ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

)وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) ( البقرة : ٤٥ )
التفسير :
قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة أي استعينوا على أموركم بالصبر، والصلاة ؛ و " الاستعانة " هي طلب العون ؛ و " الاستعانة بالصبر " أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة ؛ و الصلاة هي العبادة المعروفة ؛ وتعم الفرض، والنفل..
قوله تعالى : وإنها : قيل : إن الضمير يعود على الصلاة ؛ لأنها أقرب مذكور ؛ والقاعدة في اللغة العربية أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منه مانع ؛ وقيل إن الضمير يعود على الاستعانة المفهومة من قوله تعالى : واستعينوا ؛ لأن الفعل استعينوا يدل على زمن، ومصدر ؛ فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى : اعدلوا هو أقرب للتقوى [ المائدة : ٨ ]، أي العدل المفهوم من قوله تعالى : اعدلوا أقرب للتقوى ؛ لكن المعنى الأول أوضح..
قوله تعالى : لكبيرة أي لشاقة إلا على الخاشعين أي الذليلين لأمر الله..
الفوائد :
. ١من فوائد الآية : إرشاد الله - تبارك وتعالى - عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين : الصبر، والصلاة..
. ٢ ومنها : جواز الاستعانة بغير الله ؛ لكن فيما يثبت أن به العون ؛ فمثلاً إذا استعنت إنساناً يحمل معك المتاع إلى البيت كان جائزاً ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم " وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة١ "..
أما الاستعانة بما لا عون فيه فهي سفه في العقل، وضلال في الدين، وقد تكون شركاً : كأن يستعين بميت، أو بغائب لا يستطيع أن يعينه لبعده عنه، وعدم تمكنه من الوصول إليه..
. ٣ ومن فوائد الآية : فضيلة الصبر، وأن به العون على مكابدة الأمور ؛ قال أهل العلم : والصبر ثلاثة أنواع ؛ وأخذوا هذا التقسيم من الاستقراء ؛ الأول : الصبر على طاعة الله ؛ والثاني : الصبر عن معصية الله ؛ والثالث : الصبر على أقدار الله ؛ فالصبر على الطاعة هو أشقها، وأفضلها ؛ لأن الصبر على الطاعة يتضمن فعلاً وكفاً اختيارياً : فعل الطاعة ؛ وكفّ النفس عن التهاون بها، وعدم إقامته ؛ فهو إيجادي إيجابي ؛ والصبر عن المعصية ليس فيه إلا كف فقط ؛ لكنه أحياناً يكون شديداً على النفس ؛ ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال : " إني أخاف الله " ٢ في رتبة الإمام العادل من حيث إن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وإن كان الإمام العادل أفضل. ؛ لأن قوة الداعي في الشباب، وكون المرأة ذات منصب وجمال، وانتفاء المانع فيما إذا كان خالياً بها يوجب الوقوع في المحذور ؛ لكن قال : " إني أخاف الله " ؛ ربما يكون هذا الصبر أشق من كثير من الطاعات ؛ لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس ؛ إنما نتكلم عن الشيء من حيث هو ؛ فالصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية ؛ والصبر عن المعصية أفضل من الصبر على أقدار الله ؛ لأنه لا اختيار للإنسان في دفع أقدار الله ؛ لكن مع ذلك قد يجد الإنسان فيه مشقة عظيمة ؛ ولكننا نتكلم ليس عن صبر معين في شخص معين ؛ قد يكون بعض الناس يفقد حبيبه، أو ابنه، أو زوجته، أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا أشق عليه من كثير من الطاعات من حيث الانفعال النفسي ؛ والصبر على أقدار الله ليس من المكلف فيه عمل ؛ لأن ما وقع لابد أن يقع. صبرت، أم لم تصبر. : هل إذا جزعت، وندمت، واشتد حزنك يرتفع المقدور ؟ !.
الجواب : لا ؛ إذاً كما قال بعض السلف : إما أن تصبر صبر الكرام ؛ وإما أن تسلو سُلوّ البهائم..
. ٤ ومن فوائد الآية : الحث على الصبر بأن يحبس الإنسان نفسه، ويُحمِّلها المشقة حتى يحصل المطلوب ؛ وهذا مجرب. أن الإنسان إذا صبر أدرك مناله ؛ وإذا ملّ كسل، وفاته خير كثير. ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز " ٣ ؛ وكثير من الناس يرى أن بداءته بهذا العمل مفيدة له، فيبدأ، ثم لا يحصل له مقصوده بسرعة، فيعجز، ويكِلّ، ويترك ؛ إذاً ضاع عليه وقته الأول، وربما يكون زمناً كثيراً ؛ ولا يأمن أنه إذا عدل عن الأول، ثم شرع في ثانٍ أن يصيبه مثل ما أصابه أولاً، ويتركه ؛ ثم تمضي عليه حياته بلا فائدة ؛ لكن إذا صبر مع كونه يعرف أنه ليس بينه وبين مراده إلا امتداد الأيام فقط، وليس هناك موجب لقطعه ؛ فليصبر : لنفرض أن إنساناً من طلبة العلم همّ أن يحفظ : " بلوغ المرام "، وشرع فيه، واستمر حتى حفظ نصفه ؛ لكن لحقه الملل، فعجز، وترك : فالمدة التي مضت خسارة عليه إلا ما يبقى في ذاكرته مما حفظ فقط ؛ لكن لو استمر، وأكمل حصل المقصود ؛ وعلى هذا فقس..
. ٥ ومن فوائد الآية : فضيلة الصلاة، حيث إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة ؛ لقوله تعالى : والصلاة ؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه ؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر صلى٤ ؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر٥.
فإن قال قائل : كيف تكون الصلاة عوناً للإنسان ؟
فالجواب : تكون عوناً إذا أتى بها على وجه كامل. وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب ؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها ؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب ؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ ؛ لأنه اتصل بالله عزّ وجلّ الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " جعلت قرة عيني في الصلاة " ٦ ؛ أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عوناً له ؛ لأنها صلاة ناقصة ؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى : اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [ العنكبوت : ٤٥ ] ؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر. هو على ما هو عليه. ؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة..
. ٦ ومن فوائد الآية : أنه إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر، والصلاة..
. ٧ ومنها : أن الأعمال الصالحة شاقة على غير الخاشعين. ولا سيما الصلاة...
. ٨ ومنها : أن تحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى بالخشوع له مما يسهل العبادة على العبد ؛ فكل من كان لله أخشع كان لله أطوع ؛ لأن الخشوع خشوع القلب ؛ والإخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليه تدعو إلى طاعته..

١ سبق تخريجه ص١٤..
٢ أخرجه البخاري ص٥٦٧ – ٥٦٨، كتاب الحدود، باب ١٩: فضل من ترك الفواحش، حديث رقم ٦٨٠٦؛ وأخرجه مسلم ص٨٤٠، كتاب الزكاة، باب ٣٠: فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم ٢٣٨٠ [٩١] ١٠٣١..
٣ أخرجه مسلم ص١١٤٢، كتاب القدر، باب ٨: الإيمان بالقدر والإذعان له، حديث رقم ٦٧٧٤ [٣٤] ٢٦٦٤..
٤ أخرجه أحمد ٥/٣٨٨، حديث رقم ٢٣٦٨٨؛ وأخرجه أبو داود ص١٣٢١، كتاب الصلاة، باب ٢٢: وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، حديث رقم ١٣١٩، ومدار الحديث على محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الدؤلي، قال الذهبي: "ما أعلم روى عنه غير عكرمة بن عمار". ميزان الاعتدال (٣/٥٩٥) رقم ٧٧٤٧، وأقره الحافظ في تهذيب التهذيب ٩/٢٤١، وقال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب: "مجهور"، تفرد بالرواية عنه عكرمة بن عمار اليماني ولم يوثقه أحد ٣/٢٧٢، وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داود بإسناد حسن ٣/١٧٢..
٥ راجع البخاري ص٢٣٤، كتاب الجهاد، باب ٨٩: ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب، حديث رقم ٢٩١٥؛ ومسلماً ص٩٩٠، كتاب الجهاد، باب ١٨: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم ٤٥٨٨ [٥٨] ١٧٦٣؛ والسيرة النبوية لابن هشام ٢/١٩٦..
٦ أخرجه أحمد ٣/١٢٨، حديث رقم ١٢٣١٨؛ وأخرجه النسائي ص٢٣٠٧، كتاب عشرة النساء، باب ١: حب النساء، حديث رقم ٣٣٩١، وقال الألباني في صحيح النسائي: حسن صحيح ٣/٥٧، حديث رقم ٣٩٤٩..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير