تفسير سورة سورة مريم
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي
تفسير ابن عرفة
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي (ت 803 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 2008 م
عدد الأجزاء
4
المحقق
جلال الأسيوطي
قوله تعالى: ﴿كهيعص (١)﴾
اختلفوا هل هذه الأحرف اسم للسورة، أو الكاف عبارة عن الكبير، والياء عبارة عن العلي، والعين عن العليم، والهاء عن الله، والصاد عن الصادق.
ابن عرفة: لَا يؤخذ بالاجتهاد وإنما إسناده عن الصحابة - رضي الله عنهم - أو حديث.
قيل لابن عرفة: نص النحويين على أن الحروف لَا تنطق بها، ولا يقال: هذا الحرف ويقطع من كذا، [وذكر*] سيبويه عن الخليل في كيفية النطق أنه كاف له هنا السكت؛ فيقال: في حروف [**قرب ضرب صدرويه] فقال: هذه ليست منقطعة منها بل هو حرف آخر مماثل للكاف من الكبير وهي اسم؛ لأنك تقول كاف ياء فهي اسم لتلك الحروف.
وقال بعضهم: إن الحروف التي في أوائل السور مما استأثر الله بعلمه.
وقال بعض المتأخرين ممن اختصر "كتاب المحصول: هذا إنما هو في الألفاظ [المعبر بها*] عن الكلام القديم، وأما الكلام القديم الأزلي فيستحيل أن يقال فيه: إنه لَا يفهم.
قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾
قال الطبري: نداء مخلصا؛ فعبر عنه [بالخفي*] مجازا وليس بكناية؛ لأن الخفي منه المخلص وغيره.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾
ابن عرفة: قال بعض اللغويين: (وَهَنَ) أي ضعف لكن الوهن أخص من الضعف؛ لأن الضعف له أول ومنتهى، والوهن يقتضي الضعف الشديد المتناهي.
فإن قلت: هلا قال: وهنت العظام مني، فهو أبلغ؟
ابن عرفة: فأجاب بعض البيانيين: إن الألف واللام إذا دخلت على المفرد سيرته عاما في المفردات، والعموم الذاتي أقوى من العموم العرضي، كقولك: كل رجل قائم، وكل الرجال قائم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الوهن سبب خفي، والاشتعال بالشيب سبب ظاهر يراه كل أحد فأخَّره ليكون كالدليل عليه، وأجيب بأن الوهن يكون لمرض، فهو قابل للتداوي والرجوع إلى حالته الأولى، فلما عقبه بالشيب دل على أنه أمر لازم.
ابن عرفة: ؛ لأنه يضعف [لأن الكبر ليس لها دواء*].
فإن قلت: هلا قال: وهن مني عظمي؟ فالجواب: أن فيه التبيين بعد الإجمال.
كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، فإن قلت: هلا قال: واشتعل شيب الرأس؟ فأجاب بأنه مجاز على جهة المبالغة في نسب الاشتعال [لجميع*] الرأس؛ إشارة إلى عموم الشيب في رأسه حتى كأنه شيب.
قوله تعالى: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا).
معناه: أني أدعوك فإن استجبت لي حصلت السعادة، وإن لم تستجب لي أجرت أجر [التضرع والخضوع*] فلم أكن شقيا بوجه، والمصدر هنا مضاف إلى المفعول؛ أي ولم أكن بدعائي إياك شقيا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾
فإن قلت: هذا معطوف على وهن المؤكد فهلا استغنى عن إعادة إني؟ فالجواب: إما بأنه تأكيد الشيب في المطلب، وإمَّا بأن وهن العظم والمشتعل الرأس ليس من كسبه بوجه، وخوف الموالي من أقاربه في الكسب فهو مباين للأول، وقرئ (خُفْتُ) ومعنى من ورائي من بعدي، فعلى قراءة (خِفْتُ) يفهم معنى الآية؛ لأنه بمنزلة رجل ومات نظراؤه في صناعته؛ حتى لم يبق منهم إلا إنسان، فيقال: خفت الصناع من بعدي؛ لأنه يقطع إذا مات لَا يبقى إلا إنسان، وعلى قراءة (خُفْتُ) لا يصح المعنى؛ لأن إذا مات ارتفع خوفه من هذه من رضى الدنيا لَا يخاف مما كان بعد موته.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾
ابن عطية: كيف استبعد زيادة الولد بعد أن طلبه ودعا به، فأجاب بأربعة أوجه:
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
الثاني: أن يكون بين طلبه له وبين التبشير به زمن [متطاول*] بحيث تزايد ضعفه، وتمكنت شيخوخته فكان يرجو أن يبشر به في زمن [إياسه*] من الولد.
الثالث: أنه سأل عن الكيفية التي تزايد له فيها الولد هل مرجوع امرأته شابة، أو تلد على ذلك الحال، كما قال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى).
وفي عبارة ابن عطية، قلت: لأنه طلب الولد ثم استفهم كيف الوصول إليه، [وكيف نفذ القدر به*].
ابن عرفة: وعادتهم يوردون سؤالا، وهو أنه إذا تقدم اسم نكرة ثم أعيد فإنما يعاد معرفا بالألف واللام، قال الله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، قال هنا (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى)، فقال: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) الولد، أو يقول: أنى يكون لي الغلام [فأجيب بوجهين*]:
أحدهما: أن الغلام هنا مدح باسمه فأشبه المعرفة؛ فلذلك لم يعده.
الثاني: ذلك إنما هو حيث يعاد بلفظه، وهنا إنما أعيد بلفظ الولد ولا شك أن أحدهما أعم من الآخر، فالغلام أعم؛ فإنه يمكن أن يكون ولد ولده، أو ولد أحد من قرابته؛ فأخذ هو بحق السؤال باستبعاد كونه ولده.
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾
أي: كما علمت أن جميع الأشياء هين على الله فاعلم أن هذا هين عليه، واستدل بخلقه إياه من عدم، وهذا هو المذهب الكلامي وهو الإتيان بالحكم مقرونا بدليله.
قوله تعالى: (وَلَمْ تَكُ شَيْئًا).
ظاهره أن هذا حجة لأهل السنة في قولهم؛ لأن الندم ليس بشيء.
والزمخشري يقول: ولم تك شيئا موجودا أو شيئا مذكورا.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾
ابن عرفة: عرف القرآن في هذا النداء بالياء، إيماء بالموجود؛ فلذلك قال ابن عطية: [المعنى فولده له*]، وقال الله للمولود (يَا يَحْيَى).
ابن عرفة: إنما عد بولد؛ لأن المتكلمين اختلفوا في الاستدلال على الحدوث هل يستدل بالإمكان أو بالموجود؟ فإن نظرنا إلى ما قبل الآية، وهو قوله تعالى: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) وهذا دليل على إمكان وجوده، وإن نظرنا إلى قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) كان دليل على أنه واحد؛ لأنه خطاب له؛ فلذلك أضمر وجوده قبله.
وقوله تعالى: (خُذِ).
إن كان تكليفا فهو للوجوب، وإن كان امتنانا فهو للندب.
قوله تعالى: (بِقُوَّةٍ).
قال أبو حيان: إما مفعول أو حال.
ابن عرفة: يريد إما متعلق بقوله (خُذِ) وهو موضع الحال والكتاب التوراة، وإنما قال: (بِقُوَّةٍ) ولم يقل ذلك في موسى ولا في [غيره*] من الأنبياء؛ لأنهم أوتوا الحكم [كبارًا*] بالضرورة أن يأخذوا الكتاب بقوة، ويحيى أوتي الحكم صبيا، فقال (بِقُوَّةٍ) أحرى بنا؛ فالحكم المراد به الأمر الفضلي، يعني لأن الصبيان يوصفون بالحكم الضروري فلا مزية له عليهم فيه.
حسبما قال الفخر في المحصول: الحكم القصد، يعني هو يمكن أن يكون وأن لا يكون؛ فلذلك يوصف به الصبيان، ويوصفون بالضروري، فلو [علمه*] الصبي لعلمه بتفضيل [**لم يضر] لأنكر ذلك بالبديهة.
قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾
ابن عطية، والزمخشري: يحتمل أن يراد وخلقنا في قلبه الحنان، ويحتمل أن يراد وآتيناه حنانا منا عليه.
وذكر ابن الصلاح في علوم الحديث في باب رِوَايَةِ الْآبَاءِ [عَنِ الْأَبْنَاءِ*] حديثا يقتضي اتصاف الله تعالى بالحنان، وذكر فيه سندا متصلا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن الحنَّان هو الذي يُقبل على من أعرض عنه، [والمَنَّانَ هو الذي يبدأ بالنوال
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قال ابن عرفة: [وأما المعتزلة*] فلا يجوز عندهم نبوة الصغير بناء على قاعدة التحسين والتقبيح، والفلاسفة يصح ذلك على مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إنها راجعة إلى طبع مجازي [يحظون به*]، وظاهر كلام الفخر هنا أنها واقعة أن يحيى وعيسى بعثا صغيرين.
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾
وقال تعالى في عيسى: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)، وكان بعضهم يقول: لأن يحيى [أكثر تكليفا، قال: وعيسى كذلك [وكان رسولا*].
قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾
وقال عيسى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) قيل لابن عرفة: هذا حكم إنشائي وصيغ الاستثناء حالته، فكيف يعمل في المستقبل؟ فقال: ليس المراد حقيقة المستقبل، وإنما هو كقولهم: ضربته الظهر والبطن.
قوله تعالى: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَومَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ).
وقال عيسى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) فأجاب الزمخشري والغزالي بأن يحيى غلب مقام الخوف فسلم عليه أمنا له [وتطمينا*]، وعيسى غلب عليه مقام الرجاء.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾
قال ابن عرفة: عينها باسمها في سورة التحريم، فقال تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) تشريفا بذكرها مع امرأة فرعون، وامرأة نوح ولوط، ويوجد جواز اجتماع الخبر والأمر في الكلام الواحد؛ لأن الإخبار الآخر عن هذه القصة مع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور بتبليغها للناس فيؤخذ منه أن من آمن فلا يبيع سلعة بكذا دينار، فقال: إن فلانا، قال: بائع سلعتي هذه بكذا وأنا قد بعتها به، فقال المشتري: وقد اشتريتها بذلك، فقال: ربما لَا أرضى بذلك أنه يلزمه البيع.
قوله تعالى: (إِذِ انْتَبَذَتْ).
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قال المختصر السفاقسي: يحتمل أن يكون على حذف مضاف؛ أي اذكر خبر مريم وما جرى لها إذ انتبذت.
قال ابن عرفة: هذا هو الصحيح، لأن الخبر متأخر عن المجرور عنه فلا يصح أن يعمل الخبر في إذ؛ لأن وقت الانتباذ ليس هو وقت الخبر؛ فلذلك قال أبو حيان: وما جرى لها إذ انتبذت.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾
وهو جبريل، وقال تعالى في سورة آل عمران: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) التبشير وقع من الملائكة وهذا الإرسال من ملكَ واحد، فإن كانت القصة واحدة فيكون ذكر هذا جبريل وحده؛ لأنه المتقدم في الملائكة وهو تبع له، وإن كانت قصتين فتكون تلك قبل هذه فبشرها أولا الملائكة ثم أتاها جبريل وحده فنفخ في فرجها.
فإن قلت: كيف يفهم [تصور*] الملك ورجوعه على صورة إنسان حسن الصورة مع أن الموجودات ثلاثة: إما متحيز، أو قائم بالتحيز، أو لَا متحيز ولا قائم؛ فمتحيز على القول بإثبات الجوهر المفارق، فكما لَا يصح صيرورة الجوهر [عرضا*] ولا العكس؛ لذلك لَا يصح الموجود الغير المتحيز متحيزا، قلت: فالصواب أن الملائكة أجسام متحيزة، فكما أن الله تعالى أقدر الجسم على القيام والقعود والحركة، كذلك أقدر بعض الأجسام على [التصور*] على صفات مختلفة.
ابن عرفة: وقد كنت رأيت السلطان إبراهيم في غاية الضعف قولا [... ].
قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾
وقرئ (مَنْ تَحْتَهَا)، وعلى كلا القراءتين يصح أن يكون المنادِي جبريل وعيسى عليهما السلام، ورجح بعضهم الأول بعدم الاحتياج إلى إضمار الفاعل، وأجيب بأن الفاعل هناك الجزء من الفعل فهو بمنزلة المركب.
ابن عرفة: [ومن بدع التفسير قول الزمخشري في أن جبريل عليه السلام كان يُقَبِّل الولدَ كالقابلة*].
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قال الزمخشري: أن مفسرة.
ابن عرفة: انظر هل هي مفسرة للنداء أو للقول الكائن معه؟ فالمعنى: قال لها يا مريم لَا تحزني، أو كون قوله: (نَادَاهَا) فحملوه من قوله لها: (يَا مَرْيَمُ) وأن لا يفسر القول الواقع بالنداء.
قوله تعالى: (أَلَّا تَحْزَنِي).
قال ابن عرفة: عادتهم يوردون فيه سؤالا وهو أن الغم الواقع من النفس إن كان لأجل أمر مستقبل فهو خوف، وإن كان لأجل أمر ماض فهو حزن وتألم، إما أن تكون مما يلحقها من المعرة فقط من قومها فهو أمر مستقبل، أو بالسبب الواجب لهذه المعرة وهو أمر ماض أو مجموعهما، وهو مستقبلي؛ لأنه إن كان بعض المجموع مستقبل فالكل مستقبل، وتألمها في الحقيقة، وهو إما أن يلحقها من المعرة فقط، فهلا قال [(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَخافي) *]؟ قال: والجواب: اختار أنها اغتمت وتأملت للمجموع من المعرة وسببها وراعاها في هذا المجموع سببه وهو ماض تذكيرا لها لما فيه من المعجزة، والأمر الخارق للعادة؛ ففيه تسلية لها عن العالم لما يتوقعه من المعرة وسببها وراعاها في المستقبل.
قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾
قال ابن عطية: يؤخذ منه مراعاة الأسباب، وإلا فالله سبحانه قادر على إيصال ذلك إليها من غير هز.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إنما أمرها بالهز؛ لأن فيه اشتغالا لها لتسلى [ويزول*] عنها ما بها من الغم، [كما شاهدناه*] فيمن يكون مغموما فتعلق نفسه بشيء يزيل همه، قالوا: ففي الآية تعدى فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل، وأجاب أبو حيان بخمسة أوجه:
إما أنه على إضمار أعني إليك.
وإما أن ذلك اسم.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: الصواب جوازه هنا، وإنما يمنع حيث يباشر الفاعل المفعول، كقوله: ضربتني وضربتك، وهنا فصل بين الضميرين حرف الجر، وقد أجازوا العطف على المضمر المتصل المرفوع إذا فصل بينه وبين المعطوف بالجر، مثل: (مَا أَشرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا).
فقيل لابن عرفة: هذا شبه القياس في اللغة، وهو ممنوع عندهم، قيل له: [إنه يجاب*] [بأن*] (إليك) متعلق بـ (تساقط عليك) ويكون بدل اشتمال]؛ لأن الاستعلاء مشتمل على منتهى الغاية.
قلت: وذكرته لصاحبنا الأستاذ أبي الفارس بن القصار فرده بوجهين:
الأول: أن جواب الشرط لَا يجوز تقديم معموله عليه إلا عند [الفراء*]، و (تساقط) هنا جواب للأمر المتضمن معنى الشرط، واحتج المؤلف بقول الشاعر:
| وللخيلِ أيَّام فمن يصطبرْ لها | ويعرفْ لها أيَّامها الخيرَ يُعقبِ |
| فدعْ عنك نَهباً صِيحَ في حَجراتِه | ولكن [حديث*] ما حديث الرواحلِ |
أي رطبا مهيئا للاجتناء؛ لأن الرطب قسمان: منها ما حل، ومنها ما لم يحضر وقت اجتنائه.
قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾
أصله: فإنْ ما ترين.
قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا).
فكان في شريعتهم أنهم إذا انذروا الصوم يمسكون عن الطعام والشراب والكلام.
قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾
قال ابن عرفة: فيه إيماء إلى أن الأصل له أثر في الفرع، ولذلك قال [... ].
[لعله عرق نزعه*].
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾
ابن عرفة: (مَنْ) إما عبارة عن الأنواع أو عن الأشخاص؛ فإن كانت للأنواع فالمعنى كيف نكلم من هو من هذا النوع؟ فتبقى كان على أصلها؛ لأن هذا النوع مضى منه كثير.
قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون في هذا سؤالا؛ وهو أن الصواب [أن يقال*]: كيف نسمع كلام من كان في المهد صبيا؟ أو كيف يجيبنا من كان في المهد صبيا؟ لأنهم قد تكلموا وكلامهم وإنكارهم إنما هو [عليها*] لَا على الصبي، وقد كلموها، وما بقي لهم إلا السماع، قال: فكان الجواب يمشي بتقدير [صحته*]؛ أي إنما [أجبنا*] المسئول لا غيره، ونحن إنما نتكلم ونسأل من هو أهل لأن يتكلم، ومن كان في المهد صبيا لا يتكلم.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾
إنما لم يقل: وأمرني؛ لأنه صغير لم يبلغ هذا التكليف.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ... (٣٤)﴾
قيل لابن عرفة: يحتمل أن يكون (الْحَقِّ) بدلا من (عيسى) بدل اشتمال، وقد نصوا على جواز بدل المصدر من الاسم في بدل الاشتمال؛ فرد عليه بأنه مشروط بضمير
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ).
ولم يقل: الذي فيه يختلفون؛ لأن الاختلاف يستلزم أن يكون البعض حقا والبعض مبطلا، والامتراء يقتضي بطلان قول جميعهم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ... (٣٥)﴾
قابلية [اتخاذ*] الولد، ونفي مكان اتخاذه]، ونفى في سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ) وجود اتخاذه، وفي سورة المؤمنين (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ).
ابن عرفة: وبين الآية عموم وخصوص من وجه دون وجه؛ فنفي وجود الولد لا يستلزم نفي وجود البنين، ونفي اتخاذ الولد يتناول ولد البنين أو ولد الصلب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾
قال الزمخشري: قرأ المدنيون، وأبو عمرو بفتح (إن) [والأستار*] وأبو عبيد بكسرها على الابتداء.
قال ابن عرفة: وجدت في طرة كتاب عن الزمخشري: الإسناد معناه الأربعة.
قال الطيبي: هم الكوفيون والأعمش.
قوله تعالى: ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
(مِنْ) للسبب؛ أي لسبب شهادتهم ذلك اليوم لما يقولون.
قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾
ابن عطية: هؤلاء ممن يقال فيهم: ما أسمعهم وما أبصرهم بالعذاب والوعد والآلام النازلة بهم.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يرجح الثاني، قوله تعالى: في سورة نون والقلم، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ). فظاهره أنه ليست لهم قدرة عن أفعال أسباب السعادة، وأجيب بأن تلك على سبب القوة العملية عنهم، وهذه إنما تدل على إثبات القوة العلمية لَا العملية.
قال الزمخشري: وقيل: إنما معناه التهديد بما ينالهم ويصدع قلوبهم من السوء.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقيل لابن عرفة: فالإسماع في الدنيا فكيف يعمل في (يوم يأتوننا)؟ فقال: الفاعل لازمه لَا هو أي أسمع غيرهم بخبرهم يوم يأتوننا.
ابن عرفة: وظاهر الآية دليل في المسألة التي كفر القرآن فيها الفلاسفة حيث أنكروا إعادة الأجسام بعينها، بقوله (يَوْمَ يَأْتُونَنَا) فظاهر إتيانهم بأسماعهم وأبصارهم على ما كانت عليهم.
قوله تعالى: (فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
يحتمل معنيين: إما أنه مبين في نفسه، وأنه مبين جهلهم وغباوتهم وهلاكهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾
الوارث قسمان: فوارث المال بمعنى تملكه حسيا، ووارث الأب بمعنى [**تملكه حظه] أو عمله وهي معنوية؛ فهل هو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؟ قال: ليس هو لذلك؛ لأن الأب لَا يملك، والأرض هنا ومن فيها ملك لله عز وجل.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾
قال ابن عرفة: قال المفسرون: إن كان الله تعالى ذكره في الكتاب فيكون أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم فضائله وأوصافه وسماعه من النبوة والرسالة والصدق، وإن كان أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيكون ذكر حقيقة.
ابن عرفة: ويحتمل على الأول أن يكون بمعنى اذكر للناس ذكر إبراهيم في الكتاب؛ أي اتل عليهم أنه ذكره في الكتاب.
ابن عرفة: وانظر هل ذكره في الكتاب تشريفا له أو تعظيما؛ فكان بعضهم يأخذ من هذه الآية مع قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) بأنه ليس بين مرتبة النبوة ومرتبة [الصديقين*] مرتبة زائدة، وبيَّن [الصديقين*] بأنهم العلماء في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، أو في قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) مع أنهم ذكروا في الحال أنها على أربعة أقسام:
فأولها: إيمان المقام.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
والثالث: من حصل له العلم أنه بالدليل القوي يقدر على دفع ما يرد عليه من التشكيكات، وعلى تربية النَّاس وإرشادهم به إلى الطريق الحق، كان سيدي أبو الحسن الزبيدي على صحن الجابية وهو ينظر [منتهى السول للآمدي*]، قال: قلت في نفسي: [عذرا يا سيدي أبا الحسن*]، هل هو من الصديقين أم لَا؟ فطوى الكتاب.
كان سيدي أبو الطاهر الركراكي يقول: نحن معاشر الصديقين آخر من ينصرف من المحشر ثم رجع ينظر في الكتاب.
قال ابن عرفة: ما ورد في الحديث من أن إبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آله وسلم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ليس على ظاهره، وما عدها إبراهيم كذبات إلا تواضعا منه، وإلا فقوله: (بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا) ليس بكذب، بقوله: (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) فقد فعله كبيرهم هذا وهم لَا ينطقون فلم يفعل هو.
قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ﴾
النداء له تنبيه ليحضر ذهنه لسماع ما يرد عليه، ولم يقل: يا آزر على جهة اللطف والاستعطاف، ومن التلطف سؤاله عن سبب عبادته لمن هو عاجز، وهو قوله (وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) إشارة إلى أنه مفتقر لمعبود يغني عنه وينفعه ويضره.
قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾
إشارة إلى أن أباه عجز عن جوابه هذا فأخبر هو بما حصل حقيقة عنده من العلم.
قوله تعالى: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون استفهاما حقيقة؛ ليحصل المشاكلة بينه وبين قول إبراهيم (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) كأنه أيضا استفهام حقيقة يرد السؤال لَا في استفهام إبراهيم عن العلة في عبادته أبيه عن نفس العبادة، واستفهام آزر عن ذات الشيء لَا عن علته، هل هو راغب عن آلهته أو يعبدها؟ قال: وأجيب بثلاثة أوجه:
الأول: أن هذا منه على سبيل المغالطة، وإلا فهو يعلم أن إبراهيم يرغب عن آلهته.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
الثالث: أنه إنما ذكره ليرتب عليه العقوبة في قوله (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا).
قال ابن عرفة: فإن قلت: هلا ابتدأ بالنداء قبل الاستفهام؟ فالجواب: أنه قدم الاستفهام؛ لأنه الاسم المقصود.
قوله تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا).
معطوف على مقدر؛ أي فاحذرني واهجرني مليا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾
كان بعضهم يقول: أما سلام القادر فمطلوب مشروع، وأما سلام المنصرف فغير مشروع، ومنهم من قال: مشروع بدليل هذه الآية مع حديث خرجه أبو داود.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾
فكان بعضهم يقول: الوصف بالنبوة تأكيد؛ لأن الرسالة أخص، وكان بعضهم يجيب بأن الأعم على قسمين:
أعم لَا يوجد إلا في أخصه المعين.
وأعم يوجد فيه وفي غيره، فمثال الأول في قولك لرجل ميت: كان هذا إنسانا حيوانا؛ فالأعم في هذا المثال لَا يوجد إلا في أخصه المعين؛ لأن كون ذلك الرجل حيوانا لَا يمكن أن يوجد إلا مع كونه إنسان، وكذلك الموصوف بعد الرسالة إن كان نبياً مدة من الزمان، ثم كان رسولا بعد ذلك باستبعاد استقلال كل واحد من الوصفين فيه وفي غيره من الرسل أرسل وثبت واحدة.
قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾
(مِنْ) للغاية؛ أعني لابتدائها وانتهائها، نحو: خذ المال من الصندوق، وذلك من النسبة إلى المخاطب، والوصف الأيمن إما مأخوذ من اليمن والبركة، وإما باعتبار الشرف، وإما باعتبار القوة والضعف؛ لأن اليمين أقوى في التكسب والحركة من الشمال باعتبار الأعم الأغلب، وقد يكون في بعض النَّاس على العكس.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ | )، غير أن رسالته على جهة التبعية لموسى؛ بقوله (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ). |
ابن عرفة: إنما الرسول المأمور بالتبليغ فيما أوحي له به، والنبي هو الذي يوحى إليه ولم يؤمر بالتبليغ.
ابن عرفة: وفي هذه الآية عندي رد على شيخنا القاضي ابن عبد السلام حيث كان في ميعاده، يقول في تفسير طه في قوله تعالى: (قَدْ أُوتيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) بعد قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارون أخي) إلي [(في أمري) *]، قال: هذه الآية حجة للمعتزلة في قولهم: إن النبوة مكتسبة، وكان ابن مرزوق يشنع عليه، وعزم على تكفيره؛ لكنه ذكره بأثره كلاما يدل على سلامة عقيدته مع أن تلك الآية لَا حجة لهم فيها؛ لأن القائلين بأنها مكتسبة بالدعاء [والتضرع*] إلى الله تعالى؛ لكن قبل خاتم النبوة، وأما الآن فلا؛ لأن موسى دعا بذلك؛ فاستجاب دعائه، كما يدعوا الإنسان بأن يكون وليا أو عالما.
قال ابن عرفة: قال: فقوله في هذه الآية (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا) دليل على أن نبوة هارون عليه السلام محض تفضل من الله تعالى، ورحمته ليس باكتساب بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾
ابن عرفة: هذا كله تشريف لإبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آله وسلم بما يخصه في ذاته وما يخص ذريته؛ لأن إسماعيل عليه الصلاة والسلام من ذريته.
ابن عطية: الجمهور على أن الذبيح إسماعيل.
وقال ابن رشد في المقدمات: الأكثرون على أنه إسحاق.
وقال اللخمي: الأصح أنه إسماعيل.
قال ابن عرفة: وأجيب الفرق بين القول والوعد والصدق ينسب إلى القائل في قوله حقيقة إلى صاحب الوعد مجاز، أو إنما يقال: فلان وفى في وعد أوعدني فأوفى إليَّ؛ فقولك كان هنا مجازا.
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾
إعادة لفظ كان تنبيه على أن كل وصف منها منتقل بالمدح عليه.
قوله تعالى: (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا).
فيه تشريف له بوجهين:
أحدهما: أن لفظ [العندية*] منسوبة إلى الله عز وجل.
والثاني: وصف الرضا.
قال الزمخشري: أصله مرضو.
وقال ابن عطية: أصله مرضوي، والصحيح ما قال الزمخشري؛ لقوله تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) فهو من ذوات الواو، ولذلك [لم يُمَلْ*] ورش مرضاة، وأمالها الكسائي.
قلت: قال صاحبنا ابن القصار: اعتبر أصل المادة وهو رضو؛ فجاءت واو في آخر الفعل قبلها كسرة فقلبت ياء؛ لأن مصدره رضوان، وراعا ابن عطية أصل الإعلال؛ لأنه لما أعل [رجع*] إلى الياء، وأصل الإعلال عندهم إنما يعتبر في الفعل.
قيل لابن عرفة: اعتبر ابن عطية في الفعل، وهو رضيت ورضينا.
قال ابن عطية: إنما وصف إسماعيل بصدق الوعد؛ لأنه وعد رجلا أن يلقاه في موضع فانتظره إسماعيل يوما وليلة، وقيل: انتظره سنة.
ابن عرفة: والعجب من الزمخشري على تأخره على ابن عطية كيف لم يذكر القول الأول.
ابن عرفة: وذكر عياض في الشفاء: أنه انتظر موعوده ثلاثة أيام، وذكر ابن ماجه حديثا.
قال ابن عرفة: والعطف في الآية تدل أن الرسالة أشرف من [صدق الوعد*] والأمر بالصلاة والزكاة مستند إلى تبليغه عن الله أشرف من وصف الرسالة فقط، والرضا مع ذلك أشرف من الجميع.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾
قيل: إنه ولد قبل وفاة آدم عليه السلام بمائة سنة*.
ابن عرفة: والظاهر أنه نبي فقط؛ لأن هذه الأوصاف ذكرت على معنى التشريف له فيعتبر في ذلك أعلاها؛ فلو كان رسولا لمدح بوصف الرسالة.
قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾
قال ابن عرفة: انظر هل هذا من الإشارة إلى القريب بلفظ البعيد للتعظيم؟ مثل: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) [أو لا؟ *] كان بعضهم سيعمله منه محتجا بأنه إذا اجتمع في الكلام القريب وبعيد يغلب القريب بدليل [تغليبهم*] ضمير المخاطب على الغائب والمشار إليهم هنا منهم زكريا وهو بعيد، ومنهم إدريس، وهو قريب، وكان بعضهم يقول بالعكس أولا؛ لأن المشار إليهم مجموع مشتمل على قريب وبعيد.
وقد قال المنطقيون: فاعتبر هنا في المجموع أدناه وهو البعيد، فلذلك أشير إليه بلفظ البعيد.
قوله تعالى: (مِنَ النَّبِيِّينَ).
قال ابن عرفة: كونه خبر المبتدأ يوجب إشكالا؛ وهو توهم [حصر*] النبيين في هؤلاء، ولزم من البيان الجنس، فيجاب بأنه أعم، والخبر يكون أعم من المبتدأ، أورده بعض الطلبة بأن هذا عام لَا أعم إذ لَا يقول: زيد الرجال، كما يقول: زيد الحيوان، وأجاب ابن عرفة بأن كونه تاما لَا ينافي هنا كونه أعم فهو هنا عام وأعم، قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) أنه معلوم لَا غرابة فيه، قال: فائدته تشريف آدم [بنسبتهم*] إليه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ولم يقل: آيات الله، أو القهار، أو العزيز، أو الجبار [تنبيها بالأدنى على الأعلى*]؛ إشارة إلى أنهم إذا سمعوا آيات الرحمن والرحمة يبكون ويسبحون؛ فأحرى إذا سمعوا آية التخويف والموعظة.
قوله تعالى: (سُجَّدًا).
قال أبو حيان: حال مقدرة؛ لأنهم حال الخرور والقعود.
قال أبو حيان: ((شَاهِدٍ وَمَشهُودٍ).
قال ابن عرفة: شهود ليس إلا جمع، وشهود وقعود يحتمل الجمع والمصدر، كما أن (بُكِيًّا) يحتمل الجمع إذا تلوها هم بأنفسهم هل يكون أحرى فيمن جاورهم أو مساويا أبدا؟ قلنا: يحتمل الأخروية والتساوي، ويحتمل أن يكون من جاورهم بسماعها من غيرهم أمرا، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم: "إني أحب أن أسمعه من غيري".
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾
العطف بالفاء يقتضي كمال القرب بين زمنهم وزمن هؤلاء المخالفين لهم؛ ولذلك قال ابن عطية: بينهم ستون سنة، وأنه أقل ما تبدل فيه الأحوال، وكذلك قال النبي صلى الله وعلى آله الطيبين وسلم: ": خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، والمراد القرب بينهم وبين آخرهم وهو عيسى عليه السلام، وحينئذ يحصل كمال البعد بينهم بمجموعهم وبين المخالفين لهم، هذا إن قلنا: إن الخلف في النصارى، وإن قلنا: إن اليهود فيهم فيكون المراد من بعدهم، والخلَف بالفتح في الخير وبالسكون في الشر، ومنه حديث خرجه مسلم في كتاب الزكاة: " [مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا*] ".
قال ابن عرفة: والمراد بالأول الإنفاق في الواجب والمندوب والإمساك عن النفقة الواجبة؛ لأنه إخبار من المشرع بالدعاء له وعليه ففيه ذم فاعله؛ فدل على أنه واجب.
قوله تعالى: (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ).
قال ابن عرفة: قالوا: اتباع الشهوات سبب لإضاعة الصلاة؛ لأن من اتبع شهوة النفس مكنها من غرضها في الراحة والتكاسل عن الطاعة.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾
قيل لابن عرفة: إن قلت: التوبة تستلزم الإيمان لأنها إما من الكفر أو المعاصي؛ فما أفاد قوله (وَآمَنَ)؟ فالجواب: إما بأنه على التوزيع فمن تاب المراد به المعاصي، ومن آمن أي من الكفر، وإما أن التائب تقبل توبته إذا تاب وتحققت حالته، وإن ازدادت على ما كانت عليه قبل ذلك، فقوله (آمَنَ) إشارة إلى هذا.
قوله تعالى: (وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا).
الواو إما للحال؛ أي يدخلون الجنة في حال عدم الظلم، ويحتمل أن تكون جملة مستقلة وهو أولى لاقتضائه عدم ظلمهم قبل الدخول وبعده.
قوله تعالى: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾
لأنهم عبدوا الله استنادا للوعد بها لمن أطاعه وهو أمر فجيب عنهم.
قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا).
يحتمل أن يكون اسم فاعل أو اسم مفعول، إما أنه كان [وعده آتيًا*] أو مأتيا مدركا.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾
بهذا مثل
عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ
أي ليس فيها لغو يسمع، واللغو الساقط من القول.
قوله تعالى: (إِلَّا سَلَامًا).
ذكر أبو حيان فيه ثلاث أوجه:
أحدهما: أنه استثناء متصل؛ لأن السلام في الجنة لغو؛ لأنه لَا فائدة فيه إذ لا خوف فيها فيحتاج إلى التأمين منه.
الثاني: أنه منقطع.
والثالث: أنه مثل:
| ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم | بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ |
| وإما بانتسابه به وإضافته إليه وإلحاقه به، [ | ] وإن لم يكن من صلبه. |
قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾
[فإن قلت*]: لم نسب التفطر للسماوات والانشقاق للأرض، والمعنى فيهما، قال: فأجيب بأن [الانفطار يقتضي تشقق*] ما هو عال على غيره وهو في مظنة وقوعه، والتشقق أعم من أن يكون من فوق أو من أسفل، قال: والانفطار والانشقاق بينهما عموم وخصوص؛ لأن [ينفطر*] مضارع انفطر [**فأمر فطر] يقتضي كون ذلك بشدة وتكلف وكذلك انفطر.
قوله تعالى: (وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا).
أفاد قوله (تَخِرُّ) دفعة واحدة وتبقى صحيحة كما يخر الحائط ويبقى صحيحا قطعة واحدة، فلما قال: هذا أفاد أنها قطعت حين خرورها وتفرقت [أفرادها*].
قال المفسرون: كاد إما بمعنى قارب أو بمعنى [أراد*].
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا﴾
قال ابن عطية: استدرك بعضهم بهذه على أن الولد لَا يكون عبداً.
ابن عطية: هذا انتزاع وهو انتزاع بعيد.
قيل لابن عرفة: وجه بعده أن العبودية بالنسبة إلى الله تعالى إنما هي بمعنى الخلق، والاختراع بالنسبة إلى الخلق بمعنى التملك وزيادة الخلق، وفي الثاني أعم [لاقترانها*] بملك المنافع خاصة، والتعليل بالعلة البسيطة أقوى من التعليل بالعلة المركبة.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾
فسر بوجهين:
أحدهما: (أَحْصَاهُمْ) أي جمعهم، (وَعَدَّهُم) أي عد لعادهم؛ فعلى هذا الإشكال في الآية كالجمع لَا يستلزم العدة التي في أحصاهم أي علم جملهم وعدتهم؛ أي علم آحادهم، فيرده السؤال: وهو أن العلم بالجملة يستلزم العلم بالآحاد كما هو عند البصريين، فلا فائدة في قوله (عَدَّهُم)؛ فالجواب: أنه أتى به تنبيها على مخالفة القديم المتعلق بالجملة.
قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾
مع [أن*] المؤمنين يقع بينهم محض التباغض، فالجواب: إما بأن التردد موجود منهم لا في كلهم؛ ألا ترى أن ملة إبراهيم كل أحد يحبها.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾
أخذ منه أنه ليس في القرآن أعجمي. ابن ريحان: إنه يؤتي فيه بالعجمي ويكون مدلوله عربي.
قوله تعالى: (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ).
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾
هذا على سبيل التسلية لنبيه ﷺ [لئلا يتطاول موتهم كثيرا*] (أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ).
قوله تعالى: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ).
رد على [قولِ ابنِ مكِّي في] [تثقيف اللسان*] في قولهم: المحسوسات، [لحنٌ؛ إذ*] لَا يقال: "أحَسَّ"، وإنما يقال: ["حَسَّ"*].
قوله تعالى: (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا).
الصوت الخفي، وإن لم يسمع لهم الصوت الخفي فأحرى القوي؛ لأن الرسل لا تكلمهم إلا كلاما خفيا، وهؤلاء الرسل ليس لهم صوت خفي، فأحرى ما فوقه.
* * *
تم عرض جميع الآيات
52 مقطع من التفسير