١٣٦- قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى : اِلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى اَلنِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلى قوله : سَبِيلاً قال الشافعي : أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر١، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب٢، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لا تضربوا إماء الله » قال : فأتاه عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله ذئر٣ النساء على أزواجهم فأذن في ضربهن. فأطاف بآل محمد نساء كثير كلهن يشتكين أزواجهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم :« لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم »٤.
قال الشافعي : في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ضرب النساء، ثم إذنه في ضربهن وقوله :« لن يضرب خياركم » يشبه أن يكون صلى الله عليه وسلم نهى عنه على اختيار النهي، وأذن فيه بأن مباحا لهم الضرب في الحق، واختار لهم أن لا يضربوا لقوله :« لن يضرب خياركم ».
قال : ويحتمل أن يكون قبل نزول الآية بضربهن، ثم أذن لهم بعد نزولها بضربهن.
قال الشافعي : وفي قوله :« لن يضرب خياركم » دلالة على أن ضربهن مباح لا فرض أن يضربن، ونختار له من ذلك ما اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحب للرجل أن لا يضرب امرأته في انبساط لسانها عليه، وما أشبه ذلك.
قال الشافعي : وأشبه ما سمعت ـ والله أعلم ـ في قوله : وَالَّتاى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ٥ أن لخوف النشوز دلائل، فإذا كانت فَعِظُوهُنَّ لأن العظة مباحة، فإن لججن فأظهرن نشوزا بقول أو فعل وَاهْجُرُوهُنَّ فِى اِلْمَضَاجِعِ فإن أقمن بذلك على ذلك وَاضْرِبُوهُنَّ ، وذلك بين أنه لا يجوز هجرة في المضجع، ولا ضرب إلا بقول أو فعل أو هما.
قال : ويحتمل في تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ إذا نشزن فأبن النشوز فكن عاصيات به أن تجمعوا عليهن العظة والهجرة والضرب.
قال : ولا يبلغ في الضرب حدا٦، ولا يكون مبرحا ولا مدميا٧، ويتوقى فيه الوجه٨.
قال : ويهجرها في المضجع حتى ترجع عن النشوز٩، ولا يجاوز بها في هجرة الكلام ثلاثا، لأن الله عز وجل إنما أباح الهجرة في المضجع. والهجرة في المضجع تكون بغير هجرة كلام، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجاوز بالهجرة في الكلام ثلاثا١٠.
قال : ولا يجوز لأحد أن يضرب ولا يهجر مضجعا بغير بيان نشوزها.
قال : وأصل ما ذهبنا إليه من أن لا قسم للممتنعة من زوجها ولا نفقة ما كانت ممتنعة، لأن الله تبارك وتعالى أباح هجرة مضجعها وضربها في النشوز، والامتناع نشوز.
قال : ومتى تركت النشوز لم تحل هجرتها ولا ضربها، وصارت على حقها كما كانت قبل النشوز. ( الأم : ٥/١٩٣-١٩٤. ون الأم : ٥/١١٢. و أحكام الشافعي : ١/٢٥٧-٢٦٠. ومختصر المزني ص : ١٨٦. )
٢ - إياس بن عبد الله بن أبي ذباب الدوسي. مختلف في صحبته. عنه: ولد لابن عمر. الكاشف: ١/٩٥. ون الإصابة: ١/١٦٥. والتهذيب: ١/٤٠٣. وقال في التقريب: مختلف في صحبته. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين..
٣ - ذئرت المرأة على بعلها، وهي ذائر: نشزت وتغير خلقها. يقال: ذئرة المرأة تذرا فهي ذئر وذائر أي ناشز. اللسان: ذئر..
٤ - رواه أبو داود في النكاح (٦) باب: في ضرب النساء (٤٣) (ر٢١٤٦).
ورواه ابن ماجة في النكاح (٩) باب: ضرب النساء (٥١) (ر١٩٨٥).
ورواه الدارمي في النكاح (١١) باب: في النهي عن ضرب النساء (٣٤) (ر٢١٣٩).
ورواه البيهقي في القسم والنشوز باب: ما جاء في ضربها. وفي باب: الاختيار في ترك الضرب ٧/٣٠٤-٣٠٥.
ورواه الشافعي في المسند (ر١١٠٠)..
٥ - النساء: ٣٤. وتمامها: وَالَّتاى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى اِلْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنَ اَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً..
٦ - أي لا يبلغ بعدد الضرب حدا من حدود الله، لأن الزوجة لم تفعل ما تستوجب به حدا..
٧ - أي فيه إذاية شديدة إلى حد الجرح والإدماء..
٨ - روى أبو داود في النكاح (٦) باب: في حق المرأة على زوجها (٤٢) (ر٢١٤٢) عن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: « أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت أو اكتسبت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» قال أبو داود: ولا تقبح: أن تقول قبحك الله.
ورواه ابن ماجة في النكاح (٩) باب: حق المرأة على الزوج (٣) (ر١٨٥٠).
ورواه البيهقي في القسم والنشوز باب: لا يضرب الوجه ٧/٣٠٥..
٩ - أخرج أبو داود في النكاح (٦) باب: في ضرب النساء (٤٣)(ر٢١٤٥) عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع» قال حماد: يعني النكاح.
وأخرجه البيهقي في القسم والنشوز باب: ما جاء في هجرتها ٧/٣٠٣..
١٠ - أخرج البخاري في الأدب (٨١) باب: ما ينهى عن التحاسد والتدابر (٥٧)(٥٧١٨) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام». وفي باب الهجرة (٦٢)(ر٥٧٢٦).
وأخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (٤٥) باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر (٧)(ر٢٥٥٩).
وأخرجه أبو داود في الأدب. والترمذي في البر والصلة، ومالك في حسن الخلق..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي