)وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( البقرة : ٢٨٠ )
التفسير :
قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة كان تامة تكتفي بمرفوعها ؛ و ذو فاعل رفعت بالواو ؛ لأنها من الأسماء الستة ؛ والجملة شرطية ؛ والجواب : جملة : فنظرة إلى ميسرة .
قوله تعالى : إن كنتم تعلمون جملة شرطية نقول في إعرابها ما سبق في قوله تعالى : إن كنتم مؤمنين .
أما القراءات في هذه الآية : قوله تعالى : ميسرة فيها قراءتان : ميسَرة بفتح السين ؛ و ميسُرة بضمها ؛ و تصدقوا فيها قراءتان : تصَدَّقوا بتخفيف الصاد ؛ و تَصَّدَّقوا بتشديدها ؛ أي تتصدقوا ؛ لكن أدغمت التاء في الصاد.
قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة أي إن وجِد ذو عسرة ؛ أي صاحب إعسار لا يستطيع الوفاء ؛ والجملة شرطية ؛ وجواب الشرط قوله تعالى : فنظرة إلى ميسرة ؛ ويجوز في «نظرة » في إعرابها وجهان ؛ أحدهما : أن تكون مبتدأ، والخبر محذوف ؛ والتقدير : فعليكم نظرة ؛ أو فله نظرة ؛ وأما أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف ؛ والتقدير : فالواجب عليه نظرة ؛ أي إنظار إلى ميسرة ؛ أي : إيسار.
قوله تعالى : وأن تصدقوا خير لكم أي تُبرءوا المعسر في دينه ؛ و أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ خبره قوله تعالى : خير لكم أي من إنظاره.
قوله تعالى : إن كنتم تعلمون هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث على العلم ؛ «مستقلة » أي أنها لا توصل بما قبلها ؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنًى فاسداً : أوهم أن التصدق خير لنا إن كنا نعلم ؛ فإن لم نكن نعلم فليس خيراً لنا ؛ ولا شك أن هذا معنًى فاسد لا يراد بالآية ؛ لكن المعنى : إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا - أي تصدقوا.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : ثبوت رحمة الله عز وجل ؛ وجه ذلك أنه أوجب على الدائن إنظار المدين ؛ وهذا رحمة بالمعسر.
٢ - ومنها : حكمة الله عز وجل بانقسام الناس إلى موسر، ومعسر ؛ الموسر في الآية : الدائن ؛ والمعسر : المدين ؛ وحكمة الله عز وجل هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها، ولذلك بدأ الشيوعيون - الذين يريدون أن يساووا بين الناس - يتراجعون الآن ؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الخلاف ؛ قال عز وجل : أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً [ الزخرف : ٣٢ ] ؛ ولولا هذا الاختلاف لم يمكن أن يسخر لنا أحد ليعمل ما نريد ؛ لأن كل واحد ندّ للآخر ؛ فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وشرعه من التفاوت بينهم : فهذا موسر ؛ وهذا فقير ؛ حتى يتبين بذلك حكمة الله عز وجل، وتقوم أحوال العباد.
٣ - ومن فوائد الآية : وجوب إنظار المعسر - أي إمهاله حتى يوسر ؛ لقوله تعالى : فنظرة إلى ميسرة ؛ فلا تجوز مطالبته بالدَّين ؛ ولا طلب الدَّين منه.
٤ - ومنها : أن الحكم يدور مع علته وجوداً، وعدماً ؛ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمراً إلى أن تزول العلة - وهي العسرة - حتى تجوز مطالبته.
ولو أن الناس مشوا على تقوى الله عز وجل في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل ؛ لكن نجد الغني يماطل : يأتيه صاحب الحق يقول : اقضني حقي ؛ فيقول : غداً ؛ ويأتيه غداً فيقول : بعد غد ؛ وهكذا ؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«مطل الغني ظلم »١ ؛ ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا يُنظرون المعسر، ولا يرحمونه ؛ يقول له : أعطني ؛ وإلا فالحبس ؛ ويحبس فعلاً - وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، ولا مطالبته، ولا طلب الدين ؛ بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر ؛ لأن طلبه مع الإعسار معصية ؛ والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حدّ فيها، ولا كفارة.
٥ - ومن فوائد الآية : فضيلة الإبراء من الدَّين، وأنه صدقة ؛ لقوله تعالى : وأن تصدقوا خير لكم ؛ والإبراء سنة ؛ والإنظار واجب ؛ وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن ؛ لقوله تعالى : وأن تصدقوا خير لكم ؛ ووجه ذلك أن الواجب ينتظم في السنة ؛ لأن إبراء المعسر من الدَّين إنظار، وزيادة ؛ وعلى هذا فيبطل إلغاز من ألغز بهذه المسألة، وقال :«لنا سنة أفضل من الواجب »، ومثل ذلك قول بعضهم في الوضوء ثلاثاً :«إنه أفضل من الوضوء واحدة مع أن الواحدة واجب، والثلاث سنة » ؛ فيُلغِز بذلك، ويقول :«هنا سنة أفضل من واجب » ؛ فيقال له : هذا إلغاز باطل ؛ لأن هذه السنة مشتملة على الواجب ؛ فهي واجب، وزيادة ؛ وصدق الله، حيث قال في الحديث القدسي :«ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه »٢ ؛ وهذا الحديث يبطل مثل هذه الألغاز التافهة.
٦ - ومن فوائد الآية : تفاضل الأعمال ؛ لقوله تعالى : وأن تصدقوا خير لكم ؛ وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض ؛ وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية أن العمال يختلفون، كما قال تعالى : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم [ النساء : ٩٥ ]، وكما قال تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى [ الحديد : ١٠ ].
ويتفرع على تفاضل العمال بتفاضل الأعمال : تفاضل الإيمان، لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة، والجماعة ؛ فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان ؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
٧ - ومن فوائد الآية : فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير ؛ لقوله تعالى : إن كنتم تعلمون .
٨ - وهل يستفاد من الآية الكريمة : أن إبراء الغريم يجزئ من الزكاة : فلو أن إنساناً أبرأ فقيراً، ثم قال : أبرأته عن زكاتي ؛ لأن الله سمى الزكاة صدقة ؛ فقال تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين... ؟
فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ ؛ لأن الله عز وجل قال : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه [ البقرة : ٢٦٧ ] ؛ وجعْل الدَّين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب ؛ والمراد بالخبيث هنا الرديء - وليس الحرام ؛ لأن العين مُلك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء ؛ والدَّين الذي على معسر مال تالف ؛ لأن الأصل بقاء الإعسار ؛ وحينئذٍ يكون هذا الدَّين بمنزلة المال التالف ؛ فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين ؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله : إن إبراء الغريم المعسر لا يجزئ من الزكاة بلا نزاع ؛ ولو قلنا : يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول : أبرأتكم ونويتها من الزكاة ؛ فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة ؛ وهذا لا يجوز ؛ ولهذا لو خيرت شخصاً، وقلت له : أنا أعطيك عشرة ريالات نقداً، أو أحولك على إنسان فقير معسر عنده العشرة فإنه يختار العشرة نقداً ؛ ولا يتردد ؛ بل لو خيرته بين عشرة نقداً، وعشرين في ذمة معسر لاختار العشرة ؛ فصارت العشرة المنقودة بالنسبة للدَّين من باب الطيب ؛ وذاك من باب الرديء ؛ وبهذا يتبين أنه لا يجزئ إبراء المدين المعسر عن زكاة مال بيد مالكه ؛ لأنه من باب تيمم الخبيث ؛ إذاً نقول : لا يجوز إبراء الفقير، واحتساب ذلك من الزكاة ؛ نعم لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن الدَّين الذي في ذمة المعسر - إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدَّين - لكان ذلك مجزئاً ؛ لأن هذا صار من جنس المال الذي أديت الزكاة عنه.
الخلاصة :
تبين مما ذكر من الآيتين أن المعاملة بالدَّين ثلاثة أقسام :
الأول : أن يأخذ به رباً ؛ وهذا محرم ؛ لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين [ البقرة : ٢٧٨ ].
الثاني : أن يكون المدين معسراً ؛ فلا تجوز مطالبته، ولا طلب الدّين منه حتى يوسر ؛ لقوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة .
الثالث : أن يبرئ المعسر من دينه ؛ وهذا أعلى الأقسام ؛ لقوله تعالى : وأن تصدقوا خير لكم .
تتمة :
في هذه الآية وجوب الإنظار إلى ميسرة ؛ ومن المعلوم أن حصول الميسرة مجهول ؛ وهذا لا يضر ؛ لأنه ليس من باب المعاوضة ؛ ولكن لو اشترى فقير من شخص، وجعل الوفاء مقيداً بالميسرة فهل يجوز ذلك ؟ فيه قولان ؛ فأكثر العلماء على عدم الجواز لأن الأجل مجهول ؛ فيكون من باب الغرر المنهي عنه ؛ والقول الثاني : أن ذلك جائز لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي ( ص ) :«قدم لفلان اليهودي بزّ من الشأم لو أرسلت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة ؛ فأرسل إليه فامتنع »٣ ؛ ولأن هذا مقتضى العقد إذا علم البائع بإعسار المشتري ؛ إذ لا يحلّ له حينئذٍ أن يطلب منه الثمن حتى يوسر ؛ وهذا القول هو الراجح.
٢ ٣/٢٦٨ حاشية (٢)..
٣ أخرجه أحمد ٦/١٤٧ حديث رقم ٢٥٦٥٦، وأخرجه الترمذي ص١٧٧٢، كتاب البيوع، باب ٧: ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل، حديث رقم ١٢١٣، وأخرجه النسائي ص٢٣٨٦، كتاب البيوع، باب ٧٠: البيع إلى الأجل المعلوم، حديث رقم ٤٦٣٢؛ وأخرجه الحاكم ٢/٢٣ – ٢٤، كتاب البيوع، وقال: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي؛ وقال الألباني في صحيح الترمذي ٢/٤ – ٥: صحيح..
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي