ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

وبعد أن بين سبحانه سوء حالهم وذكر أن العقل لم ينفعهم والكتاب لم يذكرهم، أرشدهم إلى الطريق المثلى، وهي الاستعانة بالصبر والصلاة فقال : واستعينوا بالصبر والصلاة .
تفسير المفردات :
والصبر : حبس النفس على ما تكره، أو هو احتمال المكروه بنوع من الرضى والاختيار والتسليم، كبيرة : أي ثقيلة شديدة الوقع، والخاشعين : هم المخبتون الخائفون المتطامنة جوارحهم وقلوبهم لله تعالى
المعنى الجملي
الخطاب هنا لبني إسرائيل كما كان فيما قبله، وقد وبخهم على اعوجاج سيرتهم وفساد أعمالهم، وهداهم على المخرج من هذه الضلالات، ذاك أن اليهود كانوا يدعون الإيمان بكتابهم والعمل به والمحافظة عليه وتلاوته، ولكنهم ما كانوا يتلونه حق تلاوته، إذ حق تلاوته هو الإيمان به على الوجه الذي يرضاه الله تعالى، ولكن الأحبار والرهبان كانوا الآمرين الناهين لا يذكرون من الحق إلا ما يوافق أهواءهم، ولا يعملون بما فيه من الأحكام إذا عارض شهواتهم.
فقد جاء في التوراة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم :( أنه يقيم من إخوتهم نبيا يقيم الحق ) وجاء في سفر تثنية الاشتراع ١٧ قال لي الرب : أحسنوا فيما تكلموا. ١٨ سوف أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ١٩ ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أكون المنتقم منه.
فحرفوا هذه البشارة به وأولوها بما يوافق أهواءهم.
وكانت لهم مواسم دينية تذكرهم بنعم الله عليهم، وتكون باعثا على إقامة الدين والعمل به، لكن طول العهد جعل القلوب قاسية فخرجت عن تعاليم الدين، واتباع الخير وسلوك طريق الرشاد، واستمسك الأحبار بالظواهر وقلدهم في ذلك العامة، فما كانوا يعرفون من الدين إلا العبادات العامة، والمراسم الدينية، ما عدا ذلك مما لا فائدة لهم فيه ولا هوى، يلجئون فيه إلى التأويل والتحريف حتى لا يصادم أهواءهم وشهواتهم
الإيضاح :
الصبر الحقيقي إنما يكون بتذكر وعد الله بحسن الجزاء لمن صبر عن الشهوات المحرمة التي تميل إليها النفس، وعمل أنواع الطاعات التي تشق عليها، والتفكر في أن المصايب بقضاء الله وقدره، فيجب الخضوع له والتسليم لأمره، والاستعانة به تكون بإتباع الأوامر واجتناب النواهي بقمع النفس عن شهواتها وحرمانها لذاتها، وتكون بالصلاة لما فيها من النهي عن الفحشاء والمنكر، ولما فيها من مراقبة الله في السر والنجوى، وناهيك بعبادة يناجي فيها العبد ربه في اليوم خمس مرات، وقد روى أحمد رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وروي أن ابن عباس نعيت له بنت وهو في سفر فاسترجع ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ : واستعينوا بالصبر والصلاة أي وإن الصلاة لشاقة صعبة الاحتمال إلا على المخبتين لله الخائفين من شديد عقابه، وإنما لم تثقل على هؤلاء، لأنهم مستغرقون في مناجاة ربهم فلا يشعرون بشيء من المتاعب والمشاق، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم :( وقرة عيني في الصلاة ) لأن اشتغاله بها كان راحة له، وكان غيرها من أعمال الدنيا تعبا له.
ولأنهم مترقبون ما ادخروا من الثواب فتهون عليهم المشاق، ومن ثم قيل للربيع ابن خيثم وقد أطال صلاته : أتعبت نفسك، قال راحتها أطلب، وقيل : من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير