ثم لما أمرهم الله تعالى بما شق عليهم من ترك الرياسة والإعراض عن الدنيا أرشدهم بما يعينهم على ذلك ويكفيهم في إنجاح حوائجهم فقال وَاسْتَعِينُواْ على ما يستقبلكم من الحوائج وأنواع البلاء بالصبر بانتظار النجاح والفرج توكلا على الله وحبس النفس عن الجزع فإن لا يغني من القدر شيئا وحبس النفس عن المعاصي وعلى الطاعات فإنه تعالى يقول : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ١ وقال مجاهد : أراد بالصبر الصوم ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر وذلك أن الصوم يزهده في الدنيا والصلاة ترغبه في الآخرة وَالصَّلاَةِ قيل الواو بمعنى على أي استعينوا بالصبر على الصلاة، قال الله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ٢ أو هي بمعناها وللصلاة مدخلا في دفع الهموم وإنجاح الحوائج، روى أحمد وأبو داود وابن جرير من حديث عبد العزيز أخي حذيفة بن اليمان أنه عليه السلام : كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ٣، ويجوز أن يراد بها الدعاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من كانت له حاجة إلى الله أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن وضوءه ثم ليصل ركعتين ثم يثني على الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وليقل : لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين »٤ رواه الترمذي من حديث عبد الله بن أبي أوفى، والحاكم في المستدرك نحوه وإنها لكبيرة أي الاستعانة بهما، أو جملة ما أمروا بها ونهو عنها، أو كل واحد من الخصلتين كما في قوله تعالى كلتا الجنتين ءاتت أكلها ٥ أي كل واحدة منهما أو الصلاة إن كانت الواو في والصلاة بمعنى على، وقيل خصت الصلاة برد الضمير إليها لعظم شأنها، أو استجماعها ضروبا من الصبر كما قال الله تعالى : والله ورسوله أحق أن يرضوه ٦ أن رضاء الرسول داخل في رضاء الله تعالى، وقيل : معناه استعينوا بالصبر وإنه لكبير بالصلاة وإنها لكبيرة أي ثقيلة شاقة فحذف أحدها اختصارا.
إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ والخشوع السكون ومنها الخشعة للراحلة المطمئنة، وهو في الصوت والبصر، قال الله تعالى : وخشعت الأصوات للرحمن ٧ قال : خاشعة أبصارهم ٨ والخضوع : اللين والانقياد، ولذلك يقال : الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب، والمراد المؤمنين الساكنين إلى طاعة الله تعالى الخائفين المتواضعين.
٢ سورة طه، الآية: ١٣٢.
٣ عند أبي داود وأحمد: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى في كتاب: الصلاة، باب: وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم١٣١٨.
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: الوتر، باب: ما جاء في صلاة الحاجة٤٧٩ وقال: في إسناده مقال.
٥ سورة الكهف، الآية: ٣٣.
٦ سورة التوبة، الآية: ٦٢.
٧ سورة طه، الآية: ١٠٨.
٨ سورة القلم، الآية: ٤٣.
التفسير المظهري
المظهري