تفسير سورة مريم

تفسير ابن عرفة - النسخة الكاملة
تفسير سورة سورة مريم من كتاب تفسير ابن عرفة المعروف بـتفسير ابن عرفة - النسخة الكاملة .
لمؤلفه ابن عرفة . المتوفي سنة 803 هـ

سُورَةُ مَرْيَمَ عليها الصلاة والسلام
قوله تعالى: ﴿كهيعص (١)﴾
اختلفوا هل هذه الأحرف اسم للسورة، أو الكاف عبارة عن الكبير، والياء عبارة عن العلي، والعين عن العليم، والهاء عن الله، والصاد عن الصادق.
ابن عرفة: لَا يؤخذ بالاجتهاد وإنما إسناده عن الصحابة - رضي الله عنهم - أو حديث.
قيل لابن عرفة: نص النحويين على أن الحروف لَا تنطق بها، ولا يقال: هذا الحرف ويقطع من كذا، [وذكر*] سيبويه عن الخليل في كيفية النطق أنه كاف له هنا السكت؛ فيقال: في حروف [**قرب ضرب صدرويه] فقال: هذه ليست منقطعة منها بل هو حرف آخر مماثل للكاف من الكبير وهي اسم؛ لأنك تقول كاف ياء فهي اسم لتلك الحروف.
وقال بعضهم: إن الحروف التي في أوائل السور مما استأثر الله بعلمه.
وقال بعض المتأخرين ممن اختصر "كتاب المحصول: هذا إنما هو في الألفاظ [المعبر بها*] عن الكلام القديم، وأما الكلام القديم الأزلي فيستحيل أن يقال فيه: إنه لَا يفهم.
قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾
قال الطبري: نداء مخلصا؛ فعبر عنه [بالخفي*] مجازا وليس بكناية؛ لأن الخفي منه المخلص وغيره.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي... (٤)﴾
ابن عرفة: قال بعض اللغويين: (وَهَنَ) أي ضعف لكن الوهن أخص من الضعف؛ لأن الضعف له أول ومنتهى، والوهن يقتضي الضعف الشديد المتناهي.
فإن قلت: هلا قال: وهنت العظام مني، فهو أبلغ؟
ابن عرفة: فأجاب بعض البيانيين: إن الألف واللام إذا دخلت على المفرد سيرته عاما في المفردات، والعموم الذاتي أقوى من العموم العرضي، كقولك: كل رجل قائم، وكل الرجال قائم.
فإن قلت: اشتعال الشيب في الرأس سبب في الوهن فهلا قدم عليه؟ قلت: إنما يؤكد الأضعف بالأقوى، والوهن أقوى في الدلالة على الضعف من الشيب؛ لأن الإنسان قد يشيب صغيرا مؤكد هنا بالأقوى الأضعف فلا فائدة فيه.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الوهن سبب خفي، والاشتعال بالشيب سبب ظاهر يراه كل أحد فأخَّره ليكون كالدليل عليه، وأجيب بأن الوهن يكون لمرض، فهو قابل للتداوي والرجوع إلى حالته الأولى، فلما عقبه بالشيب دل على أنه أمر لازم.
ابن عرفة: ؛ لأنه يضعف [لأن الكبر ليس لها دواء*].
فإن قلت: هلا قال: وهن مني عظمي؟ فالجواب: أن فيه التبيين بعد الإجمال.
كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، فإن قلت: هلا قال: واشتعل شيب الرأس؟ فأجاب بأنه مجاز على جهة المبالغة في نسب الاشتعال [لجميع*] الرأس؛ إشارة إلى عموم الشيب في رأسه حتى كأنه شيب.
قوله تعالى: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا).
معناه: أني أدعوك فإن استجبت لي حصلت السعادة، وإن لم تستجب لي أجرت أجر [التضرع والخضوع*] فلم أكن شقيا بوجه، والمصدر هنا مضاف إلى المفعول؛ أي ولم أكن بدعائي إياك شقيا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي... (٥)﴾
فإن قلت: هذا معطوف على وهن المؤكد فهلا استغنى عن إعادة إني؟ فالجواب: إما بأنه تأكيد الشيب في المطلب، وإمَّا بأن وهن العظم والمشتعل الرأس ليس من كسبه بوجه، وخوف الموالي من أقاربه في الكسب فهو مباين للأول، وقرئ (خُفْتُ) ومعنى من ورائي من بعدي، فعلى قراءة (خِفْتُ) يفهم معنى الآية؛ لأنه بمنزلة رجل ومات نظراؤه في صناعته؛ حتى لم يبق منهم إلا إنسان، فيقال: خفت الصناع من بعدي؛ لأنه يقطع إذا مات لَا يبقى إلا إنسان، وعلى قراءة (خُفْتُ) لا يصح المعنى؛ لأن إذا مات ارتفع خوفه من هذه من رضى الدنيا لَا يخاف مما كان بعد موته.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ... (٨)﴾
ابن عطية: كيف استبعد زيادة الولد بعد أن طلبه ودعا به، فأجاب بأربعة أوجه:
أحدهما: إنما طلب وليا لَا ولدا؛ فلعله يكون له ولد غير الولد لَا ولدا، إما حفيدا، وإما ابن عم، أو ابن أخ أو غير ذلك؛ فلما بشر بالولد استغرب ذلك، فقال: أنى يكون لي [ولد*].
الثاني: أن يكون بين طلبه له وبين التبشير به زمن [متطاول*] بحيث تزايد ضعفه، وتمكنت شيخوخته فكان يرجو أن يبشر به في زمن [إياسه*] من الولد.
الثالث: أنه سأل عن الكيفية التي تزايد له فيها الولد هل مرجوع امرأته شابة، أو تلد على ذلك الحال، كما قال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى).
وفي عبارة ابن عطية، قلت: لأنه طلب الولد ثم استفهم كيف الوصول إليه، [وكيف نفذ القدر به*].
ابن عرفة: وعادتهم يوردون سؤالا، وهو أنه إذا تقدم اسم نكرة ثم أعيد فإنما يعاد معرفا بالألف واللام، قال الله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، قال هنا (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى)، فقال: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) الولد، أو يقول: أنى يكون لي الغلام [فأجيب بوجهين*]:
أحدهما: أن الغلام هنا مدح باسمه فأشبه المعرفة؛ فلذلك لم يعده.
الثاني: ذلك إنما هو حيث يعاد بلفظه، وهنا إنما أعيد بلفظ الولد ولا شك أن أحدهما أعم من الآخر، فالغلام أعم؛ فإنه يمكن أن يكون ولد ولده، أو ولد أحد من قرابته؛ فأخذ هو بحق السؤال باستبعاد كونه ولده.
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ... (٩)﴾
أي: كما علمت أن جميع الأشياء هين على الله فاعلم أن هذا هين عليه، واستدل بخلقه إياه من عدم، وهذا هو المذهب الكلامي وهو الإتيان بالحكم مقرونا بدليله.
قوله تعالى: (وَلَمْ تَكُ شَيْئًا).
ظاهره أن هذا حجة لأهل السنة في قولهم؛ لأن الندم ليس بشيء.
والزمخشري يقول: ولم تك شيئا موجودا أو شيئا مذكورا.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً... (١٠)﴾
أي علامة.
قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ... (١٢)﴾
ابن عرفة: عرف القرآن في هذا النداء بالياء، إيماء بالموجود؛ فلذلك قال ابن عطية: [المعنى فولده له*]، وقال الله للمولود (يَا يَحْيَى).
ابن عرفة: إنما عد بولد؛ لأن المتكلمين اختلفوا في الاستدلال على الحدوث هل يستدل بالإمكان أو بالموجود؟ فإن نظرنا إلى ما قبل الآية، وهو قوله تعالى: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) وهذا دليل على إمكان وجوده، وإن نظرنا إلى قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) كان دليل على أنه واحد؛ لأنه خطاب له؛ فلذلك أضمر وجوده قبله.
وقوله تعالى: (خُذِ).
إن كان تكليفا فهو للوجوب، وإن كان امتنانا فهو للندب.
قوله تعالى: (بِقُوَّةٍ).
قال أبو حيان: إما مفعول أو حال.
ابن عرفة: يريد إما متعلق بقوله (خُذِ) وهو موضع الحال والكتاب التوراة، وإنما قال: (بِقُوَّةٍ) ولم يقل ذلك في موسى ولا في [غيره*] من الأنبياء؛ لأنهم أوتوا الحكم [كبارًا*] بالضرورة أن يأخذوا الكتاب بقوة، ويحيى أوتي الحكم صبيا، فقال (بِقُوَّةٍ) أحرى بنا؛ فالحكم المراد به الأمر الفضلي، يعني لأن الصبيان يوصفون بالحكم الضروري فلا مزية له عليهم فيه.
حسبما قال الفخر في المحصول: الحكم القصد، يعني هو يمكن أن يكون وأن لا يكون؛ فلذلك يوصف به الصبيان، ويوصفون بالضروري، فلو [علمه*] الصبي لعلمه بتفضيل [**لم يضر] لأنكر ذلك بالبديهة.
قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا... (١٣)﴾
ابن عطية، والزمخشري: يحتمل أن يراد وخلقنا في قلبه الحنان، ويحتمل أن يراد وآتيناه حنانا منا عليه.
وذكر ابن الصلاح في علوم الحديث في باب رِوَايَةِ الْآبَاءِ [عَنِ الْأَبْنَاءِ*] حديثا يقتضي اتصاف الله تعالى بالحنان، وذكر فيه سندا متصلا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن الحنَّان هو الذي يُقبل على من أعرض عنه، [والمَنَّانَ هو الذي يبدأ بالنوال
قبل السؤال*]، فقال ابن العربي هنا في الأحكام: إن إتيان النبوة للصغير ممكنة جائزة عقلا؛ لكنها لم تقع، ولم يذكر ذلك المتكلمون؛ لأن ظاهر كلامهم بياني في بداية الإقدام، أيضا أنها جائزة عقلا؛ لأنه قال: لَا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى يخص من يشاء من عباده بالنبوة والولاية؛ فعموم هذا يتناول الصغير والكبير.
قال ابن عرفة: [وأما المعتزلة*] فلا يجوز عندهم نبوة الصغير بناء على قاعدة التحسين والتقبيح، والفلاسفة يصح ذلك على مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إنها راجعة إلى طبع مجازي [يحظون به*]، وظاهر كلام الفخر هنا أنها واقعة أن يحيى وعيسى بعثا صغيرين.
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾
وقال تعالى في عيسى: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)، وكان بعضهم يقول: لأن يحيى [أكثر تكليفا، قال: وعيسى كذلك [وكان رسولا*].
قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ... (١٥)﴾
وقال عيسى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) قيل لابن عرفة: هذا حكم إنشائي وصيغ الاستثناء حالته، فكيف يعمل في المستقبل؟ فقال: ليس المراد حقيقة المستقبل، وإنما هو كقولهم: ضربته الظهر والبطن.
قوله تعالى: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَومَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ).
وقال عيسى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) فأجاب الزمخشري والغزالي بأن يحيى غلب مقام الخوف فسلم عليه أمنا له [وتطمينا*]، وعيسى غلب عليه مقام الرجاء.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ... (١٦)﴾
قال ابن عرفة: عينها باسمها في سورة التحريم، فقال تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) تشريفا بذكرها مع امرأة فرعون، وامرأة نوح ولوط، ويوجد جواز اجتماع الخبر والأمر في الكلام الواحد؛ لأن الإخبار الآخر عن هذه القصة مع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور بتبليغها للناس فيؤخذ منه أن من آمن فلا يبيع سلعة بكذا دينار، فقال: إن فلانا، قال: بائع سلعتي هذه بكذا وأنا قد بعتها به، فقال المشتري: وقد اشتريتها بذلك، فقال: ربما لَا أرضى بذلك أنه يلزمه البيع.
قوله تعالى: (إِذِ انْتَبَذَتْ).
قال أبو حيان: يصح أن يكون مفعولا أو بدلا من مريم، فقيل له: هما شيء واحد؛ لأن اذكر إنما يتعدى لمفعول واحد، فقال: القائل فيه فعل آخر مقدر؛ أي اذكر إذ انتبذت.
قال المختصر السفاقسي: يحتمل أن يكون على حذف مضاف؛ أي اذكر خبر مريم وما جرى لها إذ انتبذت.
قال ابن عرفة: هذا هو الصحيح، لأن الخبر متأخر عن المجرور عنه فلا يصح أن يعمل الخبر في إذ؛ لأن وقت الانتباذ ليس هو وقت الخبر؛ فلذلك قال أبو حيان: وما جرى لها إذ انتبذت.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا... (١٧)﴾
وهو جبريل، وقال تعالى في سورة آل عمران: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) التبشير وقع من الملائكة وهذا الإرسال من ملكَ واحد، فإن كانت القصة واحدة فيكون ذكر هذا جبريل وحده؛ لأنه المتقدم في الملائكة وهو تبع له، وإن كانت قصتين فتكون تلك قبل هذه فبشرها أولا الملائكة ثم أتاها جبريل وحده فنفخ في فرجها.
فإن قلت: كيف يفهم [تصور*] الملك ورجوعه على صورة إنسان حسن الصورة مع أن الموجودات ثلاثة: إما متحيز، أو قائم بالتحيز، أو لَا متحيز ولا قائم؛ فمتحيز على القول بإثبات الجوهر المفارق، فكما لَا يصح صيرورة الجوهر [عرضا*] ولا العكس؛ لذلك لَا يصح الموجود الغير المتحيز متحيزا، قلت: فالصواب أن الملائكة أجسام متحيزة، فكما أن الله تعالى أقدر الجسم على القيام والقعود والحركة، كذلك أقدر بعض الأجسام على [التصور*] على صفات مختلفة.
ابن عرفة: وقد كنت رأيت السلطان إبراهيم في غاية الضعف قولا [... ].
قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي... (٢٤)﴾
وقرئ (مَنْ تَحْتَهَا)، وعلى كلا القراءتين يصح أن يكون المنادِي جبريل وعيسى عليهما السلام، ورجح بعضهم الأول بعدم الاحتياج إلى إضمار الفاعل، وأجيب بأن الفاعل هناك الجزء من الفعل فهو بمنزلة المركب.
ابن عرفة: [ومن بدع التفسير قول الزمخشري في أن جبريل عليه السلام كان يُقَبِّل الولدَ كالقابلة*].
قوله تعالى: (أَلَّا تَحْزَنِي).
قال الزمخشري: أن مفسرة.
ابن عرفة: انظر هل هي مفسرة للنداء أو للقول الكائن معه؟ فالمعنى: قال لها يا مريم لَا تحزني، أو كون قوله: (نَادَاهَا) فحملوه من قوله لها: (يَا مَرْيَمُ) وأن لا يفسر القول الواقع بالنداء.
قوله تعالى: (أَلَّا تَحْزَنِي).
قال ابن عرفة: عادتهم يوردون فيه سؤالا وهو أن الغم الواقع من النفس إن كان لأجل أمر مستقبل فهو خوف، وإن كان لأجل أمر ماض فهو حزن وتألم، إما أن تكون مما يلحقها من المعرة فقط من قومها فهو أمر مستقبل، أو بالسبب الواجب لهذه المعرة وهو أمر ماض أو مجموعهما، وهو مستقبلي؛ لأنه إن كان بعض المجموع مستقبل فالكل مستقبل، وتألمها في الحقيقة، وهو إما أن يلحقها من المعرة فقط، فهلا قال [(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَخافي) *]؟ قال: والجواب: اختار أنها اغتمت وتأملت للمجموع من المعرة وسببها وراعاها في هذا المجموع سببه وهو ماض تذكيرا لها لما فيه من المعجزة، والأمر الخارق للعادة؛ ففيه تسلية لها عن العالم لما يتوقعه من المعرة وسببها وراعاها في المستقبل.
قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾
قال ابن عطية: يؤخذ منه مراعاة الأسباب، وإلا فالله سبحانه قادر على إيصال ذلك إليها من غير هز.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إنما أمرها بالهز؛ لأن فيه اشتغالا لها لتسلى [ويزول*] عنها ما بها من الغم، [كما شاهدناه*] فيمن يكون مغموما فتعلق نفسه بشيء يزيل همه، قالوا: ففي الآية تعدى فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل، وأجاب أبو حيان بخمسة أوجه:
إما أنه على إضمار أعني إليك.
وإما أن ذلك اسم.
وإما أن ذلك جائز عند الكوفيين.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: الصواب جوازه هنا، وإنما يمنع حيث يباشر الفاعل المفعول، كقوله: ضربتني وضربتك، وهنا فصل بين الضميرين حرف الجر، وقد أجازوا العطف على المضمر المتصل المرفوع إذا فصل بينه وبين المعطوف بالجر، مثل: (مَا أَشرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا).
فقيل لابن عرفة: هذا شبه القياس في اللغة، وهو ممنوع عندهم، قيل له: [إنه يجاب*] [بأن*] (إليك) متعلق بـ (تساقط عليك) ويكون بدل اشتمال]؛ لأن الاستعلاء مشتمل على منتهى الغاية.
قلت: وذكرته لصاحبنا الأستاذ أبي الفارس بن القصار فرده بوجهين:
الأول: أن جواب الشرط لَا يجوز تقديم معموله عليه إلا عند [الفراء*]، و (تساقط) هنا جواب للأمر المتضمن معنى الشرط، واحتج المؤلف بقول الشاعر:
وللخيلِ أيَّام فمن يصطبرْ لها... ويعرفْ لها أيَّامها الخيرَ يُعقبِ
وأجاب ابن عصفور بأن الخبر للام الثاني إنما نصوا على شديدة الاتصال بالجمل، فلا يجوز الفصل بينهما بأجنبي باتفاق، وإذا كان متعلق بـ تساقط صار أجنبيا عن هذا، قال: وإنما الجواب عندي بأنه على حذف مضاف؛ أي: وهزي إلى جهتك حسبما ذكر ابن عصفور في قوله تعالى: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) وذكروا أيضا نحوه في قوله:
فدعْ عنك نَهباً صِيحَ في حَجراتِه... ولكن [حديث*] ما حديث الرواحلِ
قوله تعالى: (رُطَبًا جَنِيًّا).
أي رطبا مهيئا للاجتناء؛ لأن الرطب قسمان: منها ما حل، ومنها ما لم يحضر وقت اجتنائه.
قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ... (٢٦)﴾
أصله: فإنْ ما ترين.
قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا).
فكان في شريعتهم أنهم إذا انذروا الصوم يمسكون عن الطعام والشراب والكلام.
قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ... (٢٧)﴾
قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (تَحْمِلُهُ) مع أن (بهِ) يغني عنه؟ فأجاب بأنه احتراس عن أن يظن، قيل له: هلا استغنى بقوله (تَحْمِلُهُ) عن قوله: (بِهِ)؟ فقال: أفاد ذكره التفسير بعد الإجمال، كما قال في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، قال وعادتهم يقولون: يقدرون أن الفعل يقتضي التكلف، واحتمال [المشاق*] بخلاف الاسم، كقولك: جاء زيد يحمل عمرا؛ بخلاف قولك: حامل عمرو، ولا شك أن عليها في دخولها به قريتها [هَمٌّ*] كبير، ومشقة؛ لاستحيائها منهم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾
قال ابن عرفة: فيه إيماء إلى أن الأصل له أثر في الفرع، ولذلك قال [... ].
[لعله عرق نزعه*].
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾
ابن عرفة: (مَنْ) إما عبارة عن الأنواع أو عن الأشخاص؛ فإن كانت للأنواع فالمعنى كيف نكلم من هو من هذا النوع؟ فتبقى كان على أصلها؛ لأن هذا النوع مضى منه كثير.
قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون في هذا سؤالا؛ وهو أن الصواب [أن يقال*]: كيف نسمع كلام من كان في المهد صبيا؟ أو كيف يجيبنا من كان في المهد صبيا؟ لأنهم قد تكلموا وكلامهم وإنكارهم إنما هو [عليها*] لَا على الصبي، وقد كلموها، وما بقي لهم إلا السماع، قال: فكان الجواب يمشي بتقدير [صحته*]؛ أي إنما [أجبنا*] المسئول لا غيره، ونحن إنما نتكلم ونسأل من هو أهل لأن يتكلم، ومن كان في المهد صبيا لا يتكلم.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ... (٣١)﴾
إنما لم يقل: وأمرني؛ لأنه صغير لم يبلغ هذا التكليف.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ... (٣٤)﴾
قيل لابن عرفة: يحتمل أن يكون (الْحَقِّ) بدلا من (عيسى) بدل اشتمال، وقد نصوا على جواز بدل المصدر من الاسم في بدل الاشتمال؛ فرد عليه بأنه مشروط بضمير
يربط بين البدل والمبدل منه، والمصدر ليس فيه ضمير إذ ليس بمشتق، وأجيب بأن ابن هشام [نص*] في شرح الإيضاح على [أنه*] الألف، والألف تقوم مقام الضمير.
قوله تعالى: (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ).
ولم يقل: الذي فيه يختلفون؛ لأن الاختلاف يستلزم أن يكون البعض حقا والبعض مبطلا، والامتراء يقتضي بطلان قول جميعهم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ... (٣٥)﴾
قابلية [اتخاذ*] الولد، ونفي مكان اتخاذه]، ونفى في سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ) وجود اتخاذه، وفي سورة المؤمنين (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ).
ابن عرفة: وبين الآية عموم وخصوص من وجه دون وجه؛ فنفي وجود الولد لا يستلزم نفي وجود البنين، ونفي اتخاذ الولد يتناول ولد البنين أو ولد الصلب.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ... (٣٦)﴾
قال الزمخشري: قرأ المدنيون، وأبو عمرو بفتح (إن) [والأستار*] وأبو عبيد بكسرها على الابتداء.
قال ابن عرفة: وجدت في طرة كتاب عن الزمخشري: الإسناد معناه الأربعة.
قال الطيبي: هم الكوفيون والأعمش.
قوله تعالى: ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾
(مِنْ) للسبب؛ أي لسبب شهادتهم ذلك اليوم لما يقولون.
قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا... (٣٨)﴾
ابن عطية: هؤلاء ممن يقال فيهم: ما أسمعهم وما أبصرهم بالعذاب والوعد والآلام النازلة بهم.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يرجح الثاني، قوله تعالى: في سورة نون والقلم، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ). فظاهره أنه ليست لهم قدرة عن أفعال أسباب السعادة، وأجيب بأن تلك على سبب القوة العملية عنهم، وهذه إنما تدل على إثبات القوة العلمية لَا العملية.
قال الزمخشري: وقيل: إنما معناه التهديد بما ينالهم ويصدع قلوبهم من السوء.
ابن عرفة: فيكون أمرا بالسماع حقيقة.
وقيل لابن عرفة: فالإسماع في الدنيا فكيف يعمل في (يوم يأتوننا)؟ فقال: الفاعل لازمه لَا هو أي أسمع غيرهم بخبرهم يوم يأتوننا.
ابن عرفة: وظاهر الآية دليل في المسألة التي كفر القرآن فيها الفلاسفة حيث أنكروا إعادة الأجسام بعينها، بقوله (يَوْمَ يَأْتُونَنَا) فظاهر إتيانهم بأسماعهم وأبصارهم على ما كانت عليهم.
قوله تعالى: (فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
يحتمل معنيين: إما أنه مبين في نفسه، وأنه مبين جهلهم وغباوتهم وهلاكهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا... (٤٠)﴾
الوارث قسمان: فوارث المال بمعنى تملكه حسيا، ووارث الأب بمعنى [**تملكه حظه] أو عمله وهي معنوية؛ فهل هو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؟ قال: ليس هو لذلك؛ لأن الأب لَا يملك، والأرض هنا ومن فيها ملك لله عز وجل.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ... (٤١)﴾
قال ابن عرفة: قال المفسرون: إن كان الله تعالى ذكره في الكتاب فيكون أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم فضائله وأوصافه وسماعه من النبوة والرسالة والصدق، وإن كان أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيكون ذكر حقيقة.
ابن عرفة: ويحتمل على الأول أن يكون بمعنى اذكر للناس ذكر إبراهيم في الكتاب؛ أي اتل عليهم أنه ذكره في الكتاب.
ابن عرفة: وانظر هل ذكره في الكتاب تشريفا له أو تعظيما؛ فكان بعضهم يأخذ من هذه الآية مع قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) بأنه ليس بين مرتبة النبوة ومرتبة [الصديقين*] مرتبة زائدة، وبيَّن [الصديقين*] بأنهم العلماء في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، أو في قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) مع أنهم ذكروا في الحال أنها على أربعة أقسام:
فأولها: إيمان المقام.
الثاني: من حصل له العلم بدليل لَا يقدر على التعبير عنه، وهذا يختلف فيه هل هو مقلد أو مجتهد.
والثالث: من حصل له العلم أنه بالدليل القوي يقدر على دفع ما يرد عليه من التشكيكات، وعلى تربية النَّاس وإرشادهم به إلى الطريق الحق، كان سيدي أبو الحسن الزبيدي على صحن الجابية وهو ينظر [منتهى السول للآمدي*]، قال: قلت في نفسي: [عذرا يا سيدي أبا الحسن*]، هل هو من الصديقين أم لَا؟ فطوى الكتاب.
كان سيدي أبو الطاهر الركراكي يقول: نحن معاشر الصديقين آخر من ينصرف من المحشر ثم رجع ينظر في الكتاب.
قال ابن عرفة: ما ورد في الحديث من أن إبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آله وسلم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ليس على ظاهره، وما عدها إبراهيم كذبات إلا تواضعا منه، وإلا فقوله: (بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا) ليس بكذب، بقوله: (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) فقد فعله كبيرهم هذا وهم لَا ينطقون فلم يفعل هو.
قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ... (٤٢)﴾
النداء له تنبيه ليحضر ذهنه لسماع ما يرد عليه، ولم يقل: يا آزر على جهة اللطف والاستعطاف، ومن التلطف سؤاله عن سبب عبادته لمن هو عاجز، وهو قوله (وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) إشارة إلى أنه مفتقر لمعبود يغني عنه وينفعه ويضره.
قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ... (٤٣)﴾
إشارة إلى أن أباه عجز عن جوابه هذا فأخبر هو بما حصل حقيقة عنده من العلم.
قوله تعالى: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ... (٤٦)﴾
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون استفهاما حقيقة؛ ليحصل المشاكلة بينه وبين قول إبراهيم (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) كأنه أيضا استفهام حقيقة يرد السؤال لَا في استفهام إبراهيم عن العلة في عبادته أبيه عن نفس العبادة، واستفهام آزر عن ذات الشيء لَا عن علته، هل هو راغب عن آلهته أو يعبدها؟ قال: وأجيب بثلاثة أوجه:
الأول: أن هذا منه على سبيل المغالطة، وإلا فهو يعلم أن إبراهيم يرغب عن آلهته.
الثاني: أنه سئل عن علة العلم، وأما الجاهل فلا يسأل عن علة الحكم ولا عن دليله بوجه.
الثالث: أنه إنما ذكره ليرتب عليه العقوبة في قوله (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا).
قال ابن عرفة: فإن قلت: هلا ابتدأ بالنداء قبل الاستفهام؟ فالجواب: أنه قدم الاستفهام؛ لأنه الاسم المقصود.
قوله تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا).
معطوف على مقدر؛ أي فاحذرني واهجرني مليا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ... (٤٧)﴾
كان بعضهم يقول: أما سلام القادر فمطلوب مشروع، وأما سلام المنصرف فغير مشروع، ومنهم من قال: مشروع بدليل هذه الآية مع حديث خرجه أبو داود.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾
فكان بعضهم يقول: الوصف بالنبوة تأكيد؛ لأن الرسالة أخص، وكان بعضهم يجيب بأن الأعم على قسمين:
أعم لَا يوجد إلا في أخصه المعين.
وأعم يوجد فيه وفي غيره، فمثال الأول في قولك لرجل ميت: كان هذا إنسانا حيوانا؛ فالأعم في هذا المثال لَا يوجد إلا في أخصه المعين؛ لأن كون ذلك الرجل حيوانا لَا يمكن أن يوجد إلا مع كونه إنسان، وكذلك الموصوف بعد الرسالة إن كان نبياً مدة من الزمان، ثم كان رسولا بعد ذلك باستبعاد استقلال كل واحد من الوصفين فيه وفي غيره من الرسل أرسل وثبت واحدة.
قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ... (٥٢)﴾
(مِنْ) للغاية؛ أعني لابتدائها وانتهائها، نحو: خذ المال من الصندوق، وذلك من النسبة إلى المخاطب، والوصف الأيمن إما مأخوذ من اليمن والبركة، وإما باعتبار الشرف، وإما باعتبار القوة والضعف؛ لأن اليمين أقوى في التكسب والحركة من الشمال باعتبار الأعم الأغلب، وقد يكون في بعض النَّاس على العكس.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾
قد يقال: ظاهر الآية أن هارون عليه السلام كان نبيا فقط، فيجاب بأنه رسول نبي بدليل قوله تعالى:
(اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ )، غير أن رسالته على جهة التبعية لموسى؛ بقوله (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ).
قال الزمخشري: [الرسول الذي معه من [الأنبياء*] [والنبىّ: الذي ينبئ عن الله عز وجل، وإن لم يكن معه كتاب، كيوشع*].
ابن عرفة: إنما الرسول المأمور بالتبليغ فيما أوحي له به، والنبي هو الذي يوحى إليه ولم يؤمر بالتبليغ.
ابن عرفة: وفي هذه الآية عندي رد على شيخنا القاضي ابن عبد السلام حيث كان في ميعاده، يقول في تفسير طه في قوله تعالى: (قَدْ أُوتيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) بعد قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارون أخي) إلي [(في أمري) *]، قال: هذه الآية حجة للمعتزلة في قولهم: إن النبوة مكتسبة، وكان ابن مرزوق يشنع عليه، وعزم على تكفيره؛ لكنه ذكره بأثره كلاما يدل على سلامة عقيدته مع أن تلك الآية لَا حجة لهم فيها؛ لأن القائلين بأنها مكتسبة بالدعاء [والتضرع*] إلى الله تعالى؛ لكن قبل خاتم النبوة، وأما الآن فلا؛ لأن موسى دعا بذلك؛ فاستجاب دعائه، كما يدعوا الإنسان بأن يكون وليا أو عالما.
قال ابن عرفة: قال: فقوله في هذه الآية (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا) دليل على أن نبوة هارون عليه السلام محض تفضل من الله تعالى، ورحمته ليس باكتساب بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾
ابن عرفة: هذا كله تشريف لإبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آله وسلم بما يخصه في ذاته وما يخص ذريته؛ لأن إسماعيل عليه الصلاة والسلام من ذريته.
ابن عطية: الجمهور على أن الذبيح إسماعيل.
وقال ابن رشد في المقدمات: الأكثرون على أنه إسحاق.
وقال اللخمي: الأصح أنه إسماعيل.
ابن عرفة: وكان بعض الطلبة، يقول: إطلاق صادق بلفظ اسم الفاعل على الذات حقيقة، وعلى القول مجاز، فيقال: رجل صادق، وقول صادق؛ فإنما الحقيقة قول صادق بوصف المعنى بالمعنى، وظاهر الآية العكس؛ لأنهم قالوا في قوله: مررت برجل حسن الوجه لَا بصفته، فكذلك هذا وصف إسماعيل [بصفة*] وعده.
قال ابن عرفة: وأجيب الفرق بين القول والوعد والصدق ينسب إلى القائل في قوله حقيقة إلى صاحب الوعد مجاز، أو إنما يقال: فلان وفى في وعد أوعدني فأوفى إليَّ؛ فقولك كان هنا مجازا.
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ... (٥٥)﴾
إعادة لفظ كان تنبيه على أن كل وصف منها منتقل بالمدح عليه.
قوله تعالى: (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا).
فيه تشريف له بوجهين:
أحدهما: أن لفظ [العندية*] منسوبة إلى الله عز وجل.
والثاني: وصف الرضا.
قال الزمخشري: أصله مرضو.
وقال ابن عطية: أصله مرضوي، والصحيح ما قال الزمخشري؛ لقوله تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) فهو من ذوات الواو، ولذلك [لم يُمَلْ*] ورش مرضاة، وأمالها الكسائي.
قلت: قال صاحبنا ابن القصار: اعتبر أصل المادة وهو رضو؛ فجاءت واو في آخر الفعل قبلها كسرة فقلبت ياء؛ لأن مصدره رضوان، وراعا ابن عطية أصل الإعلال؛ لأنه لما أعل [رجع*] إلى الياء، وأصل الإعلال عندهم إنما يعتبر في الفعل.
قيل لابن عرفة: اعتبر ابن عطية في الفعل، وهو رضيت ورضينا.
قال ابن عطية: إنما وصف إسماعيل بصدق الوعد؛ لأنه وعد رجلا أن يلقاه في موضع فانتظره إسماعيل يوما وليلة، وقيل: انتظره سنة.
ابن عرفة: والعجب من الزمخشري على تأخره على ابن عطية كيف لم يذكر القول الأول.
قال ابن عطية: وفعله نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم قبل البعثة، ذكره النقاش، وخرجه الترمذي.
ابن عرفة: وذكر عياض في الشفاء: أنه انتظر موعوده ثلاثة أيام، وذكر ابن ماجه حديثا.
قال ابن عرفة: والعطف في الآية تدل أن الرسالة أشرف من [صدق الوعد*] والأمر بالصلاة والزكاة مستند إلى تبليغه عن الله أشرف من وصف الرسالة فقط، والرضا مع ذلك أشرف من الجميع.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ... (٥٦)﴾
قيل: إنه ولد قبل وفاة آدم عليه السلام بمائة سنة*.
ابن عرفة: والظاهر أنه نبي فقط؛ لأن هذه الأوصاف ذكرت على معنى التشريف له فيعتبر في ذلك أعلاها؛ فلو كان رسولا لمدح بوصف الرسالة.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ... (٥٨)﴾
قال ابن عرفة: انظر هل هذا من الإشارة إلى القريب بلفظ البعيد للتعظيم؟ مثل: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) [أو لا؟ *] كان بعضهم سيعمله منه محتجا بأنه إذا اجتمع في الكلام القريب وبعيد يغلب القريب بدليل [تغليبهم*] ضمير المخاطب على الغائب والمشار إليهم هنا منهم زكريا وهو بعيد، ومنهم إدريس، وهو قريب، وكان بعضهم يقول بالعكس أولا؛ لأن المشار إليهم مجموع مشتمل على قريب وبعيد.
وقد قال المنطقيون: فاعتبر هنا في المجموع أدناه وهو البعيد، فلذلك أشير إليه بلفظ البعيد.
قوله تعالى: (مِنَ النَّبِيِّينَ).
قال ابن عرفة: كونه خبر المبتدأ يوجب إشكالا؛ وهو توهم [حصر*] النبيين في هؤلاء، ولزم من البيان الجنس، فيجاب بأنه أعم، والخبر يكون أعم من المبتدأ، أورده بعض الطلبة بأن هذا عام لَا أعم إذ لَا يقول: زيد الرجال، كما يقول: زيد الحيوان، وأجاب ابن عرفة بأن كونه تاما لَا ينافي هنا كونه أعم فهو هنا عام وأعم، قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) أنه معلوم لَا غرابة فيه، قال: فائدته تشريف آدم [بنسبتهم*] إليه.
قوله تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ).
ولم يقل: آيات الله، أو القهار، أو العزيز، أو الجبار [تنبيها بالأدنى على الأعلى*]؛ إشارة إلى أنهم إذا سمعوا آيات الرحمن والرحمة يبكون ويسبحون؛ فأحرى إذا سمعوا آية التخويف والموعظة.
قوله تعالى: (سُجَّدًا).
قال أبو حيان: حال مقدرة؛ لأنهم حال الخرور والقعود.
قال أبو حيان: ((شَاهِدٍ وَمَشهُودٍ).
قال ابن عرفة: شهود ليس إلا جمع، وشهود وقعود يحتمل الجمع والمصدر، كما أن (بُكِيًّا) يحتمل الجمع إذا تلوها هم بأنفسهم هل يكون أحرى فيمن جاورهم أو مساويا أبدا؟ قلنا: يحتمل الأخروية والتساوي، ويحتمل أن يكون من جاورهم بسماعها من غيرهم أمرا، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم: "إني أحب أن أسمعه من غيري".
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ... (٥٩)﴾
العطف بالفاء يقتضي كمال القرب بين زمنهم وزمن هؤلاء المخالفين لهم؛ ولذلك قال ابن عطية: بينهم ستون سنة، وأنه أقل ما تبدل فيه الأحوال، وكذلك قال النبي صلى الله وعلى آله الطيبين وسلم: ": خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، والمراد القرب بينهم وبين آخرهم وهو عيسى عليه السلام، وحينئذ يحصل كمال البعد بينهم بمجموعهم وبين المخالفين لهم، هذا إن قلنا: إن الخلف في النصارى، وإن قلنا: إن اليهود فيهم فيكون المراد من بعدهم، والخلَف بالفتح في الخير وبالسكون في الشر، ومنه حديث خرجه مسلم في كتاب الزكاة: " [مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا*] ".
قال ابن عرفة: والمراد بالأول الإنفاق في الواجب والمندوب والإمساك عن النفقة الواجبة؛ لأنه إخبار من المشرع بالدعاء له وعليه ففيه ذم فاعله؛ فدل على أنه واجب.
قوله تعالى: (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ).
قال ابن عرفة: قالوا: اتباع الشهوات سبب لإضاعة الصلاة؛ لأن من اتبع شهوة النفس مكنها من غرضها في الراحة والتكاسل عن الطاعة.
قال ابن عرفة: بل المراد على العكس؛ لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ).
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ... (٦٠)﴾
قيل لابن عرفة: إن قلت: التوبة تستلزم الإيمان لأنها إما من الكفر أو المعاصي؛ فما أفاد قوله (وَآمَنَ)؟ فالجواب: إما بأنه على التوزيع فمن تاب المراد به المعاصي، ومن آمن أي من الكفر، وإما أن التائب تقبل توبته إذا تاب وتحققت حالته، وإن ازدادت على ما كانت عليه قبل ذلك، فقوله (آمَنَ) إشارة إلى هذا.
قوله تعالى: (وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا).
الواو إما للحال؛ أي يدخلون الجنة في حال عدم الظلم، ويحتمل أن تكون جملة مستقلة وهو أولى لاقتضائه عدم ظلمهم قبل الدخول وبعده.
قوله تعالى: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ... (٦١)﴾
لأنهم عبدوا الله استنادا للوعد بها لمن أطاعه وهو أمر فجيب عنهم.
قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا).
يحتمل أن يكون اسم فاعل أو اسم مفعول، إما أنه كان [وعده آتيًا*] أو مأتيا مدركا.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا... (٦٢)﴾
بهذا مثل
عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ
أي ليس فيها لغو يسمع، واللغو الساقط من القول.
قوله تعالى: (إِلَّا سَلَامًا).
ذكر أبو حيان فيه ثلاث أوجه:
أحدهما: أنه استثناء متصل؛ لأن السلام في الجنة لغو؛ لأنه لَا فائدة فيه إذ لا خوف فيها فيحتاج إلى التأمين منه.
الثاني: أنه منقطع.
والثالث: أنه مثل:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
قيل لابن عرفة: فهو إذا منقطع؛ لأن سيبويه أنشد هذا البيت في باب الاستثناء المنقطع، فقال ابن عرفة: الفرق بينهما أنه على هذا الوجه يكون المراد به المدح؛ فهو من تأكيد المدح بما [يشبه*] الذم، والبكرة والعشي حملها ابن عطية على [تقادير الزمان*]، قال: وروى أن أهل الجنة - تسد لهم الأبواب بقدر الليل في الدنيا فيعرفون البكر عند افتتاحها والعشي عند] [انسدادها*]، والليل إنما هو به والشمس، وقال تعالى (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا).
فقال ابن عرفة: يحتمل أن يراد لَا يرون شمسا محرقة؛ لأن الشمس يحجبها عنهم كثرة أنوارها فلا يرونها، والزمهرير شدة البرد، وهذا أمر جائز ممكن لَا مانع يمنع منه، أو يحتمل أن يكون مثل قولهم: ضربته الظهر والبطن أي رزقهم هاهنا مستمر.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما قال (نُورِثُ) ولم يقل: نعطي أو نجازي؛ إشارة إلى أنها ليست عوضا عن الأعمال بوجه، ولم يأخذها أحد بالاستحقاق، وإنَّمَا [كالوارث*] الذي أخذ كوارث بغير معاوضة [ولا استحقاق*]، قال: وفي هذا تشريف لهم من وجهين:
أحدهما: لفظ العباد من حيث إضافته إلى الله تعالى.
والثاني: (تَقِيًّا)؛ لأنه أخص من المتقي.
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا... (٦٤)﴾
قال الفخر: [خِطَابُ جَمَاعَةٍ لِوَاحِدٍ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَى الرَّسُولِ*]. ويحتمل أن يكون هذا من كلام بعض أهل الجنة لبعض؛ أي ما نزلنا هذه المنازل إلا بأمر ربك.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).
عموم [العلم*]؛ ومع أنه مردود بقوله تعالى: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ)، ورد في بعض الأحاديث ما يدل على أنه في هذه الآية يعني الذهول؛ لأنه استدل بها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ.. (٦٥)﴾
أي اصطبر على المشاق لعبادته؛ وهذا أمر لجميع النَّاس.
قال ابن عرفة: خطابا للمعدوم على تقدير وجوده؛ لأنه يتناول من هو موجود حين نزول الآية، ومن سيوجد إلى قيام الساعة.
قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا).
إما أن يراد هل تعلم له شبيها؟ وهل تعلم من تسمى باسمه موصوفا بهذه الصفة؟ وهو كونه رب السماوات والأرض، وليس المراد شبيها بالإطلاق؛ بل سميا على هذه الكيفية.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ... (٦٦)﴾
قال الزمخشري: [يحتمل*] أن يراد بالإنسان الجنس أو بعضه [وهم الكفرة*].
قال ابن عرفة: إن كانت القضية خارجية فالمراد [البعض*]، وإن كانت حقيقة فالمراد كل من يوجد إلى قيام الساعة فهو بمظنة المخالفة.
قال الزمخشري: فإن قلت: [لم جازت إرادة الأناسى كلهم، وكلهم غير قائلين ذلك*]؟ قلت: لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بني فلان قتلوا فلانا، وإنما القاتل رجل منهم، وكذلك قال في البقرة في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا)، وفي آل عمران في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِن النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم).
وكذلك قال التلمساني: في شرح المعالم الفقهية في المسألة الخامسة في الباب الثالث، قال: يقال لمن تبرجت لرجل واحد تبرجين للرجال بالنكاح.
ابن عرفة: وهذه قضية شرطية مؤكدا فيها الشرطية بـ إذا المقتضية لتحقيق الوقوع، وبما، وباللام، وسوف، وأدخل على ذلك همزة الاستفهام على سبيل الإنكار لذلك على ما هو عليه.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾
هذه الآية أصل في إلحاق المثل بمثله.
قيل لابن عرفة: فيها حجة لأهل السنة في إعادة العدم بعينه.
وقالت المعتزلة: إنما يعاد مثله.
قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُ شَيْئًا).
الواو للحال من الضمير في خلقنا، ويرد فيه السؤال الثاني أن التأثير فيه بالإيجاد إن كان حالة عدمه فيلزم عليه اجتماع الوجود والعدم وهو محال، وإن كان حالة وجوده فيلزم عليه تحصيل الحاصل حسبما أورده في أصول الدين، وأجابوا بأن التأثير فيه حالة الأثر وإيجاده به؛ أي بذلك الأثر.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾
النزع: هو أخذ الشيء بقوة، مثل (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍ) (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) [ومن نزع الروح من الجثة*].
قوله تعالى: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا).
ذهب ابن الطراوة إلى أن في الآية نفي وإضافة، وهي مبتدأ وأشد خبره، والفعل معلق عن العمل فيها.
قال الزمخشري: وذهب الخليل إلى أنها معرفة وارتفعت على الحكاية تقدير الكلام لننزعن [الذين يقال فيهم أيهم أشد*].
ورده ابن عرفة بأن حذف الموصول وإبقاء بعض صلته لَا يجوز.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾
ابن عرفة: ليس المراد نفس العلم؛ لأنه لَا شركة فيه، وإنما المراد بالعلم هنا [ورود*] أثره.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ... (٧٣)﴾
الضمير عائد على (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).
قال الزمخشري: [بَيِّناتٍ مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني، مبينات المقاصد: إما محكمات أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات. أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا. أو ظاهرات الإعجاز تحدّى بها فلم يقدر على معارضتها. أو حججا وبراهين*]، والوجه أن يكون حالا مؤكدا بل مبينة؛ لأنها حين نزولها لَا تكون بينة إلا بعد تبيان الرسل لها، قال: ويجاب بأنه بينها عنه تلاوتها عليهم فهي بينة حينئذ لَا مبينة يحتمل أن تكون اسم فاعل مفعول فهو المراد أنها بينة في نفسها أو مبنية ببيان غيرها لها.
قوله تعالى: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا).
فأجيب بأنهم قالوا: أينا لتوهم أن التفضيل بين الكفرة.
ورده ابن عرفة بأن الكلام في التفضيل إنما هو من الفريقين، قال: وإنما عادتهم يجيبون بوجهين:
الأول: لو قال أينا لكان فيه لين وتأسيس لهم وتلطف في خطابهم لأجل الإقبال عليهم بالخطاب وخلطة مع التعلم في الضمير.
الثاني: أن المضمرات على الصحيح جزئية، والشخص يرى لَا يدخل تحت الجزئي، ولف الفريق كلي والكل يشتمل على الجزئي وغير فيدخل تحت الحاضر والغاية.
قوله تعالى: (خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا).
ولم يقل: أحسن مقاما وخير نديا.
قال ابن عرفة: أجاب البيانيون بأن أحسن أخص ولا يوصف بالحسن إلا الحسن.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ... (٧٤)﴾
نقل ابن عصفور في شرح مقربه عن الأعمش: أنه يجوز عنده ملكت كم فلان، ونقل أيضا ابن مالك في شرح كافيته، ونقل عن بعضهم: أنه يجوز زيد كيف.
وكان بعضهم يقول: إن كتاب سيبويه قياس الأمثلة بكونه يحمل كم الخبرية على كم الاستفهامية تشبيها في اللفظ.
فإن قلت: قوله تعالى: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيرٌ مَقَامًا) يدل على أن مقام الكافر ليس فيه خير.
قوله تعالى: (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا).
يقتضي مشاركتهم في الخير، وأنهم متصفون بمطلق الحسن، قال: والجواب: أن الأول أخروي؛ لأن الكفار ادعوا أنهم خير من المؤمنين بحسن ثباتهم وكثرة أموالهم؛ فأنكر ذلك عليهم بأن المؤمنين خير منهم في الآخرة.
قوله تعالى: (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثا وَرِئْيًا).
يعني أنهم كانت دنياهم أحسن من دنيا هؤلاء.
قال ابن عطية: [واختلف الناس في قدر المدة التي إذا اجتمعت لأمة سميت تلك الأمة قرنا، فقيل مائة سنة، وقيل ثمانون، وقيل سبعون، وقد تقدم القول في هذا غير مرة*] وقيل: غير ذلك إلى الثلاثين، قوله في سورة هود وقد تقدم أيضا في الأنعام.
ابن عرفة: والعصر فيما بينهم هم الذين أدرك أصغرهم أكبرهم، قال: فعصر الصحابة [انقضى*] بانقضاء آخرهم مدة، وكذلك عصر التابعين، كما أن عصر شهود ابن القداح [انقضى*] بموت الفقيه أبي عبد الله السكوني.
قيل لابن عرفة: نص ابن عقبة ورد على امتناع كون الشرط [مستقبلا*]، والجواب [ماضيا*]، وهو غير [**ما ذكر في الآية]، فأجاب بأن ذلك بحيث يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، وإذا لَا تجزم إلا في التصغر، فلا يقع الحضور هنا المنهي عنه.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا... (٧٥)﴾
إما أمر حقيقة، أو نهي بمعنى الخبر، والمراد يمدد له مدا حالة كونه في الصلاة، وأما بعد ذلك فيمكن.
قوله تعالى: (إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ).
هذه القضية مانعة [الخلو*] وليست مانعة الجمع؛ لأنه يخلو أحدهما عن عذاب الدنيا بالقتل أو بالأسر وبالحيرة والغم حيث قتل أصحابه وأسروا، وأما في الآخرة فيحتمل أن يقال الأمرين.
قوله تعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا).
دليل على أن المقام في قوله تعالى: (خَيرٌ مَقَامًا) اسم مكان؛ لأنه من مقابلته.
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى... (٧٦)﴾
قال ابن عرفة: [**يزيد من أفعال السنة، مثل: على زيد لَا من الأفعال المتصلة]، مثل: قام زيد؛ لأن العلو يستدعي معلوا عليه، كما أن الزيادة تقتضي مزيدا عليها، قال: فإن قلت: ظاهر الآية يقتضي جواز اجتماع الأمثال وهو باطل عندنا، فالجواب بوجوه متعددة:
أحدها: أن الزيادة هنا باعتبار القوة العلمية [لأن*] الطاعة متعددة وإن كانت كلها تقتضي الهداية.
الثاني: أنه إذا قلنا: إن العرض لَا يبقي زمانين وهو مذهب أهل السنة فتصح الزيادة؛ بمعنى أنه بعدم عرض، ويخلفه عرض آخر أكبر منه فهو زيادة في الهدى، وإنما يشكل إذا قلنا: إنه يبقى زمانين.
الوجه الثالث: أن الزيادة في الهداية بمعنى الزيادة في محلها؛ فتكون الزيادة في جوهر أيضا مضافا للجوهر الأول.
قال ابن عرفة: والعلم إنما يقوم [بمحل*] واحد لكن عندنا نحن إذا قام للعمل أوجب العلمية لذلك المحل فقط، والمعتزلة يقولون: أوجبها لجميع الذات.
قال ابن عرفة: وذكر الخلاف في العلوم، هل تتفاوت أم لَا؟ فإيمان أبي بكر هل كان كإيمان غيره أم لَا؟
قال الزمخشري: أن يزيد معطوف على (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا)؛ لأنه أمر فى معنى الخبر.
ابن عرفة: العذاب في الدنيا بالقتل والأسر يحصل لهم العلم الضروري بحقيقة ما أمرهم به الرسول ويزداد المؤمنون عند مشاهدة ذلك إيمانا أعلى منهم.
فإن قلت: إنما يعملون ذاك في الآخرة، قلنا: الجملة الشرطية يكفي في حصولها حصول أحد أجزائها فيزدادون هدى عند رؤية الكفار العذاب الدنيوي.
قوله تعالى: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ).
الزمخشري: هي أعمال الآخرة كلها، وقيل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وكذلك قال ابن عطية، ونقله حديثا.
قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ... (٧٨)﴾
[قرنت*] بالهمزة لأنها همزة الاستفهام، ودخلت على ألف الوصل لكن حذفت تلك ولم تحذف هذه لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر.
قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ... (٨٠)﴾
ابن عرفة: الميراث انتقال الشيء من ملك، فإن أريد مطلق الانتقال فهو هنا حقيقة، وإن أريد سبب مخصوص فهو في الآية مجاز، والقول تارة يراد به لفظة، كقوله: سمعت ما يقوله زيد، وتارة يراد به مدلوله، كقوله: الأمر فوق ما يريد زيد، والمراد سنكتب ما يقول لفظه في، ونرث ما يقول مدلوله، ويحمله الزمخشري على الوجهين، فقال: [(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) *]، وهو المال والولد [ونحول*] بينه وبين هذا القول في الآخرة، ويأتينا [رافضا له*] منفردا عنه غير [قائل له*]، ولاسيما قوله هذا: [ولا نلغيه، بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به*].
ابن عرفة: القول ماض؛ لقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) فلم يعبر هاهنا وفي (سنكتب ما يقول)، فالجواب: جاء بوضع المستقبل موضع الماضي إشارة إلى دوام ذلك وبقائه، وإما باعتبار أنه قال ذلك في الماضي، ولم يزل [مستديما*] عليه يعتقده ويكرره، وإما للمشاكلة باعتبار ما قبله وما بعده؛ لأن قبل الأول: (سَنَكتُبُ)، وبعده (وَنَمُدُّ)، وقبل الثاني: (وَنَرِثُه) وبعده وَيَأْتِينَا).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ... (٨٣)﴾
ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدم الكلام على كفر الكافرين وعبادة الآلهة من دون الله تعالى: مع قوله تعالى: (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) أوحى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لئلا يقع في نفسه منه حزن عليهم وتأسف [وغم لك*]؛ لأن المصنوع صنعة فاسدة إذا رأى الجاهل بها [لَا يتأثر*] لفساده، وإذا رآه العالم بالصنعة يتأثر لفساده؛ فكذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تأثره بكفر هؤلاء ليس كتأثر غيره؛ لعلمه بحقائق الأمور وعواقبها، فجاءت هذه الآية على سبيل التسلية له من الحزن الواقع بنفسه، والرؤية [علمية*]، لَا مما [يرى*]؛ أي ألم تعلم أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين [بالضلالة والهداية*]؛ أي بفعلنا وقدرتنا، فالله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ففوض أمر هذا إلى الله، ولا تحزن عليهم بوجه فقد وفيت [بما بلغت به*] إذ لو شئت لمنعناهم قهرا.
وقال ابن عطية: [أَرْسَلْنَا معناه سلطنا أو لم نحل بينهم وبينهم*] اعتزال في قوله: [نحل بينهم وبينهم*]؛ لأنه يتبع الريب أي وهو معتزلي فيقول أحيانا وينقل كلامه بعينه، فيعتزل من حيث لا يشعر.
فإن قلت: كيف يفهم هذا؛ لأن ظاهر الآية تقدم كفرهم على إرسال الشياطين عليهم؟ مع أن إرسال الشياطين في كفرهم، قلت: الجواب: فإن المراد بالكافرين الصابرين من الكفر.
كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتقِينَ)؛ أي الصابرين للتقوى، وأما بأن المراد شدة الإزعاج والتهيج بقوة، ويكون المتقدم عليهم الإرسال بوسوسة حقيقة ليس فيه إزعاج بقوة، والدليل عليه تأكيد إن بالمصدر مع أن مادته تقتضي الشدة.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾
أي [لَا تستبطئ عذابهم ولا تطلب استعجال هلاكهم*]؛ فإنما نمهلهم مدة قليلة نعدها عدا؛ لقوله تعالى: في سورة يوسف: (بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾
المراد هنا حقيقة الوفد دون خاصيته؛ لأن خاصية الوفد أنهم يقومون على [... ]. ولا يزالون.
قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾
سوقهم للعذاب بقوة، وهل المراد سوقهم للدخول إلى جهنم فخص الكفار والعصاة، [أو*] سوقهم إلى الخلد فخص الكفار، والأمر يحتمل، وهو عبارة القرآن، يذكر الطريقين، وقيلت من الواسطة.
قوله تعالى: (وِرْدًا).
أي عطاشا إهانة لهم واستخفافا [بهم*] كأنهم يردوا عطاشا، وأنشد الزمخشري عليه قول الأعرابي:
لنا ناقة... وهو البيت المشهور.
قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ... (٨٧)﴾
إما فاعل في المعنى أو مفعول؛ أي لَا يملكون أي يشفعوا أو يشفع لهم، كما يقول: إن الله يفعل الممكن لَا المحال، ويقول في الممكن أنه لَا يفعل.
قوله تعالى: (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا).
قال الزمخشري، وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل مساء وصباح عند الرحمن عهدا، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يقول عند كل مساء وصباح: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك أنني أشهد أن لَا إله إلا أنت وحدك لَا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر، وتباعدني عن الخير، وإني لَا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهدا توفنيه يوم القيامة،
إنك لَا تخلف الميعاد، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد ليدخلوا الجنة".
قال الطبراني: هذا الحديث أخرجه ابن حنبل في مسنده وفيه بعض تغيير.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾
قال ابن عرفة: اتخاذ الولد على ثلاث أنواع:
إما بالنسب [وهو*] الوطء والولادة.
وإما بانتسابه به وإضافته إليه وإلحاقه به، [... ] وإن لم يكن من صلبه.
وإما منزلة الولد وإلحاقه به في اللفظ فقط، فاقتضت الآية تقبيح الجميع، وإن كان بعضها أقبح من بعض، ويؤخذ من الآية منع وصف الله بالصفات الموهمة لفظا وإن [أتى الوصف*] سليما* لاقتضائها تقبيح من ينسب إليه الولد لفظا، قال: وهل هذا أقبح من مقالة الفلاسفة لأنهم زعموا أن الله عالم بالأشياء جملة دون تفصيل، وأنه يفعل فعلا واحدا جمليا وذلك الفعل يتولد منه الأشياء المتعددة بتفاصيلها على اختلاف أنواعها.
قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ... (٩٠)﴾
[فإن قلت*]: لم نسب التفطر للسماوات والانشقاق للأرض، والمعنى فيهما، قال: فأجيب بأن [الانفطار يقتضي تشقق*] ما هو عال على غيره وهو في مظنة وقوعه، والتشقق أعم من أن يكون من فوق أو من أسفل، قال: والانفطار والانشقاق بينهما عموم وخصوص؛ لأن [ينفطر*] مضارع انفطر [**فأمر فطر] يقتضي كون ذلك بشدة وتكلف وكذلك انفطر.
قوله تعالى: (وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا).
أفاد قوله (تَخِرُّ) دفعة واحدة وتبقى صحيحة كما يخر الحائط ويبقى صحيحا قطعة واحدة، فلما قال: هذا أفاد أنها قطعت حين خرورها وتفرقت [أفرادها*].
قال المفسرون: كاد إما بمعنى قارب أو بمعنى [أراد*].
ابن عرفة: والإفادة على مذهب الفلاسفة حقيقة؛ لأنهم يجعلون لهذه الأشياء حياة وإدراكات تدرك بها الأمور، وعلى مذهبنا نحن فجائز [... ].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾
قال ابن عطية: استدرك بعضهم بهذه على أن الولد لَا يكون عبداً.
ابن عطية: هذا انتزاع وهو انتزاع بعيد.
قيل لابن عرفة: وجه بعده أن العبودية بالنسبة إلى الله تعالى إنما هي بمعنى الخلق، والاختراع بالنسبة إلى الخلق بمعنى التملك وزيادة الخلق، وفي الثاني أعم [لاقترانها*] بملك المنافع خاصة، والتعليل بالعلة البسيطة أقوى من التعليل بالعلة المركبة.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾
فسر بوجهين:
أحدهما: (أَحْصَاهُمْ) أي جمعهم، (وَعَدَّهُم) أي عد لعادهم؛ فعلى هذا الإشكال في الآية كالجمع لَا يستلزم العدة التي في أحصاهم أي علم جملهم وعدتهم؛ أي علم آحادهم، فيرده السؤال: وهو أن العلم بالجملة يستلزم العلم بالآحاد كما هو عند البصريين، فلا فائدة في قوله (عَدَّهُم)؛ فالجواب: أنه أتى به تنبيها على مخالفة القديم المتعلق بالجملة.
قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾
مع [أن*] المؤمنين يقع بينهم محض التباغض، فالجواب: إما بأن التردد موجود منهم لا في كلهم؛ ألا ترى أن ملة إبراهيم كل أحد يحبها.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ... (٩٧)﴾
أخذ منه أنه ليس في القرآن أعجمي. ابن ريحان: إنه يؤتي فيه بالعجمي ويكون مدلوله عربي.
قوله تعالى: (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ).
يحتمل الخصوص بمعنى الإشارة إن حصل التقوى بالفعل، والنذارة لهم أجمعين، فيقال للشخص: إن كنت تقيا؛ قلت: هذا وإن خالفت عوقبت بعده؛ قلت: فتكون قضيته حقيقية.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ... (٩٨)﴾
هذا على سبيل التسلية لنبيه ﷺ [لئلا يتطاول موتهم كثيرا*] (أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ).
قوله تعالى: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ).
رد على [قولِ ابنِ مكِّي في] [تثقيف اللسان*] في قولهم: المحسوسات، [لحنٌ؛ إذ*] لَا يقال: "أحَسَّ"، وإنما يقال: ["حَسَّ"*].
قوله تعالى: (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا).
الصوت الخفي، وإن لم يسمع لهم الصوت الخفي فأحرى القوي؛ لأن الرسل لا تكلمهم إلا كلاما خفيا، وهؤلاء الرسل ليس لهم صوت خفي، فأحرى ما فوقه.
* * *
Icon