ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

فاعل، وهو قوله تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ، فتظلمون أشكل بما قبله لإسناد الفعل فيه إلى الفاعل من تُظْلَمُونَ المسند فيه (١) الفعل إلى المفعول به (٢).
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قالت الإخوة المربون: بل نتوب إلى الله، فإنه لا يَدَان لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال، وسلّموا لأمر الله عز وجل، فشكا بنو المغيرة العسرة، وقالوا (٣): آخرونا إلى أن تُدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله عز وجل (٤): وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١).
٢٨٠ - قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ (كان) كلمة تستعمل على أنحاء (٥):
أحدها: أن يكون بمنزلة حَدَثَ وَوَقَعَ، وذلك قولك: قد كانَ الأمرُ، أي: وَقَع وحَدَثَ، وحينئذ لا تحتاج إلى خبر، وأكثر ما تستعمل بهذا المعنى في المنكرات، كقولك: إن كان رجل صالح فأكرمه.
والثاني: أن يخلع (٦) منه معنى الحدث، فتبقى الكلمة مجردة للزمان،

(١) من قوله: (فيه إلى)، من (ي) و (ش).
(٢) من "الحجة" ٢/ ٤١٤ بتصرف.
(٣) في (ي) (وقال).
(٤) ذكره مقاتل في "تفسيره" ١/ ٢٢٧ والفراء في "معاني القرآن" ١/ ١٨٢، والحيري في "الكفاية" ١/ ٢٣٦، والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ١٧٣٧، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص ٩٥ - ٩٦، والحافظ في "العجاب" ١/ ٦٤١ عن الكلبي.
(٥) في (ي) (أحوال).
(٦) في (أ) و (م) (الخلع).

صفحة رقم 476

فيلزمها الخبر المنصوب، وذلك قولك: كان زيد ذاهبًا.
والثالث: أن يكون بمعنى صار. أنشد أحمد بن يحيى:

بتيهاءَ قَفْرٍ والمَطِيَّ كأَنّها قَطَا الحَزْنِ قد كانت فِرَاخًا بُيُوضُها (١)
أي: صارت.
والرابع: أن تكون زائدة، وذلك قولهم: ما كَان أحسنَ زيدًا، أنشد البغداديون:
سَرَاةُ بَنِي أبي بَكْر تَسَامَوا على كان المُسَوَّمةِ الجِيادِ (٢) (٣)
فمما استعمل فيه (كان) بمعنى: وقع وحدث، هذه الآية، أي: وإن وقع ذو عسرة، والمعنى على هذا يصح، وذلك أنه لو نصب فقيل: وإن كان ذا عسرة، لكان المعنى: وإن كان المستربي ذا عسرة فنظرة، فيكون النظر مقصورًا عليه، وليس الأمركذلك؛ لأن المستربي وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظر إلى الميسرة (٤).
(١) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي في "ديوانه" ص١١٩، "الحجة" ٢/ ٤٣٦، و"شرح الكافية" للرضي ٤/ ١٨٩، و"لسان العرب" ٥/ ٢٨٩٧ (مادة: عرض)، ٧/ ٣٩٦١ (مادة: كون).
(٢) البيت بلا نسبة في "الحجة" ٢/ ٤٣٧، "سر صناعة الإعراب" ١/ ٢٩٨، والأزهية في علم الحروف ص ١٨٧وشواهد الأشموني ٢/ ١٠٩، "الخزانة" ٤/ ٣٣، "لسان العرب" ٧/ ٣٩٦٣ (كون). ويروى: العِراب بدل الجياد.
(٣) من كلام أبي علي في "الحجة" ٢/ ٤٣٧، وينظر في معاني (كان): الكتاب. لسيبويه ١/ ٤٥ - ٥٦، "المقتضب" ٣/ ٩٦، ٤/ ٩٥، ١١٦، ١٨٤، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٠٨٣ - ٣٠٨٤، "الأزهية في علم الحروف" ١٨٣ - ١٩٢، "المفردات" ص ٤٢١ - ٤٢٢، "لسان العرب" ٧/ ٣٩٥٩ - ٣٩٦٣.
(٤) من "الحجة" ٢/ ٤٣٩ بتصرف، وينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للزجاج =

صفحة رقم 477

والعُسْرة: الاسم من الإعسار: وهو تعذر الموجود من المال، يقال: أَعْسَر الرجلُ إذا صار إلى حالة العُسْرةِ، وهي الحالة التي يتعسَّر عليها وجود المال (١).
وقوله تعالى: فَنَظِرَةٌ أمر في صيغة الخبر، والفاء في جواب الشرط، تقديره: فالذي تعاملونه نظرة، أي: تأخير (٢).
والنَّظِرة: الاسم من الإنظار، وهو الإمهال، تقول: بِعته الشيء بِنَظِرَةٍ وبإِنْظَار (٣).
والميسرة: مفْعَلَة، من اليُسْرِ واليَسَارِ الذي هو ضد العُسْرة، وهو تيَسُّر الموجود من المال، ومنه يقال: أَيْسَرَ الرجلُ فهو مُوسر، أي: صار إلى حالةِ تَيَسُّرِ وجودِ المالِ، فالمَيْسُرة والمَيْسَرَة والمَيْسُور: الغنى (٤) (٥). وفيه قراءتان: فتح السين وضمها (٦)، والفتح أشهر اللغتين؛ لأن مَفْعَلَة قد جاء في كلامهم كثيرًا، ومن قرأ بالضم فلأن مَفعُلة قد جاء أيضًا في كلامهم،

=١/ ٣٥٩، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٣٨، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٤٣، "البحر المحيط" ٢/ ٣٤٠، قال: وأجاز بعض الكوفيين أن تكون كان ناقصة هنا، وقَدَّر الخبر: وإن كان من غرمائكم ذو عسرة، محذوف المجرور الذي هو الخبر، وحذف خبر (كان) لا يجوز عند أصحابنا لا اقتصارًا ولا اختصارًا.
(١) ينظر في العسرة: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٣١ - ٢٤٣٣، "المفردات" ٣٣٧.
(٢) ينظر "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٣٩، والتقدير عنده: فعليه نظرة، أو فالواجب نظرة
(٣) ينظر في نظرة: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٥، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٣٩، "المفردات" ٤٩٩ - ٥٠٠.
(٤) في (ش): (والميسرة: الميسور وفيه).
(٥) ينظر في الميسرة: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٧٩ - ٣٩٨١، "المفردات" ٥٥٣، "اللسان" ٨/ ٤٩٥٧ - ٤٩٦٠.
(٦) قرأ نافع بضم السين، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر: "السبعة" ١٩٢.

صفحة رقم 478

كالمَشْرُبَة والمَشْرُقَة وبابهما، ومفعُلة بناء مبني على التأنيث، ألا ترى أن مَفْعُل بناء لم يجىء في الآحاد (١)، قال سيبويه: وليس في الكلام مَفْعُل (٢)، فعلى هذا قراءة من قرأ (مَيْسُرِهِ) بالهاء وضم السين مُضافًا، فأخْطأ، وهو قراءة مجاهد، وإحدى الروايات عن يعقوب (٣).
قال أبو إسحاق: من قرأ: (مَيْسُرِه) على الإضافة إلى الهاء فمخطئ، لأن مَيْسُر مَفْعُل، وليس في الكلام مَفْعُل، وزعم البصريون أنهم لا يعرفون مفْعُلًا (٤).
فأما ما أنشده ابن السكيت:
ليَوْمِ رَوْعٍ أو فَعَالِ مَكْرُم (٥)
وقول آخر:

بُثَيْنُ الْزَمِي (لا) إِنَّ (لا) إن لَزِمْتِه على كَثْرة الواشِينَ أَيُّ مَعُونِ (٦)
وقول عدي:
أبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنّي مَأْلُكًا (٧)
(١) من "الحجة" ٢/ ٤١٤ - ٤١٥ بتصرف، وينظر: "البحر المحيط" ٢/ ٣٤٠.
(٢) "الكتاب": لسيبويه ٤/ ٩١، ونقله أبو علي في "الحجة" ٢/ ٤١٥.
(٣) ينظر: "المحتسب" ١/ ١٤٣، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٤١، و"إعراب القراءات الشواذ" ١/ ٢٨٦، "البحر المحيط" ٢/ ٣٤٠.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٦٠، وتمامه: إنما يعرفون مفعُلة.
(٥) صدر البيت:
مروان مروان أخو اليوم اليمي.
والبيت لأبي الأخزر الحماني، في "اللسان" مادة: كرم ٧/ ٣٨٦١ - ٣٨٦٤، "البحر المحيط" ٢/ ٣٥٥.
(٦) البيت لجميل بثينة، انظر: "ديوانه" ص ١٠٥، "المحتسب" ١/ ١٤٤، "الخصائص" ٣/ ٣٢١، "البحر المحيط" ٢/ ٣٥٥.
(٧) البيت لعدي بن زيد العبادي، مطلع قصيدته الرائية المكسورة، يستعطف بها =

صفحة رقم 479

فهذه كلُّها عند جميع النحويين من البصريين والكوفيين جَمْعٌ، فمَكْرُم (١) جمع مَكرُمَة، ومَعون جمْع مَعُونة، ومأْلُك جمع مالُكة، إلا عند الكسائى فإنه أجازَ أن يكونَ واحدًا، ولا يدخل هذا على كلام سيبويه، لأنه جمع، ومُراده فيما ذكر: أنه ليس في الكلام مفعُل المفرد دون الجمع، على أن مثلَ هذا الذي يقلّ (٢) قد لا يَعتَدُّ به سيبويه، فربما أطلق القول فقال: ليس في الكلام كذا، وإن كان قد جاء عليه حرف أو حرفان، كأنه لا يعتد بالقليل، ولا يجعل له حكمًا (٣).
فأما الحكم في إنظار المعسر: فمهما علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه وملازمته وأن يطالبَه بما له عليه، ووجب عليه الانتظار إلى وقت يساره، إلا أن يكون له ريبة في إعساره، فجاز له أن يحبِسَه إلى أن يقيمَ المحبوسُ البينةَ، وتعتبر زيادةُ عددٍ على شاهدين في بينة الإعدام؛ لما روي في حديث قبيصة بن مخارق (٤): "حتى يشهدَ ثَلاثةٌ من ذَوِي الحِجَى أنه أصابتْه فاقة وحاجة" (٥).

= النعمان، وعجزه:
إنه قد طال حبسي وانتظاري
في "ديوانه" ص ١٢٤، وينظر "الشعر والشعراء" ص ١٣٣، "الأغاني" ٢/ ٩٤، "العقد الفريد" ٦/ ٩٥، "الخزانة" ٣/ ٥٩.
(١) في (أ) و (م) (مكرم) بدون فاء.
(٢) في (ي) و (ش) (نقل).
(٣) من "الحجة" ٢/ ٤١٦ - ٤١٧ بمعناه.
(٤) هو قبيصة بن المخارق بن عبد الله بن شداد بن ربيعة بن نهيك العامري الهلالي، أبو بشر، صحابي، عداده في أهل البصرة، وفد على النبي - ﷺ -. ينظر: "أسد الغابة" ٤/ ٣٨٣
(٥) رواه مسلم (١٠٤٤) كتاب: الزكاة، باب من لا تحل له الصدقة، وذوو الحجى: ذوو العقول.

صفحة رقم 480

وإذا أقام بينة الإعدام كان للخصم طلبُ يمينه؛ لأن الرجل ربما يكتم ذخائر أمواله، فشهادة الشهود للظاهر، واليمين للباطن، وليس للقاضي أن يتوقف في الإصغاء إلى شهادة الإِعدام؛ لأن رسول الله - ﷺ - لم يذكر مدة في سماع الشهادة (١) في حديث قبيصة.
والحقوق مختلفة في هذا، فكلُّ حق لزم الإنسان عوضًا عن مالٍ حصلَ في يده، مثلُ قرضٍ أو ثمنِ سلعةٍ، فإذا ادّعى الإعسار لزمته إقامة البينة، وكلُّ حق لزمه من غير حصول مال في يده كالمهر والضمان، فإذا ادَّعى الإعسار لزمَ ربُّ المال إقامةَ البينة على كونه موسرًا، لأن الأصل في الناس الفقر.
ويباع في الديون جميعُ أموالِ الغريم، فلا يستبقى له سِوى (٢) قوتِ يومٍ (٣) ودست ثوب وسط (٤).
وقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أعلم الله تعالى أن الصدقة برأس المال على المعسر خير وأفضل، والمراد: وأن تصدقوا على المعسر برأس المال خيرٌ لكم، ولكنه حذف للعلمِ به، لأنه قد جرى ذكرُ المعسر وذكرُ رأسِ المال، فعلم أن التصدقَ راجعٌ إليهما.

(١) في (ي) (الشهود).
(٢) في (ي) (غير).
(٣) في (ش) (يوم بيوم).
(٤) ينظر في أحكام الآية: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٧٤٣، "معالم السنن" ٤/ ١٧٩، "المغني" ٦/ ٥٨٥، "تكملة المجموع" ١٣/ ٢٦٩، "مجموع فتاوى ابن تيمية" ٣٥/ ٣٩٧، "نيل الأوطار" ٧/ ١٥١.

صفحة رقم 481

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية