه القرآن،
(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٧).
(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١٤) (٦٣٠٥)، وذكره الماوردي في «تفسيره» (١/ ٣٥٣)، وابن عطية في «تفسيره» (١/ ٣٧٧).
(٤) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ١١٤) برقم (٦٣٠٧).
(٥) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٣٧٨).
(٦) ينظر: «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٧٤).
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي
عادل أحمد عبد الموجود