٤٥ - وقوله تعالى: إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ. أصل الخشوع في اللغة: السكون (١)، قال الله تعالى وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [طه: ١٠٨]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض (٢).
قال النابغة:
وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (٣)
ومنه الحديث (كانت الكعبة خُشعة على الماء) (٤) أي: ساكنة، وهذا
(١) انظر "تهذيب اللغة" (خشع) ١/ ١٠٣٤، قال ابن فارس "الخاء والشين والعين" أصل واحد يدل على التطامن... وهو قريب من الخضوع) ٢/ ١٢٨. ونحوه قال الطبري: (أصل الخشوع: التواضع والتذلل والاستكانة) "تفسير الطبري" ١/ ٢٦١.
(٢) "تهذيب اللغة" (خشع) ١/ ١٠٣٤.
(٣) من قصيدة للنابغة الذيباني يمدح النعمان وصدره:
رَماَدٌ كَكُحِل العين لَأْياً أُبِينُه
يقول من الآيات التي عرف بها الدار (رماد ككحل العين، لَاْياً أبينه (أي بصعوبة بطء أتبينه، و (النُّؤْيُّ): حاجز حول البيت لئلا يدخله الماء، و (الْجِذْم): أصل الشيء (أثلم): تثلم: تهدم، و (الخاشع): المطمئن اللاصق بالأرض، ورد البيت في "تفسير الثعلبي" ١/ ٦٩ ب، "التهذيب" (خشع) ١/ ١٠٣٤، "اللسان" (خشع) ٢/ ١١٦٦، والقرطبي ١/ ٣٢٠، "ديوان النابغة" ص ٥٣.
(٤) أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" بسنده عن عطاء عن ابن عباس، في رواية طويلة عن خلق الأرض وفيها (.. فبعث الله ريحًا هفافة فصفقت الماء فأبرز خشفة في موضع هذا البيت..) قال المحقق: (حشفة) في جميع الأصول "الأعلام"، ورواها ابن ظهيرة عن عمر بن شبة (خشعة) "أخبار مكة" ١/ ٣٢.
أخرجه الخطابي من طريق الأزرقي بنحوه، "غريب الحديث" ٢/ ٤٩٦، وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٣٤، وابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" ٢/ ٣٥.
أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود (١) إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز (٢) بالنبات، قال الله تعالى: تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ (٣) [فصلت: ٣٩]. وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع (٤) المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة (٥).
قال المفسرون وأصحاب المعاني: إن (٦) جميع العبادات داخلة تحت قوله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ لأنه أراد الصبر عليها (٧)، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا (٨)، كقوله: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن: ٦٨]، وقوله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة: ٩٨].
(٢) في (ب): (فتهتز).
(٣) وقد ورد سياق الآية في (أ)، (ج) (وترى) وهو تصحيف في الآية، وفي "تهذيب اللغة" وردت آية الحج: وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: ٥] انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٣٤، والواحدي نقل كلام عنه.
(٤) في (ج): (للماصع).
(٥) "تهذيب اللغة" (خشع) ١/ ١٠٣٤، وانظر: "مقاييس اللغة" (خشع) ٢/ ١٨٢، "اللسان" (خشع) ٢/ ١١٦٦.
(٦) (إن) ساقطة من (ب).
(٧) أكثر المفسرين على أن المراد الاستعانة بالصلاة مع الصبر، لا الاستعانة بالصبر عليها، وقد تقدم الكلام على ذلك، وانظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٦٠، "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٧٨، "الكشاف" ١/ ٢٧٧، و"القرطبي" ١/ ٣١٧.
(٨) خصت الصلاة بالاستعانة بها من بين سائر العبادات لفضلها ولما يتلى فيها، انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٩٥، و"القرطبي" ١/ ٣١٧.
وعلى قول من يقول: الصبر هو الصوم (١)، فإنما خص الصوم والصلاة، لأن القوم إنما كان يمنعهم عن الإسلام الشره وخوف ذهاب مأكلتهم (٢) وحب الرئاسة وخوف زوالها، فأمروا بالصوم الذي يذهب الشره (٣)، وبالصلاة التي تورث الخشوع وتنفي الكبر والشرف (٤). وأريد بالصلاة الصلاة التي معها الإيمان بحمد ﷺ لأنها كانت تكبر (٥) على (٦) الكفار (٧). وعند أكثر أهل العلم أن الآية خطاب لأهل الكتاب (٨)، وهو مع ذلك أدب لجميع العباد (٩). وقال بعضهم: يرجع هذا القول إلى خطاب المسلمين فأمروا أن يستعينوا على ما يطلبونه من رضا الله وثوابه ونيل (١٠) جنته بالصبر على أداء فرائضه، والقول الأول أظهر (١١).
(٢) في (ب): (مآكلهم) ولعله أولى.
(٣) في (ج): (الشر).
(٤) (الشرف) كذا جاءت في جميع النسخ ولعل المراد حب الرئاسة والشرف المذموم. انظر "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٦٥، "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٧٨، "زاد المسير" ١/ ٧٥، و"تفسير الرازي" ٣/ ٤٩.
(٥) في (أ): (تكفر) وما في (ب، ج) هو المثبت وهو الصواب.
(٦) في (ب): (عن).
(٧) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٩٥.
(٨) انظر: "الطبري" ١/ ٢٦١، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٩٥، "زاد المسير" ١/ ٧٥، "تفسير الرازي" ٣/ ٤٨، "تفسير الخازن" ١/ ١١٨، و"ابن كثير" ١/ ٩٣.
(٩) قال ابن كثير: (الظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم) ١/ ٩٣.
(١٠) في (ج): (قبل).
(١١) انظر: "تفسير الرازي" ٣/ ٤٨، و"تفسير الخازن" ١/ ١١٨، "البحر" ١/ ١٨٥.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي