تفسير سورة سورة يس
الشعراوي
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
كذلك هنا الحق -تبارك وتعالى- يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أنت مرسل وأنا أحلف بالقرآن لأنه دليل على أنك رسول صادق.
كلمة قرآن مصدر لقرأ تقول قرأت قراءة وقرآناً، ولا بُدَّ أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، فقلنا قرآناً لنفرق بين قراءة القرآن وقراءة غيره، وهي أيضاً تدل على أنه كتاب مقروء، ومرة أخرى يسميه الكتاب لأنه مكتوب، فالقرآن إذن مقروء من الصدور، مكتوب في السطور.
ومرة أخرى يسميه الذِّكْر، لأنه يُذكِّرنا بعهد الفطرة الأولى التي قال الله فيها:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٧٢]...
والقرآن وصفه الله بالحكمة، وهي وَضْع الشيء في موضعه الحق ليؤدي مهمته، وكلُّ المعاني الدينية مأخوذة من مُحسَّات قبل الدين، فمثلاً الفَرَس يركبه الإنسان ليُوصلِّه إلى مراداته، فإنْ كان مرادك من ركوب الفرس التنزُّه بين الحقول سار بك سَيْراً بطيئاً كسَيْر الحنطور مثلاً، وإنْ أردتَ به قَطْع المسافة جرى بك كالريح. لذلك جعلوا للحصان لجاماً يُوضَع في حنكه ليكبح سرعته، ويتحكم فيه، هذا اللجام يُسمى الحَكَمَة ومنها الحِكْمَةُ التي تكبح جماح الأهواء، كي لا تشرد وتضع المسائل في موضعها، فالإنسان له هوًى يميل به، وينحرف بحركته عن الجادة، فيأتي القرآن بالحق الواضح الذي يُقوِّم هذا الميل ويُصلحه، والقرآن في الحقيقة حكيم، لأنه محكم من الحكيم الأعلى سبحانه، إذن: فالقرآن كلام من الحكيم، وهو بالنسبة للإنسان كالحَكَمة للفرس.
ولحكمة القرآن اختصّ بأشياء، فتناول القرآن لا يكون كتناول غيره من الكتب، فالكتاب العادي أتناوله في أيِّ وقت وعلى أيِّ حال كنت جُنُباً أو مُحدثاً، أما القرآن فلا يمسُّه إلا طاهر، لأنك مع القرآن تُقبل على مقدس له خصوصية، فإياك أنْ تتناوله وأنت غير طاهر، كما قال الحق سبحانه: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩].
فالحق سبحانه جعل لك هذه الضوابط النفسية لتعرف أنك مُقبِل على كتاب له تميُّز عن سائر الكتب الأخرى...
إذن: نفهم أن حكمة القرآن جاءت من هذه الخصوصية: في حروفه حكمة، وفي كلماته حكمة، وفي نَظْمه، وترتيله، وفي أسلوبه الذي لا يُبَارى ولا يُنقل إلى غيره.
لذلك الحق سبحانه يؤكد هنا كلامه بأكثر من مؤكد إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فاستخدام التأكيد بإن واللام، وقبل ذلك القسم؛ لأن الكفار منكرون لرسالته صلى الله عليه وسلم، وعلى قدْر الإنكار يكون تأكيد الكلام.
وتأمل في ذلك قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ [يس: ١٤] وكانت النتيجة الإنكار قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس: ١٥].
لذلك يؤكدون كلامهم بأكثر من مؤكد:
قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦].
وقلنا: إن هذه الآية جاءت دليلاً وبرهاناً في صورة اليمين، كأن الله يقول: الذي يقرأ القرآن لا بُدَّ أن يؤمن بأنك يا محمد مُرسَل من الله، لماذا؟ لأنهم أمة كلام وتذوُّق، وما وُجِدت أمة من الأمم حتى المعاصرة تقيم معارض للكلمة، أما العرب في جاهليتهم فقد أقاموا للكلمة أسواقاً ومعارض يتبارى فيها الخطباء والشعراء كل عام في المربد وعكاظ وذي المجنة وغيرها.
وقد بلغ اهتمامهم بالكلمة أن يعلقوا أروع قصائدهم على أستار الكعبة، وما دام العرب أمة كلام، إذن: كان عليهم أنْ يستقبلوا القرآن بهذه المَلَكة، وألاَّ يخفى عليهم إعجازه، لكنهم كذَّبوه وقالوا: سحر وقالوا: شعر وقالوا: افتراء. فلما أعيتهم الحيل ولم ينالوا من ذلك شيئاً قالوا:
لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] يعني: القرآن لا غبار عليه إلا أنه ينزل على محمد، هذه آفته عندهم؛ لأن مَلَكتهم البلاغية لا يصح أن تقف أمام القرآن أو تُكذِّبه.
لذلك كانوا حتى وهُمْ على كفرهم يحبون سماع القرآن، يتخفَّى الواحد منهم، ويذهب يتسمَّع القرآن من رسول الله ليلاً... لذلك كان الواحد منهم حينما يسمع القرآن من رسول الله ويعود إلى قومه، فيقولون: لقد رجع فلان بغير الوجه الذي ذهب به.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥]... وقوله تعالى: الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ذكر سبحانه هنا صفة العزة وصفة الرحمة؛ لأن التنزيل من أعلى منهج يقيد حركة الإنسان بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وأنت مختار تطيع أو تعصي، فالحق الذي شرع لك هذا المنهج يريد لك الخير؛ لأنه سبحانه لا يعود عليه شيء من طاعتك ولا تضره معصيتك.
إذن: أنت المقصود من هذه المسألة؛ لأن الله تعالى عزيز عن خَلْقه، ورحيم بهم، فإذا نظرتَ إلى العاصي المخالف لمنهج الله، فالله عزيز قادر على الانتقام، لا يقدر أحد أن يأخذك من قبضته تعالى، وإذا نظرتَ إلى المطيع، فالله رحيم.
وعلة الإنزال:
لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ....
والقرآن يقول مرة حَقَّ الْقَوْلُ [يس: ٧]، ومرة سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [هود: ٤٠]، ومرة وَقَعَ الْقَوْلُ [النمل: ٨٢].
وكلها تدل على أن ما سبق في علم الله من الإخبار عن مختار اختار الهدى أو الضلال مُسجَّل عنده تعالى، وهو حق كما أخبر الله به، ولو كان العبد غير مختار لَقُلْنا: إن الله قهره على ما أراد، لكنه مختار.
والحق سبحانه له طلاقة القدرة وطلاقة العلم، فلعلمه تعالى بما سيكون سجل وكتب...
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
إذن: ما كفر أحد غَصْباً عن الله، إنما كفر بما أودع الله فيه من اختيار، ولأنه سبحانه رَبٌّ وهو خالق العباد، فعليه سبحانه أنْ يُعينهم، كلاً على ما يريد، فالذي أراد الإيمان وأحبَّه أعانه على الإيمان، والذي أراد الكفر وعَشِقه أيضاً أعانه عليه وساعده.
لذلك ختم الله على قلوب الكافرين، وهنا يقول: وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني: أمامهم سَدّاً حاجزاً ومانعاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً.
هذا مانع مادي خارج عن تكوين الإنسان فَأغْشَيْنَاهُمْ يعني: جعلنا على أبصارهم غشاوة وغطاءً، فهم مصدودون عن الحق لأشياء. أولاً: في ذواتهم أغشينا أبصارهم فلا يروْنَ ولا يهتدون؛ لأنهم بذواتهم لم يذكروا عهد الفطرة الأولى التي فطر اللهُ الناس عليها.
أما الخارج عنهم، ففي المنهج الذي لم يلتفتوا إليه، لا فيما أمامهم، ولا فيما وراءهم؛ لأن هناك سَدّاً يمنعهم، فلو تذكَّروا ما ينتظرهم لارتدعوا عن غَيِّهم، ولو تأملوا ما نزل بمَنْ سبقهم من المكذِّبين، وما حاق بهم من عذاب الله لرجعوا.
لكن جعل الله من أمامهم سَدّاً، فلا يعرفون ما ينتظرهم، ومن خَلفهم سَدّاً فلا يتدبرون ما حاق بأسلافهم، ممَّن قال الله فيهم:
فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا.. [العنكبوت: ٤٠].
فإنْ قُلْتَ: الحق سبحانه جعل سَدّاً يمنعهم من الجهة الأمامية، وسَدّاً يمنعهم من الجهة الخلفية، فماذا لو ساروا على جنب إلى اليمين، أو إلى اليسار؟ قالوا: لو ساروا وتوجهوا إلى اليسار مثلاً لَصَار اليسار بالنسبة لهم أمام، واليمين صار خلفاً، فهم إذن مُحَاصرون بالموانع، بحيث لا أمل لهم في الرجوع إلى منهج الحق، وإلى الصواب.
ويصح أن يكون المعنى وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً أي: مانعاً يمنعهم من التأمل والنظر في الأدلة العقلية المنصوبة أمامهم ليؤمنوا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً يمنعهم، فلم ينتهوا إلى الفطرة الإيمانية المُودَعة فيهم.
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً [فاطر: ٤٢].
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وسبق أنْ أوضحنا أن كلام الله تعالى عن نفسه قد يأتي بصيغة الجمع كما في
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١].
وقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] وتلحظ أن الضمير هنا للتعظيم، وهكذا في كل الآيات التي تتحدث عن فعل من أفعاله تعالى، أو عن فضل من أفضاله، ذلك لأن كل فعل من أفعاله تعالى يحتاج إلى عدة صفات: يحتاج إلى علم، وإلى حكمة، وإلى قدرة.. الخ وكل هذه الصفات كامنة في (نحن) الدالة على العظمة المتكاملة في الأسماء الحسنى لله تعالى.
أما حين يتكلم سبحانه عن الذات الواحدة، فيأتي بضمير المتكلم المفرد كما في:
إِنَّنِيۤ أَنَا اللَّهُ [طه: ١٤] ولم يقُلْ مثلاً: إننا نحن الله؛ لأن إننا ونحن تدل على الجمع، والكلام هنا عن الوحدانية، فلا بُدَّ أنْ يأتي بصيغة المفرد.
لذلك يؤكد الحق سبحانه هذه الوحدانية بعدة وسائل للتوكيد في قوله سبحانه:
إِنَّنِيۤ أَنَا اللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ [طه: ١٤] فلم يَقُلْ سبحانه: فاعبدنا وأقم الصلاة لذكرنا، إنما فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ [طه: ١٤] لأن العبادة تكون لله وحده.
ثم إن عملية البعث وإحياء الموتى لله وحده لا يشاركه فيها أحد.
وقال سبحانه إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ قبل وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ مع أن الكتابة تسبق عملية الإحياء، الكتابة كانت في الدنيا، والإحياء في الآخرة، فلماذا؟ أولاً: عليك أن تلاحظ أن هذا الكلام ليس كلامك، إنما كلام الله، فلا بُدَّ أن تُعمِل عقلك لتفهم عن الله مراده؛ لأن أسلوب الحق -سبحانه وتعالى- يحمل من الكمالات ما يناسب كماله سبحانه، وكلامك أنت يحمل ما يناسب كمالك.
لذلك سبق أن قُلْنا: إن القرآن له تميُّزات عن كل الكتب، وأن تناوله غير تناول أيِّ كتاب...
إذن: ما الحكمة من تقديم إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ على وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ؟ قالوا: لأنه ما فائدة الكتابة؟ الكتابة للأعمال لحصر الحسنات لنثيب عليها، ولحصر السيئات لنعاقب عليها، فإذا لم يكُنْ هناك إحياء للموتى وحساب وجزاء، فما فائدة الكتابة؟ لذلك قدَّم الإحياء على كتابة الأعمال، كما أن الإحياء أعظم من الكتابة فناسب أنْ يتقدم عليها.
ومعنى: مَا قَدَّمُواْ أي: من الأعمال، والعمل قد يكون عملاً مثمراً مستمراً بعد موت صاحبه كالصدقة الجارية، فلو حفر إنسان بئراً مثلاً يشرب منه الناس ويموت يظلّ البئر يسقي الناس، أو ترك علماً نافعاً، هذا كله أثر من آثار العمل الذي كُتِب أولاً، وهو المراد بقوله تعالى: وَآثَارَهُمْ.
ومن آثار الإنسان ما سنَّه للناس وتركه يتبع من بعده، سواء أكان حسنة أم سيئة، فكله مكتوب مُسجَّل في كتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأحصى آثارها من بعد صاحبها، فلو كتب إنسان مثلاً وصية ظالمة حرمت صاحب الحق من حقِّه، والوارث من ميراثه تحمل كل الآثار المترتبة على هذا الظلم؛ لأنه لم يحرم الوارث المباشر فحسب، إنما حرم أيضاً ذريته التي كانت ستستفيد من هذا الميراث، لذلك يظل عليه وِزْرها إلى يوم القيامة.
كذلك مَنْ سَنَّ للناس قانوناً جائراً، فعليه وِزْر القانون الجائر الذي حكم هو به، ثم على مَنْ يحكم بهذا القانون من بعده، ومثل مسألة القطاع العام مثلاً، القطاع العام أقامه مَنْ أقامه، ثم ظلَّتْ آثاره تنهب في الناس إلى أنْ ضَجَّ منه الجميع وطالب الحكام أنفسهم بتعديله.
هذه القضية تشرح لنا حديث سيدنا رسول الله:"مَنْ سَنَّ سُنة حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة، ومَنْ سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووِزْر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة"
أرأيتم الرجل العجوز يزرع النخلة وربما لا ينتفع بثمرها، لكن ينتفع به مَنْ بعده، فهذه هي آثاره من بعده يكتبها الله له ويُحصيها لحسابه.
وقال بعض العلماء في معنى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ أي: نكتب ما قدموا من النية التي تسبق العمل، ثم نكتب العمل نفسه، وهو آثار هذه النية، فحين تعقد نية الخير في عمل ما تأخذ أجر النية، فإذا ما عملتَ العمل تأخذ أجر العمل.
وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: "مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كُتِبت له حسنة، ومَنْ هَمَّ بها فعملها كُتِبت له عَشْراً "وهذا يرشدنا إلى أهمية عقد النية قبل الشروع في العمل ليثاب عليها الإنسان، فالمؤمن لا يأتي العمل هكذا عشوائياً.
وقوله تعالى: وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ هناك فَرْق بين الكتابة والإحصاء، الكتابة أنْ تكتب الشيء، لكن لا تضم المكتوبات إلى بعضها، فتحتاج إلى مَنْ يحصيها ويعدُّها، فالحق سبحانه يسجل علينا الأعمال كتابة أولاً، ثم إحصاءً وعَدّاً، والإحصاء والعَدُّ أيضاً في كتاب مسجل فيه كل شيء فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ والإمام هو ما يُؤتَم به، والمراد هنا اللوح المحفوظ الذي تأخذ منه الملائكة مهمتها في إدارة الكون.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقولهم: مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا [يس: ١٥] يعتبرون أن بشرية الرسل قَدْح في الرسالة، لكن كيف تتحقق الرسالة إذا لم يكُنْ الرسول من البشر؟
الحق سبحانه يناقشهم هذه المسألة في موضع آخر، فيقول سبحانه:
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٤-٩٥].
هذا أول ردٍّ عليهم، فالذين يمشون على الأرض بشر ليسوا ملائكة.
وفي موضع آخر يجاري الحق الخَلْق، فيقول: وحتى لو جاء الرسول مَلَكاً لا بُدَّ أن ينزل على صورة البشر: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً [الأنعام: ٩] وإلا كيف تروْنه؟ وكيف تتلقَّوْن منه على صورته الملائكية.
إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسول من جنس المرسَل إليهم لتِصحَّ الأُسْوة فيه، وكيف تتحقق الأسوة في الرسول الملَك، وهو لا يعصي الله أصلاً، والرسول مُطالب أنْ يُبلِّغ منهج الله، وأنْ يُطبقه بنفسه، لذلك قال سبحانه:
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] يعني: يُطبق هو المنهج الذي جاء به قبل أن يُبلِّغه للناس.
وقولهم: وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ [يس: ١٥] دلّ على غبائهم في الأداء، فعجيب منهم أنْ يعترفوا لله تعالى بصفة الرحمة، وهم لا يؤمنون به، ومن مقتضيات هذه الرحمة أن يرسل إليهم رسولاً يدلُّهم على الخير ويدفعهم عن الشر، إذن: يعترفون بالحيثية التي تدينهم، ثم يزيدون على ذلك فيتهمون الرسل بالكذب: إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس: ١٥].
وعندها يؤكد الرسل رسالتهم، فيقولون: رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ فكلمة رَبُّنَا يَعْلَمُ حلّت محلّ القسم: لأنهم يُشْهِدون الله على صِدْق رسالتهم، والقسم عند العرب لإثبات قضية مختلف عليها، وما دام قال الرسل رَبُّنَا يَعْلَمُ فالأمر إما أنْ يكون صحيحاً، أو غير صحيح، فإنْ كان غير صحيح فقد كذبوا على الله...
هؤلاء الكفار في تكذيبهم للرسل يعتقدون أنهم بذلك يَغَارُونَ لله وينتقمون من الرسل الذين يكذبون عليه سبحانه، فيقولون:
قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ....
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ يعني: متجاوزون للحدِّ؛ لأن الأمر بيننا وبينكم لم يخرج عن كونه مناظرة كلامية لم نتعدَّ فيها حدود البلاغ بأننا مُرْسَلون إليكم، فكانت النتيجة أنْ قابلتم المناظرة الكلامية بهذا الفعل القاسي المسرف المتجاوز للحدِّ، حيث جمعتم علينا الرجْم والعذاب الأليم.
في هذه الأثناء، ماذا حدث؟
وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ....
ونلحظ في هذه الآية أولاً قوله سبحانه: مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ أنه لم يكن قريباً من مكان هذه المناظرة الكلامية، وأنه تحمَّل المشاق في سبيل نُصْرته للحق، وهذا دليل على قوة الطاقة الإيمانية عند هذا الرجل، ودليل أيضاً على أن الرسولين السابقين قد بلغت دعوتهما أقصى المدينة.
ثم وصفه بأنه (رَجُلٌ) ولم يَقُلْ فلان، فذكر الصفة البارزة في تكوينه أنه رجل.
وهِمَّة الرجل هي التي تحدد مقدار رجولته، فرجل يريد الحياة لنفسه فقط والكل يخدمه، يرى كل شيء لنفسه ولا يرى نفسه لأحد، هذا رجل وطنه نفسه وذاته، ورجل وطنه أهله وعياله يُعدِّي إليهم منفعته، ورجل وطنه أمته، ورجل وطنه العالم كله مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو فلسفة الرجل.
إذن: هِمَم الرجال هي التي تحدد أوطانهم ومنازلهم، وأعلى هذه المنازل رجل وطنه العالم كله؛ لأن الخَلْق كلهم عيال الله، فمَنْ يحب الخير لهم وينثر عليهم ما ينفعهم فقد استأمنه الله على رزق العباد.
ومثّلنا لبيان ذلك قلنا: هبْ أن لك أولاداً، واحداً منهم يأخذ مصروفه فينفقه على ملذاته ورغباته وفيما لا يفيد، والآخر يشتري بمصروفه حلوى ويُوزِّعها على إخوته الصغار، فأيهما تُؤثِره بعد ذلك، وأيهما تزيده؟ كذلك اليد المناولة عن الله لخَلْق الله، وكأن الله يقول له: أنت مأمون على نعمتي، مأمون على خَلْقى، ومن ذلك قول الشاعر:
وقوله يَسْعَىٰ يعني: أن مجيئه لم يكُنْ عادياً، إنما مسرعاً يجري قَالَ يٰقَوْمِ اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ وقوله يٰقَوْمِ نداء لتحنين المنادَى، كأنه يقول: يا أهلي، يا عشيرتي، يا أبنائي، فذكر ما بينه وبينهم من صلات المودة والرحمة.
وقوله اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ يدل على تأييده لهم، وهو هنا يذكر الحيثية الأولى لهذا الاتباع هي أنهم مرسلون.
وكلمة مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً لا تُقال إلا إذا كان العمل الذي قام به يحتاج إلى أجر، والرسول ما جاء إلا لينفع المرسَل إليهم، فهو منطقياً يحتاج إلى أجر، لكن مَنْ يستطيع أنْ يوفيه أجره؟ لا أحد يوفيه أجره إلا الله؛ لأن نَفْع الرسول يتعدَّى نفْع الدنيا إلى نفع الآخرة، فمَنْ من البشر يعطي الرسول ما يستحقه؟
لذلك رأينا الرسل جميعاً يقولون هذه الكلمة إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ [يونس: ٧٢] يعني: أنتم أيها القوم لا تملكون مقدار أجري، ولا تقدرون على تقييمه، إنما يعطيني أجري الذي أعمل من أجله. كل رسل الله قالوا هذه الكلمة إلا رسولين، هما: سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟
قالوا: لأن إبراهيم كانت أول دعوته لأبيه آزر، ولا يليق أنْ يطلب منه أجراً على دعوته إياه إلى الحق، كذلك سيدنا موسى أول ما دَعا دَعا فرعون الذي ربَّاه في بيته، وله فَضْل عليه، فكيف يطلب منه أجراً؟
وقوله سبحانه: وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [يس: ٢١] حيثية ثالثة لاتباعهم، فهم مُرْسَلُون من قِبَل مَنْ أرسله الله، والله لا يرسل إلا مَنْ يهدي إلى صراط مستقيم يوصل إليه سبحانه. فهؤلاء المرسلون مهتدون في أنفسهم، وبالتالي هادون لغيرهم، فهو إذن يذكر الأمر وعِلَّته، فهؤلاء الرسل لا يسألون أجراً، ولا يدعون إلى ضلال، بل إلى هدى.
ثم يلتفت هذا الرجل إلى نفسه، فيقول للقوم: أنا لا آمركم أمراً أنا عنه بنَجْوَة، ولو كنتُ سأغشُّكُم فلن أغشَّ نفسي وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [يس: ٢٢] أي: خلقني من العدم، فهو أوْلى بالعبادة، هو الذي صنعني، أوجدني من عدم، وأمدَّني من عُدم، ولا زال يُوالي عليَّ نعمه، إذن: ما يمنعني أن أعبده وهو أَوْلَى بالعبادة، ولو لم تكُنْ عبادتي له إلا لأُكافئه على نعمه دون نظر إلى ثواب، لكانتْ عبادته واجبة.
وهذا ليس كلامَ رسول، إنما كلام رجل مؤمن متطوع باشر الإيمانُ قلبه، فأراد أنْ يزكّي إيمانه، وأنْ يُعدّى هدايته إلى غيره من باب قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
الحق سبحانه خلق الخَلْق أولاً، ثم أرسل الرسل بالمنهج لهدايتهم، الرسل بدورهم بلَّغوا الأصحاب، ومَنْ بلغه شيء تحمله كما يتحمله الرسول، لذلك قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها فرُبَّ مُبلَّغ أَوْعَى من سامع".
إذن: مسئولية الدعوة يتحملها أولاً الرسل، ثم المؤمنون بهم الذين بلغتهم الدعوة، وهذا التحمُّل ليس تفضُّلاً، إنما تكليف من الله، لذلك قال سبحانه:
لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣]، فكما شهد الرسول أنه بلغكم، فواجب عليكم أنْ تشهدوا على الناس أنكم بلَّغتموهم؛ لأن المؤمنين بالرسالة امتداد للرسول.
لذلك، رأينا هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لإعلاء كلمة الحق وتأييد الرسل لم يكن رسولاً ولم يكلِّفه أحد بهذا، إنما تطوَّع به؛ لأن طاقة الإيمان عنده دفعته إلى هذا الموقف.
وقوله: وَمَا لِيَ كأنه يتعجب من أمر نفسه لو أنه لم يؤمن بالذي فطره، والتعجب من النفس أصدق ألوان التعبير، كأنه لا يماري ولا يداهن ويقول ما في نفسه، كما قال سيدنا سليمان -عليه السلام: مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ [النمل: ٢٠].
فالجواب ليس عند الغير، بل عنده هو، كأنه يقول: لا بُدَّ أن يكون الهدهد موجوداً لكني لا أراه، فالقاعدة أنه يستعمل الكل والكل موجود، فالعجب عندي أنا: ما لي لا أراه، ثم يعيد الأمر أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠] يعني: إما أنْ يكون المانع من عندي أنا، أو من عنده، كأنه يُشكِّك في الأول، ثم يُدقِّق فيجده من عنده هو.
فقوله: وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ كأن أمر الفطرة والخَلْق يقتضي أن تَعْبد الذي فَطر، والخروج عن هذا أمر يستدعي العجب.
لذلك في سورة البقرة الحق سبحانه يلقننا في مخاطبة الكافرين
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ [البقرة: ٢٨] يعني: كيف يكون ذلك منكم، إنَّ كفركم بالله الذي خلقكم ورزقكم أمر لا يجوز بالمنطق العقلي، فأخبرونا إذن الطريقة التي كفرتم بها.
والفَطْر: الخَلْق العجيب على غير مثال سابق؛ لذلك يقول سبحانه عن نفسه
بَدِيعُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ [البقرة: ١١٧] يعني: خلق السماوات والأرض ابتداءً على غير مثال سابق احتذاه في الخَلْق.
أو: أن المعنى الَّذِي فَطَرَنِي أي: على الإيمان به إيمان فطرة، إذن: فإيمانه بالله إما إيمان شكر لمن خلقه وأوجده على غير مثال سابق، أو إيمان الفطرة الأولى التي فطر الله الناسَ عليها، واستجاب هو لِمَا في ذاته من هذه الفطرة.
وحين نتأمل مهمة هذا الرجل نجد أنه أشبه بالقلب بالنسبة لباقي أعضاء الجسم، أي: من حيث تكوين مراحل الإيمان، كيف؟ الجسم عبارة عن جوارح متعددة، لكل جارحة مهمة ووظيفة، وحياة الجسم تتطلب مقومات الحياة من الطعام والشراب والهواء، فيأكل الإنسان من نتاج الأرض، ويشرب من مائها...
كذلك، كان هذا الرجل من حيث قوة إيمانه، فبعد أنْ آمن واستقر الإيمان في قلبه أراد أنْ يُعدِّي إيمانه إلى قومه، وأنْ يُشِعَّ عليهم من الهداية التي تشرَّب بها قلبه... وقوله سبحانه وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني: لا تظنوا أنكم تفلتون من الله؛ لأنكم في قبضته، وأنتم في البدء كنتم منه بإقراركم، وكذلك تكون النهاية إليه والمرجع، فإنْ لم تُقدِّروا نعمة الإيجاد فقدِّروا مغبة العَوْد.
ونلحظ في هذه الآية أن الرجل المؤمن يتكلم عن نفسه بصيغة المفرد وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ثم يعدل عن الإفراد إلى خطاب الجماعة والقوم المكذِّبين وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ولم يَقُلْ: وإليه أرجع، لماذا؟
قالوا: لأن الطاعة التي هي أصل العبادة إنما تأتي على مراحل ثلاث:
الأولى: أنْ تطيع مَنْ تجد فيه نموذجاً كمالياً يستحق أن يُطاع، ويستحق أنْ يُحمد لكماله، وإنْ لم يَعُدْ عليك منه شيء، كما تنظر مثلاً إلى قصيدة رائعة معبِّرة فتعجب بقائلها وتثني عليه، أنت لا يعود عليك شيء منها لكنك تُقدِّر الشاعر لذاته.
الثانية: أن تطيع إنساناً وتُقدِّره لمنفعة تعود عليك منه، وكثيراً ما نرى الناس يخدمون رجلاً جباناً لا يستحق أنْ يخدم، وما خدمه الناسُ إلا طمعاً فيما عنده.
والمرحلة الثالثة: أنْ تطيع شخصاً أو تحترمه لمجرد الخوف منه واتقاءَ شرِّه.
وقد حقق الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى المرحلتين الأولى والثانية في قوله وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي فأنا أعبده لأنه بكماله يستحق أن يُعبد، وأعبده لنعمه المتوالية، أما المرحلة الثالثة فجعلها لهؤلاء المكذِّبين من قومه، فقال وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
يعني: تنبهوا يا قوم: إذا لم تقدروا في الله صفات الكمال التي يُحبُّ لأجلها، ولم تقدروا في الله نعمه المتوالية عليكم، فاعلموا أن العودة إليه والمرجع والمصير بين يديه، وهو سبحانه قوي عليكم، لا يفلت من قبضته أحد.
ثم يؤكد هذا الرجل المؤمن على مسألة عباده الله وحده، فيزيد:
أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً....
وقوله سبحانه: إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ هذه العبارة فيها لفتة لطيفة ينبغي تأملها؛ لأن صفة الرحمة في الرحمن تتناقض مع الضر، فكيف جمع السياق بينهما؟
نقول: إذا فسرتَ ما يجري عليك به قَدَر الله على أنه ضُرٌّ لك فتعقَّل أنه من رحمن، فلا بد أن يكون لمجريه عليك وهو الرحمن حكمة فيما أجرى، لذلك نقول: أحمدك ربي على كُلِّ قضائك وجميع قدرك، حَمْدَ الرضا بحكمك، لليقين بحكمتك.
فكأن الحق سبحانه يقول لك: تنبه أنه ليس كل ما تراه بقوانينك أنت ضاراً لك، هو كذلك؛ لن مُجريه عليك رحمن، ففي طيَّات هذا الضر نَفْع كثير. كما يقدم الأب الحنون ولده للطبيب فيُجري له جراحة مؤلمة، أو يقطع جزءاً منه ليُصلح باقي الجسم، فهذا ضرر في الظاهر، وفي الحقيقة رحمة به...
إذن: اللمسة التي نريد الوقوف عندها في هذه الآية أن الرحمن إنْ كانت تنافي عندك فِعْل الضر، فهذا عندك أنت، إنما عند مُجريها لا تنافي، لأنها من الرحمانية.
وقوله تعالى: لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً يعني: شفاعة هذه الآلهة -إنْ كانت لهم شفاعة- لا تُجدي، لأنهم شركاء لله وأنداد لله، فكيف تُقْبل شفاعتهم عنده سبحانه؟
وشرط في الشفاعة أن يكون الشافع محبوباً عند المشفوع عنده، فهذه الآلهة على فرْض أنه كان لهم شفاعة، فهي غير مقبولة عند الله تعالى، مع أن هذه الآلهة في ذاتها معذورة حيث لا ذنبَ لها، فهي ما ادَّعَتْ أنها آلهة، إنما ادَّعى البشر ذلك.
وسبق أنْ ذكرنا أن هذه الآلهة قد تبرأت من كونها تُعبد من دون الله، وصدق الشاعر الذي صاغ هذا المعنى: فقال على لسان هذه الآلهة:
وقوله سبحانه: وَلاَ يُنقِذُونَ لأن الشافع حين تُرد شفاعته يمكن أن ينقذ المشفوع فيه من يد المشفوع عنده، أما هؤلاء الآلهة فلا تُقبل شفاعتها، ولا تستطيع أنْ تنقذ مَنْ طلب منها أنْ تشفع له.
وقد بيَّنَّا معنى الشفاعة، وأنها من الشفع يعني: إنسان له قضية، ولا يستطيع وحده بأسباب حَلَّ هذه القضية فيستعين بآخر ليساعده وينضم إليه لِيقوِّيه على حَلِّها، إذن: بعد أنْ كان مفرداً صار بالشافع شفعاً، يعني: اثنين...
إذن: هذه الآلهة -على فَرْض أن لها شفاعة- فهي شفاعة مردودة غير مقبولة، وهم أيضاً لا يستطيعون إنقاذ مَنْ يلجأ إليهم من قبضة الحق سبحانه، فهم لا يصلحون للشفاعة، ولا للإنقاذ...
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
خلق لك مقوِّمات حياتك المادية، وصان مادتك بما قدَّر لك في الأرض من أقوات ومن ضروريات وكماليات، فهل يُعقل أنْ يُعطى كل هذا للبدن ويُترك الروح بلا عطاء، وهي أهم من البدن؟
لا بُدَّ إذن أنْ يكون للروح عطاء وغذاء وقيم، بل إن القيم هي مطلوب الله من عبده؛ لأنك ستكون عابداً لله، مطيعاً لأوامره، منتهياً عن نواهيه، وهذا هو المنهج الذي كلَّفك به في افعل كذا، ولا تفعل كذا.
لذلك تجد أن عطاء المادة ومُقوِّمات حياة البدن مكفولة للجميع: للمؤمن وللكافر، للطائع وللعاصي؛ لأن الله تعالى هو الذي استدعى الكل إلى الوجود؛ لذلك تكفّل بأرزاقهم، كما تستدعي أنت مثلاً ضيفاً إلى بيتك، فتهيىء له مطعمه ومَشْربه ومُقَامه عندك، وكل الناس أخذوا هذا العطاء.
أما عطاء القِيَم والروح، فبعضهم أخذه وبعضهم تركه؛ لأن عطاء المادة سمح له بشهوة نفسه، أما القِيَم فقيَّدتْ هذه الشهوة وأمسكتها عن أشياء، نفسه تريدها، فلما صَدَّته القيم عن شهوات النفس تركها وتملَّص منها.
هذا المنهج القِيمى جاء من مُحِبٍّ لك حريص على مصلحتك...
إذن: كل مؤمن يرى مصير المكذِّبين ومصارع الكافرين في هذه القصة وفي أشباهها لا بُدَّ أن يقول هذه الكلمة يٰحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ لماذا؟ لأن من تمام الإيمان أنْ يتحسَّر المؤمن على مَنْ لم يَذُقْ طعم الفضيلة ولذة الطاعة، فهو مسكين يستحق مَنْ يشفق عليه ويتحسَّر على حاله، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل ويحب الخير للإنسانية كلها.
وقوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْاْ تعني أن من هؤلاء القوم مَنْ رأى بالفعل مصارع المكذِّبين، ومرَّ على ديارهم وهي خاوية على عروشها في أسفارهم ورحلات تجارتهم في الشتاء والصيف، ومعنى كَمْ تفيد الكثرة، وأنه أمر فوق الحصر كما تقول لمن ينكر جميلك: كم أحسنتُ إليك وكأنك تقول له: أنا أرتضى حكمك وأستأمنك أنت على الجواب، وبذلك تحوَّل الإخبار منك إلى أقرار منه هو...
وقوله: أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ يحتمل أكثر من معنى حسب عَوْد الضمير في (أنهم) وفي (إليهم) فالآية تتحدث عن قرون أُهلِكَتْ من قبل وتخاطب مكذِّبين معاصرين، فإنْ عاد ضمير الغائبين في (أنهم) إلى القرون التى أهلكت. فالمعنى: أنهم لا يرجعون، ولم نَرَ أحداً منهم رجع بعد هلاكه، وإنْ عاد الضمير على المخاطبين الموجودين. فالمعنى: أنكم أيها المخاطبون، لا ترجعون في نسبكم إلى هؤلاء الذين أهلكهم الله؛ لأن الله تعالى استأصلهم بحيث لم يُبْق منهم أحداً ولا نسلاً.
والآية في مجملها تعني أن هلاك الكافرين والمكذبين ليس بدعاً: بل هو سنة مُتَّبعة على مَرِّ الزمان...
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فكأن الحق سبحانه يريد أنْ يخلعك من الفتنة بالأسباب، ويلفتك إلى المسبِّب الأعلى الأول؛ لذلك أمرنا حين يعزُّ الماء ولا تسعفنا الأسباب أن نلجأ إلى المسبِّب سبحانه بصلاة الاستسقاء؛ لأن المسبِّب سبحانه هو المرجع النهائي لهذه المسألة...
وقوله سبحانه وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ استدراك يراعي دور الإنسان وعمله... فكأن الحق سبحانه يُقدِّر لك دورك، ويعطيك حقك، ويذكر لك عملك مهما كان يسيراً.
وهذه المسألة جاءت بوضوح في قوله سبحانه:
أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣-٦٤] فربُّك عز وجل يُقدِّر عملك في حرث الأرض وإعدادها للزراعة، وهذا دورك فيها، أما مسألة الإنبات فهي لله وحده، لا دخْلَ لك فيها...
وقوله سبحانه: أَفَلاَ يَشْكُرُونَ جاء بعد ذكر هذه النِّعَم السابقة، والتي تستوجب شكر الله عليها، لكن لم يَأْتِ هُنا أمر بالشكر ولم يَأتِ بأسلوب خبري، إنما جاء هكذا أَفَلاَ يَشْكُرُونَ بصيغة الاستفهام، وكأن الله تعالى يقول لنا: أجيبوا أنتم، فقد استأمنتُكم على الجواب، وقد علم سبحانه أن الجواب لا يمكن أنْ يكون إلا الإقرار بالشكر على النعمة.
لذلك تجد أن هذه الكلمة: سُبْحَانَ لا تُقَال ولم تُقَل من قبل إلا لله تعالى، مع كثرة الجبابرة في الأرض، ومع وجود مَنِ ادعى الألوهية، ومَن قال: أنا ربكم الأعلى ومع ذلك لم تُقَلْ إلا لله؛ لذلك نقول في ذكر الله: سبحانك ولا تُقال إلا لك، لماذا؟ لأنها تعني التنزيه المطلق، وهو لا يكون إلا لله.
وكلمة (سبحان) مصدر يعني: لله سبحان أي تنزيه قبل أن يوجد مَنْ ينزهه، فهو مُنزَّه في ذاته قبل أنْ يوجد مَنْ يقول سبحان الله، كما أنه تعالى خالق قبل أنْ يخلق، ورازق قبل أنْ يرزق أحداً، فالصفة موجودة فيه سبحانه قبل أنْ يُوجد لها متعلق، كما تقول: فلان شاعر، أهو شاعر لأنه قال قصيدة رائعة، أم هو شاعر قبل أنْ يقولها؟ نعم هو شاعر قبل أن يقول القصيدة، ولولا موهبة الشعر عنده ما قالها.
إذن: فصفات الكمال كلها موجودة لله تعالى قبل أنْ يوجد لها متعلق؛ لأن هذه الصفات هي التي أوجدتْ متعلقها...
والتنزيه المطلق للحق سبحانه له مقامات ثلاثة:
الأول: أنْ تُنزِّه ذاته سبحانه عن كل الذوات.
الثاني: أنْ تُنزه صفاته سبحانه عن كل الصفات، فأنت تُوصف بالغِنى، لكن غناك ليس كغِنَى الحق سبحانه، أنت موجود والله موجود، فهل وجودك كوجوده سبحانه؟.. الخ.
ثم الثالث: أنْ تنزه فعله سبحانه أنْ يشبه الأفعال، فإذا قيل: الله فعل كذا. إياك أن تقيس فعْله تعالى بفعلك؛ لذلك قلنا في سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] قِسْها على قوة الفاعل سبحانه، لا على قوتك أنت.
الحق سبحانه حينما يأتي بشيء يعلمه المخاطبون الأولون لا يغلق خزائن فضله، إنما يترك لنا رصيداً احتياطياً لكل ما يجد بعد ذلك نتيجة التطور والتزاوج في قوله سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ، فقوله تعالى: وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ.
فهو غير معلوم للمخاطبين أولاً، لكن سيُعلم فيما بعد، وأبرز آيات القرآن التي أشارت إلى هذه المسألة قوله سبحانه:
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٨].
فجاء قوله تعالى: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٨] رصيداً احتياطياً لما استجدَّ بعد ذلك من وسائل النقل والمواصلات، كالسيارات والطائرات والصواريخ.. الخ.
فإنْ قلتَ: فلماذا جاءت هذه الأشياء المتسجدَّة على سبيل الإجمال؟ نقول: لأن العقل لم يكُن مستعداً لأنْ يقبلها ساعة الخطاب، وهو لم يَرَ شيئاً من هذا، لكن حين يوجد الشيء يراه صراحة، فقال سبحانه على سبيل الإجمال.
وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٨] لأن كل يوم سيأتي لنا بجديد وبعجائب لم نَرَها من قبل، وآخر ما شاهدناهُ من ذلك الصواريخ، ومَنْ يدريك لعلنا نرى عن قريب ما هو أعجب منها، وعندها سنُدخِل كل هذه الأشياء تحت وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٨]...
والحق سبحانه وتعالى في قوله سُبْحَانَ الَّذِي خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ إنما يُطمئننا على امتداد النعمة وامتداد المنعَم عليه، فبالتزاوج يبقى النوع ويتكاثر، والزوجية موجودة في كل شيء...
والزوجية موجودة في كل شيء في الوجود، كما قال سبحانه في آية أخرى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات: ٤٩].
وإذا نظرتَ إلى هذا الوجود كله بعين العلم الفاحصة المجرِّبة المدقِّقة لوجدتَ كل شيء في الوجود زوجين لاستدامة الصنف...
وذكر الحق سبحانه الزوجية في مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ولم يذكر الحيوان، لماذا؟ لأنه سبحانه ذكر الأعلى، وهو الإنسان الحيوان الناطق، فالآخر مِثْله وتابعٌ له.
ومعنى وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ أن في الكون أشياء كثيرة لا نعلم وجه الزوجية فيها، وقد نعلمها مستقبلاً مع تَقدُّم العلوم التجريبية، كما حدث مثلاً في الكهرباء، وعرفنا أنها سالب وموجب، ولا نستفيد بالكهرباء إلا إذا التقى السالب بالموجب، أما إنِ التقى سالبٌ بسالب أو موجبٌ بموجب، فالنتيجة تكون عكسية، والسالب والمُوجب هنا نوع من أنواع الزوجية، كذلك الحال في الذرَّة وغيرها مما اكتشفه العلم الحديث.
إذن: فكلمة وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ لها مدلولات وقعتْ، أخبر الله عنها قبل أنْ نكتشفها لنعلم أن الغيب الذي يخبرنا الله به يأتي كمقدمة لغيب آخر سنعرفه في المستقبل، وكأن الحق سبحانه يلفت أنظارنا: كما صدَّق الواقع ما أخبرتُ به من الغيب، فصدِّقوا ما أخبرتُكم به من غيب الآخرة.
وقوله سبحانه: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ السلخ كَشْط الجلد عن الشاة، فما العلاقة بين هذه المسألة وضوء الليل والنهار؟ قالوا: الأصل في الشيء الظلمة، ولا تظهر الظلمة إلا بمنير طارئ، فالليل ظلمة، ثم يأتي ضوء النهار فيستر هذه الظلمة، فكأن النهار حينما يأتي يستر الظلمة كما يستر جلد الشاة لحمها، فإذا ما أراد الحق سبحانه أنْ يأتي الظلام يخلع الضوء، كما نسلخ جلد الشاة عن لحمها.
إذن: فالليل يأتي على طبيعته لأنه الأصل؛ لذلك قال سبحانه: وَآيَةٌ لَّهُمُ الَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ فالظلام عدم نور، أما النور فإيجاد، ويحتاج إلى آلة جديدة، فلو ترك الليل لحاله لظلَّ مظلماً، ولولا آلة الضوء لظلَّ ليلاً، إذن: للضوء آلة. أما الظلام فليس له آلة حينما تعمل يأتي الظلام، أو قُلْ الظلام أمره عدمي، أما الضوء فأمره وجودي، فإذا قيل: نسلخ منه النهار فقد شبه الضوء الذي يغطي الظلام بالجلد الذي يغطي لحم الشاة.
والمعنى: نذهب بهذا الغلاف الضوئي الذي يستر الليل، فيحلّ الظلام أي: يظهر على طبيعته ومن تلقاء نفسه؛ لذلك جاء الأداء القرآني بإذا الدالة على المفاجأة فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ فكأن المسألة تلقائية لا تحتاج إلى ترتيب.
فمعنى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا أي: الشمس بمجموعتها، وما يدور حولها من كواكب تجري إلى نجم يسميه علماء الفلك (الفيجا) والعرب تسميه (النسر) الواقع... ومعنى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا المستقر إما أن يكون نهاية العام، ثم تبدأ عاماً جديداً، وتشرق من أول مطلع لها، أو أن المستقر آخر عمرها ونهايتها حيث تنفض وتُكوَّر وتنتهي.
لكن، ما الذي يحرك هذه المجموعة الشمسية؟ وكيف تجري بهذه السرعة؟ ونحن نعلم أن الحركة تحتاج إلى طاقة تمدها، فما الطاقة التي تحرك هذه المجموعة بهذه الصورة وهذا الاستمرار؟ قالوا: إنها تجري، لأن الله خلقها على هيئة الحركة والجريان، لذلك تجري لا يُوقفِها شيء، وستظل جارية إلى أن يشاء الله، فلا يلزمها إذن طاقة تحركها، ومثال ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر: ٤١].
وفي علم الحركة قانون اسمه قانون العطالة، وهو أن كل متحرك يظل على حركته، إلى أنْ تُوقفه، وكل ساكن يظلُّ على سكونه إلى أنْ تُحركه، وهذا القانون فسَّر لنا حركة الأقمار الصناعية ومراكب الفضاء التي تظل متحركة لفترات طويلة.
ونتساءل: ما الفترة التي تحركها طوال هذه المدة؟ إنها تتحرك؛ لأنها وضعت في مجالها على هيئة الحركة فتظل متحركة لا يُوقِفها شيء لأنها فوق مجال الجاذبية. إذن: كل الذي احتاجته هذه الآلات من الطاقة هي طاقة الصاروخ الذي يحملها، إلى أنْ يعبر بها مجال الجاذبية الأرضية، أما هي فتظل دائرة بلا طاقة وبلا وقود.
ثم يُذكِّرنا الحق سبحانه بفضله في هذه الحركة، فيقول ذَلِكَ أي: ما سبق من حركة الليل والنهار وجريان الشمس تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ يعني: كل هذا الجريان وكل هذه الحركة إنما هما بتقدير الله، وكلمة الْعَزِيزِ هنا مناسبة تماماً، فالمعنى أنه تعالى العزيز الذي لا تغلبه القوانين؛ لأنه سبحانه خالق القوانين.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقوله سبحانه: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يسبحون من السبح، وهو قَطْع المسافة على ماء لين، فهي حركة فيها انسيابية، ليست على أرض تدبّ عليها الأقدام، وهذا مثال لحركة الأفلاك، وهذه الحركة السبحية يكون كل جزء منها مُوزَّعاً على جزء من الزمن.
وهذه الحركة ليس لدينا المقاييس التي ندركها بها، إنما نعرفها من جملة الزمن مع جملة الحركة، فمثلاً لو وُلد لك مولود وجلستَ ترقبه وتلاحظ نموه، فإنك لا تلاحظ هذا النمو، ولا يكبر الولد في عين أبيه أبداً، لماذا؟
لأن نموه لا يأتي قفزةً واحدة يمكن ملاحظتها، إنما يُوزَّع النمو على الزمن، لكن إذا غِبْتَ عن ولدك عدة شهور أو سنوات فإنك تلاحظ نموه حين تعود وتراه؛ لأنك تلاحظ مجموع النمو طوال فترة غيابك عنه.
فمعنى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يعني: يسيرون سيراً انسيابياً متتابعاً يُوزَّع على الزمن.
ومعنى الْفُلْكِ السفن الْمَشْحُونِ المملوء. والمراد: سفينة سيدنا نوح -عليه السلام- وقد أوحى الله إليه أنْ يصنع السفينة، ودلَّه على كيفية صناعتها، كما قال سبحانه:
فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.. [المؤمنون: ٢٧].
فالسفن في حَدِّ ذاتها من آيات الله، ولو لم يُوحِ الله إلى نوح أن يصنع السفينة، كيف كنا ننتقل في الماء، وهو ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فهذه آية أجراها الله تعالى على يد سيدنا نوح، ليعلم الناسُ جميعاً صناعة السفن، ثم للعقول بعد ذلك أنْ تُطوِّرها وترقى بصناعتها، كما نرى الآن السفن العملاقة على أحدث ما يكون، حيث استبدلَ الإنسانُ قِلْع المركب بآلات البخار والكهرباء، وحَلِّ الحديد والمعادن محلَّ الخشب والمسامير.. الخ.
ومع هذا التطور، وبعد الاستغناء عن قوة الريح في تسيير السفن تظلّ السفن تسير بسم الله وبقدرته حتى إن استخدمت البخار أو الكهرباء؛ لأن الريح لا يعني الهواء الذي يُسيِّر السفن فحسب، إنما الريح تعني القوة أيّاً كانت؛ لذلك يقول سبحانه:
وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.. [الأنفال: ٤٦].
ويقول سبحانه: إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ.. [الشورى: ٣٣].
ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ والآية تتحدث عن العرب الذين نزل القرآن مُخاطباً لهم، والذين حُمِلوا في السفينة هم آباؤهم لا ذريتهم، فكيف ذلك؟
قال القرآن: حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ والمراد: آباؤهم؛ لأن الذرية تُطلق أيضاً على الأب؛ لأن الذراري منه، أو لأن الآباء الذين نجوا في السفينة هم الأصل الأصيل للموجودين الذين يخاطبهم القرآن، وكانوا هم مطمورين في آبائهم.
لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن كل واحد منا إلى أنْ تقوم الساعة فيه جزىء حَيٌّ من أبيه آدم لم يطرأ عليه الموت، ولو تتبعتَ الآباء وسلسلْتَ هذه السلسلة لقُلْتَ إنني من ميكروب حيٍّ جاء من أبي، وأبي من ميكروب حَيٍّ جاء من أبيه، وهكذا إلى آدم عليه السلام، ولو كان هذا الميكروب ميتاً ما جئت.
إذن: ففي كل مِنَّا ذرة تكوينية من أبيه آدم لم يطرأ عليها تغيير، وهذه الذرة هي التى تحمل الفطرة الإيمانية في كل إنسان.
ووصف الحق سبحانه الفُلْكَ بأنه مشحون. يعني: مملوء؛ لأن سيدنا نوحاً لم يأخذ فيها المؤمنين ليُنجيهم من الغرق فحسب، إنما ليُوفِّر لهم سُبُل العيش بعد النجاة، وإلا فكيف يعيش الناسُ على أرض لا يوجد فيها غيرهم، لا نبات ولا حيوان ولا طيور؟
لذلك قال سبحانه مخاطباً نبيه نوحاً: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.. [هود: ٤٠].
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
والحق سبحانه في هذه الآية يقول لعباده المؤمنين: يا عبادي، يا مَنْ آمنتم بي، وصدَّقتم رسلي، لكني أحب ألاَّ تدخروا وُسْعاً لتنقذوا خَلْقي من غضبي عليهم، حين يُصِرُّون على الكفر ويقيمون عليه.
وهذا نوع من الرجاء في المؤمنين أنْ يأخذوا بيد الكفار، وأن ينقذوهم من دواعي غضب الله عليهم، وهذا المعنى داخل تحت قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
ومعنى مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أي: ما هو أمامكم، وما ينتظركم من البعث والحشر والسؤال والحساب، ثم النار وَمَا خَلْفَكُمْ [يس: ٤٥] يعني: ما سبقكم من العبر بالمكذِّبين قبلكم، وكيف كانت عاقبتهم ونهاية كفرهم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ رجاء أنْ يرحمكم الله.
إذن: فينبغي أن يكون في بال المؤمن أنْ يمهد السبيل لرحمة الكافر، وأنْ يحاول وُسْعه أن ينقذه، وأنْ يعطف عليه، لا أنْ يسلك معه مسلَك اللدد والخصومة التي لا تجدي.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ يعني: لسنا بخلاء بل نحب أنْ ننفق، وأن ننفذ مرادات الله في خَلْقه، والله يريد أن يمنع الرزق عن هؤلاء، فكيف نرزقهم نحن، إننا لو أنفقنا عليهم لكنا معاندين مخالفين لمراد الله، ولو شاء الله لأطعمهم.
ولم يقفوا بعنادهم عند هذا الحدِّ، إنما يتمادَوْنَ فيتهمون المؤمنين بالضلال المبين إِنْ أَنتُمْ يعني: ما أنتم إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ سبحان الله، لماذا؟ لأنكم تعارضون مراد الله، وتُطعمون مَنْ حرمه الله وتجيرون عليه.
نعم، الحق سبحانه رب الجميع، ويرزق الجميع، ويطعمنا ويسقينا، لكنه سبحانه يريد أنْ يشهد عطف عباده على عباده لتسير حركتهم في الحياة بلا غِلٍّ، وبلا حقد، فالفقير حين ينال من خير الغنيِّ لا يحقد عليه ولا يحسده، بل يتمنى دوام النعمة عنده، ثم إن الغِنَى والفقر عَرَض ينتقل ويزول، والواقع يشهد بذلك.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
والمعنى: يا ويلنا احضر، فهذا أوانك، لأن الأمر فوق ما نحتمل، ولا نستطيع دفعه، والإنسان حين يُفاجأ بفساد رأيه يعود على نفسه باللوم، بل قد يضربها ويعذبها.
وعجيب منهم أنْ يقولوا الآن مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا فيعترفون بأن الموت كان مجرد مَرْقَد، والمرقد لا بُدَّ بعده من يقظة. عندها يردُّ عليهم: هَذَا أي: ما تروْنَه من أمور القيامة مَا وَعَدَ الرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ويجوز أنْ يكون اسم الإشارة هَذَا إشارة إلى مَّرْقَدِنَا في مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا.
الحق -سبحانه وتعالى- أخبر أنه جامعُ الناس ليوم لا ريب فيه، وأن مَنْ أفلت من عقوبات الدنيا وعذاب الحياة التي يعيشون فيها، فإن الله مُدَّخِر له عذاباً من نوع أشد؛ لأن الذين قاموا بالدعوة إلى الله أول الأمر واضطهِدوا وأُوذوا، منهم من مات في الاضطهاد قبل أنْ يرى انتصار الإسلام وغلبة المسلمين، وقبل أنْ يرى انتقامَ الله من أعدائه، فإذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ أن يُرِي الله هؤلاء المؤمنين عاقبةَ الكافرين وما نزل بهم من العذاب.
والوعد هنا رغم أنه إنذار بالشرِّ الذي ينتظرهم، إلا أنه في حقهم يُسمَّى وَعْداً لا وعيداً، لماذا؟ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه نعمة كبرى، كما في قوله تعالى في سورة الرحمن:
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٥-٣٦].
فجعل النار والشُّواظ من آلاء الله؛ لأنه يُخوِّفهم بها، ويحذرهم منها، ولم يفاجئهم بها وهم أصحاء، ويسمعون ويبصرون، ويقدرون على الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فهم في وقت المهلة والتدارك.
وكما تُحذِّر ولدك من الرسوب إنْ هو أهمل دروسه وتتوعده، إذن: فالوعيد هنا عَيْن النعمة؛ لذلك سُمِّي وعداً لا وعيداً.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ومعنى اليَوْمَ أي: يوم القيامة فِي شُغُلٍ أي: نعيم يشغلهم عن أيِّ شيء آخر أو: في شُغُل عن معارفهم وأقاربهم الذين دخلوا النار والعياذ بالله، كما قال سبحانه:
وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً [لقمان: ٣٣] فهم في نعيم يشغلهم عن كل هؤلاء، فكأنهم لا يعرفونهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ أي: ما يدعون به وما يخطر ببالهم، فيجدوه بين أيديهم، وقال بعضهم (مَا يدَّعُون) يعني: لا يدخر الله لهم دعوة؛ لأنه سبحانه يعطيهم قبل أن يدعوا.
إذن: فالأمن والسلام هما الغاية من منهج الله، وهما تمام النعمة، وإلا فلو نعِم الإنسانُ بكل ألوان النعيم وفقد نعمة الأمن والسلام لنغَّصَتْ عليه كل النعم، وما هنئ بعيش ولا تمتُّع بلذة؛ لذلك امتن الله تعالى على قريش فقال: الَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٤].
السلام يكون منك حين تُقبل على آخر فتقول: السلام عليكم يعني: أنا مقبل عليك بسلام، فيردُّ عليك: وعليكم السلام، والمعنى: لا أنت تؤذينا، ولا نحن نؤذيك، وكُلٌّ يعطَى من السلام على قدر إمكاناته، فإذا كان السلام من الله، فهو السلام المطلق، السلام الذي يحميك من كل جوانبك، فلا ينفذ إليك شيء يضرُّك.
ومعنى: سَلاَمٌ قَوْلاً يعني: الله تعالى هو قائله ليس مناولةً عن طريق الملائكة مثلاً، فيقول لهم: سلِّموا على فلان، فالمعنى: سلام حالة كونه قَوْلاً من رب رحيم، وليس بلاغاً عن الله من أحد، واختار هنا لفظ الربوبية التي تقتضي أن المربِّي يحب المربَّى، فما بالك إذا وصفتَ الربوبية بالرحمة مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فالحق سبحانه لم يأخذكم على غِرَّة، إنما نبَّهكم وبيَّن لكم مداخل الشيطان وحبائله وحِيلَه...
لكن الحق سبحانه لم يُعلل عبادته سبحانه بالمحبة، إنما اعبدوني لأني أدعوكم إلى الصراط المستقيم النافع لكم المنظِّم لحياتكم، اعبدوني لهذا، أما مسألة المحبة فهي موجودة وأنا أحبكم، فسواء كنتُ أحبك أو لا أحبك كان ينبغي عليك اتباع هذا الصراط المستقيم؛ لأنك المستفيد منه.
ومعنى وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ يعني: لستم أول مَنْ أضلَّه إبليس، فقد أضلَّ قبلكم قوماً كثيرين كانوا أقوى منكم، ولعب بهم حتى جعل منهم أداة للضلال، فلم يقف عند حَدِّ ضلالهم هم، إنما ضَلُّوا وأضلُّوا، حتى صاروا جُنْداً من جُنْده كما قلنا...
ثم يُؤنِّب الحق سبحانه هؤلاء العاصين: أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ يعني: أين كانت عقولكم حين انسقتُمْ وراءه، بعد أن حذرناكم منه وبيَّنا لكم مداخله، وحين يردُّك خالقك إلى العقل، ويأمرك بإعماله فاعلم أن نتيجة إعمال العقل موافقة لمراده سبحانه منك، فإنْ أعملتَ عقلك في كَوْن الله وآياته، لا بد أنْ تصل إلى نتيجة مرادة لله تعالى، كذلك أنت لا تأمر مخاطبك بأنْ يُعمل عقله في شيء، إلا إذا كنتَ واثقاً أنَّ نتيجة هذا العمل في صالحك، ووِفْق هواك، ولو كنتَ تعرف أن النتيجة على خلاف ما تريد ما أعطيتَه الفرصة لإعمال عقله.
ومثَّلْنَا لذلك بالبائع الذي يبيع سلعة جيدة، فإنه يدعوك إلى فحصها وتأمُّلها والتأكد من جودتها... أما الغَاشُّ فيحاول إقناعك بكلام نظري معظمه كذب وتدليس، ويحاول أنْ يصرف ذهنك وفكرك في الشيء، لأن النتيجة لن تكون في صالحه.
كذلك الحق -سبحانه وتعالى- يقول: أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ يعنى: لو عقلتم لَتوصلْتُم إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم.
وقُلْنا: سَمَّى ذلك وعداً؛ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه يُعَدُّ خيراً؛ لأنك تستطيع تدارك الأمر، وتصحيح الخطأ.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
كذلك ضَرْب المثل هو إيجاد شيء يُوقع على شيء، ليبين لك الأثر الحاسم الفعَّال، فحين تشكّ مثلاً في شيء يُوضِّحه لك بمثَلٍ لا تشك فيه، فيُقرِّبه إلى ذهنك، ومن ذلك قوله تعالى لما أراد أنْ يُوضِّح لنا بطلان الشرك، والفرق بينه وبين التوحيد، قال سبحانه:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٩].
نعم، لا يستوي عبد يتنازعه عدة أسياد، وعبد مِلْك لسيد واحد، كذلك لا يستوي التوحيد والشرك.
فقوله تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً أي: أبيّ بن خلف، والمثل الذي ضربه أنْ أخذ عَظْماً قد بَلِي، وراح يُفتِّته أمام رسول الله وهو يقول: أتزعم يا محمد أن ربك سيحيي هذا، بعد أن صار إلى ما ترى؟ وإنْ كانت الآيات نزلت في أُبيٍّ، إلا أنها لا تقتصر عليه، إنما تشمل كل مُكذِّب بالبعث، مُنكر لهذه القضية.
ومعنى وَنَسِيَ خَلْقَهُ يعني: لو تذكَّر خَلْقه هو، وتأمل في ذات نفسه وجد الدليل على ما يُكذِّب به؛ لأن الله خلقك من العدم، فصار لك وجود، فإذا مِتَّ بقيتْ منك هذه البقايا التي تُفتِّتها منثورة في الأرض، ومعلوم بحسب ما تفهمه العقول أن الإيجاد من موجود أهون من الإيجاد من العدم
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].
الحق سبحانه في هذه الآية يخاطبنا على قَدْر عقولنا ووَفق منطقنا، وإلاَّ فلا يُقال في حقه تعالى هَيِّن وأهون، ولا سهل وأسهل، هذا يُقال في حق البشر فحسب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فإنْ قُلْتَ: عَلِّلْ لنا أن خَلْق السماوات والأرض مع أنها لا تحس ولا تتكلم ولا تعلم.. الخ. أكبر من خَلْق الناس، نقول: نعم خَلْق السماوات والأرض أكبر من خَلْق الناس؛ لأنها منذ خلقها الله على حالها لم تتغير، وستظل إلى قيام الساعة، أما أنت أيها الإنسان فتموت، تموت وأنت طفل، بل وأنت جنين في بطن أمك، تموت وأنت شاب وأنت شيخ هَرِم، وقصارى ما يمكن أن تصل إليه لو عُمرت في الدنيا مائة عام أو يزيد عليها بضعة أعوام، فأين عمرك من عمر الشمس، أو القمر أو الأرض؟ وهَل رأيت خادماً أطول عمراً من مخدومه؟
إننا نتوارد على هذا الكون أفراداً وأمماً ودولاً، تذهب جميعها وتَفْنى وتبقى السماء والأرض كما هي شامخة عظيمة، لا يطرأ عليها تغيير، ولا تخرج عن قانون التسخير في شيء أبداً، ومنذ أن خلق الله هذا الكون ما رأينا كوكباً خرج عن فلكه، ولا تخلَّف عن موعده، أو امتنع عن أداء مهمته.
هذا حال الجمادات في السماوات والأرض، فما حالكم أنتم أيها العقلاء؟ لو تحدَّثنا في المادة فهي تبقى وأنتم تموتون، وفي المعاني والقيم تتساند هذه الجمادات، وأنتم تتعاندون وتختلفون وتتصارعون، فأيُّكم إذن أحسن خَلْقاً وأكبر؟
لذلك يجيب الحق سبحانه على هذا الاستفهام المنفي: أَوَلَـيْسَ الَذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم...
فيقول (بَلَى) أي: نعم قادر وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ وخلاَّق صيغة مبالغة من خالق، ليؤكد هذه القضية لكل مكذِّب بها، وهو سبحانه الْعَلِيمُ أي: بمَنْ خلق.
وسبق أنْ أوضحنا هذه العملية بمثال، ولله المثل الأعلى، قلنا: كيف تنكر أيها الإنسان قدرة الله، وقد أفاض عليك بمثلها في ذات نفسك، فأنت مثلاً حينما تريد أنْ تقوم من مجلسك، ماذا تفعل؟ هل أمرتَ العضلات أنْ تتحرك، بل هل تعرف أصلاً ما هي العضلات التي تقيمك، وما الأعصاب التي تتحكم في هذه العملية؟
إنك تقوم بمجرد إرادتك للقيام وليس لك دَخْل فيها، بدليل أن الطفل الصغير الذي لا يعرف عن تكوين جسمه شيئاً يقوم إذا أراد القيام، فإذا كنتَ أنت أيها الإنسان تنفعل لك الأشياء دون أنْ تقولَ لها انفعلي، فهل يليق بك أنْ تُكذِّب بهذا في حق ربك وخالقك؟
فإنْ قُلْتَ: فلماذا لا آمر أعضائي وأقول لها: اعملي كذا وكذا؟ نقول: الحق سبحانه يقول للشيء كُنْ لأنه سبحانه يعلم أن الأشياء ستأتمر بأمره، ولن تخرج عن مراده، إنما هل أنت واثق أنها ستأتمر بأمرك إنْ أمرتها؟ إنك لا تثق بهذه المسألة بدليل أن الله تعالى حين يسلب الإنسان هذه القدرة تخرج أعضاؤه عن طاعته، فيريد أنْ يقوم فلا يستطيع، تشل الأعضاء فلا تتحرك.
إذن، نقول: إذا كان المخلوق مجرد إرادته تسيطر على جوارحه، فهل نستبعد أن تكون إرادة الخالق الأعلى تسيطر على هذا الكون المخلوق له سبحانه؟
وكلمة (كُنْ) يقولها الله ليقرِّب لنا فَهْم المسألة، ويقولها لأن الأشياء لا تتخلف أبداً عن طاعته والانفعال لأمره، إنما أنت إنْ قُلْتها فلن يسمعك أحد؛ لذلك قال سبحانه موضحاً استجابة الأرض لأمره سبحانه:
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] أي: حَقَّ لها أنْ تسمع، وأنْ تطيع.
ومعنى أَن يَقُولَ لَهُ أي: للشيء الذي لم يُوجد بَعْد، فكيف أذن يخاطبه وهو ما يزال غَيْباً، قالوا: الخالق سبحان خلق كل الأشياء أزلاً في عالم اسمه "عالم المثال"، فالأشياء موجودة بالفعل، لكن تنتظر الأمر بالظهور والخروج إلى عالم الوجود؛ لذلك قال أحد العارفين: أمور يُبديها ولا يبتديها.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
58 مقطع من التفسير