حَوْلَهَا وَبَيْنَهُنَّ الذِّئَابُ لَا يَنْفِرْنَ مِنْهُ، وَلَا يَسْطُو الذِّئَابُ عَلَيْهِنَّ. فَلَمَّا سَلَّمَتْ قَالَتْ: يَا ابْنَ زَيْدٍ، لَيْسَ الْمَوْعِدُ هُنَا إِنَّمَا الْمَوْعِدُ ثَمّ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ شَأْنِ الذِّئَابِ وَالْغَنَمِ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَصْلَحْتُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَيِّدِي فَأَصْلَحَ مَا بَيْنَ الذِّئَابِ وَالْغَنَمِ. فَقُلْتُ لَهَا: عِظِينِي. فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا مِنْ وَاعِظٍ يُوعَظُ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا ابْنَ زَيْدٍ، إِنَّكَ لَوْ وَضَعْتَ مَوَازِينَ الْقِسْطِ عَلَى جَوَارِحِكَ لِخَبَرْتُكَ بِمَكْتُومِ مَكْنُونِ مَا فِيهَا، يَا ابْنَ زَيْدٍ، إِنَّهُ بَلَغَنِي مَا مِنْ عَبْدٍ أَعْطَى مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا فَابْتَغَى إِلَيْهِ تَائِبًا إِلَّا سَلَبَهُ اللَّهُ حُبَّ الْخَلْوَةِ وَبَدَّلَهُ بَعْدَ الْقُرْبِ الْبُعْدَ وَبَعْدَ الْأُنْسِ الْوَحْشَةَ ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
يَا وَاعِظًا قَامَ لا حساب... يزجر قوما عن الذنوب...
تنه عنه وَأَنْتَ السَّقِيمُ حَقًّا... هَذَا مِنَ الْمُنْكَرِ الْعَجِيبِ...
تنه عَنِ الْغَيِّ وَالتَّمَادِي... وَأَنْتَ فِي النَّهْيِ كَالْمُرِيبِ...
لَوْ كُنْتَ أَصْلَحْتَ قَبْلَ هَذَا... غَيَّكَ أَوْ تُبْتَ مِنْ قَرِيبٍ...
| كَانَ لِمَا قُلْتَ يَا حَبِيبِي | مَوْضِعُ صِدْقٍ مِنَ الْقُلُوبِ (١) |
يَقُولُ تَعَالَى (٢) آمِرًا عَبِيدَهُ، فِيمَا يُؤَمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: اسْتَعِينُوا عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَالصَّلَاةِ.
فَأَمَّا الصَّبْرُ فَقِيلَ: إِنَّهُ الصِّيَامُ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ.
[قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلِهَذَا سُمِّيَ رَمَضَانُ شَهْرَ الصَّبْرِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ] (٣).
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ جُرَيّ بْنِ كُليب، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ".
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّبْرِ الْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي؛ وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ وَأَعْلَاهَا: فِعْلُ الصَّلَاةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي سِنان، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: الصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ الصَّبْرُ عَنْ محارم الله.
(٢) في جـ: "تعالى مخبرا".
(٣) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
[قَالَ] (١) وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ قَوْلِ عُمَرَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعة عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: الصَّبْرُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ لِلَّهِ بِمَا أَصَابَ فِيهِ، وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَرَجَاءُ ثَوَابِهِ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَتَجَلَّدُ، لَا يُرَى (٢) مِنْهُ إِلَّا الصَّبْرُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ عَلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالصَّلاةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى الثَّبَاتِ فِي الْأَمْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ الْآيَةَ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٥].
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَخُو حُذَيْفَةَ، قَالَ حُذَيْفَةُ، يَعْنِي ابْنَ الْيَمَانِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ كَمَا سَيَأْتِي (٣) ] (٤).
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ عِكْرِمة بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْيَمَانِ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ (٥).
[وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ أَخِي حُذَيْفَةَ؛ وَيُقَالُ: أَخِي حُذَيْفَةَ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو مَسْعُودٍ (٦) الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدُّؤَلِيُّ: قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: قَالَ حُذَيْفَةُ: رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وَكَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى (٧). وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ مُضَرِّبٍ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتَنَا لَيْلَةَ بَدْرٍ وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ غَيْرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ويدعو حتى أصبح (٨) ] (٩).
(٢) في جـ: "فلا يرى".
(٣) المسند (٥/٣٨٨) وسنن أبي داود برقم (١٣١٩).
(٤) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٥) المسند (٥/٢٦).
(٦) في ط: "ابن مسعود"، والصواب ما أثبتناه.
(٧) تعظيم قدر الصلاة برقم (٢١٢).
(٨) تعظيم قدر الصلاة برقم (٢١٣).
(٩) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَرُوِيَ عَنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ لَهُ: "اشكنب درد" [قَالَ: نَعَمْ] (١) قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ شِفَاءٌ" (٢) [وَمَعْنَاهُ: أَيُوجِعُكَ بَطْنُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ] (٣). قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا عُيَينة بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ نُعي إِلَيْهِ أَخُوهُ قُثَم وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ تنحَّى عَنِ الطَّرِيقِ، فَأَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْجُلُوسَ، ثُمَّ قَامَ يَمْشِي إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤).
وَقَالَ سُنَيد، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قَالَ: إِنَّهُمَا مَعُونتان عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّهَا عَائِدٌ إِلَى الصَّلَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ [الْقَصَصِ: ٨٠] وَقَالَ تَعَالَى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فُصِّلَتْ: ٣٤، ٣٥] أَيْ: وَمَا يُلَقَّى هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا أَيْ: يُؤْتَاهَا وَيُلْهَمُهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ أَيْ: مَشَقَّةٌ ثَقِيلَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ. قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الْخَائِفِينَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ يَعْنِي بِهِ الْمُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ قَالَ: إِنَّهَا لَثَقِيلَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاضِعِينَ (٥) لِطَاعَتِهِ، الْخَائِفِينَ سَطَواته، الْمُصَدِّقِينَ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ.
وَهَذَا يُشْبِهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ" (٦).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى الْآيَةِ: وَاسْتَعِينُوا أَيُّهَا الْأَحْبَارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بِحَبْسِ أَنْفُسِكُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، الْمُقَرِّبَةِ مِنْ رِضَا اللَّهِ، الْعَظِيمَةِ إِقَامَتُهَا إِلَّا عَلَى الْمُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ الْمُسْتَكِينِينَ لِطَاعَتِهِ المتذللين من مخافته.
(٢) تفسير الطبري (٢/١٣) وانظر ما كتبه المحقق الفاضل عن معنى: "اشكنب درد".
(٣) زيادة من جـ، ط، ب.
(٤) تفسير الطبري (٢/١٤).
(٥) في جـ: "الخاشعين".
(٦) رواه أحمد في المسند (٥/٢٣١) من حديث معاذ رضي الله عنه.
هَكَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَتْ خِطَابًا فِي سِيَاقِ إِنْذَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُقْصَدُوا بِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَامَّةٌ لَهُمْ، وَلِغَيْرِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ، أَيْ: وَإِنَّ الصَّلَاةَ أَوِ الوَصَاة (١) لِثَقِيلَةٌ إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو رَبِّهِمْ، أَيْ: [يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ] (٢) مَحْشُورُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَعْرُوضُونَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَيْ: أُمُورُهُمْ رَاجِعَةٌ إِلَى مَشِيئَتِهِ، يَحْكُمُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِعَدْلِهِ، فَلِهَذَا لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ سَهُل عَلَيْهِمْ فعلُ الطَّاعَاتِ وَتَرْكُ الْمُنْكَرَاتِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ قَالَ (٣) ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: الْعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي الْيَقِينَ ظَنًّا، وَالشَّكَّ ظَنًّا، نَظِيرُ تَسْمِيَتِهِمُ الظُّلْمَةَ سُدْفة، وَالضِّيَاءَ سُدفة، وَالْمُغِيثَ صَارِخًا، وَالْمُسْتَغِيثَ صَارِخًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الشَّيْءُ وَضِدُّهُ، كَمَا قَالَ دُرَيد بْنُ الصِّمَّة:
| فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ | سَرَاتُهُم فِي الفَارسِيِّ المُسَرَّدِ (٤) |
| بِأنْ يَعْتَزُوا (٥) قَوْمِي وأقعُدَ فِيكُمُ | وأجعلَ مِنِّي الظنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا (٦) |
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ يَقِينٌ، أَيْ: ظَنَنْتُ وظَنوا.
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الحَفَرِيّ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ عِلْمٌ. وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ قَالَ: الظَّنُّ هَاهُنَا يَقِينٌ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وقتادة نحو قول أبي العالية.
(٢) زيادة من جـ، ب، أ.
(٣) في طـ، ب: "فقال".
(٤) البيت في تفسير الطبري (٢/١٨).
(٥) في جـ: "نصروا"، وفي ب، أ: "تعيروا".
(٦) البيت في تفسير الطبري (٢/١٨).
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة