ﰡ
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)الإعراب:
(الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) الر تقدم إعرابها وكتاب خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب وجملة أنزلناه صفة وإليك متعلقان بأنزلناه واللام لام التعليل وتخرج فعل
(وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً) ويصدون عطف على يستحبون وعن سبيل الله جار ومجرور متعلقان بيصدون ويبغونها عطف على يصدون ويبغون فعل وفاعل والهاء نصب بنزع الخافض أي يبغون لها وعوجا مفعول به. (أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) اسم الاشارة مبتدأ وفي ضلال خبره وبعيد صفة لضلال وفي جعل الضلال ظرفا فن بلاغي سنعرض له في باب البلاغة. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لبيان وسيلة المخاطبة التي يظطلع بها كل رسول لأمته وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن زائدة ورسول مجرور لفظا منصوب على المفعولية محلا وإلا أداة حصر وبلسان قومه حال أي ملتبسا بلسان قومه فهو استثناء من أعم الأحوال وليبين اللام للتعليل ويبين مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل ولهم متعلقان بيبين. (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) الفاء استئنافية ويضل مرفوع على الاستئناف ولا يجوز عطفه على يبين كما يتوهم لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى والرسل أرسلت للبيان لا للإضلال، قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلا للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه، على أن الزجاج قال: «ولو قرىء بنصبه على أن اللام لام العاقبة جاز» ويضل الله فعل مضارع وفاعل ومن مفعول به ويشاء صلة ويهدي من يشاء عطف على يضل الله من يشاء. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هو مبتدأ والعزيز خبر أول والحكيم خبر ثان.
انطوت هذه الآيات الأربع على فنون من البلاغة نوجزها فيما يلي:
١- الظلمات والنور استعارتان تصريحيتان للضلال والهدى وقد تقدم نظائرها فلا حاجة للاعادة.
٢- في اسناد البعد الى الضلال مجاز عقلي لأن البعد في الحقيقة الضال لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق فوصف به فعله كما تقول جد جده وداهية دهياء.
٣- في جعل الضلال ظرفا مجاز أيضا كأنه قد أحاط بهم وجلببهم بسوادة فهم منغمسون فيه الى الأذقان يتخبطون في متاهاته ويتعسفون في ظلماته.
٤- في جعل اللسان لغة مجاز علاقته السببية لأنه آلة النطق لأن معنى بلسان قومه: بلغة قومه واللسن واللسان كالريش والرياش وسيأتي في باب الفوائد تفصيل مسهب عن لغة القرآن واللهجات السبع التي قرىء بها. ووحد اللسان لأن المراد اللغة، وقد قيل في هذه الآية إشكال لأن النبي ﷺ أرسل الى الناس جميعا ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة وأجيب بأنه إن كان ﷺ مرسلا الى الناس كافة لكن لما كان قومه العرب وكانوا أخص به وأقرب اليه كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم ويوضحونه حتى يصير فاهما له كفهمهم إياه ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم وبينه رسول الله ﷺ لكل قوم بلسانهم لكان ذلك مظنة للاختلاف وفتحا لباب التنازع على
٥- الطباق بين يضل ويهدي وجميع هذه الفنون تقدم بحثها في مظانها.
الفوائد:
في هذه الآيات من الفوائد ما يستوعب الاجلاد ولكننا جريا على نهج الكتاب سنجتزىء بما لا بد من ذكره فيما يلي:
١- (وَيْلٌ) :
كلمة وعيد وتهديد وهو نقيض الوأل أي النجاة اسم بمعنى الهلاك إلا أنه لا يشتق منه فعل إنما يقال ويلا له فينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات فيقال ويل له كسلام عليك وفي المختار الوائل الملجأ وقد وأل اليه أي لجأ وبابه وعد وءولا بوزن وجود، وويل زيد وويحه منصوبان على المصدرية وقيل ويل كلمة عذاب وويح كلمة ترحّم.
٢- لغة القرآن ورأي الدكتور طه حسين:
لغة القرآن:
علم قائم بذاته ويظهر أن الحديث الشريف «نزل القرآن على سبعة أحرف» كان سببا في نشوء هذا العلم من علوم القرآن وأحدث الدراسات فيه وأقومها ما قرره الدكتور طه حسين في كتابه الأدب
وقفة لا بد منها:
وهنا وقفة لا بد منها ذلك أن قوما من رجال الدين فهموا أن هذه القراءات السبع متواترة عن النبي نزل بها جبريل على قلبه فمنكرها كافر في غير شك ولا ريبة ولم يوفقوا الى دليل يستدلون به على ما يقولون سوى ما روي في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، والحق أن هذه القراءات السبع ليست من الوحي في قليل ولا كثير وليس منكرها كافرا ولا فاسقا ولا مغتمزا في دينه وإنما قراءات مصدرها اللهجات واختلافها، للناس أن يجادلوا فيها وأن ينكروا بعضها ويقبلوا بعضها وقد جادلوا فيها بالفعل وتماروا وخطأ فيها بعضهم بعضا ولم نعرف أن أحدا من المسلمين كفّر أحدا لشيء من هذا، وليست هذا القراءات بالأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها وانما هي شيء وهذه الأحرف شيء آخر فالأحرف جمع حرف والحرف: اللغة فمعنى أنزل القرآن على سبعة أحرف أنه أنزل على سبع لغات مختلفة في لفظها ومادتها يفسر ذلك قول ابن مسعود: إنما هو كقولك هلم وتعال وأقبل ويفسر ذلك قول أنس في الآية: «إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأصوب قيلا» أصوب وأقوم وأهدى واحد ويفسر ذلك قراءة ابن مسعود «ما ينظرون إلا زقية واحدة» مكان «ما ينظرون إلا صيحة واحدة».
الأحرف إذن اللغات التي تختلف فيما بينها لفظا ومادة فأما هذه القراءات التي تختلف في القصر والمد وفي الحركة والسكون وفي النقل والإثبات وفي حركات الاعراب فليست من الأحرف في شيء لأنها اختلاف في الصورة والشكل لا في المادة واللفظ وقد اتفق المسلمون على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف أي على سبع لغات مختلفة في ألفاظها ومادتها، واتفق المسلمون على أن أصحاب النبي تماروا في هذه الأحرف السبعة كل يقرأ على الحرف الذي سمعه من النبي فاشتد الخلاف والمراء في ذلك حتى كادت الفتنة تقع بين الناس ولا سيما في جيوش المسلمين التي كانت تغزو وترابط في الثغور بعيدة عن مهبط الوحي ومستقر الخلافة فرفع الأمر الى الخيفة عثمان رضي الله عنه فجزع له وأشفق على المسلمين أن يقع بينهم مثل ما وقع بين النصارى من الاختلاف في نص القرآن كما اختلفوا في نص الإنجيل فجمع لهم المصحف وأذاعه في الأمصار وأمر بما عداه من المصاحف فمحي محوا وعلى هذا محيت الأحرف الستة ولم يبق إلا حرف واحد هو هذا الحرف الذي نقرؤه في مصحف عثمان وهو حرف قريش وهو الحرف الذي اختلفت لهجات القراء فيه فمدّ بعضهم وقصر بعضهم وفخّم فريق ورقّق فريق ونقلت طائفة وأثبتت طائفة ثم أورد الدكتور طه ما ورد في الجزء الأول من تفسير ابن جرير الطبري لتأييد رأيه.
خلاصة قول الطبري:
قال ابن جرير ما ملخصه: إن قوما من العلماء ذهبوا إلى أن الأحرف السبعة هي سبعة معان جملتها: الأمر والنهي والوعد والوعيد
وعرض الطبري لنقطة هامة وهي الرد على سؤال المستفسرين:
فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة، وقد أقرأهن رسول الله أصحابه وأمر بالقراءة بهن وأنزلهن الله من عنده على نبيه؟ أنسخت فرفعت؟ فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نسيتهن الأمة؟ فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه أم ما القصة في ذلك؟ وأجاب ابن جرير على هذه الأسئلة المحرجة جوابا بارعا فقال: لم تنسخ الأحرف الستة فترفع ولا ضيّعتها الأمة وهي مأمور بحفظها ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت وضرب لها مثلا في الفقه: إذا حنث موسر في يمين فله أن يختار كفارة من ثلاث كفارات: اما بعتق أو اطعام أو كسوة، فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن وقراءته وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت قرأت، ولعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد قراءته بحرف واحد ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به.
أما السيوطي فقد أكد في كتابه «الإتقان» صحة الحديث بشهادة واحد وعشرين صحابيا ذكروه ثم أراد عثمان بن عفان أن يستوثق من صحته فطلب من المسلمين وهم مجتمعون في المسجد أن يقف منهم من سمع هذا الحديث فوقف من في المسجد كلهم، فقال وأنا أشهد معهم، وانتقل السيوطي الى بحث الأقوال التي قيلت في هذا الحديث فإذا هي نحو أربعين قولا وبدأ فأضاف إشكالا الى الإشكالات الموجودة في هذا الموضوع فقال: انه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتسهيل والسعة ولفظ السبعة يطلق على ارادة الكثرة في الآحاد كما يطلق السبعون في العشرات ولكنه ردّ هذا القول بأن في القرآن آيات كثيرة تقرأ على أكثر من سبعة أوجه ومنها ما يقرأ على أقل ومنها ما تغيرت حركته ولم يتغير معناه ولا صورته (مادة اللفظ) ومنها ما ذكره الطبري من اختلاف الألفاظ واتفاق المعاني وذكر الطحاوي أن ذلك كان رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الخط ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الكتابة والحفظ وضرب مثلا لهذا أن عبد الله بن مسعود كان يعلّم رجلا القرآن فتلا عليه (طَعامُ الْأَثِيمِ) فقال الرجل: طعام اليثيم فردّها عليه فلم يستقم لسانه بها فقال: أتستطيع أن تقول طعام الفاجر؟ قال:
نعم، قال: فافعل.
وقول آخر ذهب اليه الكثير من العلماء مثل أبي عبيد وثعلب والزهري وهو: ان الأحرف السبعة هي لغات سبع فلما قيل لهم إن لغات العرب أكثر من سبع أجابوا أن المراد هو أفصحها.
ومضى السيوطي يعرض طائفة أخرى من الأقوال لا أهمية لها ثم أنهى كلامه بقوله: لقد ظن كثير من العوام أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع وهو جهل قبيح.
خلاصة وافية:
ويطول بنا البحث إن رحنا نتقصى ما قيل في هذا الصدد أو نبحث الأصول التي تمتد إليها اللغة العربية فبا مكان القارئ أن يرجع إليها في الكتب المؤلفة بهذا الشأن وحسبنا أن نقول الآن: ان القرآن نزل باللغة العربية القرشية التي ذابت فيها اللغات الأخرى ولغات القبائل المجاورة بنوع خاص وقد فهم الصحابة القرآن إجمالا ولكن ألفاظا غير قليلة استغلقت عليهم بل ان بعضها لا يزال مستغلقا علينا اليوم بالرغم من أن وسيلة العلم ببعض اللغات القديمة قد توفرت لدينا وقد روي أن عمر بن الخطاب لم يفهم كلمة «أبا» من قوله «وفاكهة وأبا» وله العذر فهي كلمة حبشية وروي عن ابن عباس أن اعرابيين اختصما لديه في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها وعارضه الثاني، قال ابن عباس:
ففهمت حينئذ معنى قوله تعالى «فاطر السموات والأرض» وروي عن ابن عباس أيضا انه لم يكن يفهم معنى الآية «ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق» حتى سمع فتاة من اليمن «بنت ذي يزن» تنادي زوجها:
أنا تحك تقصد أحاكمك.
ل ١ إستبرق: يونانية ابلعي ماءك: هندية أو حبشية الأرائك: حبشية إصر/ اي/ عهد: نبطية أواب: المسيح بالحبشية بطائنها: أي ظواهرها بالقبطية تنور: فارسية جهنم: يونانية أو فارسية حواريون: أي غسالون بالحبشية دري: أي مضيء بالحبشية السجل: الكتاب بالحبشية الرس: أي البئر باليونانية سريا: قيل سريانية أو نبطية أو
يونانية
الصراط: الطريق بلغة الروم عدن: الكروم بالسريانية غيض: أي نقص بالحبشية القسط: العدل بالفارسية قسورة: الأسد بالحبشية كفلين: ضعفين بالحبشية ل ٢ مشكاة: الكوة بالحبشية منسأة: عصا بالنبطية اب: حبشية أخلد: عبرية أسفار: سريانية أو نبطية أليم: موجع قالوا زنجية أو عبرية الاداة: الموقن بالحبشية حصب: بمعنى حطب في الزنجية دينار: فارسية.
رهوا: سهلا بالسريانية.
سجيل: فارسية سندس: فارسية وهندية الطاغوت: الكاهن بالحبشية غساق: المنتن البارد بالتركية الفردوس: البستان بالرومية القسطاس: الميزان بالفارسية كافور: بالفارسية اليم: البحر بالسريانية والقبطية ناشئة الليل: بالحبشية وزر: الملجأ بالنبطية
اننا نرجح مبدئيا وليس لدينا وسائل الجزم النهائي أن هذا هو الصواب في شأن الأحرف السبعة فهي تشير الى ألفاظ كثيرة من لغات عدة استعملها القرآن منها الفارسية واليونانية والآرامية والكلدانية والحبشية والحميرية والعبرية والسريانية والمصرية وكلها أضيفت الى لغة قريش فقوت من شأنها وأزالت الركاكة والغثاثة التي كانت موجودة في لغة القبائل الأخرى التي كانت تفد الى الحج وهي التي تلتزم حروفا بدل حروف مثل ابدال كاف المؤنث شيئا فيقولون كتابش بدل كتابك وعليه قوله:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها | ولكن عظم الساق منش دقيق |
فعيناك عيناها وجيدك جيدها | ولكن عظم الساق منك دقيق |
خلا القرآن من هذه اللهجات الكثيرة والتزم الاعراب في أواخر الكلمات جميعا ولم يكن ملتزما في كثير من اللغات الاخرى وعرف النبي وهو متلقي الوحي ومعلم القرآن الأول تفسير ما أنزل عليه كله وما سأله عنه أصحابه كان يخبرهم به ولعلهم كانوا يتحاشون سؤاله في كثير من الألفاظ بدليل جهلهم بها بعد وفاته ونهيهم عن التكلف والتعمق أي البحث في معنى كل لفظ والتنقيب وراءه وليس هذا الذي نقوله في أمر ألفاظ القرآن وإنها هي الأحرف السبعة قولا شاذا لم يقل به أحد وانما قال به كثيرون منهم أبو عبيد القاسم بن سلام وثعلب وأبو حاتم السجستاني وغيرهم.
واذن فمن الخطأ كل الخطأ أن نقول أن قرآنا نزل ليكون معجزة نبي ثم نقول: إنا قادرون على أن نبدل لفظا مكان لفظ لأن لدينا الكثير من الألفاظ أي المترادفات. استمع الى هذه الآية: «للذين آمنوا انظرونا» ثم نقرؤها على الأحرف التي يقولون عنها هكذا «للذين آمنوا امهلونا» أو «للذين آمنوا ارقبونا» ولنترك للقارىء أن يدقق النظر قليلا ويطيل التفكير ليرى هل يتفق معنى هذه التعابير كلها وهل يبقى لها مكانها من الاعجاز وهي بهذه الصورة واسمع الى الآية الأخرى:
«كلما أضاء لهم مشوا فيه» و «كلما أضاء لهم مروا فيه» و «كلما
الأحرف السبعة، إذن، شيء آخر غير هذه التعديلات والتبديلات وأدنى الى الصواب في توضيحها ما ذكرناه من تضمن القرآن الكثير من الألفاظ الأعجمية التي دخلت اليه والى لغة قريش من الشعوب المحيطة بشبه الجزيرة وسيأتي مزيد بيان لهذا البحث الجليل الذي طال قليلا ولم يكن من شرط الكتاب.
ونذكر بهذه المناسبة أن المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد وضع كتابيه: «أبو الأنبياء: الخليل ابراهيم» و «الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين» وتصدى فيهما لقضية لغة خليل الرحمن ابراهيم عليه الصلاة والسلام ورد على المنحرفين الذين يريدون أن ينحرفوا ببحوثهم في اتجاه معين مسبوق بتخطيط ينسلخ بسببه العرب عن صلتهم بالخليل وأثبت صلة ابراهيم الوثيقة بالعروبة في وقت مبكر يقع بين القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد ونرى تتميما لبحثه الرفيع أن نورد حديثا ساقه الامام البخاري في صحيحه ورواه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد استوعب هذا الحديث صفحات عدة من هذا السفر العظيم نوجز تلخيصه وتحديد موضوعاته فيما يأتي:
١- تحدّث عن الشخصيات الطاهرة التي نزلت بمكة وقت كان ليس بها أحد ولا ماء وهم: الخليل ابراهيم وهاجر وابنها الرضيع إسماعيل.
٢- نبع زمزم لهاجر وولدها.
٤- زيارات ثلاث للخليل الى مكة لوديعته عدا الأولى التي قدم فيها بأهله إليها، وكان آخرها تلك الزورة مع ولده وأمر فأذن في الناس بالحج.
وهذا الحديث يعطي حقائق موضوعية هامة توضح بعض ما غاب عن التاريخ في منهجه الحديث.
أولها: بيانه الواضح عن مبدأ تاريخ العمران في مكة.
ثانيها: يوضح حلقة مفقودة لدى المؤرخين عن ممالك الاسماعيليين في شمال الجزيرة العربية.
ثالثهما: لغة الخليل فقد زار الخليل مكة أربع زيارات وتزوج إسماعيل امرأتين من جرهم وكان يخاطبهما ويحاورهما بالعربية حتما دون مترجم، فصحّ ما قاله العقاد ولسنا نقول أنه تحدث بالعربية التي هي عربيتنا أعني لغة القرآن الكريم لكنها عربية زمانه الوثيقة الصلة أصولا وفروعا بعربية القرآن الكريم.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٥ الى ٦]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)اللغة:
(يَسُومُونَكُمْ) يذيقونكم وأصله من سام السلعة يسوم سوما وسواما عرضها وذكر ثمنها، وسام المشتري السلعة طلب بيعها أو ثمنها وسامت الماشية خرجت الى المرعى وسامه الأمر كلفه إياه وسامه خسفا أذله، قال عمرو بن كلثوم:
إذا ما الملك سام الناس خسفا | أبينا أن نقر الذل فينا |
ومن المجاز سمت المرأة المعانقة: أردتها منها وعرضتها عليها وللسين مع الواو فاء وعينا خاصة عجيبة انهما تفيدان الكلمة معنى الإحاطة بالشيء والهيمنة عليه وشموله وتغطيته لأن المحيط بالأشياء شامل لها مهيمن عليها فالسوء القبح وهو يحيط بصاحبه ويلفه، كما يحيط بمن يمتد إليهم ويصيبهم وقال تعالى «عليهم دائرة السوء» وفلان يحيط الحسنى بالسوأى، وهذا مما ساءك وناءك ومما يسوءك وينوءك قال الجاحظ: هو من السوء: البرص وقال أبو زبيد:
لم يهب حرمة النديم وحقّت | يا لقومي للسوءة السواء |
وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما | أو يسرحوه بها واغبرت السّوح |
قف تمهل وخذ أمانا لقلبي | من عيون المها وراء السواد |
لقد سوّست أمر بنيك حتى | تركتهم أدق من الطحين |
فقام الى حرف طواها بطية | بها كل لمّاع بعيد المساوف |
(يَسْتَحْيُونَ) : يستبقون.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا) جملة مستأنفة مسوقة للشروع في تفصيل ما أجمله عن الرسل في قوله تعالى «وما أرسلنا من رسول» واللام جواب قسم محذوف، وأرسلنا فعل وفاعل وموسى مفعول به وبآياتنا متعلقان بمحذوف حال أي مصحوبا بآياتنا ومعززا بها. (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) ان مفسرة والضابط لها موجود وهو أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه وأرسلنا فيه معنى قلنا أي قلنا له أخرج ويجوز أن تكون أن المصدرية الناصبة للفعل وانما صلح أن توصل بفعل الأمر لأن الغرض وصلها بما تكون معه في تأويل المصدر وهو الفعل والأمر وغيره سواء في الفعلية وتكون مع مدخولها منصوبة بنزع الخافض والتقدير بأن اخرج قومك والجار والمجرور متعلقان بمحذوف منصوب على الحال أي قائلين له اخرج قومك وعلى هذا يكون اعرابها تفسيرية أقل عناء ما دام التقديران يرتدان الى أصل واحد. وقومك مفعول به لأخرج ومن الظلمات الى النور متعلقان بأخرج. (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) الواو عاطفة وذكرهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبأيام الله متعلقان بذكرهم وسترى بحثا مفيدا عن قوله أيام الله في باب الفوائد. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة للتوكيد وآيات اسم ان المؤخر ولكل صفة وصبار مضاف اليه وشكور صفة لصبار. (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) الظرف متعلق بمحذوف يفسره ما بعده وهو اذكروا أي اذكر وجملة قال موسى مضاف إليها الظرف ولقومه متعلقان بقال واذكروا فعل أمر والواو
الفوائد:
(أيام الله) في- كما في القاموس- نعمه، ويوم أيوم: شديد، وآخر يوم في الشهر وفي المختار: وربما عبروا عن الشدة باليوم. وهذا من باب المجاز العقلي ووجهه أن العرب تتجوز بنسبة الحدث الى الزمان مجازا فتضيفه اليه كقولهم نهاره صائم وليله قائم ومكر الليل ويترجح تفسير أيام الله ببلائه ونعمائه وجنح الزمخشري الى تفسير أيام الله بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم قوم نوح وعاد وثمود. قال ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها كيوم ذي قار ويوم الفجار وغيرها وقد عبر عنها عمر بن كلثوم بقوله:
وأيام لنا غر طوال... عصينا الملك فيها أن ندينا
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٧ الى ١٢]
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)
(تَأَذَّنَ) : أذن ونظير تأذن توعد وأوعد وتفضل وأفضل ولا بد في تفعل زيادة معنى ليس في أفعل لما في التفعل من التكلف والمبالغة.
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) وإذ عطف على نعمة الله عليكم كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم ويجوز عطفه على إذ أنجاكم وجملة تأذن مضاف إليها الظرف وربكم فاعل تأذن وجملة لئن شكرتم مقول قول محذوف أو أجري تأذن مجرى قال لأنه ضرب من القول فلا حاجة لتقدير القول واللام موطئة للقسم وإن شرطية وشكرتم فعل الشرط ولأزيدنكم اللام جواب القسم وجملة لأزيدنكم لا محل لها لأنها جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم وفاقا للقاعدة. (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ) جملة معطوفة على نظيرتها وجواب القسم محذوف ولكنه مدلول عليه ضمنا بقوله: إن عذابي لشديد أي لأعذبنكم وانما حذفه هنا وأظهره في مقام الشكران لأن من عادة الله وهو الكريم أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد، وإن واسمها وخبرها.
(وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) وقال موسى فعل وفاعل وجملة إن تكفروا مقول القول وان شرطية وتكفروا فعل الشرط والواو فاعل وأنتم تأكيد للواو ومن عطف على الواو وفي الأرض صلة من وجميعا حال والفاء رابطة وان واسمها واللام المزحلقة وحميد خبرها. (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويأت فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والكاف مفعول به ونبأ فاعل والذين مضاف اليه ومن قبلكم صفة. (قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) قوم بدل من الذين ونوح مضاف اليه وعاد وثمود معطوفان والذين من بعدهم
(فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) فاطر صفة لله أو بدل منه وجملة يدعوكم حالية أي حالة كونه يدعوكم الى الايمان بإرساله إيانا واللام للتعليل ويغفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بيدعوكم ومن ذنوبكم
(تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) جملة تريدون صفة ثانية لبشر أو تكون مستأنفة وتريدون فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول تريدون وعما متعلقان بتصدونا وجملة كان صلة وجملة يعبد خبر كان وآباؤنا فاعل يعبد. (فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) الفاء الفصيحة وائتونا فعل أمر وفاعل ومفعول به وبسلطان متعلقان بأتونا ومبين صفة. (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) قالت لهم رسلهم فعل وفاعل ولهم متعلقان بقالت وإن نافية ونحن مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر ومثلكم صفة. (وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) الواو حالية أو عاطفة ولكن واسمها وجملة يمن خبرها وعلى من متعلقان بيمن وجملة يشاء صلة ومن عباده حال. (وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص ولنا خبر كان المقدم وأن ومدخولها في تأويل مصدر اسم كان المؤخر وبسلطان متعلقان بنأتيكم وإلا أداة حصر وبإذن الله حال أي ملتبسا بإذن الله. (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) الواو عاطفة
البلاغة:
رد الأيدي في الأفواه بقوله تعالى: «فردوا أيديهم في أفواههم» وعض الأنامل وحرق الارم كناية عن الغيظ والضجر عند حدوث ما لا تهواه النفس وتريده. قال أبو عبيدة: هو ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت:
قد ردّ يده في فيه وهكذا قال الأخفش واعترض ذلك القتيبي فقال لم يسمع أحد من العرب يقول رد يده في فيه إذا ترك ما أمر به. وقيل:
المراد برد الأيدي في الأفواه هنا الضحك والاستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه وقيل ان المراد بالأيدي والأفواه غير الجارحتين
لفلان عندي يد أي نعمة والمراد بالأفواه تكذيبهم الرسل والمعنى كذبوا بأفواههم وردوا قولهم، وهناك أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا لأن أقوى الوجوه هو الأول لأن اقناطهم الرسل من الايمان قولا وفعلا بوضع اليد في الفم هو المناسب لحسدهم في الكفر وتصدير العبارة بالحرف المؤكد ومواجهة الرسل بضمير الخطاب وإعادة ذلك مبالغة في التأكيد دل على قنوطهم بالمرة.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٣ الى ١٨]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)
(عادٍ) : لها معان كثيرة وهي هنا بمعنى صار فتلحق بها وتعمل عملها ويقال: عاد إليّ من فلان مكروه أي صار منه إلي ومن معانيها عاده يعوده عودا: صرفه وعاد السائل: رده وعاد فلانا بالمعروف صنعه معه ومن معانيها عاده عودا: صيره عادة وكذلك عاد يعود عودا وعيادا وعيادة وعوادة المريض زاره فهو عائد. وفي القاموس: عاد يعود الشيء عودا وعيادا بدأه وباشره ثانيا، قيل ومنه المثل:
«العود أحمد».
(اسْتَفْتَحُوا) : استنصروا الله على أعدائهم كقوله تعالى: «إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح» وقيل استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهو الحكومة كقوله تعالى: «ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق» وفي القاموس: والفتح كالفتاحة بضم الفاء وكسرها:
الحكم بين الخصمين.
(صَدِيدٍ) : هو ما يسيل من جلود أهل النار.
(يَتَجَرَّعُهُ) : يتكلف جرعه أي ابتلاعه وفي الأساس: «جرعت الماء واجترعته بمرة وتجرعته شيئا بعد شيء وما سقاني إلا جرعة وجريعة وجرعا وبتنا بالأجرع وبالجرعاء ونزلوا بالأجارع وهي أرضون حزنة يعلوها رمل.
(يُسِيغُهُ) : من أساغ الطعام أو الشراب سهل دخوله في الحلق.
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا) قال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة ولرسلهم جار ومجرور متعلقان بقال واللام موطئة للقسم ونخرجنكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به ومن أرضنا متعلقان بنخرجنكم والجملة مقول القول. (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) أو حرف عطف بمعنى إلا وسيأتي مزيد بحث عن أو في باب الفوائد.
ولتعودن عطف على نخرجنكم غير أن الفعل هنا معروب لعدم مباشرة نون التوكيد له وهو مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة وقد تقدم له نظائر وفي ملتنا متعلقان بتعودن أو خبرها. (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) الفاء عاطفة وأوحى إليهم ربهم فعل وفاعل ولنهلكن اللام جواب للقسم المحذوف ونهلكن الظالمين فعل مضارع مبني على الفتح وفاعل مستتر ومفعول به والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها مفسرة.. (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) الواو عاطفة ونسكننكم فعل مضارع مبني على الفتح وفاعل ومفعول به والأرض نصب بنزع الخافض أو مفعول به على السعة وقد تقدم القول في دخل وسكن ونحوهما ومن بعدهم حال. (ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ) ذلك مبتدأ ولمن خبر وجملة خاف صلة وفاعله مستتر تقديره هو ومقامي مفعول به وهو مصدر مضاف للفاعل أي قيامي عليه بالحفظ أو اسم مكان قال الزجاج مكان وقوفه بين يدي للحساب، وخاف فعل ماض أيضا ووعيد مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمراعاة الفواصل.
(وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) واستفتحوا فعل ماض والواو
إذا نزلت فاجعلوني وسطا | إني كبير لا أطيق الغدا |
البلاغة:
في هذه الآيات أفانين متعددة من البلاغة نوردها فيما يلي:
١- في ألفاظ الآيات الواردة مورد التهديد والوعيد مراعاة النظير وقد تقدم بحثه فجميع ألفاظها متضافرة على التعبير عن المخيف القارع للقلوب.
٢- في قوله تعالى: (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) فنون عديدة فيما يلي أهمها:
آ- الاستقصاء وهو أن يتناول المتكلم معنى فيستقصيه أي يأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا يقوله فقد استقصى المعنى الذي أراده في الآية وهو كراهية الصديد الذي يشربه بأنه يتجرعه وفيه احتمالات أولها انه مطاوع جرعته بالتشديد نحو علمته فتعلم وثانيها انه
ب- المبالغة في قوله «ولا يكاد» فدخول فعل يكاد للمبالغة، يعني: ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الاساغة؟ كقوله «لم يكد يراها» أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها.
ج- ذكر الموت وأراد أسبابه وهذا مجاز.
د- وصف العذاب بالغلظة كناية عن قوته واتصاله لأن الغلظة تستوجب القوة وتستدعي أن يكون متصلا تتصل به الأزمنة كلها فلا انفصال بينها.
هـ- الغلو: بذكر كاد وهذا يطرد في كل كلام تستعمل فيه أداة المقاربة كقول الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته | ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم |
وأهيف قام يسعى... والسكر يعطف قده
وقد ترنح غصنا... وحمر الكأس ورده
وألهب السكر خدا... أورى به الوجد زنده
فكاد يشرب نفسي... وكدت أشرب خدّه
وكل هذا من الغلو المقبول لأنه مقترن بالأداة ويزداد حسنه إذا تضمن نوعا حسنا من التخييل كقول المتنبي:
عقدت سنابكها عليه عثيرا... لو تبتغي عنقا عليه أمكنا
ولأبي العلاء في صفة السيف:
يذيب الرعب منه كل عضب... فلولا الغمد يمسكه لسالا
وقال في وصف الخيل:
ولما لم يسابقهن شيء... من الحيوان سابقن الظلالا
أما الغلو غير المقبول فهو نوعان نوع يستسيغه الفن كقول المتنبي:
ولو قلم ألقيت في شقّ رأسه... من السقم ما غيرت من خط كاتب
وقول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى انه... لتخافك النطف التي لم تخلق
٣- التشبيه التمثيلي بقوله «والذين كفروا أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف» فالمشبه مركب وهو الذين كفروا وأعمالهم الصالحة التي يقومون بها في حياتهم كصلة يرفدون بها المحتاج وصدقة يجبرون بها المكسور وعلم يعم نفعه العباد والمشبه به الرماد وهو ما سحقته النار من الاجرام واشتداد الريح واليوم العاصف ووجه الشبه ان الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى له أثر فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لا يبقى لها أثر.
٤- المجاز العقلي في اسناد العصف لليوم كقولهم نهاره صائم وليله قائم شبهت صنائعهم الحميدة ومكارمهم المجيدة وما كانوا ينتدبون له من إغاثة الملهوف وعتق الرقاب وفك العاني وافتداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وغير ذلك شبهت هذه الصنائع في
٥- وصف الضلال بالبعد تقدم القول فيه قريبا فجدد به عهدا.
الفوائد:
«أو» حرف عطف وله معان نوردها فيما يلي:
آ- الشك نحو «لبثنا يوما أو بعض يوم».
ب- الإبهام نحو «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» والشاهد في أو الأولى.
ج- الإباحة وهي الواقعة قبل ما يجوز فيه الجمع نحو: جالس العلماء أو الزهاد.
د- التخيير وهي الواقعة قبل ما يمتنع فيه الجمع نحو: تزوج هندا أو أختها وسر ماشيا أو راكبا.
هـ- مطلق الجمع كالواو كقوله:
تكاد قسيه من غير رام | تمكن في سيوفهم النبالا |
تكاد سوابق حملته تغني | تجد الى رقابهم انسلالا |
تكاد سوابق حملته تغني | عن الأقدار صونا وابتذالا |
سرى برق المعرة بعد وهن | فبات براحة يصف الكلالا |
شجا ركبا وأفراسا وإبلا | وزاد فكاد أن يشجو الرحالا |
وقد زعمت ليلى بأني فاجر | لنفسي تقاها أو عليها فجورها |
جاء الخلافة أو كانت له قدرا | كما أتى ربه موسى على قدر |
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا | إلى حمامتنا أو نصفه فقد |
والإضراب ك «بل» واشترط سيبويه لاجازة ذلك شرطين تقدم نفي أو نهي وإعادة العامل نحو ما قام زيدا وما قام عمرو واستشهد بقوله تعالى: «ولا تطع منهما آثما أو كفورا» ولم يشترط غير سيبويه هذين الشرطين واستشهدوا بقول جرير:
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية | لولا رجاؤك قد قتلت أولادي |
ز- التقسيم نحو: الكلمة اسم أو فعل أو حرف وسماه بعضهم التفريق نحو قوله تعالى: «وقالوا كونوا هودا أو نصارى» وهو أولى من التعبير بالتقسيم لأن استعمال الواو في التقسيم أجود.
وكنت إذا غمزت قناة قوم | كسرت كعوبها أو تستقيما |
ط- أن تكون بمعنى الى وهي كالتي قبلها في انتصاب المضارع بعدها بأن مضمرة كقوله:
لأستسهلنّ الصعب أو أدرك المنى | فما انقادت الآمال إلا لصابر |
ك- الشرطية نحو: لأضربنه عاش أو مات أي إن عاش بعد الضرب وإن مات.
ل- التبعيض ذكره بعضهم واستشهد بقوله تعالى: «وقالوا كونوا هودا أو نصارى» وهذا محض تكلف.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)اللغة:
(مَحِيصٍ) : منجى ومهرب والمحيص يجوز أن يكون مصدرا كالمغيب والمشيب ومكانا كالمبيت والمصيف وفي المختار حاص عنه عدل وحاد وبابه باع وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصانا بفتح الياء، يقال ما عنه محيص أي محيد ومهرب والانحياص مثله. ومن أقوالهم: وقع في حيص بيص أي في اختلاط لا مخرج منه وفتنة تموج بأهلها وهما
قد كنت خراجا ولوجا صرفا | لم تلتحصني حيص بيص لحاص |
(بِمُصْرِخِكُمْ) : بمغيثكم وفي المصباح: «صرخ يصرخ من باب قتل صراخا فهو صارخ وصريخ إذا صاح وصرخ فهو صارخ إذا استغاث واستصرخته فأصرخني استغثت به فأغاثني فهو صريخ أي مغيث ومصرخ على القياس» وهو المغيث والمستغيث فهو من أسماء الأضداد كما في الصحاح. قال ابن الاعرابي المستغيث والمصرخ المغيث.
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي تر، والسموات مفعول خلق وقيل مفعول مطلق وسترى بحثا شيقا في باب الفوائد وبالحق متعلقان بخلق
(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) إن شرطية ويشأ فعل الشرط ويذهبكم جواب الشرط والكاف مفعول به ويأت عطف على يذهبكم وبخلق متعلقان بيأت وجديد صفة (وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) الواو عاطفة أو حالية وما نافية حجازية وذلك اسمها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بعزيز والباء حرف جر زائد وعزيز مجرور لفظا منصوب محلا على انه خبر ما. (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لتقرير بعثهم من القبور وعبر عنه بصيغة الماضي وان كان معناه الاستقبال لأن كل ما أخبر الله عنه فهو حق وصدق كائن لا محالة فصار كأنه قد حصل ودخل في حيز الوجود وبرزوا فعل وفاعل ولله متعلقان ببرزوا وجميعا حال. (فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً) الفاء عاطفة وقال الضعفاء فعل وفاعل وللذين متعلقان بقال وجملة استكبروا صلة وجملة إنا مقول القول وان واسمها وجملة كنا خبرها وكان واسمها ولكم متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة له ثم تقدمت وتبعا خبر كنا وهو جمع تابع كقولم خادم وخدم.
(فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء عاطفة وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومغنون خبر وعنا متعلقان بمغنون ومن عذاب الله حال ومن الثانية زائدة وشيء مفعول به محلا مجرور بمن لفظا وهذا أولى الأعاريب الكثيرة. (قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا) قالوا فعل وفاعل ولو حرف امتناع وهدانا الله: فعل ومفعول به وفاعل، لهديناكم: اللام واقعة في جواب الشرط وهديناكم:
فعل وفاعل ومفعول به، سواء خبر مقدم وأ جزعنا مبتدأ مؤخر لأنه في تأويل مصدر لأن الهمزة للتسوية والفعل بعدها يؤول بمصدر وأم حرف عطف متصلة وصبرنا عطف على جزعنا. (ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) ما
(فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) الفاء الفصيحة كأنه قيل إن علمتم انكم أسرعتم في اجابتي فأنتم الملومون ولا ناهية وتلوموني مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به ولوموا فعل أمر وفاعل وأنفسكم مفعول به. (ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) ما نافية حجازية وأنا اسمها وبمصرخكم الباء حرف جر زائد ومصرخكم خبر ما محلا وما أنتم بمصرخي عطف على مثيلتها وأصل بمصرخي بمصرخين لي جمع مصرخ فياء الجمع ساكنة وياء الاضافة ساكنة كذلك فحذفت اللام للتخفيف والنون للاضافة فالتقى ساكنان وهما الياء ان فأدغمت ياء الجمع في ياء الاضافة ثم حركت ياء الاضافة
البلاغة:
في قوله تعالى: «إني كفرت بما أشركتموني» استعارة تصريحية شبه الطاعة بالاشراك ونزلها منزلته لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر كما يطاع الله في أعمال الخير أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها باتباعهم له في ذلك فكأنهم أشركوه لأنه هو الذي كان يزين لهم عبادة الأوثان ثم حذف المشبه وأبقى المشبه به على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
وبوضوح هذه الاستعارة يتضح أن الشيطان قام لهم في هذا اليوم مقاما يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم فقد أوضح لهم:
أولا- ان مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة ومعارضة لوعد الحق من الله سبحانه.
ثانيا- انه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد ولم يف لهم بشيء منها.
رابعا- أوضح لهم انه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان الخالية من أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء.
خامسا- ثم نعى عليهم ما وقعوا فيه ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى مسكة من عقل.
سادسا- أوضح لهم انه لا نصر عنده ولا إغاثة ولا يستطيع لهم نفعا ولا يدفع عنهم ضرا بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص من هذه المحنة.
سابعا: ثم صرح لهم بأنه قد كفر بما اعتقدوه وأثبتوه له فتضاعفت عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب.
وإذا كانت جملة «ان الظالمين لهم عذاب أليم» من تتمة كلامه كما ذهب اليه بعض المفسرين فهو نوع ثامن من كلامه الذي خاطبهم به.
الفوائد:
إعراب خلق الله السموات:
هذا بحث شيق وإن يكن لا حقيقة له فقد اعترض عبد القاهر الجرجاني على إعراب خلق الله السموات والعالم ونحوهما إذ قال:
«العالم هنا مصدر لا مفعول به لأن المفعول به هو الذي كان موجودا
ونعتقد أن الامام عبد القاهر كان يعتقد بطلان ما أورده وإنما أورده مغالطة وإظهارا لصناعة البحث ليس غير.
وهنا لا بد من إيراد بحث دقيق وهو: ما هو ناصب المفعول به؟
مذهب سيبويه أنه الفعل ولذلك تعددت المفاعيل بحسب اقتضاء الفعل لأن الفعل إن اقتضى مفعولا نصبه أو اثنين نصبهما أو ثلاثة نصبها، وقال ابن هشام: إنه الفاعل لأنه الذي أثر فيه في المعنى فيؤثر فيه في اللفظ.
أقول: وهذا ليس بشيء لأن الفاعل يضمر والمضمر لا يعمل في المظهر ولأنهم قسموا الفعل الى لازم ومتعدّ فدل على أن العمل له.
أما الفراء فاختار أن يكون الفعل والفاعل هما اللذين نصبا المفعول قياسا على الابتداء والخبر، وهو خلاف لا طائل تحته وانما أوردنا هذه المباحث النظرية لأنها مصقلة للذهن، ورياضة له، ويرد على الجميع قوله تعالى:
«أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما | » إذ لا فاعل ولا فعل هنا والكلام في هذا لا يتسع له هذا المقام. |
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)
(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) بعد أن شرح أحوال الكفار الأشقياء شرع في شرح أحوال المؤمنين السعداء. وأدخل فعل ماض مبني للمجهول والذين نائب فاعل وجملة آمنوا صلة وعملوا عطف على آمنوا وهي فعل وفاعل والصالحات مفعول به وجنات مفعول به ثان على السعة وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات. (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) بإذن جار ومجرور متعلقان بأدخل وربهم مضاف لإذن وتحيتهم مبتدأ وفيها حال وسلام خبر تحيتهم. (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وضرب الله مثلا فعل وفاعل ومفعول به والحال من المفعول به. (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ) كلمة بدل من مثلا أو منصوبة بفعل محذوف أي جعل كلمة طيبة أو بتضمين ضرب معنى جعل فيكون مفعولا به ثانيا وكشجرة خبر لمبتدأ محذوف بمعنى هي كشجرة طيبة وطيبة صفة لشجرة وأصلها مبتدأ وثابت خبر والجملة صفة ثانية لشجرة وفرعها في السماء عطف على
(تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها) الجملة صفة ثالثة لشجرة وتؤتي فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هي وأكلها مفعول به وكلّ حين ظرف متعلق بتؤتي وسيأتي حديث عن الشجرة الطيبة وبإذن ربها متعلقان بتؤتي أو بمحذوف حال أي ملتبسة بإذن ربها. (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ويضرب الله الأمثال فعل مضارع وفاعل ومفعول به وللناس متعلقان بيضرب ولعل واسمها وجملة يتذكرون خبرها.
(وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ) ومثل مبتدأ وكلمة مضاف اليه وخبيثة صفة وكشجرة خبر مثل وخبيثة صفة وجملة اجتثت من فوق الأرض صفة ثانية لشجرة وجملة مالها من قرار صفة ثالثة لشجرة وما نافية حجازية أو تميميه ولها خبر مقدم ومن زائدة وقرار مبتدأ مؤخر أو اسم ما مؤخر. (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير حالة كل من المرادين بالمثلين المتقدمين ويثبت فعل مضارع والله فاعل والذين مفعول به وجملة آمنوا صلة وبالقول متعلقان بيثبت والثابت نعت للقول وفي الحياة الدنيا حال. (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ) ويضل الله الظالمين فعل وفاعل ومفعول به ويفعل الله ما يشاء فعل وفاعل ومفعول به وجملة يشاء صلة.
البلاغة:
١- التشبيه التمثيلي في تشبيه الكلمة الطيبة الموصوفة بثلاث صفات وهي إيتاء الاكل كل حين أي من وقت أن نؤكل الى حين انصرامها قال الربيع بن أنس هي النخلة لأن ثمرها يؤكل أبدا ليلا
٢- التشبيه التمثيلي أيضا في تشبيه الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة غير الثابتة كأنها اجتثت أو كأنها ملقاة على وجه الأرض فلا تغوص الى الأرض بل عروقها في وجه الأرض ولا غصون لها تمتد صعدا الى السماء وهذا معنى قوله ما لها من قرار.
٣- المجاز العقلي في قوله «تؤتي أكلها» ففعل الإيتاء مسند الى غير فاعله الحقيقي لأن النخلة لا تؤتي الأكل على حد قول الصلتان العبدي.
أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومرّ العشي فالمجاز وقع في اثبات الشيب فعلا لكر الغداة ومر العشي وهو في الحقيقة فعل الله تعالى.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٨ الى ٣٤]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢)وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)
اللغة:
(الْبَوارِ) : الهلاك وفي المصباح: «بار الشيء يبور بورا بالضم هلك وبار الشيء بوارا كسد على الاستعارة لأنه إذا ترك صار غير منتفع به فأشبه الهالك من هذا الوجه» وفي القاموس والتاج: «البور بفتح الباء:
الأرض قبل أن تصلح للزرع أو التي تجم سنة لتزرع من قابل، والاختبار كالابتيار والهلاك، وأباره الله، وكساد السوق كالبوار فيهما
قتلت فكان تظالما وتباغيا | إن التظالم في الصديق بوار |
لو كان أول ما أتيت تهارشت | أولاد عرج عليك عند وجار |
(يَصْلَوْنَها) : يدخلونها وفي المصباح صلي بالنار وصليها صليا من باب تعب وجد حرّها والصلاء وزان كتاب حرّ النار وصليت اللحم أصليه من باب رمى إذا شويته».
(خِلالٌ) مخالّة أي صداقة كذا فسرها الزمخشري والجلال وغيرها وهو يقتضي أنها مفرد وفي القرطبي: انه جمع خلة بالضم مثله قلة وقلال وفي الأساس ما يؤيد انه مفرد قال: «هو خليلي وخلّي وخلتي وهم أخلائي وخلّاني وبيننا خلة قديمة، وخاللته مخالّة وخلالا» وما يؤيد أنه جمع قال: «وهذه خلة صالحة وفيه خلال حسنة».
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ)
وعبارة ابن هشام في المغني: «والجمهور على أن الجزم في الآية- أي قل لعبادي- مثله في قولك ائتني أكرمك وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
١- أحدها للخليل وسيبويه انه بنفس الطلب لما تضمنه من معنى ان الشرطية كما أن أسماء الشرط انما جزمت لذلك.
٢- والثاني للسيرا في والفارسي انه بالطلب لنيابته مناب الجازم الذي هو الشرط المقدر كما أن النصب بضربا في قولك ضربا زيدا لنيابته عن أضرب لا لتضمنه معناه.
٣- والثالث للجمهور انه بشرط مقدر بعد الطلب وهذا أرجح من الأول لأن الحذف والتضمين وان اشتركا في أنهما خلاف الأصل لكن في التضمين تغيير معنى الأصل ولا كذلك الحذف وأيضا فإن تضمين الفعل معنى الحرف إما غير واقع أو غير كثير ومن الثاني لأن نائب الشيء يؤدي معناه والطلب لا يؤدي معنى الشرط، وأبطل ابن مالك بالآية أن يكون الجزم في جواب شرط مقدر لأن تقديره يستلزم أن لا يتخلف أحد من المقول له ذلك عن الامتثال لكن التخلف واقع وأجاب ابنه بأن الحكم مسند إليهم على سبيل الإجمال لا إلى كل فرد فيحتمل
(وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً) وينفقوا عطف على يقيموا ومما رزقناهم متعلقان بينفقوا وسرا وعلانية منصوبان على الحال أي ذوي سر وذوي علانية بمعنى مسرين ومعلنين أو على المصدر أي انفاق سر وعلانية أو على الظرفية أي وقتي سر وعلانية أو بنزع الخافض أي في سر وعلانية. (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ) من قبل متعلقان بينفقوا وان وما في حيزها مصدر مضاف لقبل ويوم فاعل يأتي ولا نافية للجنس أهملت لتكرارها كما في لا حول ولا قوة وقد تقدمت الأوجه فيها وبيع مبتدأ وفيه خبر ولا خلال عطف على لا بيع. (اللَّهُ
الله مبتدأ والذي خبره وخلق صلة والسموات والأرض مفعوله. (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ) وأنزل عطف على خلق والفاعل مستتر هو الله ومن السماء متعلقان بأنزل وماء مفعول به فأخرج عطف على أنزل وبه جار ومجرور متعلقان بأخرج ومن الثمرات حال لأنه تقدم على موصوفه وهو رزقا، ورزقا مفعول به ولكم صفة لرزقا. (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) وسخر لكم الفلك عطف على ما تقدم ولتجري اللام للتعليل وتجري منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وفي البحر متعلقان بتجري وبأمره حال. (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ) عطف على ما تقدم. (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) عطف أيضا ودائبين حال من الشمس والقمر فلما اتفقا لفظا ومعنى ثنيا ولا يضر اختلافهما في التذكير والتأنبث. (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) وآتاكم عطف أيضا وهو فعل وفاعل مستتر ومفعول به ومن كل متعلقان بآتاكم وما موصول مضاف لكل وسألتموه صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية. (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها) الواو عاطفة وان شرطية وتعدوا فعل الشرط والواو فاعل ونعمة الله مفعول تعدوا ولا نافية وتحصوها جواب ان. (إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) جملة مستأنفة مسوقة للتأكيد على جحود الإنسان الظالم لآلاء الله ونعمه متغافل عن شكرها وان واسمها واللام المزحلقة وظلوم خبر ان الأول وكفار خبر إن الثاني.
البلاغة:
في هذه الآيات من التهديد والوعيد والارعاد والابراق ما فيها، وسنورد خصائصها بصورة متعاقبة:
وثانيهما: الاستعارة في قوله ليضلوا عن سبيل الله ولم يكن ذلك غرضا لهم ولكنه شبيه به لأنه نتيجة محتومة لاتخاذ الأنداد فهي استعارة تصريحية تبعية.
وثالثهما: حذف المقول من قوله «قل لعبادي الذين آمنوا إلخ» وقد رد الحذاق على هذا الإعراب بقوله «وفي هذا الإعراب نظر لأن الجواب حينئذ يكون خبرا من الله تعالى بأنه إن قال لهم هذا القول امتثلوا مقتضاه فأقاموا الصلاة وأنفقوا لكنهم قد قيل لهم فلم يمتثل كثير منهم وخبر الله يجل عن الحلف وهذه النكتة هي الباعثة لكثير من المعربين على العدول عن هذا الوجه من الاعراب مع تبادره فيما ذكر بادي الرأي ويمكن تصحيحه بحمل العام على الغالب لا على الاستغراق ويقوى بوجهين لطيفين أحدهما ان هذا النظم لم يرد إلا لموصوف بالايمان الحق المنوه بايمانه عند الأمر كهذه الآية وغيرها مثل قوله تعالى «قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن» و «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم» والثاني تكرر مجيئه للموصوفين بأنهم عباد الله المشرفون باضافتهم الى اسم الله تعالى وقد قالوا: إن لفظ العباد لم يرد في الكتاب العزيز إلا مدحة للمؤمنين وخصوصا إذا انضاف اليه تعالى اضافة التشريف والحاصل ان المأمور في هذه الآي من هو بصدد الامتثال وفي حيز المسارعة للطاعة فالخبر في أمثالهم حق وصدق اما على العموم إن أريد أو على الغالب.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٣٥ الى ٤١]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)
(وَاجْنُبْنِي) : أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد وأهل نجد جنبني وأجنبني والمعنى أدمنا وثبتنا على اجتناب عبادتها، ويقال جنبه الشر وأجنبه إياه ثلاثيا ورباعيا وهي لغة نجد وجنّبه إياه مشددا وهي لغة الحجاز وهو المنع وأصله من الجانب، وقال الراغب: «وقوله تعالى وأجنبني وبني من جنبته عن كذا أي أبعدته منه وقيل من جنبت الفرس وكأنه سأله أن يبعده عن جانب الشرك بألطاف منه وأسباب خفية وأن نعبد على حذف حرف الجر أي عن أن نعبد» وفي القاموس:
«والجنب محركة أن يجنب فرسا الى فرسه في السباق فاذا فتر المركوب تحول الى المجنوب» وفي المصباح: «وجنبت الرجل الشر جنوبا من باب قعد أبعدته عنه وجنبته بالثقيل مبالغة» وفي المختار: وجنبه الشيء من باب نصر وجنّبة الشيء تجنيبا بمعنى أي نحاه عنه ومنه قوله تعالى:
«واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام» وقال أبو علي: ويقال جنبت فلانا الخير، أي نحيته عنه وجنبته أيضا بالتثقيل. قال أبو نصر: والتخفيف أجود قال الله تعالى: «وأجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام».
(تَهْوِي إِلَيْهِمْ) : تميل وتحن وتطير شوقا نحوهم وأصله أن يتعدى باللام وإنما تعدى بإلى لأنه تضمن معنى تميل قال في الأساس:
وهوى الى الجبل وهوى الجبل صعده هو يا قال أبو بكر الهذلي يصف تأبط شرا:
وإذا رميت به الفجاج رأيته | يهوى مخارمها هوي الأجدل |
(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً) إذ ظرف زمان لما مضى متعلق باذكر وجملة قال مضاف إليها الظرف وابراهيم فاعل ورب منادى محذوف منه حرف النداء مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة واجعل فعل دعاء وفاعله مستتر تقديره أنت وهذا مفعوله الأول والبلد بدل من اسم الاشارة وآمنا مفعول به ثان. (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) واجنبني فعل دعاء والنون للوقاية والياء مفعوله وبني عطف على الياء أو مفعول معه وان نعبد ان وما بعدها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض كما قال الراغب أي عن أن نعبد والجار والمجرور متعلقان باجنبني والأصنام مفعول به لنعبد. (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) رب منادى محذوف منه حرف النداء وقد تقدم نظيره وان واسمها وجملة أضللن خبر إن والضمير يعود على الأصنام والمراد بالدعاء طلب الثبات والدوام على ذلك وكثيرا مفعول به ومن الناس صفة لكثيرا وجملة إنهن تعليلية لقوله واجنبني. (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) الفاء عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ وتبعني فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والنون للوقاية والياء مفعول به فانه الفاء رابطة لجواب الشرط وان واسمها ومني خبرها والجملة في محل جزم جواب الشرط والفعل وجوابه خبر من.
(وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) جملة معطوفة على نظيرتها. (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) تكرر النداء لتأكيد الابتهال والتضرع وان واسمها وجملة أسكنت خبرها ومن ذريتي متعلقان بمحذوف صفة لمفعول أسكنت المحذوف أي أسكنت ذرية من ذريتي ومن للتبعيض، بواد جار ومجرور متعلقان بأسكنت
وليقيموا اللام لام التعليل وهي متعلقة بأسكنت أي أسكنتهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم أي العظيم الحرمة ويعمروه بذكراك وعبادتك. (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) الفاء الفصيحة واجعل أفئدة فعل دعاء ومفعول به ومن الناس صفة لأفئدة أي قلوبا وجملة تهوي مفعول به ثان لا جعل وإليهم متعلقان بتهوي. (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) وارزقهم عطف على اجعل ومن الثمرات متعلقان بارزقهم أي بعض الثمرات فمن للتبعيض ولعل واسمها وجملة يشكرون خبرها. (رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ) تكرير النداء لتكرير الابتهال ودليل التضرع واللياذ بالله تعالى. وان واسمها وجملة تعلم خبرها وما مفعول تعلم وجملة نخفي صلة وما نعلن عطف على ما نخفي. (وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى تصديقا لابراهيم أو من كلام ابراهيم. وما نافية ويخفى فعل مضارع وعلى الله جار ومجرور متعلقان بيخفى ومن زائدة وشيء مجرور بمن لفظا فاعل محلا وفي الأرض صفة لشيء ولا في السماء عطف على في الأرض. (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) الحمد مبتدأ ولله خبر والذي نعت لله وجملة وهب صلة ولي متعلقان بوهب وعلى الكبر في محل نصب حال وعلى بمعنى مع كقول الشاعر:
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ) ومن ذريتي عطف على ياء المتكلم أي واجعل بعض ذريتي مقيم الصلاة وهذا الجار في الحقيقة صفة لذلك المفعول المحذوف أي وبعضا من ذريتي، وربنا منادى وتقبل عطف على ما تقدم ودعائي مفعول به وحذفت الياء مراعاة للفواصل. (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) اغفر فعل دعاء ولي متعلقان باغفر ولوالدي وللمؤمنين عطف على لي ويوم ظرف زمان متعلق بمحذوف حال أي حال كون الغفران في ذلك اليوم العصيب وسيأتي مزيد بحث حول قيام الحساب في باب البلاغة.
البلاغة:
هذه الآيات مجموعة رائعة من الابتهالات التي تغرق نفس المؤمن في سبحاتها وتذوب في بحرانها الجميل، وقد انطوت على مجموعة من الفنون البلاغية نوجزها فيما يلي:
١- المجاز العقلي في اسناد الإضلال للاصنام وهي جمادات أو مجاز مرسل والعلاقة هي السببية لأنها سبب الإضلال.
٢- الطباق بصورة متعددة كقوله تعالى «ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن» و «وما يخفى عليه من شيء في الأرض ولا في السماء».
الفوائد:
قصة اسكان ابراهيم ذريته:
روى التاريخ أن هاجر كانت جارية لسارة فوهبتها لابراهيم فولدت منه إسماعيل فغارت سارة منهما لأنها لم تكن قد ولدت قط فأنشدته الله أن يخرجها من عندها فأمره الله تعالى بالوحي أن ينقلها الى أرض مكة فأتى من الشام ووضعها في مكة ورجع من يومه فتبعته هاجر فقالت أين تذهب وتتركني بهذا الوادي الذي ليس به إنس ولا شيء فلم يلتفت فقالت: آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم، فقالت: إذن لا يضيعني ثم رجعت فانطلق ابراهيم ثم رفع يديه الى السماء وتلا الابتهالات التي عبر الله عنها بآياته الرائعة وترك عندها جرابا من تمر وسقاء من ماء فلما نفد الماء عطشت هي وابنها فجاء جبريل وضرب موضع زمزم بعقبه أو جناحه فخرج الماء فجعلت تشرب منه فمكثوا كذلك حتى مرت بهم قبيلة من جرهم كانوا ذاهبين الى الشام فعطشوا فرأوا الماء عندها فقالوا لها: تأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا نعم وأرسلوا الى أهليهم فنزلوا معهم فلما شب إسماعيل تعلم منهم العربية وكان أنفسهم وأعجبهم فزوجوه امرأة منهم وماتت أمه بعد ما تزوج الى آخر هذه القصة التي تحتاج الى القلم المبدع ليحيك منها المسرحية الخالدة.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٤٢ الى ٥٢]
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)
(مُهْطِعِينَ) : مسرعين الى الداعي وقيل: الإهطاع أن تقبل ببصرك على المرئي تديم النظر إليه لا تطرف وفي المختار: «اهطع الرجل إذا مدّ عنقه وصوب رأسه، وأهطع في عدوه أسرع» وفي الأساس: «بعير مهطع: في عنقه تصويب وقيل: هو المسرع وقد أهطع في سيره واستهطع وقال:
إني على ما ترين من كبري | أعلم من حيث تؤكل الكتف |
تعبّدني نمر بن سعد وقد أرى | ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع |
بمستهطع رسل كأنّ زمامه | بقيدوم رعن من رضام ممتّع |
(الطرف) : في الأصل مصدر والطرف أيضا: تحريك الجفن قال جرير:
(الْأَصْفادِ) : القيود وقيل الأغلال وانشد لسلامة بن جندل:
إن العيون التي في طرفها حور | قتلننا ثم لم يحيين قتلانا |
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك | وهنّ أضعف خلق الله إنسانا |
وزيد الخيل قد لاقى صفادا | يعضّ بساعد وبعظم ساق |
فآبوا بالنهاب وبالسبايا | وأبنا بالملوك مصفّدينا |
الإعراب:
(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) الواو استئنافية ولا ناهية وتحسبن فعل مضارع مبني على الفتح لا تصاله بنون التوكيد
(وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ) وأنذر عطف على قوله ولا تحسبن والناس مفعول به أول ويوم مفعول به ثان لا مفعول فيه كما يتوهم للوهلة الاولى على حذف المضاف أي أنذرهم أهواله وعظائمه إذ لا إنذار في ذلك اليوم وإنما الانذار يقع في الدنيا وجملة يأتيهم العذاب مضافة للظرف ويأتيهم فعل ومفعول به والعذاب فاعل مؤخر. (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) الفاء عاطفة ويقول عطف على يأتيهم والذين فاعل وجملة ظلموا صلة وربنا منادى مضاف وأخرنا فعل وفاعل مستتر ومفعول به والى أجل متعلقان بأخرنا وقريب صفة ونجب جزم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر تقديره نحن ودعوتك مفعول به. (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ) الهمزة للاستفهام التوبيخي التقريري والواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب
(فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) عطف تفريعي على ولا تحسبن ولا ناهية وتحسبن مجزوم محلا بلا الناهية ولفظ الجلالة مفعول به ومخلف مفعول ثان لتحسبن وهو اسم فاعل ووعده مضاف الى مخلف وهو المفعول الثاني لمخلف ورسله هو المفعول الاول لمخلف والأصل مخلف رسله وعده ولكنه قدم الوعد لأهميته وإيذانا منه بأنه لا يخلف الوعد أصلا. (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ) ان واسمها وخبرها وذو انتقام خبر ثان لها. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ) يوم الظرف بدل من يوم يأتيهم العذاب أو متعلق بمحذوف أي اذكر يوم وجملة تبدل مضاف إليها الظرف وتبدل فعل مضارع مبني للمجهول والأرض نائب فاعل وغير الأرض مفعول تبدل الثاني والسموات عطف على الأرض أي تتغير معالمهما على حد قوله:
وما الناس بالناس الذين عهدتهم | ولا الدار بالدار التي كنت تعلم |
(وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) وليعلموا عطف على لينذروا وإنما كافة ومكفوفة وقد سدت مسد مفعولي يعلموا وهو مبتدأ وإله خبر وواحد صفة وليذكر عطف على ما تقدم وأولو الألباب فاعل.
البلاغة:
الاستعارة التمثيلية في قوله «وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» فقد شبه بقوله لتزول منه الجبال مكرهم لتفاقمه وشدته، وافتتانهم فيه. وبلوغهم الغاية منه وشبه شريعته وآياته وما أنزله على نبيه من تعاليم سامية، وحجج بينة شبهها بالجبال في رسوخها وتمكنها من نفوس المؤمنين بها المتشبثين بأهدابها وهي من أرقى الاستعارات وأجملها وتزداد روعتها بأن صدور المكر المعدّ لإزالة الجبال صادر عن قوم جوف لا جدوى فيه ولا قوة لهم، وهم في تقلبهم وخفتهم أشبه بالهواء إذ قال قبل ذلك «وأفئدتهم هواء» والهواء الخلاء والخواء الذي لم تشغله الاجرام فوصف به القلب فقيل قلب هواء إذا كان
كأن الرجل منها فوق صعل... من الظلمان جؤجؤه هواء
الصعل: المنجرد شعر الرأس والصغير الرأس والظلمان جمع ظليم وهو ذكر النعام، والجؤجؤ الصدر وجعل صدره فارغا ليكون أسرع في السير الى طعامه، والنعام مثل في الجبن والخوف والحمق.
وقال حسان بن ثابت يهجو أبا سفيان قبل إسلامه:
ألا أبلغ أبا سفيان عني... فأنت مجوف نخب هواء
بأن سيوفنا تركت عبيدا... وعبد الدار سادتها الإماء
هجوت محمدا فأجبت عنه... وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء... فشركما لخيركما الفداء
أمن يهجو رسول الله منكم... ويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي... لعرض محمد فيكم وقاء
والمجوف والنخب والهواء: خالي الجوف أو فارغ القلب من العقل والشجاعة، وقد رمق شوقي في العصر الحديث هذا المعنى فاقتبسه لوصف الغيد العذارى بقوله:
فاتقوا الله في قلوب العذارى... فالعذارى قلوبهن هواء
معنى تبدل الأرض غير الأرض:
ننقل لك خلاصة كلام الامام الرازي في قوله تعالى «يوم تبدل الأرض غير الأرض» الى آخر الآية لأهميته ثم نعقب على هذا الكلام بكلمات لا تقل عنه أهمية. قال الرازي:
«اعلم أن التبديل يحتمل وجهين أحدهما: أن تكون الأرض باقية وتبدل صفتها بصفة أخرى والثاني أن تفنى الذات وتحدث ذات ثانية والدليل على أن اطلاق التبديل لإرادة التغيير في الصفة جائز انه يقال بدلت الحلقة خاتما إذا أنت سويتها خاتما فنقلتها من شكل الى شكل ومنه قوله تعالى «فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات» ويقال بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة الى صفة أخرى ويقال تبدل زيد إذا تغيرت أحواله، أما ذكر التبديل عند وقوع المبدل في الذات فكقولك بدلت الدرهم دنانير ومنه قوله تعالى «بدلناهم جلودا غيرها» وقوله: «وبدلناهم بجنتيهم جنتين» فإذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان:
الاول: المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات.... وقوله والسموات أي وتبدل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها وخسوف قمرها وكورها فتارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان.
القول الثاني: ان المراد تبديل الذات قال ابن مسعود تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك فيها دم ولم تعمل عليها خطيئة» انتهى كلام الرازي.