قوله تعالى : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ. . . ١.
قال ابن عرفة : تقرر من كلام الإمام عياض في كتاب الوصايا من الإكمال في حديث سعد بن أبي وقاص٢ أن قولك : زيد ذو مال أبلغ من قولك : زيد له مال، ونحوه للزمخشري٣ في أول سورة آل عمران في قوله : والله عَزِيزٌ ذُو انتقام ٤ وفي سورة غافر : إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ٥. ونحوه لابن الخطيب في سورة الروم في قوله : فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ ٦. وخالفهم الشيخ ( ابن عطية )٧ فقال في سورة الرعد في قوله : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ٨ ( إنها )٩ دالة على تغليب جانب الخوف على جانب الرجاء لأن قولك ذو مغفرة مقتض لتقليل المغفرة.
قال ابن عرفة : وقال بعضهم قولك : زيد صاحب مال، أبلغ من : ذو مال، لأن ذو مال إنما يقتضي مطلق النسبة سواء اتّصف [ ٦٦ظ ] به / أم لا، بخلاف قولك : صاحب، فإذا بنينا على كلام الجماعة الصحيح فإنما قال « ذُو عُسْرَة » ولم يقل : وإن كان معسرا، إشارة لما ( تقرر )١٠ في الفقه من أنّ من له دار وخادم وفرس لا فضل في ثمنهن على ما سواهن يجوز له أخذ الزكاة ويسمى فقيرا، مع أنه إذا كان عليه دين يباع عليه داره وخادمه في دينه فليس مجرد الإعسار موجبا لإنظاره ( بالدين، فإنّ )١١ الموجب لذلك الإعسار ( البين الكثير )١٢ فناسب إدخال ( ذو ).
قال ابن عطية : و ( كان ) هنا عند سيبويه تامة بمعنى وجد وحدث١٣. ومن هنا يظهر أنّ الأصل الغنى لأن إدخال « إن » يدل على أنّ الإعسار لم يكن موجودا.
ورده ابن عرفة بأن ذلك ( في )١٤ الدّين الذي كان ( عن )١٥ عوض يقول فيه : الأصل المَلاَء، واستصحاب الحال ببقاء ذلك العوض وذهابه على خلاف الأصل، وأما الدين الذي لا عن عوض كنفقة الزوجات والبنين والأبوين فليس الأصل فيه المَلاَءُ.
ابن عطية : حكى المهدوي١٦ عن بعضهم أن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين.
وحكى مكي١٧ : أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام١٨.
ابن عطية : فإن ( قلنا )١٩ : فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ وإلاّ فليس نسخا٢٠.
قال ابن عرفة : يريد أنه على الأول يكون نسخا لغويا وعلى الثاني يكون نسخا في اصطلاح الأصوليين.
قال : وهنا أورد القرافي ( في قواعده )٢١ سؤالا قال : ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب مع أن تأخير الغريم بالدّين واجب والتصدق عليه مندوب والآية نص في أنّ التصدق عليه به أفضل، ثم أجاب التصدق به يستلزم التأخير وزيادة.
قوله تعالى : وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ. . . ٢٢.
وإن كان ذو عسرة: ابن العربي في المعنى المقصود منها ثلاثة أقوال:
الأول: المراد بها ربا الدين خاصة وفيه يكون الإنظار، قاله ابن عباس، وشريح القاضي، والنخعي.
الثاني: أنه عام في كل دين قاله العامة. وعبر عنه ابن عطية بقوله: قال جمهور الفقهاء: النظرة إلى الميسرة حكم ثابت في المعسر سواء كان الدين ربا أو من تجارة في ذمة أو من أمانة فسره الضحاك.
الثالث: قال متأخرو علمائنا: هو نص في دين الربا وغيره من الديون مقيس عليه قال ابن العربي: والأول ضعيف ولا يصح عن ابن عباس لأن الآية وإن كان أولها خاصا فإن آخرها عام. وخصوص أولها لا يمنع من عموم آخرها لا سيما إذا كان العام مستقلا بنفسه، والثالث ضعيف لأن العموم قد يتناول الكل فلا مدخل للقياس عليه..
٢ - واسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب أبو إسحاق، هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم. تهذيب التهذيب ٣/٤٨٣، الاستيعاب ٢/٦٠٦..
٣ - قال الزمخشري: "ذو انتقام" له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم. الكشاف ١/٤١١..
٤ - سورة آل عمران الآية: ٤..
٥ - سورة غافر الآية: ٦١..
٦ - سورة الروم الآية: ٣٨..
٧ - د: ابن عصفور..
٨ - سورة الرعد الآية: ٦..
٩ - أ: أي..
١٠ - أ ب ج: تقدم..
١١ - أ ج: نقص..
١٢ - ج: نقص..
١٣ - المحرر الوجيز ٢/٣٥٤..
١٤ - أ ب ج: نقص..
١٥ - أ ب ج: حق..
١٦ - أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي المغربي مفسر نحوي لغوي أصله من المهدية من بلاد إفريقية ودخل الأندلس. من تصانيفه تفسير كبير سماه التفصيل الجامع لعلوم التنزيل. كحالة ٢/٢٧، الزركلي ٦/١٨٦..
١٧ - مكي: هو أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي القيرواني نزيل قرطبة أخذ عن ابن أبي زيد والقابسي. له مؤلفات عديدة منها الإيجاز واللمع في الإعراب والهداية كتاب كبير في التفسير. مولده كان سنة ٣٥٥هـ بالقيروان ووفاته بقرطبة سنة ٤٣٧ أو ٤٣٩. انظر شجرة النور عدد رتبي ٢٨١..
١٨ - قال مكي: هذه الآية ناسخة لما كان في أول الإسلام. كان الرجل إذا تبع بدين ولم يكن معه ما يقبضه بيع في الدين. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أعرابيا ببيع رجل عليه دين لا مال معه. انظر تفسير مكي ص ١٢٦ و مخطوط رقم ١٠٧٣٩..
١٩ - أ ب ج هـ: نقص..
٢٠ - المحرر الوجيز ٢/٣٥٤..
٢١ - أ: نقص..
٢٢ - لم يذكر الأبي تفسير قوله تعالى:وأن تصدقوا خير لكم.
أما البسيلي فقد قال:
وأن تصدقوا خير لكم: ابن عطية: معناه عند الأكثر أن الصدقة على معسر خير من إنظاره. وقيل: معناه وأن تصدقوا على الغني والفقير.
المشهور عند الأصوليين أن العام إذا ورد على سبب فإنه لا يقتصر على سببه بل يكون عاما – فعمومه في الغنى والفقير أحسن.
الزمخشري: وقيل: المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام: لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة، وهل هو أيضا عام في المعسر والموسر أو خاص بالمعسر؟ فإن قلنا: إنه خاص فخير فعل لا أفعل، إذ يجبر الغريم على أنظار المعسر. وإن قلنا: إنه عام كانت أفعل لأن انظار الموسر غير واجب لكنه خير من التضييق عليه..
تفسير ابن عرفة
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي
جلال الأسيوطي