قوله تعالى :( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) |البقرة : ٢٨٠|.
اختلف الناس في هذه الآية، فذهب بعضهم١ إلى أنها ناسخة ما كان في أول الإسلام إذا لم يجد ما يقضي به دينه يبيعه صاحب الدين ويستوفي منه دينه، فأنزل الله تعالى :( وإن كان ذو عسرة فنظرة ) الآية٢. وجاء عن عبد الرحمان بن البيلماني قال : كنت بمصر، فقال لي رجل : ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : بلى. فأشار إلى رجل فجئته، فقلت : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا سرق. فقلت : سبحان الله ما ينبغي أن تتسمى بهذا الاسم وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال : إن رسول الله سماني سرقا. قال لقيت رجلا من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما فابتعتهما منه. وقلت له انطلق معي حتى أعطيك فدخلت بيتي ثم خرجت من خلف بيتي٣، وقضيت بثمن البعيرين حاجتي وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج فخرجت والأعرابي مقيم فأخذني فقدمني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حملك على ما صنعت ؟ " قال : قضيت بثمنهما حاجتي يا رسول الله. قال : " فاقضه " قال : ليس عندي مال. قال : " أنت سرق، اذهب يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك " فجعل الناس يسومونه في ويلتفت إليهم فيقول : " ما تريدون ؟ " فيقولون نريد أن نبتاعه منك ونعتقه. قال : " فوالله ما منكم٤ أحوج إليه مني اذهب فقد أعتقتك " ٥ ثم نسخ الله تعالى هذا من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآية. فعلى هذا لا يجوز أن يباع الحر في الدين.
وقد ذهب قوم إلى أن الحر يباع في الدين وكأنهم لم يروا الآية ناسخة. وذهب بعضهم في الآية إلى أنها نزلت في الربا كانوا يتعاملون به في الجاهلية فلما جاء الإسلام أمرهم الله عز وجل أن يأخذوا رؤوس أموالهم بلا زيادة فإن أعسر الذي عليه الدين فلينظر إلى أن يوسر٦. وعلى هذا القول يأتي قول من يقول : إن النظرة إلى ميسرة إنما هي موقوفة على أهل الربا خاصة دون سائر الديون خلافا لقول الجمهور من أن ذلك عام في الديون كلها ربا كان أو غير ربا٧. فإذا ثبت عدم الذي عليه الدين فلينظر حتى يوسر. وعلى هذا القول، فلا يجوز أن يؤاجر الحر المعسر في الدين، وهو المشهور عن مالك خلافا لأحمد بن حنبل في قوله إنه يؤاجر في الدين٨. وذكر الباجي عن مالك أنه يؤاجر إذا كان مثله يؤاجر. وعموم الآية حجة لمن لم ير ذلك، ولا يلازم أيضا في الدين، فيدار معه كيف دار خلافا لأبي حنيفة في قوله إنه يلازم والآية حجة عليه ولا يحبس أيضا خلافا لشريح ومن قال بقوله٩. وكان هؤلاء أخذوا في الآية بالقول الثاني الذي ذكرناه أنها في الربا خاصة وقالوا إن الله أمر بأداء الأمانة. والآية في إنظار المعسر إنما نزلت في الربا وقد قرئ : " وإن كان ذا عسرة " ١٠ قال بعضهم : على هذا تختص الآية بالربا، ومن قرأ : " ذو عسرة " فهي عامة في جميع من عليه الدين. وهذا الذي ذكروه غير لازم بل القراءتان كل واحدة١١ منهما محتملة للتأويلين١٢.
وقوله سبحانه :( وإن كان ذو عسرة ) يظهر منه أن الأصل في الناس الملأ حتى يتبين العدم، لأنه تعالى قضى أولا برد رؤوس الأموال ثم قال :( وإن كان ذو عسرة ) فظهر من هذا أن الأصل الملأ فيلزم قضاء الدين إلا أن يكون معسرا فيسقط عنه القضاء في تلك الحال. قال بعضهم : ويحتمل أن يقال : إنه محمول على العدم حتى يتبين الملأ.
وقد اختلفوا من هذا في الذي يغيب عن امرأته، ثم يقدم، فتطلبه بالنفقة، فيدعي الإعسار في غيبته ليسقط بذلك نفقتها التي تطلبه بها. فذهب ابن القاسم إلى أنه محمول على اليسر أبدا إذا لم تعرف حاله إلا أن يكون خرج عديما فتكون هذه شبهة١٣ توجب أن يكون القول قوله١٤. وذهب ابن كنانة إلى أنه إن لم تعرف حالته في مغيبه ووقت خروجه فهو محمول على العدم مع يمينه حتى تثبت الزوجة ما تدعيه. والآية حجة لقول ابن القاسم إذا جعلناها عامة في الديون. ونفقة المرأة دين على زوجها، فيجب أن يحمل على اليسر حتى يثبت خلافه. وإذا وجب تأخير المعسر بالدين فليس في الآية ما يقتضي أن عليه مع ذلك يمينا بصحة عدمه. وقد ذكر مالك عن بعض الصحابة اليمين وأخذ بذلك١٥.
وقوله تعالى :( وأن تصدقوا خير لكم ) الآية١٦ |البقرة : ٢٨٠|.
اختلف في تأويلها فقيل : هي الصدقة على المعسر جعلها خيرا من الإنظار. وقيل : هي في الغني والفقير١٧.
٢ حكاه ابن عطية عن مكي بن أبي طالب، ويراجع نقله عن المهدوي في المحرر الوجيز (٢/٢٨٠). ويراجع في سبب نزولها تفسير الطبري (٣/١٤٢ -١٤٥) والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر العسقلاني (ص٤٦٤)..
٣ في "من خلف لي"..
٤ في ب "ما أنتم"..
٥ أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/٥٠٤، ٥٠٥) والطحاوي في شرح المعاني (٤/١٥٧) والحاكم في المستدرك (٤/١٠) ومن طريقه البيهقي في السنن (٦/٥٠) من طرق عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمان بن البيلماني.
وابن البيلماني ضعيف في الحديث وبه ضعفه البيهقي (٦/٥١) وضعفه القرطبي في تفسيره (٣/٣٧١)..
٦ يراجع ما سبق التنبيه عليه من أسباب النزول ص(٤١٣)..
٧ عزاه ابن عطية لجمهور العلماء في المحرر الوجيز (٢/٢٨٣) ويراجع أحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٥، ٢٤٦) وتفسير القرطبي (٣/٣٧٢).
.
٨ يراجع أحكام القرآن للجصاص (٢/١٩٦، ١٩٧) والمدونة لسحنون (٥/٢٠٤، ٢٠٥)..
٩ يراجع المصدرين السابقين والأم للشافعي (٣/٢١٢، ٢١٣)..
١٠ نسب الطبري هذه القراءة لمصحف أبي بن كعب في تفسيره (٣/١٤٢) وعند ابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٨٠) ويراجع تفسير القرطبي (٣/٣٧٣، ٣٧٤)..
١١ في ب "بل كلتا القراءتين محتملة"..
١٢ قاله النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص٨٢) وابن عطية في المحرر الوجيز (٢/٢٨٠، ٢٨١)..
١٣ في ب "سمته"..
١٤ المدونة لسحنون (٢/٢٦٢)..
١٥ يراجع نقل سحنون عن بعض معنى ذلك في المدونة (٥/٢٠٥)..
١٦ زيادة من ب..
١٧ يراجع تفسير الطبري (٣/١٤٦) وأحكام القرآن لابن العربي (١/٢٤٦) والمحرر الوجيز (٢/٢٨٣) وتفسير القرطبي (٣/٣٧٤، ٣٧٥)..
أحكام القرآن
ابن الفرس