ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

وبعد ذلك جاء ليتكلم في قضية متصلة بقول الحق سبحانه : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض فقال :
الرجال قوامون على النساء ، أول ما نلتفت إليه أن بعضهم لم يفسروا الآية إلا على الرجل وزوجته على الرغم من أن الآية تكلمت عن مطلق رجال ومطلق نساء، فليست الآية مقصورة على الرجل وزوجه، فالأب قوام على البنات، والأخ على أخواته. ولنفهم أولا " الرجال قوامون " وماذا تعني ؟ وننظر أهذه تعطي النساء التفوق والمركز أم تعطيهن التعب. والحق سبحانه وتعالى يطلب منا أن نحترم قضية كونية، فهو الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه وأوضح القضية الإيمانية " الرجال قوامون على النساء " والذي يخالف فيها عليه أن يوضح إن وجد ما يؤدي إلى المخالفة، والمرأة التي تخاف من هذه الآية، نجد أنها لو لم ترزق بولد ذكر لغضبت، وإذا سألناها : لماذا إذن ؟ تقول : أريد ابنا ليحمينا. كيف وأنت تعارضين في هذا الأمر ؟.
ولنفهم ما معنى " قوام "، القوام هو المبالغ في القيام. وجاء الحق هنا بالقيام الذي فيه تعب، وعندما تقول : فلان يقوم على القوم ؛ أي لا يرتاح أبدا. إذن فلماذا تأخذ " قوامون على النساء " على أنه كتم أنفاس ؟ لماذا لا تأخذها على أنه سعي في مصالحهن ؟ فالرجل مكلف بمهمة القيام على النساء، أي أن يقوم بأداء ما يصلح الأمر. ونجد أن الحق جاء بكلمة " الرجال " على عمومها، وكلمة " النساء " على عمومها، وشيء واحد تكلم فيه بعد ذلك في قوله : بما فضل الله بعضهم على بعض فما وجد التفضيل ؟.
إن وجه التفضيل أن الرجل له الكدح وله الضرب في الأرض وله السعي على المعاش، وذلك حتى يكفل للمرأة سبل الحياة اللائقة عندما يقوم برعايتها. وفي قصة آدم عليه السلام لنا المثل، حين حذر الحق سبحانه آدم وزوجته من الشيطان، إبليس الذي دعي إلى السجود مع الملائكة لآدم فأبى، وبذلك عرفنا العداوة المسبقة من إبليس لآدم، وحيثيتها :
قال أأسجد لمن خلقت طينا ( من الآية ٦١ سورة الإسراء ).
وأوضح الحق لآدم : إذا هبطت إلى الأرض فاذكر هذه العداوة. وأعلم أنه لن يتركك، وسيظل يغويك ويغريك ؛ ؟ لأنه لا يريد أن يكون عاصيا بمفرده، بل يريد أن يضم إليه آخرين من الجنس الذي أبى أن يسجد هو لأبيهم آدم يريد أن يغويهم، كما حاول إغواء آدم :
إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة ( من الآية ١١٧ سورة طه ).
وهل قال الحق بعدها : فتشقيا او فتشقى ؟ قال سبحانه :
فتشقى ( من الآية ١١٧ سورة طه ).
فساعة جاء الشقاء في الأرض والكفاح ستر المرأة وكان الخطاب للرجل. وهذا يدل على أن القوامة تحتاج إلى تعب، وإلى جهد، وإلى سعي، وهذه المهمة تكون للرجل.
ونلحظ أنه ساعة التفضيل قال : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض لقد جاء ب " بعضهم " لأنه ساعة فضل الرجل لأنه قوام فضل المرأة أيضا لشيء آخر وهو كونها السكن حين يستريح عندها الرجل وتقوم بمهمتها.
ثم تأتي حيثية القوامة : وبما أنفقوا من أموالهم . والمال يأتي نتيجة الحركة ونتيجة التعب، فالذب يتعب نقول له : انت قوام، إذن فالمرأة يجب أن تفرح بذلك ؛ لأنه سبحانه أعطى المشقة وأعطى التعب للجنس المؤهل لذلك. ولكن مهمتها وإن كانت مهمة عظيمة إلا أنها تتناسب والخصلة المطلوبة أولا فيها : الرقة والحنان والعطف والوداعة. فلم يأت بمثل هذا ناحية الرجل ؛ لأن الكسب لا يريد هذه الأمور، بل يحتاج إلى القوة والعزم والشدة، فقول الله :" قوامون " يعني مبالغين في القيام على أمور النساء.
ويوضح للنساء : لا تذكرن فقط أنها حكاية زوج وزوجة. قدرن أن القيام يكون على أمر البنات والأخوات والأمهات. فلا يصح أن تأخذ " قوام " على أنها السيطرة ؛ لأن مهمة القيام جاءت للرجل بمشقة، وهي مهمة صعبة عليه أن يبالغ في القيام على أمر من يتولى شئونهن.
وبما أنفقوا من أموالهم فإذا كان الزواج متعة للأنثى وللذكر. والاثنان يستمتعان ويريدان النوع في الذرية، فما دامت المتعة مشتركة وطلب الذرية أيضا مشتركا فالتبعات التي تترتب على ذلك لم تقع على كل منهما، ولكنها جاءت على الرجل فقط... صداقا ونفقة حتى ولو كانت المراة غنية لا يفرض عليها الشرع حتى أن تقرض زوجها.
إذن فقوامة الرجال جاءت للنساء براحة ومنعت عنهن المتاعب. فلماذا تحزن المراة منها ؟ ف " الرجال قوامون على النساء " أي قائمون إقامة دائمة ؛ لأنه لا يقال قوام لمطلق قائم، فالقائم يؤدي مهمة لمرة واحدة، لكن " قوام " تعني مستمر في القوامة.
الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم وما دمنا نكدح ونتعب للمرأة فلا بد أن تكون للمرأة مهمة توازي ذلك وهي أن تكون سكنا له، وهذه فيها تفضيل أيضا.
لقد قدم الحق سبحانه وتعالى في صدر الآية مقدمة بحكم يجب أن يلتزم به ؛ لأنه حكم الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه، فأوضح القضية الإيمانية :" الرجال قوامون على النساء " ثم جاء بالحيثيات فقال : بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ويتابع الحق : فالصالحات قانتات حافظات للغيب والمرأة الصالحة هي المرأة التي استقامت على المنهج الذي وضعه لها من خلقها في نوعها، فمادامت هي صالحة تكون قانتة، والقنوت هو دوام الطاعة لله، ومنه قنوت الفجر الذي نقنته، وندعو ونقف مدة أطول في الصلاة التي فيها قنوت.
والمرأة القانتة خاضعة لله، إذن فحين تكون خاضعة لله تلتزم منهج الله وأمره فيما حكم به من أن الرجال قوامون على النساء، فالصالحات قانتات حافظات للغيب وحافظات للغيب تدل على سلامة العفة. فالمرأة حين يغيب عنها الراعي لها والحامي لعرضها كالأب بالنسبة للبنت والابن بالنسبة للأم، والزوج بالنسبة للزوجة، فكل امرأة في ولاية أحد لا بد أن تحفظ غيبته ؛ ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما حدد المراة الصالحة قال في حديث عن الدنيا :
" الدنيا كلهامتاع، وخير متاع الدنيا المراة الصالحة " (١).
لقد وضع صلى الله عليه وسلم قانونا للمرأة الصالحة يقول فيه :
( خير النساء التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره )(٢).
وأي شيء يحتاج الرجل إليه أحسن من ذلك. وكلمة " إن نظرت إليها سرتك " إياك أن توجهها ناحية الجمال فقط، جمال المبنى، لا، فساعة تراها اجمع كل صفات الخير فيها ولا تأخذ صفة وتترك صفة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من أن نأخذ صفة في المراة ونترك صفة أخرى، بل لا بد أن نأخذها في مجموع صفاتها. فقال :
" تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " (٣).
المطلوب ألا تنظر إلى زاوية واحدة في الجمال، بل انظر إلى كل الزوايا، فلو نظرت إلى الزاوية التي تشغل الناس، الزاوية الجمالية، لوجدتها أقل الزوايا بالنسبة إلى تكوين المراة ؛ لأن عمر هذه المسألة " شهر عسل " كما يقولون وتنتهي، ثم بعد ذلك تبدو المقومات الأخرى. فإن دخلت على مقوم واحد وهي أن تكون جميلة فأنت تخدع نفسك، وتظن أنك تريدها سيدة صالون ! ونقول لك : هذه الصفة أمدها بسيط في عمر الزمن، لكن ما يبقى لك هو أن تكون أمينة، أن تكون مخلصة، أن تكون مدبرة ؛ ولذلك فالفشل ينشأ في الأسرة من أن الرجال يدخلون على الزواج بمقياس واحد هو مقياس جمال البنية، وهذا المقياس الواحد عمره قصير، يذهب بعد فترة وتهدأ شرته. وبعد ذلك تستيقظ عيون الرجل لتتطلع إلى نواحي الجمال الأخرى، فلا يجدها. فيحدث الفشل ؛ لذلك لا بد أن تأخذ مجموعة الزوايا كلها. إياك أن تأخذ زاوية واحدة، وخير الزوايا أن يكون لها دين. وكذلك المقياس بالنسبة لقبول المراة للزوج، أيضا خير الزوايا أن يكون له دين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض )(٤).
وعندما استشار رجل سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : زوجها من ذي الدين، إن أحبها وأكرمها، وإن كرهها لم يظلمها.
إذن فالدين يرشدنا : لا بد أن ننظر إلى المسألة التي سيكون لها عمر طويل في الحياة الممتدة، وبعد ذلك إذا أرادت أن تكون ناجحة فعليها أن ترى إطار نوعيتها وتنبغ فيه، ومن الممكن إن كان عندها وقت أن توسع دائرة مهمتها في بيتها، فإذا كان عندها أولاد فعليها أن تتعلم الحياكة وتقوم بتفصيل وحياكة ملا بسها وملابس أولادها فتوفر النقود، أو تتعلم التطريز كي لا تدفع أجرة، أو تتعلم التمريض حتى إذا مرض ولدها استطاعت أن تمرضه وترعاه، أن تتعلم كي تغنى عن مدرس خصوصي يأخذ نقودا من دخل الأسرة، وإن بقي عندها وقت فلتتعلم السباكة لتوفر أجرة السباك إذا فسد صنبور ماء، أو تتعلم إصلاح الكهرباء لتصلح مفتاح الإضاءة. وتستطيع المراة أن تقوم بأي عمل وهي جالسة في بيتها وتوفر دخلا لتقابل به المهام التي لا تقدر أن تفعلها، والمرأة تكون من " حافظات الغيب " ليس بارتجال من عندها أو باختيار، بل بالمنهج الذي وضعه الله لحفظ الغيب ؟..
فما المنهج الذي وضعه الله لحفظ الغيب ؟ تحافظ على عرضها وعلى مال زوجها في غيبته، فتنظر المنافذ التي تأتي منها الفتنة وتمتنع عنها، لا تخرج إلى الشوارع إلا لحاجة ماسة أو ضرورة كي لا ترى أحدا يفتنها أو يفتن بها ؛ لأن هذه هي مقدمات الحفظ، ولا تذهب في زحمة الحياة، وبعد ذلك نقول لها :" حافظي على الغيب " بل عليها أن تنظر ما بينه الله في ذلك. فإن اضطررت ان تخرجي فلتغضي البصر ؛ ولذلك قال سبحانه :
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ( من الآية ٣١ سورة النور ).
فالمرأة إن لم تغض النظر يحدث التفات عاطفي ؛ لأن كل شعور في الإنسان له ثلاث مراحل : مرحلة أن يدرك، ومرحلة أن يجد في نفسه، ومرحلة أن ينزع، أي يحول الأمر إلى سلوك، ونضرب دائما المثل بالوردة. وأنت تسير ترى وردة في بستان وبمجرد رؤيتك لها فهذا إدراك، وإذا أعجبتك الوردة وعشقتها وأحببتها فهذا اسمه وجدان. وإذا اتجهت لتقطفها فهذه عملية نزوعية، فكم مرحلة ؟ ثلاث مراحل :
إدراك، فوجدان. فنزوع.
ومتى يتدخل الشرع ؟ الشرع يتدخل في عملية النزوع دائما. يقول لك : أنت نظرت الوردة ولم نعترض على ذلك، أحببتها وأعجبتك فلم نقل لك شيئا، لكن ساعة جئت لتمد يدك لتأخذها قلنا لك : لا، الوردة ليست لك.
إذن فأنت حر في أن تدرك، وحر في أن تجد في نفسك، إنما ساعة تنزع نقول لك : لا، هي ليست لك، وإن أعجبتك فازرع لك وردة في البيت، أو استأذن صاحبها مثلا.
إذن فالتشريع يتدخل في منطقة النزوع، إلا في أمر المرأة فالتشريع يتدخل من أول الإدراك ؛ لأن الذي خلقنا علم أننا إن أدركنا جمالا، نظرنا له، وستتولد عندنا مواجيد بالنسبة للأشياء التي نراها ونشتهيها، وساعة يوجد إدراك واشتهاء، لا يمكن أن ينفصل هذا عن النزوع ؛ لأنك كرجل مركب تركيبا كيميائيا بحيث إذ أدركت جمالا ثم حدث لك وجدان واشتهاء، فالاشتهاء لا يهدأ إلا بنزوع، فيبين لك الشرع : أنا رحمتك من أول الأمر، وتدخلت من اول المسألة. وكل شيء أتدخل فيه عند النزوع إلا المرأة فقد ت

١ رواه أحمد ومسلم والنسائي عن ابن عمرو..
٢ رواه أحمد والنسائي والحاكم..
٣ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة..
٤ رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير