ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

تفسير سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الله جل وعلا : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه راجعون [ البقرة : الآيات ٤٥ _ ٤٨ ].
استعينوا استفعال من العون، وياؤه مبدلة من واو، أصله :( استعونوا ) تحركت الواو بعد ساكن صحيح ؛ فوجب نقل حركتها إلى الساكن الصحيح، على حد قوله في الخلاصة :
لساكن صح انقل التحريك من ذي لين ات عين فعل كأبن
والسين والتاء للطلب، فمعنى استعينوا اطلبوا العون على أموركم الدنيوية والأخروية.
بالصبر و الصلاة الصبر : مصدر صبر صبرا، وهذه المادة تتعدى وتلزم، فمن تعديها في القرآن واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الآية [ الكهف : ٢٨ ]، ومن لزومها في القرآن يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا الآية [ آل عمران : آية ٢٠٠ ]، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ الشورى : آية ٤٣ ]. وقال بعض العلماء : هي متعدية دائما إلا أنها يكثر حذف مفعولها، ومن تعديها في كلام العرب قول عنترة، وقيل أبو ذؤيب :
فصبرت عارفة لذلك حرة*** ترسو إذا نفس الجبان تطلع
والصبر خصلة من خصال الخير عظيمة، صرح الله في سورة فصلت أنه لا يعطيها لكل الناس، وإنما يعطيها لصاحب الحظ الأكبر، والنصيب الأوفر، وذلك في قوله : وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [ فصلت : آية ٣٥ ].
وهذه الخصلة التي هي الصبر لا يعلم جزاءها إلا الله، كما قال جل وعلا : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ الزمر : آية ١٠ ]، والصائمون من خيار الصابرين، ولذا قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : " إلا الصوم فهو لي، وأنا أجزي به ".
والصبر يتناول الصبر على طاعة الله، وإن كنت كالقابض على الجمر، والصبر عن معصية الله، وإن اشتعلت نار الشهوات، ويدخل في ذلك الصبر على المصائب عند الصدمة الأولى، والصبر على الموت تحت ظلال السيوف.
وقوله : و الصلاة أي : واستعينوا بالصلاة ؛ لأن الصلاة نعم المعين على نوائب الدهر، وعلى خير الدنيا والآخرة ؛ كما قال تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر الآية :[ العنكبوت : آية ٤٥ ]، وقال جل وعلا : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعقبة للتقوى [ طه : آية ١٣٢ ] وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى وروي عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) أنه نعي له أخوه قثم، فأناخ راحلته وصلى، وتلا : واستعينوا بالصبر و الصلاة [ البقرة : آية ٤٥ ] يستعين بالصبر والصلاة على صبر مصيبة أخيه.
ولا شك أن لطالب العلم هنا سؤالا وهو أن يقول : أما الاستعانة بالصبر على أمور الدنيا والآخرة فهي أمر واضح لا إشكال فيه ؛ لأن من حبس نفسه على مكروهها في طاعة الله، كان ذلك أكبر معين على الطاعة، ولكن ما وجه الاستعانة بالصلاة على أمور الدنيا والآخرة ؟
الجواب : أن الصلاة هي أكبر معين على ذلك ؛ لأن العبد إذا وقف بين يدي ربه، يناجي ربه ويتلو كتابه، تذكر ما عند الله من الثواب، وما لديه من العقاب فهان في عينه كل شيء، وهانت عليه مصائب الدنيا، واستحقر لذاتها، رغبة فيما عند الله، ورهبة مما عند الله.
ثم إن الله قال جل وعلا : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [ البقرة : آية ٤٥ ] للعلماء في مرجع الضمير في وإنها أقوال كثيرة، منها : أنه راجع إلى الاستعانة، المفهوم من قوله : واستعينوا . ومنها : أنه راجع إلى المذكورات في الآية قبل هذا، والتحقيق : أنه راجع إلى الصلاة، والمعنى : وإنها أي : الصلاة لكبيرة أي : عظيمة شاقة على كل أحد إلا على الخاشعين ، والصبر كذلك على المصائب وعلى طاعة الله وعن معاصي الله، كبير جدا إلا على الخاشعين، والظاهر أن الضمير إنما رجع لأحد المتعاطفين اكتفاء به عن الآخر ؛ لأن مثل ذلك يفهم في الآخر، وهذا يكثر في القرآن، وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله هنا : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها [ البقرة : آية ٤٥ ]، ونظيره : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها الآية [ التوبة : آية ٣٤ ]، وقوله : والله ورسوله أحق أن يرضوه [ التوبة : آية ٦٢ ] ولم يقل : يرضوهما.
وقوله جل وعلا : يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه [ الأنفال : آية ٢٠ ] ولم يقل : عنهما. ونظيره من كلام العرب قول حسان بن ثابت :
إن شرخ الشباب والشعر الأس ود ما لم يعاص كان جنونا
ولم يقل : " ما لم يعاصيا ".
وقول نابغة ذبيان :
وقد أراني ونعما لاهيين بها*** والدهر والعيش لم يهمم بإمرار
وقول الأضبط بن قريع، وقيل كعب بن زهير :
لكل هم من الهموم سعة*** والمسي والصبح لا فلاح معه
ولم يقل : " لا فلاح معهما ".
والكبيرة هنا : وصف من ( كبر ) بضم الباء، ( يكبر ) بضمها، إذا عظم وشق وثقل، ومنه قوله : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه [ الشورى : آية ١٣ ] وهذا النوع في المعاني من ( كبر الأمر ) إذا شق وثقل، أو ( كبر ) بمعنى ( عظم )، كقوله : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [ الصف : آية ٣ ] يكبر الأمر فهو كبير، مضموم في الماضي، تقول : كبر يكبر فهو كبير. كما بينا.
أما كبر السن : ففعله ( كبر ) بكسر الباء ( يكبر ) بفتحها على القياس، وهو معروف، ومن أمثلته قول قيس المجنون :
تعشقت ليلى وهي ذات ذوائب***ولم يبد للعينين من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا***إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
والاستثناء في قوله : إلا على الخاشعين [ البقرة : آية ٤٥ ] استثناء مفرغ، وأصل تقرير المعنى : وإنها لكبيرة أي : ثقيلة عظيمة شاقة على كل أحد إلا على الخاشعين ، والخاشعون جمع : الخاشع، وهو الوصف من : خشع. وأصل الخشوع في لغة العرب : الانخفاض في طمأنينة، كل منخفض مطمئن تسميه العرب : خاشعا، ومنه قول نابغة ذبيان :
توهمت آيات لها فعرفتها*** لستة أعوام وذا العام سابع
رماد ككحل العين لأيا أبينه*** ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
أي : منخفض مطمئن، هذا أصل الخشوع في لغة العرب.
وهو في اصطلاح الشرع : خشية تداخل القلوب، تظهر آثارها على الجوارح، فتنخفض وتطمئن خوفا من خالق السماوات والأرض.
والمعنى : أن الصلاة صعبة شاقة على غير من في قلوبهم الخوف من الله، ويدل لذلك شدة عظمها على المنافقين، كما قال جل وعلا : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا [ النساء : آية ١٤٢ ] وقال جل وعلا : فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون [ الماعون : الآيتان ٥، ٤ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير