قال تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ١ وفيها مسألة واحدة.
[ ٩٧ ] : المسألة : حكم الآية.
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
كل من صار حرا بعتق، أو كان ابن حر من أمة له، أو بأن حملت به حرة، أو بأن أعتقت أمه وهي حامل به، ولم يستثنه المعتق، فإن الحرية قد حصلت له، فلا تبطل عليه، ولا عمن تناسل منه ذكرا أو أثنى مع هذه السبل من الولادة التي ذكرنا أبدا، لا بأن يرتد، ولا بأن ترتد ولا بأن يسبى، ولا بأن يرتد أبوه أو جده وإن بعد، أو جدته وإن بعدت، ولا بلحاق بأرض الحرب من أحد أجداده، أو جداته أو منه أو منها، ولا بإقراره برق، ولا بدين، ولا ببيعه نفسه، ولا بوجه من الوجوه أبدا لأنه لم يوجب ذلك قرآن ولا سنة.
وقد جاء أثر بأن الحر كان يباع في الدين في صدر الإسلام. ٢
إلى أن أنزل الله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ٣ وبالله تعالى التوفيق٤.
ثم قال :- رحمه الله تعالى - :
وروينا عن زرازة بن أوفى القاضي أنه باع حرا في دين، وروينا أيضا عن الشافعي من طريق غريبة٥ وقد كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى فنظرة إلى ميسرة ٦. ٧
٢ هذا الأثر أخرجه النحاس في ناسخه (٢/١١٢).
قال حدثنا يحي بن صالح الوحاظي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: كنت بمصر، فقال لي رجل: ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بلى، فأشار إلى رجل فجئته فقلت: من أنت رحمك الله؟ فقال: أنا سرق. فقلت: سبحان الله، ما ينبغي لك أن تسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماني سرقا، فلن أدع ذلك أبدا. قلت: ولم سماك سرقا؟ قال: لقيت رجلا من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما فابتعهما منه وقلت: انطلق معي حتى أعطيك فدخلت بيتي ثم خرجت من خلف خرج لي، وقضيت بثمن البعيرين حاجتي، وتغيبت حتى ضننت أن الأعرابي قد خرج، فخرجت والأعرابي مقيم، فأخذني فقدمني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: قضيت بثمنها حاجتي يا رسول الله، قال: فاقضه، قال: قلت ليس عندي، قال: أنت سرق أذهب به يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك" قال فجعل الناس يسومونه بي ويلتفت إليهم فيقول: ما تريدون، فيقولون: نريد أن نبتاعه منك، قال فوالله ما منكم أحدا أحوج إليه مني، أذهب فقد أعتقتك.
وقد أخرجه الطبراني في المعجم الكبير كتاب السين / باب سرق (٧/٦٥) حديث رقم (٦٧١٦)، الدارقطني كتاب وباب البيوع (٣/٦١) حديث رقم (٢٣٥)، والحاكم في المستدرك كتاب وباب البيوع (٢/٦٢) حديث رقم (٢٣٣٠)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب التفليس / باب ما جاء في بيع الحر المفلس في دينه (٨/٣٩٥) حديث رقم (١١٤٥٧)، وقال: مدار حديثه سرق على هؤلاء وكلهم ليسوا بأقوياء، عبد الرحمن بن عبد الله، وأبنا زيد، وإن كان الحديث عن زيد عن ابن البيلماني فابن البيلماني ضعيف في الحديث، وفي إجماع العلماء على خلافه، وهم لا يجتمعون على ترك رواية ثابتة. دليل على ضعفه أو نسخه إن كان ثابتا. وبالله التوفيق..
٣ سورة البقرة: من آية ٢٨٠..
٤ المحلى لابن حزم (٥/٥٠٥)، انظر المحلى (٩/٢٥٤)..
٥ انظر التخريج السابق..
٦ سورة البقرة: من آية ٢٨٠..
٧ الإحكام لابن حزم (٢/١٦٢)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري