ثواب الصدقة وخطر الربا
الإسلام دين الرحمة والعطف والتعاون، أوجب على الناس أن يتآزروا في وقت الشدة والضيق، وأن يتراحموا في وقت العسر والمشقة، فإذا احتاج الواحد إلى مبلغ من المال، فعلى الآخرين مساعدته بالصدقة أو غيرها من ألوان المساعدة، ولا يرهقه بإقراضه مبلغا من المال مع زيادة معينة أو نسبية تتزايد مع مرور الزمان، لأن الله تعالى يبارك للغني فيما يتصدق به ويعوضه خيرا عما أنفق، وينمي له ماله بوسائل مختلفة، ويكون المتصدق محبوبا عند الله والناس أجمعين، فلا حسد ولا بغضاء، ولا غش ولا احتيال، ولا سرقة ولا اغتصاب، ولا تآمر ولا إيذاء، وهذا كله مما يساعد على نمو المال وزيادته، قال الله تعالى:
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا «١» وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ «٢» وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ «٣» [البقرة: ٢/ ٢٧٦]. وآيات الربا هي:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٥ الى ٢٨١]
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
[البقرة: ٢/ ٢٧٥- ٢٨١].
(٢) أي يزيد ويبارك.
(٣) مقيم على كفره بتحليل الربا، فاجر فاسق بأكله الربا.
وإذا أقرض الإنسان أخاه مبلغا من المال لمدة من الزمان، ثم تعذر على المدين المقترض الوفاء بالدين في أجله المحدد له، فعلى المقرض إمهاله وانتظاره لمدة أخرى يتمكن فيها من الوفاء، وينتظره حينئذ لوقت اليسر والرخاء، وهذه هي نظرة (انتظار) المعسر إلى وقت الرخاء، قال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٠ الى ٢٨١]
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
«١» [البقرة: ٢/ ٢٨٠- ٢٨١]. والمعنى:
إن تعاملتم مع فقير معسر، فانتظار منكم إلى يسر ورخاء، عسى الله أن يفرج عليكم جميعا،
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».
ومن تصدق بالتأجيل أو بترك الدين كله أو بعضه، فهو خير له وأحسن.
ولا يجوز لمسلم بحال من الأحوال أن يأكل الربا أو يأخذ من المدين المقترض زيادة عن أصل رأسماله، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء، ولعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه.
والتعامل بالربا يقضي على روح الأخوة والتعاون بين الناس، ويؤدي غالبا إلى الفقر والأزمة الاقتصادية، وفقد أصل المال أو الأرض التي تباع عادة في نهاية الأمر لتسديد القرض وفوائده المتراكمة، والربا في الواقع استغلال لحاجة المضطر، وقسوة، وأكل للمال بالباطل، وربح من غير جهد ولا عمل، وهو يوجب غضب الله وانتقامه، لذا حرم الله الربا بكل أنواعه، وأنذر صاحبه بأنه يقوم من قبره يوم القيامة، يتخبط كالذي مسّه الجن، أما المحسنون المؤمنون الذين يقرضون من غير فائدة، فهم يوم القيامة في أمان واطمئنان ولا خوف عليهم ولا حزن فيهم، ولا قلق
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي