تفسير سورة سورة الأعراف

أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير القرآن العزيز

أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي (ت 399 هـ)

الناشر

الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة

الطبعة

الأولى، 1423ه - 2002م

عدد الأجزاء

5

المحقق

أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز

نبذة عن الكتاب

يعتبر هذا التفسير من التفاسير المتوسطة، وهو سهل العبارة، وأيضاً صالح لأن يكون كتابًا مقروءًا في التفسير، تتكامل فيه مادته التفسيرية
هذا الكتاب اختصار لتفسير يحيى بن سلام، وقد ذكر في مقدمة كتابه سبب اختصاره لهذا التفسير، وهو وجود التكرار الكثير في التفسير، يعني: أنه حذف المكرر في تفسير يحيى.
وكذلك ذكر أحاديث يقوم علم التفسير بدونها، مثل كتاب جملة من الأحاديث ليست من صلب التفسير، ولا علاقة للتفسير بها فحذفها.
ومن الأشياء المهمة جدًا في تفسير ابن أبي زمنين أنه أضاف إضافات على تفسير يحيى بن سلام، حيث رأى أن تفسير يحيى قد نقصه هذا المضاف، فذكر ما لم يفسره، فإذا وردت جمل لم يفسرها يحيى فإنه يفسرها.
كما أنه أضاف كثيراً مما لم يذكره من اللغة والنحو على ما نقل عن النحويين وأصحاب اللغة السالكين لمناهج الفقهاء في التأويل، كالزجاج، ومع ذلك فلا يأخذ ممن خالف علماء السنة.
وقد ميز تفسيره وآراءه بقول: (قال محمد)؛ فنستطيع أن نعرف صلب تفسير يحيى المختصر، ونعرف زيادات ابن أبي زمنين، بخلاف هود بن المحكم، فإنه لم يذكر ما يدل على الزيادات، وصار لا بد من التتبع الذي قام به المحقق. فما ورد في التفسير قال: يحيى؛ فيكون من صلب تفسير يحيى بن سلام، وما ورد مصدرًا بعبارة (قال: محمد) فالمراد به ابن أبي زمنين .
مما امتاز به هذا التفسير:
  • هذا التفسير من التفاسير المتقدمة؛ لأن صاحبه توفي سنة (199)، وقد اعتنى واعتمد على آثار السلف.
  • امتاز هذا المختصر بأن مؤلفه من أهل السنة والجماعة، فيسلم من إشكالية ما يرتبط بالتأويلات المنحرفة.
  • امتاز هذا التفسير: بسلاسة عباراته ووضوحها.
  • امتاز بالاختصار، وما فيه من الزيادات المهمة التي زادها المختصر؛ كالاستشهاد للمعاني اللغوية بالشعر وغيرها، مثال ذلك في قوله: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق:2].
  • ومما تميز به: نقلُه لتوجيه القراءات خصوصًا عن أبي عبيد القاسم بن سلام في المختصر، حيث أخذ كثيراً من تفسير أبي عبيد القاسم بن سلام، لأن أبا عبيد له كتاب مستقل في القراءات، وبعض العلماء يقول: إنه أول من دون جمع القراءات.

مقدمة التفسير
تفسير سورة الأعراف وهي مكية كلها.
إلا [ ثمان آيات، وهي قوله : واسألهم عن القرية إلى قوله :{ وإذ انتقنا الجبل فوقهم ( الأعراف١ ١٦٣-١٧١ ) ].
١ ما بين المعقوفتين سقط من نسخة بريطانيا، وطمس في القرويين. أثبتناه من تفسير القرطبي (٤/٢٥٩٦)..
آية رقم ١
قَوْله: ﴿المص﴾ كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا تَفْسِير ﴿المص﴾ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ السَّلَفِ كَانُوا يَقُولُونَ: أَسمَاء السُّور وفواتحها.
﴿كتاب أنزل إِلَيْك﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
﴿فَلا يَكُنْ فِي صدرك حرج مِنْهُ﴾ أَيْ: شَكٌّ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
قَالَ محمدٌ: أَصْلُ الْحَرَجِ: الضِّيقُ، وَالشَّاكُّ فِي الْأَمْرِ يَضِيقُ بِهِ صَدْرًا؛ فَسُمِّيَ الشَّكُّ حَرَجًا ﴿لتنذر بِهِ﴾ من النَّار ﴿وذكرى للْمُؤْمِنين﴾ يذكرُونَ بِهِ الْآخِرَة.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يَعْنِي: الْأَوْثَانَ ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يَعْنِي:
— 111 —
أقلكم المتذكر
— 112 —
﴿وَكم من قَرْيَة أهلكناها﴾ يَعْنِي: مَا أَهْلَكَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ ﴿فَجَاءَهَا بأسنا﴾ عذابنا ﴿بياتا﴾ يَعْنِي: لَيْلًا ﴿أوهم قَائِلُونَ﴾ يَعْنِي: عِنْد القائلة بِالنَّهَارِ
﴿فَمَا كَانَ دَعوَاهُم﴾ قَوْلُهُمْ ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٦) إِلَى الْآيَة (١٠).
آية رقم ٧
﴿فلنقصن عَلَيْهِم﴾ أَي: أَعْمَالهم ﴿بِعلم﴾ بهَا ﴿وَمَا كُنَّا غائبين﴾ عَن أَعْمَالهم.
﴿وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحق﴾.
يحيى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ:
يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ وُضِعَ فِي كفته السَّمَوَات وَالْأَرْضُ لَوَسِعَتْهَا؛ فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا مَا هَذَا؟ فَيَقُولُ: أَزِنُ بِهِ لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عبادتك ".
﴿وَلَقَد مكناكم فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: بَعْدَ الْمَاضِينَ ﴿قَلِيلا مَا تشكرون﴾ أقلكم من يُؤمن.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (١١) إِلَى الْآيَة (١٨).
﴿وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صورناكم﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ.
﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسجدوا لآدَم﴾ قَالَ الْحَسَنُ:
إِنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارِ السَّمُومِ، وَإِنَّ الَمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَأَمَرَ إِبْلِيسَ أَيْضًا بِالسُّجُودِ لَهُ، فَجَمَعَ المأمورين جَمِيعًا.
﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمرتك﴾ الْآيَةَ.
قَالَ محمدٌ: (أَلَّا تَسْجُدَ) مَعْنَاهُ: أَن تسْجد، و (لَا) مُؤَكدَة.
آية رقم ١٤
﴿قَالَ أَنْظرنِي﴾ أخرني ﴿إِلَى يَوْم يبعثون﴾
آية رقم ١٥
﴿قَالَ إِنَّك من المنظرين﴾ فِيهَا إِضْمَارٌ؛ أَيْ: إِلَى يَوْمِ الْوَقْت الْمَعْلُوم
آية رقم ١٦
﴿قَالَ فبمَا أغويتني﴾ أَضْلَلْتَنِي ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أَي: فأصدهم عَنهُ
﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي: مِنْ قِبَلِ الْآخِرَةِ؛ فَأُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ لَا بَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ. ﴿وَمِنْ خَلفهم﴾ يَعْنِي: مِنْ قِبَلِ الدُّنْيَا؛ فَأُزَيِّنُهَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَأُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ، فِيمَا صَنَعُوا ﴿وَعَن أَيْمَانهم﴾ أَيْ: مِنْ قِبَلِ الْخَيْرِ؛ فَأُثَبِّطُهُمْ عَنهُ. ﴿وَعَن شمائلهم﴾ مِنْ قِبَلِ الْمَعَاصِي؛ فَآمُرُهُمْ بِهَا، ﴿وَلَا تَجِد أَكْثَرهم شاكرين﴾ وَكَانَ ذَلِكَ ظناُّ مِنْهُ، فَكَانَ الْأَمر على مَا ظن
﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ يَعْنِي: مَذْمُومًا مُبْعَدًا}.
قَالَ مُحَمَّدٌ: تَقُولُ: ذَأَمْتَ الرَّجُلَ؛ إِذَا بِالَغْتَ فِي عَيبه وذمه.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٩) إِلَى الْآيَة (٢٥).
﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجنَّة﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عباسٍ: الشَّجَرَةُ: السُّنْبُلَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ التِّينُ.
وَقَوله: ﴿فتكونا من الظَّالِمين﴾ أَي: لأنفسكما يخطيئتكما
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا﴾ وَكَانَا كَسِيَا الظُّفُرِ.
﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا﴾ لِئَلَّا تَكُونَا ﴿ملكَيْنِ﴾ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾ الَّذين لَا يموتون
آية رقم ٢١
﴿وقاسمهما﴾ بِاللَّهِ.
قَالَ قَتَادَةُ:
حَلَفَ لَهُمَا بِاللَّهِ، وَقَالَ لَهُمَا: خُلِقْتُ قَبْلَكُمَا، وَأَنَا أَعْلَمُ مُنْكُمَا؛ فَاتَّبِعَانِي أُرْشِدُكُمَا.
﴿فلادهما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهما سوءاتهما﴾ قَالَ محمدٌ:
قَوْله: ﴿فدلاهما بغرور﴾ الْمَعْنَى: دَلَّاهُمَا فِي الْمَعْصِيَةِ؛ بِأَنْ غَرَّهُمَا، وَالسَّوْءَةُ: كنايةٌ عَنِ الْفَرْجِ ﴿وطفقا﴾ أَيْ: جَعَلَا ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ ورق الْجنَّة﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي: [يرقعانه] (ل ١٠٥) كَهَيئَةِ الثَّوْب ﴿وناداهما ربهما﴾ الْآيَةَ.
يحيى: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بْنِ [كَعْبٍ] قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَانَ آدَمُ رَجُلًا طِوَالًا، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ كَثِيرُ شَعْرِ الرَّأْسِ؛ فَلَمَّا وَقَعَ بِمَا وَقَعَ بِهِ، بَدَتْ لَهُ عَوْرَتَهُ، وَكَانَ لَا يَرَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَانْطَلَقَ هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ؛ فَأَخَذَتْ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ بِرَأْسِهِ؛ فَقَالَ لَهَا:
— 115 —
أَرْسِلِينِي، فَقَالَتْ: لَسْتُ بِمُرْسِلَتِكَ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا آدَمُ، أَمِنِّي تَفِرَّ؟ قَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَسْتَحْيِيكَ ".
— 116 —
﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر﴾ تَكُونُونَ فِيهَا. ﴿ومتاع﴾ يَعْنِي: مَتَاعَ الدُّنْيَا تَسْتَمْتِعُونَ بِهِ ﴿إِلَى حِين﴾ إِلَى الْمَوْت.
آية رقم ٢٥
﴿قَالَ فِيهَا﴾ يَعْنِي: الأَرْض ﴿تحيون﴾ أَيْ: تُولَدُونَ.
﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تخرجُونَ﴾ يَوْم الْقِيَامَة.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٢٦) إِلَى الْآيَة (٢٨).
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُم لباساً يواري سواءتكم﴾ يَعْنِي: الثِّيَاب ﴿وريشا﴾ يَعْنِي: الْمَتَاعَ وَالْمَالَ.
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ وَالرَّفْعُ عَلَى مَعْنَى كلامٍ مُسْتَقْبَلٍ، ولباس التَّقْوَى: العفاف.
﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة﴾ يَعْنِي: مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بهَا﴾.
— 117 —
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٢٩) إِلَى الْآيَة (٣٠).
— 118 —
﴿قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ بِالْعَدْلِ ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ حَيْثُ صَلَّيْتُمْ ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾.
يحيى: عَنْ هَمَّامٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوْ قَالَ: النَّاسَ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا. قَالَ: قُلْتُ: مَا بُهْمًا؟! قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْء ".
— 118 —
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٣١) إِلَى الْآيَة (٣٣).
— 119 —
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْد كل مَسْجِد﴾ قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً؛ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَقَالَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كل مَسْجِد﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَمَرَهُمْ أَنْ يَلْبَسُوا الثِّيَاب ﴿وكلوا شربوا﴾ يَعْنِي: الْحَلَال ﴿وَلَا تسرفوا﴾ فَتُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ؛ كَمَا حَرَّمَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا حرمُوا
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ﴾ يَعْنِي: الثِّيَابَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً.
﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ مَا حَرَّمُوا مِنْ أَنْعَامِهِمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَقَدْ خَالَطَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا وَهِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴿خَالِصَةً يَوْم الْقِيَامَة﴾ دُونَ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ محمدٌ: مَنْ قَرَأَ ﴿خَالِصَة﴾ بِالرَّفْعِ، فَهُوَ عَلَى أَنَّهُ خبرٌ بَعْدَ
— 119 —
خَبَرٍ؛ الْمَعْنَى: قُلْ هِيَ ثابتةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خالصةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ، فَعَلَى الْحَالِ.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَات﴾ نُبَيِّنُهَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَبِلُوا ذَلِكَ عَن الله.
— 120 —
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: الزِّنَا سِرَّهُ وعلانيته.
﴿وَالْإِثْم﴾ يَعْنِي: الْمَعَاصِيَ ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يَعْنِي: الظُّلْمَ ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حُجَّةً؛ يَعْنِي: أَوْثَانَهُمُ الَّتِي عَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِعَبَادَتِهَا بِغَيْرِ علمٍ جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٣٤) إِلَى الْآيَة (٣٧).
﴿وَلكُل أمة أجل﴾ الْآيَةَ، يَعْنِي: أَنَّ الْقَوْمَ إِذَا كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، فَجَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي يَأْتِيهِمْ فِيهِ الْعَذَابُ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَن الْعَذَاب ﴿سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَنهُ.
﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: يَنَالُهُمْ مَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رسلنَا﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَة ﴿يتوفونهم﴾ قَالَ الْحَسَنُ: هَذِهِ وَفَاةُ [أَهْلِ] النَّارِ ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تدعون من دون الله﴾ (ل ١٠٦) يَعْنِي: شُرَكَاؤُكُمْ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿كَافِرين﴾.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٣٨) إِلَى الْآيَة (٣٩).
﴿قَالَ ادخُلُوا فِي أُمَم﴾ أَيْ: مَعَ أممٍ ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّار﴾ ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أضلونا﴾ كل أمةٍ تَقوله أُخْرَاهَا لِأُولَاهَا ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا من النَّار﴾ الْآيَةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَيْ: عَذَابًا مُضَاعَفًا، وَالضِّعْفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
— 121 —
أَحَدُهُمَا: الْمِثْلُ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى تَضْعِيفِ الشَّيْءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِن لَا تعلمُونَ﴾ أَيْ: أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ مَا لِكُلِّ فريق مِنْكُم.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٤٠) إِلَى الْآيَة (٤٣).
— 122 —
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تفتح لَهُم﴾ يَعْنِي: لِأَعْمَالِهِمْ وَلَا لِأَرْوَاحِهِمْ ﴿أَبْوَابُ السَّمَاء﴾.
يحيى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ:
تَخْرُجُ رُوحُ الْمُؤْمِنُ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ فَتَصْعَدُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ تَوَفَّوْهُ؛ فَتَلْقَاهُ مَلَائِكَةٌ آخَرُونَ دُونَ السَّمَاءِ؛ فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: هَذَا فلانٌ كَانَ يَعْمَلُ كَيْتَ وَكَيْتَ - لِمَحَاسِنِ عَمَلِهِ. فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا بِكُمْ وَبِهِ؛ فَيَقْبِضُونَهُ فَيَصْعَدُونَ بِهِ مِنْ بَابِهِ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ (فَيُشْرِقُ) فِي السَّمَوَات؛ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَرْشِ، وَلَهُ برهانٌ كَبُرْهَانِ
— 122 —
الشَّمْسِ، وَتَخْرُجُ رُوحُ الْكَافِرِ أَنْتَنَ مِنَ الْجِيفَةِ؛ فَتَصْعَدُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ تَوَفَّوْهُ، فَتَلْقَاهُمْ ملائكةٌ آخَرُونَ مِنْ دُونِ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٌ كَانَ يَعْمَلُ كَيْتَ وَكَيْتَ - لِمَسَاوِئِ عَمَلِهِ. فَيَقُولُونَ: لَا مَرْحَبًا بِهِ، رُدُّوهُ ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ::
فَيُرَدُّ إِلَى وادٍ يُقَالُ لَهُ: بَرَهُوتُ أَسْفَلَ الثَّرَى مِنَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ ". مِنْ حَدِيثِ يحيى بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخياط﴾ يَعْنِي: ثُقْبَ الْإِبْرَةِ. وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الْجَمَلِ. فَقَالَ: هُوَ زَوْجُ النَّاقَةِ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين
— 123 —
﴿لَهُم من جَهَنَّم مهاد﴾ أَيْ: فِرَاشٌ ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ يَعْنِي: مَا يَغْشَاهُمْ مِنَ النَّارِ.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غل﴾ يَعْنِي: الْعَدَاوَةَ وَالْحَسَدَ.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا﴾ يَعْنُونَ: الْإِيمَانَ.
﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ فِي الدُّنْيَا.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٤٤) إِلَى الْآيَة (٤٧).
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ وَهُمْ مُشْرِفُونَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ، وَالنَّارُ فِي الْأَرْضِ.
﴿فَأذن مُؤذن بَينهم﴾ الْآيَة. أَي: نَادَى منادٍ.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِذْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا ﴿(وَيَبْغُونَهَا عوجا﴾ يَبْغُونَ سَبِيل الله عوجا.
﴿وَبَينهمَا﴾ بَين الْجنَّة وَالنَّار ﴿حجابٌ﴾ وَهُوَ الْأَعْرَافُ.
﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رجالٌ يعْرفُونَ كلا بِسِيمَاهُمْ﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: يَعْرِفُونَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِبَيَاضِ وُجُوهِهِمْ، وَأَهْلَ النَّارِ بِسَوَادِ وُجُوهِهِمْ.
﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلام عَلَيْكُم﴾ ﴿قَالَ الله﴾ (لم يدخلوها} يَعْنِي: أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ فِي دُخُولِهَا، وَهَذَا طَمَعُ يَقِينٍ.
قَالَ قَتَادَة:
ذكر لنا أَن ابْنَ عباسٍ قَالَ: أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قومٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ؛ فَلَمْ تَفْضُلْ حَسَنَاتُهُمْ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ، وَلَا سَيِّئَاتُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ، فَحُبِسُوا هُنَالِكَ.
يَحْيَى: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: " أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ هُمْ قومٌ غَزَوْا بِغَيْرِ إِذْنِ آبَائِهِمْ فَاسْتُشْهِدُوا، فَحُبِسُوا عَنِ الْجَنَّةِ؛ لِمَعْصِيَتِهِمْ آبَاءَهُمْ، وَعَنِ النَّارِ بِشَهَادَتِهِمْ ".
— 124 —
يَحْيَى: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ الْمُتَلَمِّسِ السَّدُوسِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عبد الله ابْن الْحَارِثِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَن أُحُدًا جبلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، وَإِنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يُحْبَسُ عَلَيْهِ أقوامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ هُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ".
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَكُلُّ مرتفعٍ عِنْدَ الْعَرَبِ أعرافٌ.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٤٨) إِلَى الْآيَة (٥١).
— 125 —
﴿ونادى أَصْحَاب الْأَعْرَاف﴾ وَأَصْحَاب الْأَعْرَاف هَا هُنَا مَلَائِكَةٌ ﴿رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أغْنى عَنْكُم جمعكم﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (ل ١٠٧) عَن عبَادَة الله.
﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ يَعْنُونَ: أَهْلَ الْجَنَّةِ ﴿الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا ينالهم الله برحمة﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ كَلَامُ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ الله لَهُم: ﴿ادخُلُوا الْجنَّة﴾ الْآيَة.
﴿فاليوم ننساهم﴾ أَيْ: نَتْرُكُهُمْ فِي النَّارِ؛ كَمَا تركُوا ﴿لِقَاء يومهم هَذَا﴾ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؛ أَيْ: فِي الدُّنْيَا ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٥٢) إِلَى الْآيَة (٥٣).
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى علم﴾ يَعْنِي: بَيَّنَّا فِيهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ وَالْأَحْكَامَ
﴿هَل ينظرُونَ﴾ ينتظرون ﴿إِلَّا تَأْوِيله﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: الْجَزَاءَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُول الَّذين نسوه﴾ تَرَكُوهُ ﴿من قبل﴾ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ إِذْ كُنَّا فِي الدُّنْيَا، فَآمَنُوا حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُمُ الإِيمَانُ ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ أَلا نعذب. ﴿أَو نرد﴾ إِلَى
— 126 —
الدُّنْيَا ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نعمل﴾.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٥٤) إِلَى الْآيَة (٥٨).
— 127 —
آية رقم ٥٥
﴿ادعوا رَبك تضرعاً وخفية﴾ أَيْ: سِرًّا ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْض بعد إصلاحها﴾ يَعْنِي: بَعْدَ مَا بُعِثَ النَّبِيُّ، واستجيب لَهُ ﴿إِن رَحْمَة اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أَيْ: يَبْسُطُهَا بَيْنَ يَدَيِ الْمَطَرِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْقِرَاءَةُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ (نَشْرًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وَالْمَعْنَى: مُنْتَشِرَةً
— 127 —
نَشْرًا، وَمَنْ قَرَأَ (نُشْرًا) بِضَمِّ النُّونِ، فَهُوَ جَمْعُ: (نُشُورٍ)؛ وَهُيَ الَّتِي تَنْشُرُ السَّحَابَ.
﴿حَتَّى إِذَا أقلت سحابا ثقالا﴾ الثِّقَالُ: الَّتِي فِيهَا الْمَاءُ ﴿سُقْنَاهُ لبلد ميت﴾ يَعْنِي: لَيْسَ فِيهِ نَبَات.
— 128 —
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ ربه﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ:
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ؛ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ مثل الْمُؤمن يَعْمَلُ مَا عَمِلَ مِنْ شيءٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ مَثْلُ الْمُنَافِقِ لَا يُعْطِي شَيْئًا وَلَا يعمله ﴿إِلَّا نكدا﴾ أَيْ: لَيْسَتْ لَهُ فِيهِ حسبةٌ ﴿كَذَلِك نصرف الْآيَات﴾ نبينها ﴿لقوم يشكرون﴾ يُؤمنُونَ.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٥٩) إِلَى الْآيَة (٦٤).
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْمَلُونَ﴾
— 128 —
قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ مُهْلِكُكُمْ وَمُعَذِّبُكُمْ؛ إِنْ لم تؤمنوا.
— 129 —
لقد أرسلنا نوحا إلى قومه... إلى قوله : وأعلم من الله ما لا تعملون قال الحسن : يقول : أعلم من الله أنه مهلككم ومعذبكم ؛ إن لم تؤمنوا.
﴿أَو عجبتم أَن جَاءَكُم ذكرٌ﴾ أَي: وحيٌ ﴿من ر بكم على رجلٍ مِنْكُم﴾ عَلَى لِسَانِ رجلٍ مِنْكُمْ ﴿لِيُنْذِرَكُمْ ولتتقوا ولعلكم ترحمون﴾ إِن آمنتم، و (لَعَلَّ) من الله وَاجِبَة.
﴿إِنَّهُم كَانُوا قوما عمين﴾ عموا عَن الْحق.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٦٥) إِلَى الْآيَة (٧٢).
﴿وَإِلَى عَاد﴾ أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى عادٍ ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾ أَخُوهُمْ فِي النَّسَبِ، وَلَيْسَ بأخيهم فِي الدّين.
﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قومه﴾ يَعْنِي: الرُّؤَسَاءَ (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي
— 129 —
سفاهةٍ} أَيْ: مِنَ الرَّأْيِ ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ من الْكَاذِبين﴾ كَانَ تكذيبهم إِيَّاه بِالظَّنِّ.
— 130 —
آية رقم ٦٨
﴿وَأَنَا لَكُمْ ناصحٌ﴾ أَدْعُوكُمْ إِلَى مَا يَنْفَعُكُمْ ﴿أَمِينٌ﴾ عَلَى مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد الله.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بعد قوم نوحٍ﴾ يَعْنِي: اسْتَخَلَفَكُمْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَهُمْ ﴿وزادكم فِي الْخلق بصطة﴾ يَعْنِي: الْأَجْسَامَ وَالْقُوَّةَ الَّتِي أَعْطَاهُمْ.
﴿وقطعنا دابر الَّذين كذبُوا﴾ أَي: أصلهم.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٧٣) إِلَى الْآيَة (٧٩).
آية رقم ٧٨
﴿فَأَخَذتهم الرجفة﴾ قَالَ الْحَسَنُ: تَحَرَّكَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ ﴿فأصحبوا فِي دَارهم جاثمين﴾ أَيْ: قَدْ هَلَكُوا.
قَالَ محمدٌ: الْجُثُومُ أَصْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: البروك على الركب.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٨٠) إِلَى الْآيَة (٨٤).
﴿إِنَّهُم أنَاس يتطهرون﴾ أَيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا يعْملُونَ مَا تَعْمَلُونَ
آية رقم ٨٣
﴿إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْبَاقِينَ فِي عَذَابِ الله.
(ل ١٠٨)
آية رقم ٨٤
﴿وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا﴾ يَعْنِي: الْحِجَارَةَ الَّتِي رُمِيَ بِهَا مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ فِي حوائجهم وأسفارهم.
— 131 —
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٨٥) إِلَى الْآيَة (٩٣).
— 132 —
﴿وَلَا تقعدوا بِكُل صِرَاط﴾ طريقٍ. ﴿توعدون﴾ تُخَوِّفُونَ بِالْقَتْلِ ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ يَعْنِي: مِنْ أُهْلِكَ مِنَ الْأُمَمِ السالفة حِين كذبُوا رسلهم.
﴿وسع رَبنَا﴾ أَيْ: مَلَأَ رَبُّنَا ﴿كُلَّ شيءٍ علما﴾.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أَيْ: احْكُمْ.
قَالَ قَتَادَةُ:
وَإِذَا دَعَا النَّبِيُّ رَبَّهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ، جَاءَهُمُ الْعَذَابُ.
﴿فَكيف آسى﴾ أَحْزَنُ؛ أَيْ: لَا أَحْزَنُ عَلَيْهِمْ.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٩٤) إِلَى الْآيَة (٩٥).
﴿أَخذنَا أَهلهَا بالبأساء﴾ يَعْنِي: الْجُوع والقحط ﴿وَالضَّرَّاء﴾ يَعْنِي: الْأَمْرَاض والشدائد
﴿ثمَّ بدلنا مَكَان السَّيئَة﴾ أَيْ: مَكَانَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴿الْحَسَنَةَ﴾ يَعْنِي: الرَّخَاءَ وَالْعَافِيَةَ. ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ: كَثُرُوا ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضراء والسراء﴾ فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ؛ يَعْنُونَ: مَا كَانَ يَعِدُ النَّبِيُّ بِهِ قَوْمَهُ مِنَ الْعَذَابِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (٩٦) إِلَى الْآيَة (١٠١).
﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ: لَأَعْطَتْهُمُ السَّمَاءُ قطرها، وَالْأَرْض نباتها.
آية رقم ٩٧
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بأسنا﴾ عذابنا ﴿بياتا﴾ يَعْنِي: لَيْلًا.
آية رقم ٩٨
وَقَوله: ﴿ضحى﴾ يَعْنِي: نَهَارا ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ كَانَ فِي عملٍ لَا يُجْدِي وَفِي ضَلَالٍ: إِنَّمَا أَنْتَ لاعبٌ؛ أَيْ: فِي غَيْرِ مَا يُجْدِي عَلَيْك.
﴿أَو لم نَهْدِ﴾ أَيْ: نُبَيِّنْ، وَتُقْرَأُ ﴿يَهْدِ﴾ يُبَيِّنُ اللَّهُ.
﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ من بعد أَهلهَا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ أُهْلِكُوا مِنَ الْأُمَمِ السالفة.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٠٢) إِلَى الْآيَة (١١٢).
آية رقم ١٠٢
﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ يَعْنِي: الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي صلب آدم.
آية رقم ١٠٧
فألقى عصاه ... الآية تفسيرها في الآية : ١٠٨.
آية رقم ١٠٨
﴿وَنزع يَده﴾ أَيْ: أَخْرَجَهَا مِنْ جَيْبِ قَمِيصِهِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
بَلَغَنَا أَنَّ مُوسَى قَالَ: يَا فِرْعَوْنُ، مَا هَذِهِ بيَدي؟ قَالَ: هِيَ عصى؛ فَأَلْقَاهَا مُوسَى، فَإِذَا هِيَ ثعبانٌ مبينٌ قَدْ مَلَأَتِ الدَّارَ مِنْ عِظَمِهَا، ثُمَّ أَهْوَتْ إِلَى فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ، فَنَادَى: يَا مُوسَى، يَا مُوسَى، فَأَخَذَ مُوسَى بِذَنَبِهَا؛ فَإِذَا هِيَ عَصًى بِيَدِهِ؛ فَقَالَ فِرْعَوْنُ: يَا مُوسَى، هَلْ مِنْ آيةٍ غَيْرِ هَذِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: فَأَخْرَجَ مُوسَى يَدَهُ فَقَالَ: مَا هَذِهِ يَا فِرْعَوْنُ؟ قَالَ: هَذِهِ يَدُكَ، فَأَدْخَلَهَا مُوسَى فِي جَيْبِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَإِذَا هِيَ بيضاءٌ لِلنَّاظِرِينَ، أَيْ: تغشى الْبَصَر من بياضها
آية رقم ١١١
﴿قَالُوا أرجه وأخاه﴾ أَيْ: أَخِّرْهُ وَأَخَاهُ ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِن حاشرين﴾ يَحْشُرُونَ السَّحَرَةَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ سَاحِرٌ، وَلَيْسَ سِحْرُهُ بِالَّذِي يَغْلِبُ سَحَرَتَكَ..
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١١٣) إِلَى الْآيَة (١٢٦).
آية رقم ١١٢
وأرسل في المدائن حاشرين يحشرون السحرة ؛ فإنما هو ساحر، وليس سحره بالذي يغلب سحرتك.
آية رقم ١١٤
﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يَعْنِي: فِي الْمنزلَة.
﴿واسترهبوهم﴾ أَي: أخافوهم.
﴿وَجَاءُوا بسحرٍ عَظِيم﴾ فَخُيِّلَ إِلَى مُوسَى أَنَّ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهِمْ حياتٌ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ؛ فَإِذَا هِيَ أَعْظَمُ مِنْ حَيَّاتِهِمْ، ثُمَّ رَقَوْا فَازْدَادَتْ حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ عِظَمًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَجُعِلَتْ عَصَا مُوسَى تَعْظُمُ وَهُمْ يَرْقُونَ حَتَّى أَنْفَدُوا سِحْرَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَظُمَتْ عَصَا مُوسَى حَتَّى سَدَّتِ الْأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فَاهَا، فَابْتَلَعَتْ مَا أَلْقَوْا، ثُمَّ أَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ بِيَدِهِ، فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ قَدْ ذَهَبَتْ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تلقف مَا يأفكون﴾ أَي: مَا يكذبُون.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٦: واسترهبوهم أي : أخافوهم.
وجاءوا بسحر عظيم فخيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيات، فألقى موسى عصاه ؛ فإذا هي أعظم من حياتهم، ثم رقوا فازدادت حبالهم وعصيهم عظما في أعين الناس، وجعلت عصا موسى تعظم وهم يرقون حتى أنفدوا سحرهم، فلم يبق منه شيء، وعظمت عصا موسى حتى سدت الأفق، ثم فتحت فاها، فابتلعت ما ألقوا، ثم أخذ موسى عصاه بيده، فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت ؛ وذلك قوله : فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون [ الشعراء : ٤٥ ] أي : ما يكذبون. فوقع الحق فظهر. قال الكلبي : وقال السحرة بعضهم لبعض : لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا.

آية رقم ١١٨
﴿فَوَقع الْحق﴾ فَظَهَرَ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
وَقَالَ السَّحَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ كَانَ هَذَا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا.
آية رقم ١١٩
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٦: واسترهبوهم أي : أخافوهم.
وجاءوا بسحر عظيم فخيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيات، فألقى موسى عصاه ؛ فإذا هي أعظم من حياتهم، ثم رقوا فازدادت حبالهم وعصيهم عظما في أعين الناس، وجعلت عصا موسى تعظم وهم يرقون حتى أنفدوا سحرهم، فلم يبق منه شيء، وعظمت عصا موسى حتى سدت الأفق، ثم فتحت فاها، فابتلعت ما ألقوا، ثم أخذ موسى عصاه بيده، فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت ؛ وذلك قوله : فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون [ الشعراء : ٤٥ ] أي : ما يكذبون. فوقع الحق فظهر. قال الكلبي : وقال السحرة بعضهم لبعض : لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا.

آية رقم ١٢٠
﴿فألقي السَّحَرَة ساجدين﴾ أَيْ: خَرُّوا؛ فَبُهِتَ فِرْعَوْنُ، وَخَلَّى سَبِيلَ مُوسَى وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ.
﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَة﴾ (ل ١٠٩) قُلْتُمْ: يَا مُوسَى، اذْهَبْ فَاصْنَعْ شَيْئًا؛ فَإِذَا صَنَعْتَ ذَلِكَ دَعَانَا فِرْعَوْنُ فَصَدَّقْنَا مَقَالَتَكَ.
﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهلهَا﴾ أَيْ: لِتُخْرِجُونِي وَقَوْمِي بِسِحْرِكُمْ وَسِحْرِ مُوسَى.
آية رقم ١٢٤
﴿لأقطعن أَيْدِيكُم من خلافٍ﴾ الْيَد الْيُمْنَى، وَالرجل الْيُسْرَى.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٢٧) إِلَى الْآيَة (١٢٩).
﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاء من عباده﴾ وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَعْلَمَ مُوسَى أَنَّهُ مهلكٌ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَأَنَّهُ سَيُورِثُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأَرْضَ بَعْدَهُمْ ﴿وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ يُرِيد: الْجنَّة.
﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ يَقُولُهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى؛ يَعْنُونُ: مَا كَانَ يَصْنَعُ بِهِمْ فِرْعَوْنُ وَقَومه.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٣٠) إِلَى الْآيَة (١٣٧).
آية رقم ١٣٠
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنقص من الثمرات﴾ فَأَجْدَبَتْ أَرْضُهُمْ، وَهَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ، وَنَقَصَتْ ثِمَارُهُمْ؛ فَقَالُوا: هَذَا مِمَّا سَحَرَنَا بِهِ هَذَا الرجل.
﴿فَإِذا جَاءَتْهُم الْحَسَنَة﴾ الْعَافِيَةُ وَالرَّخَاءُ ﴿(قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أَيْ: لَنَا جَاءَتْ، وَنَحْنُ أَحَقُّ بهَا ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة﴾ أَيْ: شِدَّةٌ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَه﴾ قَالُوا: إِنَّمَا أَصَابَنَا هَذَا مِنْ شُؤْمِ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ الله﴾ يَعْنِي: عَمَلَهُمْ هُوَ محفوظٌ عَلَيْهِمْ؛ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهِ.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: أَلَا إِنَّمَا الشُّؤْمُ الَّذِي يَلْحَقُهُمْ هُوَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فِي الْآخِرَةِ، لَا مَا يَنَالُهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا؛ وَهُوَ مَعْنَى قَول يحيى.
﴿وَقَالُوا مهما تأتنا بِهِ﴾ أَيْ: مَا تَأْتِنَا بِهِ: مَهْمَا و (مَا) بِمَعْنى واحدٍ.
﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان﴾ الْآيَةَ.
تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: الطُّوفَانُ: الْمَاءُ أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ حَتَّى قَامُوا فِيهِ قِيَامًا، فَدَعَوْا مُوسَى، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ، ثُمَّ عَادُوا لِشَرِّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ، فَأَكَلَ عَامَّةَ حُرُوثِهِمْ وَثِمَارِهِمْ، فَدَعَوْا مُوسَى فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ ثُمَّ عَادُوا لِشَرِّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ وَهُوَ الدُّبَيُّ؛ فَأَكَلَ مَا أَبْقَى الْجَرَادُ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَلَحَسَتْهُ، فَدَعَوْا مُوسَى فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ، ثُمَّ عَادُوا لِشَرِّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ؛ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفَادِعَ؛ حَتَّى مَلَأَ بِهَا فَرْشَهُمْ وَأَفْنِيَتَهُمْ فَدَعَوْا مُوسَى؛ فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ، ثُمَّ عَادُوا لِشَرِّ مَا بِحَضْرَتِهِمْ؛ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَجَعَلُوا لَا يَغْتَرِفُونَ مِنْ مَائِهِمْ إِلَّا دَمًا أَحْمَرَ؛ حَتَّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ جَمَعَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا إِسْرَائِيلِيٌّ وَالْآخَرُ قِبْطِيٌّ عَلَى إناءٍ وَاحِدٍ؛ فَكَانَ الَّذِي يَلِي الْإِسْرَائِيلِيَّ مَاءً، وَالَّذِي يَلِي الْقِبْطِيَّ دَمًا، فَدَعَوْا مُوسَى؛ فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ.
﴿آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ كَانَ الْعَذَاب يَأْتِيهم، فيكونون ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ بَيْنَ كُلِّ عذابين شهرٌ.
﴿إِلَى أجل هم بالغوه﴾ إِلَى يَوْمِ غَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِي الْيَمِّ ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ يَعْنِي: أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ؛ فِي تَفْسِيرِ الْحسن.
﴿وتمت كلمة رَبك الْحسنى﴾ يَعْنِي: ظُهُورُ قَوْمِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ؛ فِي
— 139 —
تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ يبنون.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٣٨) إِلَى الْآيَة (١٤١).
— 140 —
آية رقم ١٣٩
﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ أَي: مُفسد.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٤٢) إِلَى الْآيَة (١٤٣).
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعشر﴾ وَهِيَ: ذُو الْقِعْدَةُ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ:
إِنَّ مُوسَى لَمَّا قَطَعَ الْبَحْرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَغَرَّقَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ - قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: يَا مُوسَى، ائْتِنَا بكتابٍ مِنْ رَبِّنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، وَزَعَمْتَ أَنَّكَ تَأْتِينَا بِهِ إِلَى شَهْرٍ، فَاخْتَارَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ، فَلَمَّا تَجَهَّزُوا قَالَ اللَّهُ: يَا مُوسَى، أَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنَّكَ لَنْ تَأْتِيَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَذَلِكَ حِينَ تَمَّتْ بعشرٍ، فَلَمَّا خَرَجَ مُوسَى بِالسَّبْعِينَ أَمْرَهُمْ أَنْ يَنْتَظِرُوهُ
— 140 —
فِي أَسْفَل الْجَبَل (ل ١١٠) وَصَعِدَ مُوسَى الْجَبَلَ، فَكَلَّمَهُ اللَّهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَكَتَبَ لَهُ فِيهَا الْأَلْوَاحَ، ثُمَّ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً؛ فَقَالُوا: قَدْ أَخْلَفْنَا مُوسَى الْوَعْدَ! وَجَعَلَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ الْعجل؛ فعبدوه.
— 141 —
﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ الْحَسَنُ:
لَمَّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ، دَخَلَ قَلْبَ مُوسَى مِنَ السُّرُورِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى قَلْبِهِ مِثْلُهُ قَطُّ، فَدَعَتْ مُوسَى نَفْسُهُ إِلَى أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ؛ وَلَوْ كَانَ فِيمَا عَهِدَ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُرَى، لَمْ يَسْأَلْ رَبَّهُ بِمَا يَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهِ إِيَّاهُ.
﴿فَقَالَ رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى ربه للجبل جعله دكا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: تَفَتَّتِ الْجَبَلُ بَعْضُهُ عَلَى بعضٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقِيلَ: جَعَلَهُ دَكًّا؛ أَيْ: أَلْصَقَهُ بِالأَرْضِ؛ يُقَالُ: ناقةٌ دَكَّاءُ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سنامٌ. وَقِيلَ فِي قَوْله: ﴿تجلى﴾ أَيْ: ظَهَرَ، أَوْ ظَهَرَ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صعقا﴾ أَيْ: سَقَطَ مَيِّتًا.
قَالَ محمدٌ: وَقيل: (صعقاً): مغشياًّ عَلَيْهِ ﴿فَلَمَّا أَفَاق﴾ يَعْنِي: رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ حَيَاتَهُ.
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك﴾ أَيْ: مِنْ قَوْلِي: أَنْظُرُ إِلَيْكَ ﴿وَأَنا أول الْمُؤمنِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُصَدِّقِينَ بِأَنَّكَ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٤٤) إِلَى الْآيَة (١٤٥).
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شيءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شيءٍ﴾ أَيْ: تَبِيِّينًا لِكُلِّ مَا أُمِرُوا بِهِ، وَنُهُوا عَنْهُ.
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أَيْ: بِجَدٍّ ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحسنها﴾ أَيْ: بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ﴿سأريكم دَار الْفَاسِقين﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ؛ وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٤٦) إِلَى الْآيَة (١٤٧).
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْض﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: سَأَصْرِفُهُمْ عَنْهَا؛ حَتَّى لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴿وَإِنْ يرَوا سَبِيل الغي﴾ يَعْنِي: الْكفْر ﴿يتخذوه سَبِيلا﴾ أَخْبَرَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ؛ أَنَّهُمْ لَا يُؤمنُونَ أبدا.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٤٨) إِلَى الْآيَة (١٤٩).
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾ يَعْنِي: حِينَ ذَهَبَ لِلْمِيعَادِ ﴿مِنْ حليهم﴾ مِنْ حُلِيِّ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿عِجْلا جسدا لَهُ خوار﴾ صَوْتٌ.
قَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ يَخُورُ خُوَارَ الْبَقْرَةِ. وَتَفْسِيرُ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ مذكورٌ فِي سُورَةِ طه.
قَالَ محمدٌ: الْجَسَدُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَلا يَمِيزُ، وَمعنى الْجَسَد هَا هُنَا: الْجُثَّةُ. وَتُقْرَأُ ﴿مِنْ حَلْيِهِمْ﴾ وَ ﴿حَلْيِهِمْ﴾، فَالْحَلْيُ بِفَتْحِ الْحَاءِ: اسمٌ لِمَا يُتَحَسَّنُ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِضَمِّ الْحَاءِ فَهُوَ جَمْعُ (حليٍ).
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنه لَا يكلمهم﴾ يَعْنِي: الْعِجْلَ.
﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا ﴿اتخذوه﴾ أَيْ: اتَّخَذُوهُ إِلَهًا.
﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ لأَنْفُسِهِمْ
﴿وَلما سقط فِي أَيْديهم﴾ أَيْ: نَدِمُوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضلوا﴾ الآيَةُ. قَالُوا ذَلِكَ لِمَا صَنَعَ مُوسَى بِالْعِجْلِ مَا صَنَعَ، وَطَلَبُوا التَّوْبَةَ، وَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ، إِلا أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ؛ وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقْرَةِ.
قَالَ محمدٌ: يُقَالُ لِلْنَادِمِ عَلَى مَا فَعَلَ: قَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ، وَأُسْقِطَ فِي يَده.
— 143 —
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٥٠) إِلَى الْآيَة (١٥١).
— 144 —
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان أسفا﴾ أَيْ: شَدِيدَ الْغَضَبِ.
﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ ربكُم﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: عَجِلْتُ الأَمْرَ إِذَا سَبَقْتُهُ، وَأَعْجَلْتُهُ: إِذَا اسْتَحْثَثْتَهُ.
﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ استضعفوني﴾.
قَالَ محمدٌ:
مَنْ قَرَأَ (ابْنَ أُمَّ) بِالْفَتْحِ، فَلِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ هَذَا الِاسْم.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٥٢) إِلَى الْآيَة (١٥٥).
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاة﴾ يَعْنِي: الْجِزْيَةَ ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الْكَاذِبِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعِجْلَ إلههم
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أَيْ: سَكَنَ ﴿أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نسختها﴾ يَعْنِي: الْكِتَابَ الَّذِي نُسِخَتْ مِنْهُ التَّوْرَاة.
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا﴾ الآيَةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مِنْ كَلامِ الْعَرَب: اخْتَرْتُك (ل ١١١) الْقَوْمَ؛ أَيْ: مِنَ الْقَوْمِ.
قَالَ الْكَلْبِيّ:
إِن السّبْعين قَالَ لِمُوسَى حِينَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ: يَا مُوسَى لَنَا عَلَيْكَ حَقٌّ كُنَّا أَصْحَابَكَ وَلَمْ نَخْتَلِفْ، وَلَمْ نَصْنَعِ الَّذِي صَنَعَ قَوْمُنَا؛ فَأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً كَمَا رَأَيْتَهُ، فَقَالَ مُوسَى: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ، وَلَقَدْ أَرَدْتُهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَبَى وَتَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَكَانَ دَكًّا وَهُوَ أَشَدُّ مِنِّي، وَخَرَرْتُ صَعِقًا، فَلَمَّا أَفَقْتُ سَأَلْتُ اللَّهَ وَاعْتَرَفْتُ بِالْخَطِيئَةِ. فَقَالُوا: إِنَّا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ؛ فَاحْتَرَقُوا مِنْ آخِرِهِمْ، فَظَنَّ مُوسَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا احْتَرَقُوا بِخَطِيئَةِ أَصْحَابِ الْعِجْلِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ يَعْنِي: أَصْحَابَ الْعِجْلِ ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فتنتك﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ بَعَثَهُمُ الله من بعد مَوْتهمْ.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٥٦) إِلَى الْآيَة (١٥٩).
﴿إِنَّا هدنا إِلَيْك﴾ أَيْ: تُبْنَا.
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ يَعْنِي: أَهْلَهَا. لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، تَطَاوَلَ لَهَا إِبْلِيسُ، وَقَالَ: أَنَا مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَطَمِعَ فِيهَا أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فسأكتبها﴾ يَعْنِي: فسأجعلها ﴿للَّذين يَتَّقُونَ﴾ الشّرك ﴿وَيُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ التَّوْحِيد.
﴿وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات﴾ يَعْنِي: الشُّحُومَ وَكُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴿وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث﴾ يَعْنِي: الْحَرَامَ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ ثِقَلَهُمْ؛ وَهُوَ مَا كَانَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
﴿وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: مَا كَانَ شُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ.
﴿وعزروه﴾ أَيْ: عَظَّمُوهُ ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنزل مَعَه﴾ أَي: عَلَيْهِ؛ يَعْنِي: الْقُرْآن.
آية رقم ١٥٩
﴿وَمن قوم مُوسَى أمة﴾ أَي: جمَاعَة ﴿يهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: يَدْعُونَ إِلَيْهِ
— 146 —
﴿وَبِه يعدلُونَ﴾ يحكمون.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٦٠) إِلَى الْآيَة (١٦٢).
— 147 —
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَالَ محمدٌ: (الأَسْبَاطُ): الْقَبَائِلُ، وَاحِدُهَا: سِبْطٌ، وَالسِّبْطُ فِي اللُّغَة: الْجَمَاعَة الَّذين يرجعُونَ إِلَى أبٍ وَاحِدٍ.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وَقَدْ فَسَّرْنَا أَمْرَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَة.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٦٣) إِلَى الْآيَة (١٦٦).
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦٠: وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما يعني : بني إسرائيل.
قال محمد :( الأسباط ) : القبائل، واحدها : سبط، والسبط في اللغة : الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد١.
وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر... إلى قوله : بما كانوا يظلمون وقد فسرنا أمرهم في سورة البقرة.
١ انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي (٢/٣٦٠) (مادة / سبط)..

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦٠: وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما يعني : بني إسرائيل.
قال محمد :( الأسباط ) : القبائل، واحدها : سبط، والسبط في اللغة : الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد١.
وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر... إلى قوله : بما كانوا يظلمون وقد فسرنا أمرهم في سورة البقرة.
١ انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي (٢/٣٦٠) (مادة / سبط)..

﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت﴾ أَيْ: يَعْتَدُونَ.
﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أَيْ: شَوَارِعٌ فِي الْمَاءِ.
﴿كَذَلِكَ نبلوهم﴾ أَي: نبتليهم.
﴿وَإِذ قَالَت أمة مِنْهُم﴾ الآيَةَ.
تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: الْقَرْيَةُ: هِيَ (أَيْلَةُ) وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ دَاوُدَ؛ وَهُوَ مَكَانٌ مِنَ الْبَحْرِ تَجْتَمِعُ فِيهِ الْحِيتَانُ فِي شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ؛ كَهَيْئَةِ الْعِيدِ، تَأْتِيهِمْ مِنْهُ حَتَّى لَا يَرَوُا الْمَاءَ، وَتَأْتِيهِمْ فِي غَيْرِ ذَلِك الشَّهْر كُلِّ يَوْمِ سبتٍ؛ كَمَا تَأْتِيهِمْ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ، فَإِذَا جَاءَ السَّبْتُ لَمْ يَمَسُّوا مِنْهَا شَيْئًا، فَعَمَدَ رجالٌ مِنْ سُفَهَاءِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ؛ فَأَخَذُوا الْحِيتَانَ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَيَوْمَ السَّبْتِ، فَأَكْثَرُوا مِنْهَا وَمَلَّحُوا وَبَاعُوا، وَلَمْ تَنْزِلْ بِهِمْ عقوبةٌ فَاسْتَبْشَرُوا، وَقَالُوا: إِنَّا نَرَى السَّبْتَ قَدْ حَلَّ، وَذَهَبَتْ حُرْمَتُهُ، إِنَّمَا كَانَ يُعَاقَبُ بِهِ آبَاؤُنَا، فَعَمِلُوا بِذَلِكَ سِنِينَ؛ حَتَّى أَثْرَوْا مِنْهُ، وَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ، وَاتَّخَذُوا الأَمْوَالَ، فَمَشَى إِلَيْهِمْ طَوَائِفٌ مِنْ صَالِحِيهِمْ؛ فَقَالُوا: يَا قَوْمُ، انْتَهَكْتُمْ حُرْمَةَ سَبْتِكُمْ، وَعَصَيْتُمْ رَبَّكُمْ، وَخَالَفْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، فَانْتَهُوا عَنْ هَذَا الْعَمَلِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ ﴿قَالُوا: فَلِمَ تَعِظُونَنَا إِذْ كُنْتُمْ عَلِمْتُمْ أَن الله مهلكنا؟﴾ وَإِن أطعمتمونا لَتَفْعَلُنَّ كَالَّذِي فَعَلْنَا، فَقَدْ فَعَلْنَا مُنْذُ سِنِينَ فَمَا زَادَنَا اللَّهُ بِهِ إِلَّا خَيْرًا. قَالُوا: وَيْلَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا وَلا تَأْمَنُوا بَأْسَ اللَّهِ
— 148 —
[... ] كَأَنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ، قَالُوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وَفِي غَيْرِ تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ: صَارُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ اجْتَرَأَتْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَفِرْقَةٌ نَهَتْ، وَفِرْقَةٌ كَفَّتْ؛ فَلَمْ تَصْنَعْ مَا صَنَعُوا وَلم تنههم وَقَالُوا (ل ١١٢): لِلَّذِينَ نَهَوْا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
قَالَ محمدٌ: يَجُوزُ الرَّفْعُ فِي ﴿معذرة﴾ عَلَى مَعْنَى: مَوْعِظَتُنَا إِيَّاهُمْ مَعْذِرَةٌ.
— 149 —
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: تَرَكُوا مَا وُعِظُوا بِهِ.
﴿أَخَذْنَاهُم بعذابٍ بئيس﴾ أَي: شَدِيد ﴿قردة خَاسِئِينَ﴾ أَيْ مُبْعَدِينَ.
قَالَ قَتَادَةُ: فَصَارُوا قردةً تعاوى لَهَا أَذْنَابٌ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ دُخِلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْمُصْحَفُ، وَهُوَ يَبْكِي وَقَدْ أَتَى عَلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ الَّذِينَ أَخَذُوا الْحِيتَانَ، وَنَجَّى الَّذين نهوهم، وَلَا أَدْرِي مَا صَنَعَ بِالَّذِينَ لَمْ يَنْهَوْا وَلَمْ يُوَاقِعُوا الْمَعْصِيَةَ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَأَيُّ نَهِيٍّ يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا لَهُمُ الْوَعِيدَ، وَخَوَّفُوهُمُ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عذَابا شَدِيدا﴾.
— 149 —
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٦٧) إِلَى الْآيَة (١٧٠).
— 150 —
﴿وَإِذ تَأذن رَبك﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: أَعْلَمَ رَبُّكَ ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ من يسومهم﴾ أَي: يوليهم ﴿سوء الْعَذَاب﴾ أَيْ: شِدَّتُهُ.
قَالَ قَتَادَةُ: فَبَعَثَ عَلَيْهِم الْعَرَب، فهم مِنْهُ فِي عذابٍ بِالْجِزْيَةِ وَالذُّلِّ.
﴿إِنَّ رَبك لسريع الْعقَاب﴾ قَالَ الْحَسَنُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَ قَوْمًا كَانَ عَذَابُهُ إِيَّاهُمْ أَسْرَعَ مِنَ الطَّرْفِ.
﴿وَإِنَّهُ لغَفُور رَحِيم﴾ لمن تَابَ وآمن.
﴿وقطعناهم فِي الأَرْض﴾ أَيْ: فَرَّقْنَاهُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الْيَهُود ﴿مِنْهُم الصالحون﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: كفَّارًا ﴿وبلوناهم﴾ اختبرناهم ﴿بِالْحَسَنَاتِ والسيئات﴾ يَعْنِي: بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إِلَى الْإِيمَان
﴿فخلف من بعدهمْ خلف﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْخَلْفُ: النَّصَارَى بَعْدَ الْيَهُودِ.
قَالَ محمدٌ: ذَكَرَ قطربٌ أَنَّهُ يُقَالُ:
خَلْفُ سوءٍ، وَخَلْفُ صِدْقٍ، وَخَلَفُ
— 150 —
سوءٍ وَخَلَفُ صدقٍ بِتَسْكِينِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا فِي الْحَالَيْنِ. وَأَنْشَدَ بَيْتَ حسان ابْن ثَابِتٍ:
(لَنَا الْقَدَمُ الأُولَى [عَلَيْهِمْ] وَخَلْفُنَا لأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ)
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَنَّ الاخْتِيَارَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يُوضَعَ الْخَلْفُ - بِتَسْكِينِ اللَّامِ - مَوْضِعَ الذَّمِّ، وَالْخَلَفُ - بِالْفَتْحِ - مَوْضِعَ الْمَدْحِ.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مثله يأخذوه﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: مَا أَشْرَفَ لَهُمْ فِي الْيَوْمِ مِنْ حلالٍ أَوْ حرامٍ أَخَذُوهُ، وَيَتَمَنَّوْنَ الْمَغْفِرَةَ، وَإِنْ يَجِدُوا الْغَدَ مِثْلَهُ يَأْخُذُوهُ.
﴿ودرسوا مَا فِيهِ﴾ يَقُولُ: قَرَءُوا مَا فِيهِ، فِي هَذَا الْكِتَابِ؛ بِخِلافِ مَا يَقُولُونَ وَمَا يعْملُونَ ﴿أَفلا يعقولون﴾ مَا يدرسون
— 151 —
آية رقم ١٧٠
﴿وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: مَنْ آمَنَ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٧١) إِلَى الْآيَة (١٧٤).
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظلة﴾ أَيْ: رَفَعْنَاهُ؛ وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ رَفْعِ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَة.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدم من ظُهُورهمْ ذرياتهم﴾ إِلَى قَوْله: ﴿شَهِدنَا﴾ تَفْسِيرُ ابْنِ عباسٍ قَالَ:
أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ بِالْهِنْدِ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ؛ فَأَخْرَجَ مِنْهُ كُلَّ نسمةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثمَّ قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا؛ فَقَالَ لِلْمَلائَكَةِ: اشْهَدُوا، فَقَالُوا: شَهِدْنَا. قَالَ الْحَسَنُ: ثُمَّ أَعَادَهُمْ فِي صلب آدم ﴿أَن تَقولُوا﴾ أَيْ: لِئَلا تَقُولُوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾
﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بعدهمْ﴾ وجدناهم على ملةٍ فاتبعناهم ".
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٧٥) إِلَى الْآيَة (١٧٨).
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا﴾.
قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ بَلْعَانُ بْنُ بَعْرَانَ - وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ: بَلْعَمُ - آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا فَتَرَكَهُ.
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ من الغاوين﴾ أَيْ: كَفَرَ.
قَالَ محمدٌ: يُقَالُ: أَتْبَعْتُ الرَّجُلَ إِذَا لَحِقْتَهُ، وَتَبِعْتَهُ إِذا سرت فِي أَثَره.
﴿وَلَو شِئْنَا لرفعناه بهَا﴾ أَي: بِآيَاتِنَا ﴿لكنه أخلد إِلَى الأَرْض﴾ ٦ أَيْ: رَكَنَ إِلَى الدُّنْيَا ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أَيْ: أَبَى أَنْ يَصْحَبَ الْهُدَى.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ ﴿ل ١١٣﴾ أَيْ: تَطْرُدُهُ ﴿يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: هُوَ ضالٌّ عَلَى كُلِّ حالٍ؛ وَعَظْتَهُ أَوْ تَرَكْتَهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيلَ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِتَارِكِ أَمْرِهِ أَخَسَّ مَثَلٍ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ لاهِثًا - وَاخْتَصَرَ (لاهِثًا) - ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تتركه يَلْهَث﴾ وَلَهْثَانُهُ: اضْطِرَابُ لِسَانِهِ وَصَوْتِهِ الَّذِي يردد عِنْد ذَلِك؛ كَأَنَّهُ معيى أَوْ عَطْشَانُ؛ وَإِذَا كَانَ الْكَلْبُ بِهَذِهِ الْحَالِ، فَهِيَ أَخَسُّ أَحْوَالِهِ.
آية رقم ١٧٧
﴿سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: سَاءَ مَثَلا مثل الْقَوْم.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٧٩) إِلَى الْآيَة (١٨١).
﴿وَلَقَد ذرأنا﴾ خلقنَا ﴿لِجَهَنَّم كثيرا من الْإِنْس وَالْجِنّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الْهُدَى ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بهَا﴾ الْهُدَى ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بهَا﴾ الْهُدَى ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضلّ﴾ مِنَ الأَنْعَامِ فِيمَا تَعَبَّدُوا بِهِ ﴿أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ عَن الْآخِرَة.
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
يحيى: عَنْ خداشٍ، عَنْ محمدٍ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لِلَّهِ تسعةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ غَيْرُ واحدٍ؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
قَالَ مُحَمَّدٌ: (مَعْنَى أَحْصَاهَا): حَفِظَهَا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَقَرَّ لِلَّهِ بِهَا وَتَعَبَّدَ.
— 154 —
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أَيْ: يَمِيلُونَ؛ فَسَمَّوْا مَكَانَ اللَّهِ: الَّلاتَ، وَمَكَانَ الْعَزِيزِ: الْعُزَّى.
﴿وَذَرُوا﴾ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ منسوخٌ، نَسَخَهُ الْقِتَال.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٨٢) إِلَى الْآيَة (١٨٦).
— 155 —
آية رقم ١٨١
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾ أَيْ: يَحْكُمُونَ.
قَالَ قَتَادَةُ:
ذُكِرَ لَنَا أَن نَبِي اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: " هَذِهِ لَكُمْ، وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ الْقَوْمَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِثْلَهَا "؛ يَعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
آية رقم ١٨٢
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿متين﴾ هُوَ كَقَوْلِهِ:
﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ الْآيَة.
وَمعنى ﴿أملي لَهُم﴾: أُطِيلُ لَهُمْ، وَمَعْنَى (كَيْدِي مَتِينٌ): عَذَابي شَدِيد.
آية رقم ١٨٣
ومعنى أملي لهم : أطيل لهم، ومعنى كيدي متين : عذابي شديد.
﴿أَو لم يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جنةٍ﴾ وَهَذَا جوابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِمْ لِلْنَبِيِّ إِنَّهُ مجنونٌ يَقُولُ: لَوْ تَفَكَّرُوا، لَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بمجنونٍ.
﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ﴾ يُنْذِرُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﴿مُبِينٌ﴾ يبين عَن الله.
﴿أَو لم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَوَات﴾ يَعْنِي: مُلْكَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَا أَرَاهَمُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ فِيهِمَا ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شيءٍ﴾ وَإِلَى مَا خَلَقَ مِنْ شيءٍ مِمَّا يَرَوْنَهُ فَيَتَفَكَّرُوا، فَيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا قادرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قد اقْترب أَجلهم﴾ فَيُبَادِرُوا التَّوْبَةَ قَبْلَ الْمَوْتِ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيث بعده﴾ بعد الْقُرْآن ﴿يُؤمنُونَ﴾ يصدقون.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٨٧) فَقَط.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ مَتَى قِيَامُهَا؟
قَالَ محمدٌ: وَقِيلَ: الْمَعْنَى: مَتَى يَبْعَثُهَا؛ لأَنَّهَا جاريةٌ إِلَى حدٍّ، وَيُقَالُ: رَسَا الشَّيْءُ يَرْسُو؛ إِذَا ثَبَتَ.
— 156 —
﴿لَا يجليها﴾ لَا يظهرها ﴿لوَقْتهَا﴾ فِي وَقْتِهَا ﴿إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض، حَتَّى تشققت لَهَا السَّمَوَات، وَانْتَثَرَتِ النُّجُومُ، وَذَهَبَتْ جِبَالُ الأَرْضِ وَبِحَارُهَا.
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾.
يحيى: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِهِ فَمَا يَطْوِيَانِهِ؛ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ قَدْ رَفَعَ أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَمَا تَصِلُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ".
﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّك حفي عَنْهَا﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: قَالَتْ قريشٌ: يَا مُحَمَّدُ، أَسِرَّ إِلَيْنَا أَمْرَ السَّاعَةِ؛ لِمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ هِيَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ مُقَدَّمَةٌ يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حفيٌّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقِيلَ: الْمَعْنَى: كَأَنَّكَ معنيٌّ بِطَلَبِ عِلْمِهَا؛ يُقَالُ: حَفَيْتُ بِالأَمْرِ أَحْفِي بِهِ حَفَاوَةً؛ إِذَا عَنَيْتُ بِهِ.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٨٨) فَقَط.
(ل ١١٤)
— 157 —
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ الله﴾ أَيْ: إِنَّمَا
— 157 —
ذَلِكَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْر﴾ أَيْ: لَوْ أَطْلَعَنِي عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا أَطْلَعَنِي عَلَيْهِ مِنَ الْغَيْبِ لَكَانَ أَكْثَرَ لِخَيْرِي عِنْدَهُ، وَلَمْ يُطْلِعَنِي عَلَى عِلْمِ السَّاعَةِ مَتَى قِيَامهَا ﴿وَمَا مسني السوء﴾ هَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ قُلْ: ﴿وَمَا مسني السوء﴾ الْآيَة.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٨٩) إِلَى الْآيَة (١٩٢).
— 158 —
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يَعْنِي: حَوَّاءَ؛ خَلَقَهَا مِنْ ضِلَعِ آدَمَ الْقُصَيْرَى الْيُسْرَى ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ:
حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا - يَعْنِي: حَوَّاءَ - فَمَرَّتْ بِهِ - أَيْ: قَامَتْ بِهِ وَقَعَدَتْ - ثُمَّ أَتَاهَا الشَّيْطَانُ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ؛ فَقَالَ: يَا حَوَّاءُ، مَا هَذَا فِي بَطْنِكِ؟ فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي. قَالَ: لَعَلَّهُ بهيمةٌ مِنْ هَذِهِ الْبَهَائِمِ، فَقَالَتْ: مَا أَدْرِي. فَأَعْرَضَ عَنْهَا؛ حَتَّى إِذَا أَثْقَلَتْ أَتَاهَا، فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ تَجِدِينَكِ يَا حَوَّاءُ؟ قَالَتْ: إِنَّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي خَوَّفْتَنِي، مَا أَسْتَطِيعُ الْقِيَامُ إِذَا قَعَدْتُ. قَالَ: أَفَرَأَيْتِ إِنْ دَعَوْتِ اللَّهَ، فَجَعَلُهُ إِنْسَانًا مِثْلَكِ أَوْ مِثْلَ آدَمَ، أَتُسَمِّينَهُ بِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَانْصَرَفَ عَنْهَا وَقَالَتْ لآدَمَ: إِنَّ الَّذِي فِي بَطْنِي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بَهِيمَةً مِنْ هَذِهِ الْبَهَائِمِ، وَإِنِّي لأَجِدُ لَهُ ثِقَلا، وَلَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ، فَلَمْ يَكُنْ لآدَمَ وَلا لِحَوَّاءَ همٌّ
— 158 —
غَيْرُهُ حَتَّى وَضَعَتْ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالحا﴾ أَيْ: إِنْسَانًا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ كَانَ هَذَا دُعَاءَهُمَا قَبْلَ أَنْ تَلِدَ، فَلَّمَا وَلَدَتْ أَتَاهُمَا إِبْلِيسُ، فَقَالَ: أَلا تُسَمِّينَهُ بِي؛ كَمَا وَعَدْتِنِي؟ قَالَتْ: وَمَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَبْدُ الْحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ؛ فَمَاتَ.
— 159 —
قَالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَ شِرْكًا فِي طَاعَتِهِمَا لإِبْلِيسَ فِي تَسْمِيَتِهِمَا إِيَّاهُ: عَبْدَ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَكُنْ شِرْكًا فِي عبادةٍ.
— 159 —
ثُمَّ انْقَطَعَتْ قِصَّةُ آدَمَ وَحَوَّاءَ.
﴿فتعالى الله عَمَّا يشركُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ.
— 160 —
آية رقم ١٩١
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يخلقون﴾ يَعْنِي: الأَوْثَانَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تنحتون﴾ بِأَيْدِيكُمْ.
آية رقم ١٩٢
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُم نصرا﴾ الآيَةَ.
يَقُولُ: وَلا تَنْصُرُ الأَوْثَانُ أَنْفسهَا، وَلَا من عَبدهَا.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٩٣) إِلَى الْآيَة (١٩٦).
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله عباد أمثالكم﴾ أَيْ: مَخْلُوقُونَ ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَنهم آلِهَة
﴿ألهم أرجل﴾ إِلَى قَوْله: ﴿يسمعُونَ بهَا﴾ أَيْ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ يَعْنِي: أَوْثَانَكُمْ ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تنْظرُون﴾ أَيْ: اجْهَدُوا عَلَيَّ جُهْدَكُمْ.
﴿إِنَّ وليي الله﴾.
سُورَة الْأَعْرَاف من الْآيَة (١٩٧) إِلَى الْآيَة (٢٠٦).
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يسمعوا﴾ أَيْ: سَمْعَ قبولٍ ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك﴾ يَعْنِي: وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ بِقُلُوبِهِمْ.
آية رقم ١٩٩
﴿خُذ الْعَفو﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُ: خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ بِغَيْرِ [تحسسٍ].
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْعَفْوُ فِي كَلامِ الْعَرَبِ: مَا أُتِيَ بِغَيْرِ كلفةٍ.
﴿وَأمر بِالْعرْفِ﴾ بِالْمَعْرُوفِ ﴿وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين.
وَقَوله: ﴿أعرض﴾ منسوخٌ، نسخه الْقِتَال.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: النَّزْغُ: الْوَسْوَسَةُ.
قَالَ محمدٌ: وَأَصْلُ النَّزْغِ: الْحَرَكَةُ؛ تَقُولُ: قد نزغته؛ إِذا حركته.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طائف من الشَّيْطَان تَذكرُوا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: طائفٌ مِنَ الطُّوفَانِ؛ أَيْ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِوَسَاوِسِهِ؛ يَأْمُرُهُمْ بالمعصية ﴿فَإِذا هم مبصرون﴾ أَي: تائبون من الْمعْصِيَة
آية رقم ٢٠٢
﴿وإخوانهم﴾ يَعْنِي: إِخْوَانَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الشَّيَاطِينَ ﴿يمدونهم﴾ (ل ١١٥) أَيْ: يَزِيدُونَهُمْ ﴿فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يقصرون﴾ فِي هَلَكَتِهِمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ مِنَ الْمَدَدِ الَّذِي يَمُدُّونَهُمْ ﴿فِي الغي﴾: بِأَسْبَابِ الْغَيِّ، يُقَالُ: [مَدَدْتُهُ] بِالسِّلاحِ، وَأَمْدَدْتُهُ بِكَذَا؛ لِمَا يَمُدُّهُ بِهِ. وَلِبَعْضِهِمْ يَذْكُرُ الأَمْوَاتَ:
— 162 —
(نَمُدُّهُمْ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بَقِيَّتِنَا وَلا يَئُوبُ إِلَيْنَا مِنْهُمُ أحدٌ}.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجتبيتها﴾ أَيْ: هَلا جِئْتَ بِهَا مِنْ عنْدك. قَالَ الله: ﴿قل﴾ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بصائر﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
قَالَ محمدٌ: وَاحِدُ الْبَصَائِرِ: بصيرةٌ؛ وَهِيَ كلمةٌ: تَتَصَرَّفُ عَلَى وُجُوهٍ، وَأَصْلُهَا بَيَانُ الشَّيْءِ وظهوره.
— 163 —
آية رقم ٢٠٤
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخيفةً﴾ أَيْ: مَخَافَةً مِنْهُ.
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ من القَوْل بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ يَعْنِي: الْعَشِيَّاتِ. وَهَذَا حِينَ كَانَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ غَدْوَةً، وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيَّةً قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
﴿وَلَا تكن من الغافلين﴾ عَن الله، وَعَن دينه.
﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك﴾ يَعْنِي: الْمَلائِكَةَ ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته ويسبحونه وَله يَسْجُدُونَ﴾.
— 163 —
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كلهَا
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (١) فَقَط.
— 164 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

161 مقطع من التفسير