تفسير سورة سورة الأنعام

الأخفش

معاني القرآن

الأخفش (ت 215 هـ)

[ قال تعالى ] أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ ( ٦ ) ثم قال مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ( ٦ ) كأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطبه معهم كما قال حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم فجاء بلفظ الغائب وهو يخاطب لأنه هو المخاطب.
وقال : كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ( ١٢ ) فنصب لام لَيَجْمَعَنَّكُمْ لأن معنى " كَتَبَ " كأنه قال " و اللهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ " ثم أبدل فقال الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ ( ١٢ ) أي : لَيَجْمَعَنَّ الذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم.
[ وقال ] أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ( ١٤ ) على النعت. وقال بعضهم فاطرُ بالرفع على الابتداء أيْ : هُوَ فاطرُ.
وقال بعضهم وهو يُطْعِمُ ولا يَطْعَم ( ١٤ ) وقال بعضهم ولا يُطْعَمُ و يَطْعَمُ هو الوجه، لأَنَّكَ إنَّما تقول :" هُوَ يُطْعَمُ " لمن يَطْعَمُ فتخبر أنَّهُ لا يأكل شيئا. وإنّما تقرأ يُطْعَمُ لاجتماع الناس عليها.
وقال إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ ( ١٤ ) أي : وقيل لي :" لاَ تَكُونَنَّ ". وصارت أُمِرْتُ بَدَلاً من ذلك لأنه حين قال أُمِرْتُ قد أخبر أنَّهُ قد قيل له.
وقال ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا ( ٢٣ ) على الصفة. وقال بعضهم رَبَّنا على " يا ربنا [ ١٠٨ ء ]. وأمَّا و اللهِ فجره على القسم، ولو لم تكن فيه الواو نصبت فقلت " اللهَ رَبَّنا ". ومنهم من يجر بغير واو لكثرة استعمال هذا الاسم وهذا في القياس رديء. وقد جاء مثله شاذا قولهم :[ من الرجز وهو الشاهد التاسع والثمانون بعد المائة ] :
* وَبَلَدٍ عامِيَّةٍ أَعْماؤُهُ *
[ و ] إِنَّما هُوَ : رُبَّ بَلَدٍ وقال :[ من الوافر وهو الشاهد التسعون بعد المائة ]
نَهَيْتُكَ عَنْ طِلابِكَ أُمَّ عَمْرٍو بِعاقِبَةٍ وَأَنْت إِذٍ صَحِيحُ
يقول :" حِينَئِدٍ " فألقى " حينَ " وأَضمْرها. وصارت الواو عوضا من " رُبَّ " في " وَبَلَدٍ ". وقد يضعون " بَلْ " في هذا الموضع. قال الشاعر :[ من الرجز وهو الشاهد الحادي والتسعون بعد المائة ] :
ما بالُ عَيْنٍ عَنْ كَراها قَدْ جَفَتْ مُسْبِلَةً تَسْتَنُّ لَمّا عَرَفَتْ
داراً لِلَيْلى بَعْدَ حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ بَلْ جَوْزِ تَيْهاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ
فيمن قال " طَلَحَتْ "
[ و ] قال : وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً ( ٢٥ ) وواحد " الأَكِنَّةِ " : الكِنان. و " الوَقْرُ " في الأُذُن [ بالفتح ]، و " الوِقْرُ " على الظهر بالكسر. وقال يونس :" سألتُ رؤبة " فقال :" وَقِرَتْ أُذُنُهُ " " تَوْقَرُ " إذا كان فيها " الوَقْر ". وقال أبو زيد :" سمِعت العرب تقول :" أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ " فهذا يقول :" وُقِرَتْ ". قال الشاعر :[ من الرمل وهو الشاهد الثاني والتسعون بعد المائة ] :
وَكلامٍ سيئ قَدْ وُقِرَتْ أُذُنِي مِنْهُ وَما بِي مِنْ صَمَمْ
[ ١٠٨ ب ] وقال أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ( ٢٥ ) فبعضهم يزعم أنَّ واحدَه " أُسْطُورَة " وبعضهم " إِسّطارَة "، ولا أُراهُ إِلاّ من الجمع الذي ليس له واحدٌ نحو : عَبادِيد " و " مَذاكِير " و " أَبابِيل ". وقال بعضُهم :" واحد الأَبابيل " : إبِّيل، وقال بعضهم :" إِبَّوْل " مثل :" عِجَّوْل " ولم أجد العرب تعرف له واحدا. فأمّا " الشَّماطِيطُ " فإِنهم يزعمون أنّ واحدَهُ " شِمْطاط ". وكل هذه لها واحد إلا انه ليس يستعمل، ولم يُتَكَلَّمْ به لأن هذا المثال لا يكون إلا جميعاً. وسمعت العرب الفصحاء يقولون :" أَرْسَلَ إِبِلَهُ أَبابيلَ " يريدون " جماعات " فلم يُتَكَلَّمْ لها بواحد.
وأَمّا قوله : وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ( ٢٦ ) فانه من :" نَأَيْتُ " " يَنْأَى " " نَأْياً ".
وقال : وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( ٢٧ ) نصب لأنَّه جواب للتمني وما بعد الواو كما بعد الفاء، وان شئت رفعت وجعلته على مثل اليمين، كأنهم قالوا " وَلاَ نُكَذِّبُ و اللهِ بآياتِ رَبِّنا وَنكُونُ و اللهِ منَ المُؤمنين ". هذا إذا كان ذا الوجه منقطعاً من الأول. والرفع وجه الكلام وبه نقرأ الآية [ و ] إذا نصب جعلها واو عطف، فكأنهم قد تمنوا ألا يكذبوا وان يكونوا. وهذا - و الله أعلم - لا يكون، لأنهم لم يتمنوا الإيمان إنما تمنوا الرد وأخبروا أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين.
وقال نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ ( ٣٥ ) ف " النَفَقُ " ليس من " النَفقَةِ " ولكنه من " النَّافِقاءِ "، يريد دخولا في الأرض.
وقال فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ ( ٣٥ ) ولم يقل " فَافْعَلْ " وذلك أَنَّهُ أََضْمَر. وقال الشاعر :[ من الخفيف وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائة ] :
فَبِحَظٍّ مِمّا نَعِيشُ ولا تَذْ هَبْ بِكِ التُرَّهاتِ في الأَهْوالِ
فأضمر " فَعِيشى ".
وقال أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ( ٤٠ ) فهذا الذي بعد التاء من قوله : أَرَأَيْتَكُم إِنما جاء للمخاطبة. وترك التاء مفتوحة كما كانت للواحد، وهي مثل كاف " رُوَيْدَكَ زَيْداً " إذا قالت : أَرْوِدْ زَيْداً ". فهذه الكاف ليس لها موضع فتسمى بجر ولا رفع ولا نصب، وإنما هي من المخاطبة مثل كاف " ذاك ". ومثل ذلك قول العرب :" أَبْصِرْكَ زَيْداً " يدخلون الكاف للمخاطبة وإنما هي " أَبْصِرْ زيداً ".
وقال فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( ٥٢ ) فالأولى أن ينصب جواباً لقوله مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ ( ٥٢ ) والأخرى [ أنْ ] ينصب بقوله وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ( ٥٢ ) فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ .
وقال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ ( ٥٤ ) و أَنَّهُ مَن عَمِلَه مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٥٤ ) فقوله أَنَّهُ بَدَلٌ من قوله الرَّحْمَةَ أي : كَتَبَ أنَّهُ مَنْ عمِلَ. وقوله فَأِنَّهُ على الابتداء أي : فَلَه المغفرة والرَّحْمَةُ فَهوَ غَفُورٌ رَحيم. وقال بعضهم فأنَّهُ أراد به الاسم وأضمر الخبر. أراد " فَأنَّ ".
آية رقم ٥٥
وقال وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ( ٥٥ ) لأَنَّ أَهْلَ الحِجازَِّ يَقُولن :" هِيَ السَّبِيلُ " وقال بعضهم ولتستبين * يعني النبيّ صلى الله عليه. وقال بعضهم وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ في لغة بني تميم.
وقالَ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ( ٥٦ ) وقال بعضهم ضَلَلْتُ وهما لغتان. من قال " ضَلِلْتُ " قال " تَضَلُّ " ومن قال " ضَلَلْتُ " قال " تَضِلُّ " ونقرأ بالمفتوحة*.
وقال وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ( ٥٩ ) جر على مِنْ وإِنْ شِئْتَ رَفَعْتَ على " تسْقط "، [ ١١٠ ء ] وإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ على الابتداءِ وَتَقْطَعُهُ من الأول.
وقال تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ( ٦٣ ) وقال في موضع آخر وَخِيفَةً . و " الخُفْيَةُ " : الإِخفاء و " الخِيفَةُ " من الخَوْف والرَّهْبَة.
وأمَّا قوله حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ ( ٧١ ) فإِنَّ كلَّ " فَعْلان " له " فَعْلى " فَإِنَّه لا ينصرف في المعرفة ولا النكرة.
وأمّا قَوْلُه إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ( ٧١ ) فإن الألف التي في ائْتِنا ألف وصل ولكن بعدها همزة من الأصل هي التي في " أتَى " وهي الياء التي في قولك " إيتِنا "، ولكنها لم تهمز حين ظهرت ألف الوصل. لأن ألف الوصل مهموزة إذا استؤنفت فكرهوا اجتماع همزتين.
وقال وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( ٧١ ) يقول : إِنَّما أُمِرْنا كَيْ نُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمين " كما قال وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي : إِنما أُمِرت بذلك.
آية رقم ٧٢
ثم قال وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ ( ٧٢ ) أي : وَأُمِرْنا أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ. أَوْ يَكُونُ أَوْصَلَ الفِعْلَ بالّلامِ، والمعنى : أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ. كما أوصل باللام في قوله لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ .
وقال وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ( ٧٣ ) قال يَوْم مضاف إلى قوله كُنْ فَيَكُونُ وهو نصب [ ١١٠ ب ] وليس له خبر ظاهر و الله اعلم. وهو على ما فسرت لك.
وكذلك يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ ( ٧٣ ) وقال بعضهم يَوْمَ يُنْفَحُ في الصُّورِ وقال بعضهم يَنْفُخُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ( ٧٣ ).
وقال وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ( ٧٤ ) فتح إذا جعلت آزَرَ بدلاً من أَبيهِ وقد قرئت رفعا على النداء كأنه قال " يا آزَرُ " *. وقال الشاعر :[ من الرجز وهو الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة ] :
إِنَّ عَلَيَّ اللهَ أَنْ تُبايِعا تُقْتَلَ صُبْحاً أَوْ تجيء طائَعا
فأبدل " تُقْتَلَ صُبْحاً " من " تُبَايِعَ ".
وقال فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَّيْلُ ( ٧٦ ) وقال بعضهم أَجَنَّ . وقال الشاعر :[ من الطويل وهو الشاهد الرابع والتسعون بعد المائة ] :
فَلَمّا أَجَنَّ اللَّيْلُ بِتْنا كَأَنَّنا على كَثْرَةِ الأَعْداءِ مُحْتَرِسَانِ
وقالُ :[ من الرجز وهو الشاهد الخامس والتسعون بعد المائة ] :
* أَجَنَّكَ اللَّيلُ وَلَمَّا تَشْتَفِ *
فجعل " الجَنَّ " مصدرا ل " جَنَّ ". وقد يستقيم أنْ يكون " أَجَنَّ " ويكون ذا مصدره كما قال " العَطاء " و " الإعطاء ". وأما قوله أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ فإِنهم يقولون في مفعولها :" مَكْنُونٌ " ويقول بعضهم " مُكَنّ " وتقول :" كَنَنْتُ الجاريَةَ " إذا صُنتها و " كَنَنْتُها مِن الشَّمْسِ " و " أَكْنَنْتُها مِن الشَّمْسِ " أيضاً. ويقولون " هِيَ مَكْنُونَة " و " مُكَنَّةٌ " وقال الشاعر :[ من البسيط وهو الشاهد السادس والتسعون بعد المائة ] :
قَدْ كُنْتُ أُعْطِيهُمُ مالِي وَأَمْنَحُهُمْ عِرْضِي وَعِنْدَهُمُ في الصَّدْرِ مَكْنُونُ
لأنَّ قَيْساً تقول :" كَنَنْتُ العِلْمَ " فهو " مَكْنُونْ ". [ ١١١ ء ] وتقول بنو تميم " أَكْنَنْتُ العِلْمَ " ف " هُوَ مُكَنُّ "، و " كَنَنْتُ الجارِيَةَ فَ " هِيَ مَكْنُونَةٌ ". وفي كتاب الله عز وجل أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ وقال كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ وقال الشاعر :[ من الكامل وهو الشاهد السابع و التسعون بعد المائة ] :
قَدْ كُنَّ يَكْنُنَّ الوُجُوهَ تَسَتُّراً فَاليومَ حينَ بَدَوْنَ للنُّظّارِ
وقيسُ تنشد " قَدْكُن يُكْنِنَّ ".
وقال فلََمَّا أَفَلَ ( ٧٦ ) فهو من " يَأْفِل " " أُفُولاً ".
وأما قوله للشمس هذا رَبِّي ( ٧٨ ) فقد يجوز على " هذا الشيءُ الطالِعُ رَبّي ".
أَوْ على أَنَّه ظهرت الشمس وقد كانوا يذكرون الرب في كلامهم قال لهم هذا رَبّي . وإنما هذا مثل ضربه لهم ليعرفوا إذا هو زال انه لا ينبغي أن يكون مثله آلها، وليدلهم على وحدانية الله، وأنه ليس مثله شيء. وقال الشاعر :[ من الرجز وهو الشاهد الثامن والتسعون بعد المائة ] :
مَكَثْتَ حَوْلاً ثُمَّ جِئْتَ قاشِراً لا حَمَلَتْ مِنْكَ كِراعٌ حافِرا
قال وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ( ٨٤ ) يعني : وَوَهَبْنَا لَهُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وكذلك وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى ( ٨٥ ).
آية رقم ٨٥
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٤:قال وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ( ٨٤ ) يعني : وَوَهَبْنَا لَهُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وكذلك وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى ( ٨٥ ).
آية رقم ٨٦
وقفال بعضهم وَالْيَسَع ( ٨٦ ) وقال بعضهم وَاللَّيْسعَ ونقرأ بالخفيفة.
وقال وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو* أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ ( ٩٣ ) فنراه يريد : يقولون أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمْ و الله اعلم. وكان في قوله بَاسِطُو* أَيْدِيهِمْ دليل على ذلك لأنه قد أخْبَرَ أنهم يريدون منهم شيئاً.
وقال فَالِقُ الإِصْبَاحِ ( ٩٦ ) جعله مصدرا من " أَصْبَحَ ". وبعضهم يقول فالِقُ الأَصْباحِ جماع " الصُّبْح ".
وقال وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ( ٩٦ ) أي : بِحِسابٍ. فحذف الباء كما حذفها من قوله أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ أَيْ : أَعْلَمُ بمن يَضِلّ. و " الحُسْبانُ " جماعة " الحِسابِ " مثل " شِهاب " و " شُهْبَان "، ومثله " الشَمْسُ والقَمرُ بِحُسْبانٍ " أي : بحساب.
وقال أَنْشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ( ٩٨ ) فنراه يعنى : فمنها مُسْتَقِرٌّ ومنها مُسْتَوْدَعٌ و الله اعلم. وتقرأ مُسْتَقَرّ .
وقال فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً ( ٩٩ ) يريد " الأَخْضَرَ " كقول العرب :" أرِنيِها نَمِرَةً أُرِكَها مَطِرَةً ".
وقال وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ ( ٩٩ ) ثم قال وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ ( ٩٩ ) أي :" وَأَخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ مِنْ أَعنابٍ ".
ثم قال وَالزَّيْتُونَ ( ٩٩ ) وواحد :" القِنْوانِ " : قِنْوٌ، وكذلك " الصِّنْوانُ " واحدها : صِنْوٌ.
وقال [ ١١٢ ب ] وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ( ١٠٠ ) على البدل كما قال إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( ١٢ ) صِرَاطِ اللَّهِ . وقال الشاعر :[ من الوافر وهو الشاهد المائتان ] :
ذَرِينِي إِنَّ أمرَكِ لَن يُطاعا وَمَا ألفَيْتِني حِلْمِي مُضاعا
وقال :[ من البسيط وهو الشاهد الحادي بعد المائتين ] :
إِنِّي وَجَدْتُكَ يا جُرْثُومُ مِنْ نَفَرٍ جُرْثُومَةِ اللُّؤْمِ لا جُرْثُومَةِ الكَرَمِ
[ وقال الآخر ] :[ من البسيط وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المائة ] :
إِنَّا وَجَدْنا بَنِي جِلاّنَ كُلَّهم كساعِد الضُّبِّ لا طُولٌ ولا عِظَمُ*
وقال :[ من الرجز وهو الشاهد الثاني بعد المائتين ] :
ما لِلجِمالِ مَشْيِها وَئيدا أَجَنْدَلاً لاَ يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيدا
ويقال : ما للجمالِ مشيُها وَئيدا. كما قيل :[ من الوافر وهو الشاهد الثالث بعد المائتين ] :
فكيفَ تَرَى عَطِيَّةَ حِينَ تَلْقَى عِظاماً هامُهُنَّ قُرآسِيات
آية رقم ١٠٥
وقوله وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ( ١٠٥ ) أي : دَارَسْتَ أَهْلَ الكتابِ وَكَذلك نُصَرِّفُ الآيَاتِ ( ١٠٥ ) يعني : هكذا. وقال بعضهم [ ١١٢ ء ] دَرَسْتَ وبها نقرأ لأنها أوفق للكتاب. وقال بعضهم دَرَسَتْ .
وقال فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُوّاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ( ١٠٨ ) ثقيلة مشددة و عَدْواً خفيفة، والأصل من " العُدْوانِ ". وقال بعضهم عَدُوّاً بغير علم. أي : سبّوه في هذه الحال. ولكن " العَدُوّ " جماعة كما قال فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي وكما قال لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ونقرأ عَدْواً لأنها أكثر في القراءة وأجود في المعنى لأنك تقول :[ عُدا ] عَدْواً علينا " مثل " ضَرَبَهُ ضَرْباً ".
وقال وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ( ١٠٩ ) وقرأ بعضهم أَنَّها وبها نقرأ وفسر على " لعلها " كما تقول العرب :" اِذْهَبْ إِلى السوق أَنَّكَ تشتري لي شيئاً " أي : لَعَلَّك. وقال الشاعر :[ من الرجز وهو الشاهد التاسع والتسعون بعد المائة ] :
قُلْتُ لِشَيْبانَ اذْنُ من لِقائِهِ أَنَّا نُغَذِّي القَوَمَ مِن شِوائِه
في معنى " لَعَلَّنا ".
قال : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ( ١١١ ) أيْ : قَبِيلاً قَبِيلا، جماعة " القَبيل " " القُبُل ".
ويقال " قِبَلا " أي : عِيانا.
وقال أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً أي : عِيانا.
وتقول :" لا قِبَلَ لي بهذا " أي : لا طَاقَةَ*. وتقول :" لِي قِبَلَك حقٌ " أي : عندَك.
[ و ] قال : ولتصغي إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ( ١١٣ )، هي من " صَغَوْتُ " " يَصْغا " مثل " مَحَوْتُ " " يمْحا ".
وقال : وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ( ١١٩ ).
يقول - و الله اعلم لَكُمْ أَلاَّ - " وَأَيّ شَيْءٍ لَكُمْ في أَلاّ تَأْكُلُوا "، وكذلك وَمَا لَنَا أَلاّ نُقَاتِلَ .
يقول :" أيُّ شَيْءٍ لَنا في تَركِ القِتال ". ولو كانت أَنْ زائدة لارتفع الفعل، ولو كانت في معنى " وما لَنا وَكَذا " لكانت " وَمَالَنا وَأَلاّ نُقَاتِلَ ".
وقال وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم ( ١١٩ ) ويقرأ ليُضِلُّونَ . أوقع " أنَّ " على النكرة لأنَّ الكلام إذا طال احتمل ودل بعضه على بعض.
وقال : وَكَذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ( ١٢٣ ) [ ١١٣ ء ]،
فبناه على " أَفاعِل "، وذلك انه يكون على وجهين يقول " هؤلاء الأكابر " و " الأكبرون ".
وقال : نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً وواحدهم " أَخْسَرُ " مثل " الأَكْبَر ".
وقال : وَكَذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ ، ( ١٣٧ ) لأن الشركاء زينوا.
ثم قال : لِيُرْدُوهُمْ ( ١٣٧ ) من " أرْدى " " إِرْداءَ ".
وقال : حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا ( ١٣٨ ).
و " الحِجْر " :" الحَرام "،
وقد قرئت بالضم حُجْرٌ ، وكذلك قرئت حُجْراً مَحْجُورا بضم الحاء و حِجْراً في معنى واحد.
وقد يكون " الحِجْرُ " : العَقْل، قال الله تعالى هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لذي حِجْرٍ أي ذي عقل.
وقال بعضهم :" لا يكون في قوله وَحَرْثٌ حِجْرٌ ( ١٣٨ ) إلا الكسر. وليس ذا بشيء لأنه حرام.
وأما " حَِجْرُ المرأة " ففيه الفتح والكسر.
و " حَجْرُ اليَمامة " * بالفتح و " الحِجْرُ " ما حَجَرْتَه وهو قول أصْحابِ الحجر.
وقوله عز وجل : وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ( ١٣٩ ).
رَفْعٌ أي** : وإِنْ تَكُن فِي بُطُونِهَا مِيتَةٌ. وقد يجوز الرفع إذا قلت يَكُن لأن المؤنّث قد يذكر فعله.
و خالِصَةٌ : أنثت لتحقيق الخلوص كأنه لما حقق لهم الخلوص أشبه الكثرة فجرى مجرى " رَاوِية " و " نَسّابة ".
ثم قال ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ( ١٤٣ ) أي : أَنْشَأَ حَمُولَةً وَفَرَشْاً ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ. أي : أَنّشَأَ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ، على البدل أو التبيان أو على الحال.
ثم قال :" أَنْشَأَ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ( ١٤٤ ) وإنما قال ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ لأنَّ كُلَّ واحدٍ " زَوْجٌ ". تقول للاثنين :" هذانِ زَوْجانِ " وقال الله عز وجل وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ وتقول للمرأة :" هي زَوْجٌ " و " هي زَوْجَةٌ " و :" هو زَوْجُها ". وقال وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَها يعني المرأة وقال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وقال بعضهم " الزَوْجَةُ " وقال الأخْطَل :[ من البسيط وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائة ] :
زَوْجَةُ أَشْمَطَ مَرْهُوبٌ بَوادِرُهُ قَدْ صار في رَأْسِهِ التَخْوِيصَ والنَزَعُ
وقد يقال للاثنين أيضاً :" هما زَوْجٌ " و[ " الزَوْجُ " النَمَط يُطْرَحُ على الهَوْدَج ] قال لَبيد :[ من الكامل وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المائة ] :
مِنْ كُلِّ محْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وقِرامُها
وأمّا الضَأن ( ١٤٣ ) فمهموز وهو جماع على غير واحد. ويقال الضَئِين مثل " الشَعِير " وهو جماعة " الضَأْن " والأنْثى " ضائِنَة " والجماعة :" الضَوَائِنِ ".
و المَعْزُ ( ١٤٣ ) جمع على غير واحد وكذلك " المِعْزَى "، فأما " المَواعِز " فواحدتها " الماعِزْ " و " الماعِزَةُ " والذكر الواحد " ضائِنْ " فيكون " الضَأْن " جماعة " الضائِنْ " [ ١٠٤ ء ] مثل صاحِب " و " صَحْب " و " تاجِر " و " تَجْر " وكذلك " ماعِزْ " و " مَعْز ". وقال بعضهم ضأَنْ و مَعَز جعله جماعة " الضَائِن " و " الماعِز " مثل " خَادِم " و " خَدَم "، و " حافِد " و " حَفَدَةْ " مثله إِلاَّ أَنَّهُ أُلحق فيه الهاء.
وأمَّا قَوْلُه الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ ( ١٤٣ ) فانتصب ب " حرّم ".
وقال وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا ( ١٤٦ ) فواحد " الحَوايا " :" الحاوِياءُ " " والحَاوِيَةُ ". ويريد بقوله - و الله أعلم - وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ أي : والبقر والغنم حرمنا عليهم. ولكنه أدخل فيها " مِنْ " والعرب تقول :" قَدْ كانَ مِنْ حَديثٍ " يريدون : قَدْ كانَ حَدِيثٌ " وإِن شئت قلت :" وَمِنْ الغَنَمِ حَرَّمْنا الشُّحُومَ " كما تقول :" مِنَ الدّارِ أُخِذَ النِّصفُ والثُلُثُ " فأضفت على هذا المعنى كما تقول :" مِنَ الدّارِ أُخِذَ نِصْفُها " و " مِنْ عَبْدِ اللهِ ضُرِبَ وَجْهُهُ ".
وقال أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ( ١٥٦ ) على ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ( ١٥٤ ) كراهيةَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ( ١٥٦ ).
وقال فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ( ١٦٠ ) على العدد كما تقول :" عَشْرُ سُودٍ " فان قلت كيف قال " عَشْر " و " المِثَل " مذكر ؟ فإنما أنث لأنه أضاف إِلى مؤنث وهو في المعنى أيضاً " حَسَنَةٌ " أو " دَرَجةٌ ". فإِنْ أَنَّثَ على ذلك فهو وجه. وقال بعضُهم عَشْرٌ أمْثالُها جعل " الأمثال " من صفة " العشر ". وهذا الوجه إلا انه لا يقرأ. لأنَّه ما كان من صفة لم تضف إليه العدد. ولكن يقال :" هُمْ عَشْرَةٌ قيامٌ " و " عشرةٌ قُعُودٌ " لا يقال :" عشرةُ قيامٍ ".
وقال دِيناً قِيَماً ( ١٦١ ) أيْ : مستقيما وهي قراءة العامة وقال أَهْلُ المدينة قِيَما وهي حسنة ولم أَسمَعها من العرب وهي في معنى المفسر.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

59 مقطع من التفسير