ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا٣٤ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا٣٥ .
لما نهى الله تعالى كلا من الرجال والنساء عن تمني ما فضل به بعضهم على بعض، وأرشدهم إلى الاعتماد في أمر الرزق على كسبهم، وأمرهم أن يؤتوا الوارث نصيبهم، ولما كان من جملة أسباب هذا البيان ذكر تفضيل الرجال على النساء في الميراث والجهاد كان لسائل هنا أن يسأل عن سبب هذا الاختصاص وكان جواب سؤاله قوله تعالى : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم أي إن من شأنهم المعروف المعهود القيام على النساء بالحماية والرعاية والولاية والكفاية ومن لوازم ذلك أن يفرض عليهم الجهاد دونهن فإنه يتضمن الحماية لهن، وأن يكون حظهم من الميراث أكثر من حظهن لأن عليهم من النفقة ما ليس عليهن، وسبب ذلك أن الله تعالى فضل الرجال على النساء في أصل الخلقة، وأعطاهم ما لم يعطهن من الحول والقوة، فكان التفاوت في التكاليف والأحكام، أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد.
وثم سبب آخر كسبي، يدعم السبب الفطري، وهو ما أنفق الرجال على النساء من أموالهم، فإن في المهور تعويضا للنساء ومكافأة على دخولهن بعد الزوجية تحت رياسة الرجال فالشريعة كرمت المرأة إذ فرضت لها مكافأة عن أمر تقتضيه الفطرة ونظام المعيشة وهو أن يكون زوجها قيما عليها فجعل هذا الأمر من قبيل الأمور العرفية التي يتواضع الناس عليها بالعقود لأجل المصلحة كأن المرأة تنازلت باختيارها عن المساواة التامة وسمحت بأن يكون للرجل عليها درجة واحدة هي درجة القيامة والرياسة، ورضيت بعوض مالي عنها، فقد قال تعالى : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة [ البقرة : ٢٢٧ ] فالآية أوجبت لهم هذه الدرجة التي تقتضيها الفطرة لذلك كان من تكريم المرأة إعطاؤها عوضا ومكافأة في مقابلة هذه الدرجة وجعلها بذلك من قبيل الأمور العرفية لتكون طيبة النفس مثلجة الصدر قريرة العين ولا يقال إن الفطرة لا تجبر المرأة على قبول عقد يجعلها مرؤوسة للرجل بغير عوض فإنا نرى النساء في بعض الأمم يعطين الرجال المهور ليكن تحت رياستهم فهل هذا بدافع الفطرة الذي لا يستطيع عصيانه إلا بعض الأفراد. وقد سبق لنا في بيان حكمة تسمية المهور أجورا من عهد قريب نحو مما تقدم هنا وهو ظاهر جلي وإن لم يهتد إليه من عرفت من المفسرين وجعل بعضهم إنفاق الأموال هنا شاملا للمهر ولما يجب من النفقة على المرأة بعد الزواج.
الأستاذ الإمام : المراد بالقيام هنا هو الرياسة التي يتصرف فيها المرؤوس بإرادته واختياره وليس معناها أن يكون المرؤوس مقهورا مسلوب الإرادة لا يعمل عملا إلا ما يوجهه إليه رئيسه فإن كون الشخص قيما على آخر هو عبارة عن إرشاده والمراقبة عليه في تنفيذ ما يرشده إليه ملاحظته في أعماله وتربيته، ومنها حفظ المنزل وعدم مفارقته ولو لنحو زيارة أولي القربى إلا في الأوقات والأحوال التي يأذن بها الرجل ويرضى، أقول ومنها مسألة النفقة فإن الأمر فيها للرجل فهو يقدر للمرأة تقدير إجماليا يوما يوما أو شهرا شهرا أو سنة سنة وهي تنفذ ما يقدره على الوجه الذي ترى أنه يرضيه ويناسب حاله من السعة والضيق.
قال : والمراد بتفضيل بعضهم على بعض تفضيل الرجال على النساء، ولو قال " بما فضلهم عليهن " أو قال " بتفضيلهم عليهن " لكان أخصر وأظهر فيما قلنا إنه المراد وإنما الحكمة في هذا التعبير هي عين الحكمة في قوله ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض وهي إفادة أن المرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد فالرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.
أقول : يعني أنه لا ينبغي للرجل أن يبغي بفضل قوته على المرأة ولا للمرأة أن تستثقل فضله وتعده خافضا لقدرها فإنه لا عار على الشخص إن كان رأسه أفضل من يده، وقلبه أشرف من معدته مثلا، فإن تفضيل بعض أعضاء البدن على بعض بجعل بعضها رئيسا دون بعض إنما هو لمصلحة البدن كله لا ضرر في ذلك على عضو ما وإنما تتحقق وتثبت منفعة جميع الأعضاء بذلك. كذلك مضت الحكمة في فضل الرجل على المرأة في القوة والقدرة على الكسب والحماية، ذلك هو الذي يتيسر لها به القيام بوظيفتها الفطرية وهي الحمل والولادة وتربية الأطفال وهي آمنة في سربها، مكيفة ما يهمها من أمر رزقها، وفي التعبير حكمة أخرى وهي الإشارة إلى هذا التفضيل إنما هو للجنس على الجنس لا لجميع أفراد الرجال على جميع أفراد النساء، فكم من امرأة تفضل زوجها في العلم والعمل بل في قوة البنية والقدرة على الكسب، ولم ينبه الأستاذ إلى هذا المعنى على ظهوره من العبارة وتصديق الواقع له وإن ادعى بعضهم ضعفه وبهذين المعنيين اللذين أفادتهما العبارة ظهر أنها في نهاية الإيجاز الذي يصل إلى حد الإعجاز لأنها أفادت هذه المعاني كلها. وقد قلنا في تفسير ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض أن التعبير يشمل ما يفضل به كل من الجنس الآخر وما يفضل به أفراد كل منهما أفراد جنسه وأفراد الجنس الآخر، ولا تأتي تلك الصور كلها هنا وإن اتحدت العبارة لأن السياق هناك غيره هنا، على أننا أشرنا ثمة إلى ضعف صورة فضل النساء على الرجال بما هو خاص بهن من الحمل والولادة والرجال لا يتمنون ذلك. ونعود إلى كلام الأستاذ.
قال : وما به الفضل قسمان فطري وكسبي، فالفطري هو أن مزاج الرجل أقوى وأكمل، وأتم وأجمل، وإنكم لتجدون من الغرابة أن أقول إن الرجل أجمل من المرأة وإنما الجمال تابع لتمام الخلقة وكمالها، وما الإنسان في جسمه الحي إلا نوع من أنواع الحيوان فنظام الخلقة فيها واحد، وإننا نرى ذكور جميع الحيوانات أكمل وأجمل من إناثها كما ترون في الديك والدجاجة، والكبش والنعجة، والأسد واللبوة. ومن كمال خلقة الرجال وجمالها شعر اللحية والشاربين ولذلك يعد الأجرد ناقص الخلقة ويتمنى لو يجد دواء ينبت الشعر وإن كان ممن اعتادوا حلق اللحى، ويتبع قوة المزاج وكمال الخلقة قوة العقل وصحة النظر في مبادي الأمور وغاياتها ومن أمثال الأطباء والعلماء : العقل السليم في الجسم السليم. ويتبع ذلك الكمال في الأعمال الكسبية فالرجال أقدر على الكسب والاختراع والتصرف في الأمور أي فلأجل هذا كانوا هم المكلفين أن ينفقوا على النساء وأن يحموهن ويقوموا بأمر الرياسة العامة في مجتمع العشيرة التي يضمها المنزل إذ لابد في كل مجتمع من رئيس يرجع إليه في توحيد المصلحة العامة اه بزيادة وإيضاح.
أقول : ويتبع هذه الرياسة جعل عقدة النكاح في أيدي الرجال هم الذين يبرمونها برضا النساء، وهم الذين يحلونها بالطلاق، وأول ما يذكره جمهور المفسرين المعروفين في هذا التفضيل النبوة والإمامة الكبرى والصغرى وإقامة الشعائر كالأذان والإقامة والخطبة في الجمعة وغيرها، ولا شك أن هذه المزايا تابعة لكمال استعداد الرجال، وعدم الشاغل لهم عن هذه الأعمال، على ما في النبوة من الاصطفاء والاختصاص، ولكن ليست هي أسباب قيام الرجال على شؤون النساء وإنما السبب هو ما أشير إليه بباء السببية لأن النبوة اختصاص لا يبنى عليها مثل هذا الحكم كما أنه لا يبنى عليها أن كل رجل أفضل من كل امرأة لأن الأنبياء كانوا رجالا، وأما الإمامة والخطبة وما في معناهما مما ذكروه إنما كان للرجال بالوضع الشرعي فلا يقتضى أن يميزوا بكل حكم ولو جعل الشرع للنساء أن يخطبن في الجمعة والحج ويؤذن ويقمن الصلاة لما كان ذلك مانعا أن يكون من مقتضى الفطرة أن يكون الرجال قوامين عليهن، ولكن أكثر المفسرين يغفلون عن الرجوع إلى سنن الفطرة في تعليل حكمة أحكام دين الفطرة، ويلتمسون ذلك كله من أحكام أخرى.
قال تعالى : فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله هذا تفصيل لحال النساء في هذه الحياة المنزلية التي تكون المرأة فيها تحت رياسة الرجل، ذكر أنهن فيها قسمان صالحات وغير صالحات وأن من صفة الصالحات القنوت وهو السكون والطاعة لله تعالى وكذا لأزواجهن بالمعروف، وحفظ الغيب.
قال الثوري وقتادة : حافظات للغيب يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال، وروى ابن جرير والبيهقي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ) وقرأ ( صلى الله عليه وسلم ) الآية. وقال الأستاذ الإمام الغيب هنا هو ما يستحي من إظهاره أي حافظات لكل ما هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين فلا يطلع أحد منهم على شيء مما هو خاص بالزوج.
أقول : ويدخل في قوله هذا وجوب كتمان كل ما يكون بينهن وبين أزواجهن في الخلوة ولا سيما حديث الرفث فما بالك بحفظ العرض. وعندي أن هذه العبارة هي أبلغ ما في القرآن من دقائق كنايات النزاهة، تقرأها خرائد العذارى جهرا. ويفهمن ما تومئ إليه مما يكون سرا، وهن على بعد من خطرات الخجل أن تمس وجدانهن الرقيق بأطراف أناملها، فلقلوبهن الأمان من تلك الخلجات، التي تدفع الدم إلى الوجنات، ناهيك بوصل حفظ الغيب بما حفظ الله فالانتقال السريع من ذلك الغيب الخفي، إلى ذكر الله الجلي، يصرف النفس عن التمادي في التفكر فيما يكون وراء الأستار، من تلك الخفايا والأسرار، وتشغلها بمراقبته عز وجل. وفسروا قوله تعالى : بما حفظ الله بما حفظه لهن في مهورهن وإيجاب النفقة لهن، يريدون أنهن يحفظن حق الرجال في غيبتهم جزاء على المهر ووجوب النفقة المحفوظين لهن في حكم الله تعالى، وما أراك إلا ذاهبا معي إلى وهن هذا القول وهزاله، وتكريم أولئك الصالحات بشهادة الله تعالى أن يكون حفظهن لذلك الغيب من يد تلمس، أو عين تبصر، أو أذن تسترق السمع، معللا بدراهم قبضن، ولقيمات يرتقبن، ولعلك بعد أن تمج هذا القول يقبل ذوقك ما قبله ذوقي وهو أن الباء في قوله بما حفظ الله هي صنو باء " لا حول ولا قوة إلا بالله " وأن المعنى حافظات للغيب بحفظ الله أي بالحفظ الذي يؤتيهن الله إياه بصلاحهن فإن الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة، قوية على حفظ الأمانة، أو حافظات له بسبب أمر الله بحفظه، فهن يطعنه ويعصين الهوى، فعسى أن يصل معنى هذه الآية إلى نساء عصرنا اللواتي يتفكهن بإفشاء أسرار الزوجية ولا يحفظن الغيب فيها !.
الأستاذ الإمام : إن هذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن شيء من سلطان التأديب وإنما سلطانهم على القسم الثاني الذي بينه وبين حكمه بقوله عز وجل : والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن النشوز في الأصل بمعنى الارتفاع فالمرأة التي تخرج عن حقوق الرجل قد ترفعت عليه وحاولت أن تكون فوق رئيسها، بل ترفعت أيضا عن طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل فتكون كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء. وقد فسر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط، وبعضهم بالعلم به، ولكن يقال

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير