تفسير سورة سورة يس

الشعراوي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
ابن باديس
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير الشعراوي

الشعراوي (ت 1419 هـ)

آية رقم ١
(يس) يصح أنْ تكون حروفاً مُقطَّعة مثل (الم) و (طه)، ويصح أنْ تكون حروفاً مُقطّعة صادفتْ اسماً؛ لذلك من أسمائه صلى الله عليه وسلم: يس وطه، ولا مانع أن يكون الاسم على حرفين، بل على حرف واحد مثل (ن) في قوله تعالى: نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم: ١] وقد جُعِل عَلَماً على سيدنا ذي النون عليه السلام، كذلك؛ (ق) أصبح عَلَماً على الجبل المعروف. إذن: هذه حروف مُقطَّعة، يمكن أنْ تُنقل إلى العَلَمية، ويُسمَّى بها.
وكثيراً ما تحدَّثنا عن الحروف المقطَّعة في أوائل السور، وكلما مَرَّ بنا حروف مُقطَّعة لا بُدَّ أنْ نتحدث عَمَّا تحتمله من المعاني، والذي يثبت في الذِّهْن أن الحرف له اسم ومُسمَّى، اسم الحرف لا يعرفه إلا المتعلم، أما مُسمَّى الحرف فيعرفه المتعلم ويعرفه الأمي، الأمي مثلاً يعرف الفعل (أكل) ويقول: أكلتُ، لكن لا يستطيع أنْ يتهجَّى حروفه؛ لأنه لا يعرف إلا مُسمَّى الحروف، أما المتعلم فيعرف اسم الحرف فيقول: ألف فتحة، وكاف فتحة، ولام فتحة. فكيف إذن عرف محمد صلى الله عليه وسلم أسماء هذه الحروف ونطق بها، وهو الأمي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة؟ الجواب: أنه عُلِّم وعُرف من ربه عز وجل.
والقرآن جاء معجزة يتحدَّى القوم فيما نبغوا فيه، والعرب كانوا أهلَ فصاحة وبيان، ويكفي أنهم كانوا يقيمون المعارض والأسواق للكلمة، كما نقيم نحن الآن المعارض للصناعات المتميزة، ومعروف عند العرب سوق عكاظ وسوق المربد والمجنة.. الخ.
وقد بلغ من اهتمامهم بالكلمة والأسلوب أنْ يُعلقوا القصائد الشهيرة عندهم على الكعبة، وسُمِّيت هذه القصائد "المعلَّقات"، وهي أشهر ما عُرِف من الشعر الجاهلي.
وكَوْن القرآن يتحداهم هذه شهادة لهم بالتفوق، فالضعيف لا يُتحدى بل القوى، كما نرى الآن مثلاً في تحطيم الرقم القياسي في مجال من المجالات.
وتحدِّي القرآن للعرب في الفصاحة والبلاغة مثل تحدَِّي سيدنا موسى للسحرة، وتحدِّي سيدنا عيسى للأطباء، إذن: هذه سنة متبعة في جميع الأمم يتحداها الحق سبحانه بما نبغوا فيه. كذلك القرآن الكريم جاء بلغة العرب وحروفهم وكلماتهم التي ينطقون بها، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله، لماذا مع أن مادة الكلام واحدة؟
قالوا: لأن المتكلم بالقرآن هو الحق سبحانه.
وقد أوضحنا هذه المسألة بمَثَل - ولله المثل الأعلى - قُلْنا: لو أردتَ اختبار مجموعة من عمال النسيج أيُّهم أمهر لا يصح أنْ تعطي أحدهم مثلاً حريراً، وآخر قطناً، وآخر صوفاً؛ لأن المادة الخام مختلفة، إنما تعطي الجميع مادة واحدة، ثم تنظر في نسيج كل منهم، كذلك القرآن ولغة العرب، المادة واحدة لكن المتكلم هنا العرب، والمتكلم هنا الحق سبحانه.
وحين تتأمل حروف العربية تجدها ثمانية وعشرين حرفاً، والحروف المقطَّعة في القرآن أربعة عشر، فهي إذن نصف الحروف العربية. وللفخر الرازي -رحمه الله - جدول مدهش ينظم هذه الحروف، ويوضح أنها وُضعِت هكذا لحكمة، ووُضِعَتْ بقدر وحساب، هذه الحروف الأربعة عشر تقسم كما يلي:
مجموع حروف اللغة ثمانية وعشرون حرفاً، التسعة الأوائل بداية من الألف إلى الذال لم تأخذ الحروف المقطعة منها إلا حرفين: الألف والحاء، وتركت منها سبعة أحرف أما التسعة أحرف الأخيرة، وتبدأ من الفاء فقد أخذتْ منها الحروف المقطعة سبعة أحرف هي: القاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والياء وتركتْ منها الفاء والواو، فهي إذن على عكس التسعة الأُول.
أما الحروف العشرة في الوسط، والتي تبدأ من الراء وتنتهي بالغين، فلها نَسَق آخر، حيث أخذت الحروفُ المقطعة منها الأحرف غير المنقوطة، وهي الراء والسين والصاد والطاء والعين، وتركت منها الزاي والشين والضاد والظاء والغين.
كذلك حين نتأمل مثلاً حروف الحَلْق تجد الخاء في المجموعة الأولى لم تُذكر في الحروف المقطعة، وذُكِرت الميم في المجموعة الأخيرة.
وهكذا نرى أن هذه الحروف لم تُوضع هكذا اعتباطاً أو كما اتفق، إنما وُضِعت بقدر ونظام له حكمة ووراءه أسرار، وُضِعت بهندسة مقصودة الذات فهي مثل سنان المفتاح، والله سبحانه وتعالى يفتح بها لمَنْ يشاء، ومن حكمته تعالى أنه لم يُعْطِ كل أسرار هذه الحروف لجيل من الأجيال، إنما وزَّع عطاءها على مَرِّ الأزمان بحيث لا يستقبل جيل من الأجيال كلامَ الله بلا عطاء، وليظل القرآن نوراً يضيء جنبات الدنيا إلى قيام الساعة؛ لذلك يقول سبحانه: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣].
هذه السين الدالة على الاستقبال نطق بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال سَنُرِيهِمْ [فصلت: ٥٣] وظهرت في عهده أسرار، ونطق بها مَنْ بعده من الأجيال المتعاقبة، وظهرت لها أسرار، وسنظل ننطق بها وتتجلَّى لنا أسرارها إلى قيام الساعة، وإلى أنْ تظهر الآية الكبرى وهي القيامة. إذن: فعطاء القرآن عطاء مستمر لا ينقطع أبداً.
لذلك لما تناقشنا مع بعض المستشرقين في سان فرانسيسكو حول موضوع المخترعين والمكتشفين الذين خدموا البشرية وأسعدوها باختراعاتهم واكتشافاتهم. قال أحدهم: عجباً للمسلمين! لماذا لا يدخل هؤلاء المكتشفون الذين أسعدوا البشرية الجنة؟ فأوضحنا له أنهم نعم خدموا البشرية، لمن لم يكُنِ الله في بالهم حين اكتشفوا ما اكتشفوا، بل كان في بالهم الشهرة والمجد والذِّكْر بين الناس، وقد نالوا ما يريدون فخلّدنا ذِكْراهم وأقمنا لهم التماثيل.. الخ فينطبق عليهم الحديث: إذن: هؤلاء العلماء الذين خدموا البشرية وأسعدوها وهم غير مؤمنين بالله ما هم إلا خَدَم سخَّرهم الله لخدمة البشر، فهم كالشمس والقمر وغيرهما، سخرهما الله للإنسان لفائدته ولمنفعته، ما هم إلا جنود من جنود الله يخدمون هذا الحرف في سَنُرِيهِمْ [فصلت: ٥٣] ليظل يعطي على مَرِّ الأزمان، وفي كل المستقبل.
هؤلاء العلماء غير المؤمنين بالله مَثَلهم كمثَل خادم عندك قُلْتَ له: احمل هذا الحجر مثلاً، فقال لك إنه ثقيل عليَّ لا أقوى على حَمْله، فإنْ قلت له: استعِنْ بمَنْ يحمله معك ربما قال لك لا أجد، لكن إنْ قُلْتَ له احمله وسوف تجد تحته كنزاً هو لك فإنه سيحمله وحده، في هذه الحالة: أحمَله احتراماً لأمرك؟ أم حمله طمعاً في الكنز؟
كذلك لما تقدمتْ العلوم اكتشفوا أن الخمر تضر بالكبد، فأقلع كثيرون عن شربها مخافة ضررها، وبعد أنْ عرف العلة، أمَّا المؤمن فيقلع عنها قبل أنْ يعرف هذه الحقيقة، يقلع عنها لأن ربه عز وجل نهاه عن شربها فينتهي ثقة منه في حكمة ربه، واحتراماً لأمره، ولو لم يعرف العلة.
ولأن سورة يس، ثبت في الحديث أنها قلب القرآن فيجب أن نستهل الاستعاذة والتسمية قبلها، كما استهللناها في السُّوَر قبلها، فالحق سبحانه الذي أنزل القرآن معجزة وكتاب هداية على سيدنا رسول الله ليصحح للمؤمنين به حركة حياتهم قال: فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ [النحل: ٩٨].
وقلنا سابقاً: إن علة هذا الأمر من الأعلى أن الشيطان حينما عصى ربه في السجود لآدم، وحدث الحوار بينه وبين ربه قال: لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢] يعني: حتى لا يتميز آدم وبنوه عنِّي في المعصية إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٣] فقوله: لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢] أي: في أنْ يسلكوا طريقاً غير الطريق الذي رسمه الله لهم، والطريق الذي رسمه الله لهم هو الصراط المستقيم الذي قال فيه: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦].
نعم، لأن الشيطان لا يأتي الخمارة ولا أماكن القمار والمعصية، إنما يتعرض لأهل الطاعات ليفسد عليهم طاعتهم، والصراط المستقيم هنا هو منهج الله الذي وضعه لإسعاد البشرية، فإبليس بدل أنْ ينتظر إلى أنْ تنفذ منهج الله في حركة الجوارح طاعة ومعصية يأتي للأساس الذي تأخذ عنه تلك الجوارح منهج الحركة، فإذا قرأتَ القرآن جاء ليفسد عليك القراءة.
لذلك يُعلِّمك ربك - عز وجل - الاستعاذة، أولاً لتقطع على الشيطان هذا السبيل؛ لأنه لن ينتظرك حتى تقرأ، وحتى تأتي بثمرة هذه القراءة في حركة الحياة، بل يأتي إلى القرآن نفسه فيفسده عليك من البداية، فإنْ أردتَ أن تنتصر عليه فاستعذ بالله منه.
وحين تستعيذ منه بالله فإنك تلجأ إلى ركن قوي ودرع وَاقٍ لا ينفذ إليك منه شيء من وسوسة الشيطان وهَمْزه وغَمْزه؛ لذلك كان الشيطان واعياً حين قال: إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٣] فهم الذين يحتمون منه في حِمَى ربهم وخالقهم.
أما قوله تعالى بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ فالحق سبحانه خلق الإنسان، وجعله سيد هذا الكون، وسخَّر له كل شيء، ومما سخَّر له سخر أبعاضه لإرادته، فسخَّر مثلاً لسانه لإرادته، فإنْ كان مؤمناً قال: الله واحد. وإنْ كان غير ذلك قال: الله ثالث ثلاثة، كذلك سخَّر له العين تنظر إلى ما أحلَّ وإلى ما حرَّم كذلك الرِّجْل، فكل جوارحك سخَّرها الله لك إنْ أردتَ منها طاعة أطاعتْ، وإنْ أردتَ منها معصية عصتْ، فالإرادة هي التي تملي ما تريده، والجوارح لا تملك إلا أنْ تنفذ طاعة أو معصية لأنها مُسخَّرة.
وسبق أنْ مثَّلنا لذلك بالقائد الأعلى للجيش حين يرسل مثلاً القائد الأدنى على رأس كتيبة في مهمة ما، فعلى الكتيبة أنْ تطيع أمر هذا القائد المباشر طاعة عمياء، حتى لو كانت هذه الأوامر في غير صالحهم، وليس لهم أن يعترضوا عليه حتى إذا ما عادوا إلى القائد الأعلى اشتكَوْا له ما كان من قائدهم المباشر، كذلك طاعة الجوارح لإرادة الإنسان في الدنيا.
أما في الآخرة فسوف تُسْلَب منه هذه القيادة لجوارحه، وسوف تشهد هذه الجوارح على صاحبها أمام الحق الأعلى سبحانه، ففي الآخرة لا سلطانَ لأحد إلا الله: لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ [غافر: ١٦].
وقال سبحانه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤].
وقال: وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١].
فإذا كنتَ تريد عملاً من الأعمال، هذا العمل يتطلب منك أولاً طاقة عقلية فكرية تخطط له، ثم يتطلب قوة في الجوارح لتفعل، مَنِ الذي خلق لك العقل المفكر؟ ومَنِ الذي أمدَّ جوارحك بالقوة والطاقة الفاعلة؟ أهي تأتمر لك وتفعل مطلوبك بقوة ذاتية فيك؟ أم بتقدير الله لها؟
إذن: عليم أنْ تُقبل على كل فعل، فكراً وتخطيطاً وتنفيذاً وعملاً بقولك بسم الله، وحين تقولها فكأنك تقول للجوارح: أنا لا أطلب منك بقوتي، ولكن من باطن قوة بسم الله، فبسم الله أفعل لا بي.
بدليل أن الله تعالى إنْ أراد سلب الإنسان ذاتية الحركة وذاتية الطاقة والفكر فتُشَلّ الجوارح ويُشَلّ التفكير، إذن: أقْبل على كل أعمالك ببسم الله الذي يُعينك عليها.
ثم أنت في الأعمال تحتاج إلى حكمة، وإلى قدرة، وإلى علم.. الخ، فمَن الجامع لكل هذه الصفات؟ إنه الله. إذن: فقُلْ بسم الله الجامع لصفات الكمال كله الممِدّ خَلْقه بها، فهو سبحان العالم الذي يمدّك بالعلم، القادر الذي يمدك بالقدرة، الحكيم الذي يمدّك بالحكمة، العزيز الذي يمدّك بالعزة، القهار الذي يمدّك بالقهر.. الخ.
ألسنا نسمع القاضي يقول عندما يجلس للحكم: بآسم الشعب يعني: هو لا يحكم بذاته، إنما يحكم بقوة الشعب، كذلك المؤمن يقول: بسم الله عند كل عمل يعني أيتها الجوارح، أطيعيني من باطن طاعتك لله.
ثم يصف الحق سبحانه نفسه بقوله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ [الفاتحة: ١] لأن الحق سبحانه خلق الخَلْق مختارين، فكان منهم المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وربما غفل الإنسان عن منهج الله فصدرتْ منه صغائر بل وكبائر، فكيف يقبل على عمله ببسم الله؟ وكيف يستعين به سبحانه وقد عصاه.
لذلك يقول له ربه عز وجل لا تستح أنْ تقول بسم الله، لأنني رحمن رحيم، أغفر لك وأتجاوز عَمَّا كان منك، ولن أتخلَّى عنك، إذن: تشجَّع ولا تترك الاستعانة باسمي مهما كان منك من ذنوب، واعتمد في ذلك على أنِّي رحمن رحيم.
وقد رُوِي أن الأصمعي سمع رجلاً يقول - وهو يطوف بالكعبة - اللهم إني عاصيك وأستحي أنْ أطلب منك، لكن أطلب مِمَّنْ، وليس في الكون إلا أنت؟ فقال له الأصمعي: يا هذا، إن ربك قد أجابك لحُسن مسألتك له.
والحق سبحانه وتعالى حين يُعدِّد نعمه على عباده يقول وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤] نعم، لأن عَدَّ الشيء مظنة إحصائه، ومع تقدُّم العلوم وتخصُّص جامعات ومعاهد للإحصاء لم يُقبل أحد على عَدِّ نِعَم الله؛ لأنها لا تُعَدُّ، بل النعمة الواحدة مطمور فيها مَا لا يُحصى من النعم؛ لذلك لم يقُل سبحانه: وإنْ تعدوا نِعَم الله، بل نعمة الله، فالنعمة الواحدة مستور فيها ما لا يُدرَكُ من النعم.
ونلحظ في هذه الآية أنها وردتْ في موضعين، لكن لكل منهما تذييل، فواحدة: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] والأخرى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: ١٨].
وكأن الحق سبحانه يقول لنا: أنت أيها الإنسان المُنْعَم عليه ما تُقابل به نِعَم الله من الظلم وكفران النعمة، فربُّكَ المنعِم سبحانه يقابل ظلمك وكفرك لنعمه باستدامة النعم؛ لأنه غفور ورحيم.
وللعلماء أقوال في (يس) قالوا: الياء للنداء و (س) من أسمائه صلى الله عليه وسلم؛ لأن عادة العرب أنْ تحذف بعض حروف الكلمة، وتُبقي على الحرف المميز قوى الجرْس، فمثلاً كلمة إنسان، السين أقوى حرف فيها؛ لذلك ورد قول النبى صلى الله عليه وسلم: والمراد: شاهداً.

ومن ذلك قول الشاعر:

أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدلُّلِ  وإنْ كنتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمي فأجْمِلِي
والمراد: فاطمة.
ونحن في حديثنا اليومي نختصر بعض الحروف، فحين ننادي مثلا يا أحمد، بعضنا لا ينطق الدال، وخاصة في لهجة الدمايطة. إذن: فحَذْف بعض الحروف وإبقاء بعضها مما له جَرْس قوي أمر وارد في لغة العرب.
وقال آخرون: بل اسمه صلى الله عليه وسلم (يس) وحُذِفت ياء النداء والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم.
الحق سبحانه وتعالى علَّم الإنسان الأسماء كلها، يعني: علَّمه الكلمة المطلوبة له في التخاطب، وبعد ذلك ساعةَ يتكلم الإنسانُ ويتخاطب يتواضع ويصطلح على أسماء أخرى، فالإنسان مثلاً الآن يعرف (التليفزيون) ويتعارف على هذا الاسم، فهل علَّم الله آدم اسم (التليفزيون)؟ لا إنما اصطلح عليه الإنسان بما علَّمه الله.
فالمعنى: وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا [البقرة: ٣١] أي: الصالحة لتخاطبه الآن في البيئة البدائية، وعليه هو أنْ يُنمي لغته، فيضع لهذا الشيء اسم كذا، وهذا اسم كذا.
ونحن نعرف أن الحروف قسمان: القسم الأول: حروف مَبْني يعني مهمتها بناء الكلمة، دون أن يكون لها معنى غير ذلك، كما نقول مثلاً: كتب، فالكاف والتاء والباء حروف تُبنى منها هذه الكلمة دون أنْ تعطي معنى آخر زيادةً على معنى هذا الفعل الذي كوَّنته الحروف.
القسم الثاني: حروف معنى، وهي أن يكون للحرف معنى يدل عليه بذاته كما نقول: كتبتُ. فهذه التاء الأخيرة تحمل معنى آخر غير معنى الكتابة؛ لأنها تدل على الفاعل المتكلم فإنْ جاءت مفتوحة دلَّتْ على الفاعل المخاطب، وإنْ جاءت مكسورة دلَّتْ على المؤنث، وهكذا.
وقُلْنا: إن اسم الحرف قد يصادف عَلَماً على شيء، فالسين مثلاً اسم لنهر معروف، والعين حرف معجم لكن سُمِّي به أشياء كثيرة: العين الباصرة، وعين الماء، والعين بمعنى الجاسوس، والعين للنفيس من المال من الذهب أو الفضة.
وقوله سبحانه: وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ [يس: ٢] هذه الواو تسمى واو القسم فما دخلتْ عليه كاليمين، لكن هل المطالب التي يريدها المتكلم من المخاطب تأتي بالقسم أم بالدليل؟ تأتي بالدليل، وقد يأتي اليمين فيه الدلالة على الغرض المراد. فمثلاً يقول لك صاحبك: يا أخي أنت لم تُقدِّرني، لأنني مررتُ بأزمة، فلم تقف بجانبي فتقول له: وحياة الشيك الذي كتبتُه لك يوم كذا، وحياة الهدية التي أخذتها يوم كذا، فتحلف له بالدليل على صِدْقك.
كذلك هنا الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أنت مرسل وأنا أحلف بالقرآن لأنه دليل على أنك رسول صادق.
كلمة قرآن مصدر لقرأ تقول قرأت قراءة وقرآناً، ولا بُدَّ أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، فقلنا قرآناً لنفرق بين قراءة القرآن وقراءة غيره، وهي أيضاً تدل على أنه كتاب مقروء، ومرة أخرى يسميه الكتاب لأنه مكتوب، فالقرآن إذن مقروء من الصدور، مكتوب في السطور.
ومرة أخرى يسميه الذِّكْر، لأنه يُذكِّرنا بعهد الفطرة الأولى التي قال الله فيها: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٧٢].
وهذا التذكير بالعهد الأول يُعَدُّ رحمة من الله بنا، فمن رحمة الله بنا أن يُذكِّرنا إذا نسينا أو غفلنا، فمنذ أنْ خلق آدم وإلى الآن، الحق - تباك وتعالى - يُذكِّر عباده، فكما يُلقِّن الوالد ولده حركة الحياة يُلقِّنه أولاً حركة هذا الدين، ولا بد أنْ يستمر هذا التلقين وهذا التذكير، وأنْ يتوالى من جيل إلى جيل؛ لأن طبيعة الإنسان فيه غفلة وفيه نسيان، وتحدث منه معصية.
لذلك الذين قالوا: إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢] كاذبون في هذا القول؛ لأن آدم وأمته في البداية كانوا على هُدًى، فلماذا لم تتبعوهم؟ إذن: أنتم اتبعتُم الآباء الضالين لا المهتدين.
كذلك حين تتأمل مسألة جمع القرآن تجد أن الذين جمعوا القرآن كانوا يتحرَّوْن في الآية قبل تسجيلها أن تكون مكتوبة أولاً في قرطاس أو في الرقاع والعظام التي سُجِّل عليها القرآن أولاً، ثم يشهد على صحتها اثنان من القراء، لماذا؟
قالوا: لأن القرطاس لا هوى له، فيغير ما كتب فيه، أما الإنسان الحافظ فهو عُرْضَة للخطأ والنسيان والغفلة، فلا بُدَّ أنْ يكون معه آخر يُذكِّره على حَدِّ قوله تعالى: أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ [البقرة: ٢٨٢].
والقرآن وصفه الله بالحكمة، وهي وَضْع الشيء في موضعه الحق ليؤدي مهمته، وكلُّ المعاني الدينية مأخوذة من مُحسَّات قبل الدين، فمثلاً الفَرَس يركبه الإنسان ليُوصلِّه إلى مراداته، فإنْ كان مرادك من ركوب الفرس التنزُّه بين الحقول سار بك سَيْراً بطيئاً كسَيْر الحنطور مثلاً، وإنْ أردتَ به قَطْع المسافة جرى بك كالريح.
لذلك جعلوا للحصان لجاماً يُوضَع في حنكه ليكبح سرعته، ويتحكم فيه، هذا اللجام يُسمى الحَكَمَة ومنها الحِكْمَةُ التي تكبح جماح الأهواء، كي لا تشرد وتضع المسائل في موضعها، فالإنسان له هوًى يميل به، وينحرف بحركته عن الجادة، فيأتي القرآن بالحق الواضح الذي يُقوِّم هذا الميل ويُصلحه، والقرآن في الحقيقة حكيم، لأنه محكم من الحكيم الأعلى سبحانه، إذن: فالقرآن كلام من الحكيم، وهو بالنسبة للإنسان كالحَكَمة للفرس.
ولحكمة القرآن اختصّ بأشياء، فتناول القرآن لا يكون كتناول غيره من الكتب، فالكتاب العادي أتناوله في أيِّ وقت وعلى أيِّ حال كنت جُنُباً أو مُحدثاً، أما القرآن فلا يمسُّه إلا طاهر، لأنك مع القرآن تُقبل على مقدس له خصوصية، فإياك أنْ تتناوله وأنت غير طاهر، كما قال الحق سبحانه: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩].
فالحق سبحانه جعل لك هذه الضوابط النفسية لتعرف أنك مُقبِل على كتاب له تميُّز عن سائر الكتب الأخرى.
كذلك للقرآن خصوصية في حروفه، فالحروف هي التي تُكوِّن الكلمات، فهي عبارة عن نبرات صوتية، لكل منها منطقة في أعضاء الكلام، فمثلاً حروف تخرج من الجوف والصدر هي:
هَمْزٌ فَهَاءٌ ثُمَّ عَيْنٌ حَاءُ  مُهْملَتَانِ ثُمَّ غَيْنٌ فَاءُ
فإنْ خرجنا من منطقة الجوف نجد الحروف اللسانية التي تُنطق من اللسان بداية من: (لغلوغه) ثم وسطه ثم طرفه. فالقاف مثلاً تخرج من أقصى اللسان، والشين والجيم من وسطه، والضاد واللام والراء من طرفه، كذلك هناك حروف تخرج من الشَّفة، كالفاء من باطن الشَّفة السفلي، والباء من باطن الشفتين معاً، كذلك الواو يشترك في نطقها الشفتان.
ولكي نقرأ القرآن قراءة صحيحة لا بُدَّ أنْ نلتزم بهذه المخارج الصوتية، على خلاف قراءة أيِّ كتاب آخر، فلا يُشترط له هذا الشرط؛ لذلك نقول: إن كمال القرآن لا يتعدى ما دام له طريقة معينة ونغمة مضبوطة، فلا بُدَّ أن تُراعى.
فمثلاً لو أنك تتكلم في خطبة عادية تقول: أيها السادة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، لقد استدعاني فلان لألتقي به في مكان كذا.. لو نطقتَ هذا الكلام بنغمة القرآن وطريقته لكان شيئاً غير مقبول (بايخ) أمَّا إنْ كان هذا النَّغَم في القرآن، فإنه يأتي جميلاً متناسقاً.
إذن: كمال القرآن لا يُتعدَّى حتى في نطقه؛ لأن هذا شيء مُختصٌّ به وحده دون غيره من الكلام، فإنْ عدَّيْتَ خصائص القرآن إلى غيره من الكلام جاء سخيفاً مردوداً لا يُقبل.
أذكر ونحن صغار أنهم كانوا ينصحوننا بقراءة كتب الأدب مثل كتب المنفلوطي مثل "العبرات" أو "النظرات" لنتعلم الأسلوب الجميل في كتابه الإنشاء، وبالفعل كان أسلوبنا يتحسَّن ويترقَّى بقراءة كتب الأدب، ونكتسب منها تعبيرات جديدة، فإنْ جئتَ إلى حافظ القرآن الذي جوَّده على القراءات العشر أو الأربعة عشر، وقرأتَ له كلمة أو مقالاً، فإنك تجد أسلوبه لا يتأثر بالقرآن لماذا؟ لأن كمال أسلوب القرآن لا يُتعدَّى.
إذن: نفهم أن حكمة القرآن جاءت من هذه الخصوصية: في حروفه حكمة، وفي كلماته حكمة، وفي نَظْمه، وترتيله، وفي أسلوبه الذي لا يُبَارى ولا يُنقل إلى غيره.

ثم يقول الحق سبحانه:

إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ .
آية رقم ٢
وقوله سبحانه: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ هذه الواو تسمى واو القسم فما دخلتْ عليه كاليمين، لكن هل المطالب التي يريدها المتكلم من المخاطب تأتي بالقسم أم بالدليل؟ تأتي بالدليل، وقد يأتي اليمين فيه الدلالة على الغرض المراد. فمثلاً يقول لك صاحبك: يا أخي أنت لم تُقدِّرني، لأنني مررتُ بأزمة، فلم تقف بجانبي فتقول له: وحياة الشيك الذي كتبتُه لك يوم كذا، وحياة الهدية التي أخذتها يوم كذا، فتحلف له بالدليل على صِدْقك.
كذلك هنا الحق -تبارك وتعالى- يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أنت مرسل وأنا أحلف بالقرآن لأنه دليل على أنك رسول صادق.
كلمة قرآن مصدر لقرأ تقول قرأت قراءة وقرآناً، ولا بُدَّ أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، فقلنا قرآناً لنفرق بين قراءة القرآن وقراءة غيره، وهي أيضاً تدل على أنه كتاب مقروء، ومرة أخرى يسميه الكتاب لأنه مكتوب، فالقرآن إذن مقروء من الصدور، مكتوب في السطور.
ومرة أخرى يسميه الذِّكْر، لأنه يُذكِّرنا بعهد الفطرة الأولى التي قال الله فيها:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٧٢]...
والقرآن وصفه الله بالحكمة، وهي وَضْع الشيء في موضعه الحق ليؤدي مهمته، وكلُّ المعاني الدينية مأخوذة من مُحسَّات قبل الدين، فمثلاً الفَرَس يركبه الإنسان ليُوصلِّه إلى مراداته، فإنْ كان مرادك من ركوب الفرس التنزُّه بين الحقول سار بك سَيْراً بطيئاً كسَيْر الحنطور مثلاً، وإنْ أردتَ به قَطْع المسافة جرى بك كالريح. لذلك جعلوا للحصان لجاماً يُوضَع في حنكه ليكبح سرعته، ويتحكم فيه، هذا اللجام يُسمى الحَكَمَة ومنها الحِكْمَةُ التي تكبح جماح الأهواء، كي لا تشرد وتضع المسائل في موضعها، فالإنسان له هوًى يميل به، وينحرف بحركته عن الجادة، فيأتي القرآن بالحق الواضح الذي يُقوِّم هذا الميل ويُصلحه، والقرآن في الحقيقة حكيم، لأنه محكم من الحكيم الأعلى سبحانه، إذن: فالقرآن كلام من الحكيم، وهو بالنسبة للإنسان كالحَكَمة للفرس.
ولحكمة القرآن اختصّ بأشياء، فتناول القرآن لا يكون كتناول غيره من الكتب، فالكتاب العادي أتناوله في أيِّ وقت وعلى أيِّ حال كنت جُنُباً أو مُحدثاً، أما القرآن فلا يمسُّه إلا طاهر، لأنك مع القرآن تُقبل على مقدس له خصوصية، فإياك أنْ تتناوله وأنت غير طاهر، كما قال الحق سبحانه: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧-٧٩].
فالحق سبحانه جعل لك هذه الضوابط النفسية لتعرف أنك مُقبِل على كتاب له تميُّز عن سائر الكتب الأخرى...
إذن: نفهم أن حكمة القرآن جاءت من هذه الخصوصية: في حروفه حكمة، وفي كلماته حكمة، وفي نَظْمه، وترتيله، وفي أسلوبه الذي لا يُبَارى ولا يُنقل إلى غيره.
آية رقم ٣
هذا هو جواب القسم، الحق سبحانه يرد على كفار مكة، ويقسم لهم: إنك يا محمد لمن المرسلين، والمتكلم حين يرى المخاطب خالي الذِّهْن عن الأمر الذي يتحدث فيه يُلقي له الكلام طبيعياً بدون تأكيد، فإنْ كان شاكاً في الكلام أو مُنكِراً له أكّد المتكلمُ كلامه بمؤكِّد يناسب الشكَّ أو الإنكار.
لذلك الحق سبحانه يؤكد هنا كلامه بأكثر من مؤكد إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ فاستخدام التأكيد بإن واللام، وقبل ذلك القسم؛ لأن الكفار منكرون لرسالته صلى الله عليه وسلم، وعلى قدْر الإنكار يكون تأكيد الكلام.
وتأمل في ذلك قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ [يس: ١٤] وكانت النتيجة الإنكار قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس: ١٥].

لذلك يؤكدون كلامهم بأكثر من مؤكد:

قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦].
وقلنا: إن هذه الآية جاءت دليلاً وبرهاناً في صورة اليمين، كأن الله يقول: الذي يقرأ القرآن لا بُدَّ أن يؤمن بأنك يا محمد مُرسَل من الله، لماذا؟ لأنهم أمة كلام وتذوُّق، وما وُجِدت أمة من الأمم حتى المعاصرة تقيم معارض للكلمة، أما العرب في جاهليتهم فقد أقاموا للكلمة أسواقاً ومعارض يتبارى فيها الخطباء والشعراء كل عام في المربد وعكاظ وذي المجنة وغيرها.
وقد بلغ اهتمامهم بالكلمة أن يعلقوا أروع قصائدهم على أستار الكعبة، وما دام العرب أمة كلام، إذن: كان عليهم أنْ يستقبلوا القرآن بهذه المَلَكة، وألاَّ يخفى عليهم إعجازه، لكنهم كذَّبوه وقالوا: سحر وقالوا: شعر وقالوا: افتراء. فلما أعيتهم الحيل ولم ينالوا من ذلك شيئاً قالوا:
لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] يعني: القرآن لا غبار عليه إلا أنه ينزل على محمد، هذه آفته عندهم؛ لأن مَلَكتهم البلاغية لا يصح أن تقف أمام القرآن أو تُكذِّبه.
لذلك كانوا حتى وهُمْ على كفرهم يحبون سماع القرآن، يتخفَّى الواحد منهم، ويذهب يتسمَّع القرآن من رسول الله ليلاً... لذلك كان الواحد منهم حينما يسمع القرآن من رسول الله ويعود إلى قومه، فيقولون: لقد رجع فلان بغير الوجه الذي ذهب به.
آية رقم ٤
الصراط: هو الطريق، وله معنى آخر يوم القيامة، هو الصراط المضروب على متْن جهنم يمرُّ عليه البَارُّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ويختلف المارُّ عليه باختلاف عمله في الدنيا، فواحد يمرُّ عليه كالبرق الخاطف، مع أنه أَحَدٌ من السيف وأدَقُّ من الشعرة، وآخر يمرُّ عليه كأسرع جَوَاد، وآخر يمر عليه حَبْواً، وآخر يقع في جهنم، والعياذ بالله.
وحين تمر على الصراط لن يكون معك عَصَا تحفظ بها توازنك كلاعب السيرك مثلاً؛ لأن الذي يزنُ حركتك على الصراط هو القرآن الذي استمسكْتَ به في الدنيا، فكأن المؤمن حين يمرُّ على الصراط لا يكون توازنه من تحته إنما من أعلى، من جهة القرآن، فهو أشبه بالكباري المعلَّقة التي لا يحملها شيء من تحتها، لكنها مشدودة من أعلى بما يمسكها ويحفظ توازنها، كذلك حال المؤمن على الصراط.
والصراط في معناه العام هو الطريق المستقيم الذي يوصلك للغاية من أقرب مسافة وأيسرها، لكن عبارة القرآن عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [يس: ٤] فيها إشارة إلى أن الصراط له مهمة، هي أنْ يُوصّلك إلى الغاية المرادة، فالصراط في خدمتك.
ومثل ذلك قوله سبحانه: عَلَىٰ هُدًى [البقرة: ٥] البعض يفهم أن الهداية تقتضي التكاليف وتقييد الحركة، وأن في الهداية مشقة وعنتاً، لكن لفظ الآية يعني خلاف ذلك، فمعنى عَلَىٰ هُدًى [البقرة: ٥] أنك تعتلي الهدى، وكأنه مطية لك توصَِّلك لغايتك المجيدة، فهو يحملك، لا تحمله أنت.
ووَصْف الصراط بأنه مستقيم، لأننا تعلمنا في الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فحين تريد مثلاً الانتقال من مكان إلى مكان، فـ (من) للابتداء، و (إلى) للغاية التي تريدها، وما دُمْتَ لا يعنيك إلا البداية والغاية، فالتيسير يقتضي أنْ تسلك أقرب الطرق وأقصرها وهو الخط المستقيم؛ لأن كل التواء في الطريق أو منعطف يكون في خط السير مُثلَّثاً من ضلعين، ويكون الطريق المستقيم هو الضلع الثالث.
ومعلوم أن مجموع أيِّ ضلعين في المثلث أطول من الثالث، إذن: يطول عليك الطريق؛ لذلك يُحدِّثنا القرآن عن الصراط المستقيم، وعن سواء السبيل يعني: الجهة اليمين تساوي الجهة اليسار.
لكن، لماذا كان طريق المؤمنين صراطاً مستقيماً؟ لأن الله تعالى هو الذي شرعه في منهج خَلْقه، ولأنه مُنزَّل من الله.
آية رقم ٥
ساعةَ تسمع كلمة تَنزِيلَ فاعلم أنه من جهة العلو، وإنْ كان المنزَّل في باطن الأرض؛ لأنه في واقع الأمر جاء من الأعلى، كما في قوله تعالى:
وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥]... وقوله تعالى: الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ذكر سبحانه هنا صفة العزة وصفة الرحمة؛ لأن التنزيل من أعلى منهج يقيد حركة الإنسان بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وأنت مختار تطيع أو تعصي، فالحق الذي شرع لك هذا المنهج يريد لك الخير؛ لأنه سبحانه لا يعود عليه شيء من طاعتك ولا تضره معصيتك.
إذن: أنت المقصود من هذه المسألة؛ لأن الله تعالى عزيز عن خَلْقه، ورحيم بهم، فإذا نظرتَ إلى العاصي المخالف لمنهج الله، فالله عزيز قادر على الانتقام، لا يقدر أحد أن يأخذك من قبضته تعالى، وإذا نظرتَ إلى المطيع، فالله رحيم.

وعلة الإنزال:

لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ....
آية رقم ٦
... وقوله: فَهُمْ غَافِلُونَ الغفلة أن يوجد شيء كان بخاطرك، ثم لم يتعلَّق قلبك به حتى يدخل في مرتبة النسيان، فلا تذكره إلا حين يأتي مَنْ ينبهك إليه، ويُذكِّرك به، والنسيان ليس وظيفة القلب، إنما وظيفة العقل والذاكرة، فلو أن القلب مُتعلِّق بالشيء، فكلما طرأتْ عليه غفلة تعلَّق القلبُ بها يسدها، فتظل في الذاكرة لا تغفل عنها.
آية رقم ٧
الحق سبحانه وتعالى سطَّر أزلاً كلَّ ما يكون من مُسْتقبِلي أيِّ دعوة دينية المؤمنين بها والكافرين، لكنه سبحانه ترك للناس الاختيار، وكَوْنه تعالى يسجل ما سيحدث من الناس، ثم يأتي الحدث منهم وفْق ما سجَّل، هذا يعني أن ما قاله قديماً حقٌّ.
والقرآن يقول مرة حَقَّ الْقَوْلُ [يس: ٧]، ومرة سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [هود: ٤٠]، ومرة وَقَعَ الْقَوْلُ [النمل: ٨٢].
وكلها تدل على أن ما سبق في علم الله من الإخبار عن مختار اختار الهدى أو الضلال مُسجَّل عنده تعالى، وهو حق كما أخبر الله به، ولو كان العبد غير مختار لَقُلْنا: إن الله قهره على ما أراد، لكنه مختار.
والحق سبحانه له طلاقة القدرة وطلاقة العلم، فلعلمه تعالى بما سيكون سجل وكتب...
يعطينا الحق سبحانه في هذه الآية تصويراً لحال هؤلاء الكافرين المعرضين عن اتباع الحق، فيقول: إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ [يس: ٨] الأغلال: مفردها غل، وهو الحديدة التي تمسك اليد وتشدّها تحت الذقن، وحين تشد اليد تحت الذقن ترتفع الرأس إلى أعلى، وبالتالي يرتفع مستوى النظر إلى أعلى، فلا يكاد يرى الإنسانُ طريقه، ولا يهتدي إلى موضع قدمه.
وهذه الصورة واضحة أيضاً في معنى كلمة مُّقْمَحُونَ [يس: ٨] المقمح: مأخوذ من إبل قماح، وقماح الإبل أنها حين تذهب لشرب الماء تغرف منه، ثم ترفع رءوسها إلى أعلى.
قال بعضهم: إن هذه صورة رسمها الحق سبحانه لمن غَلَّ يده عن الصدقة وعن الإنفاق، كذلك تُغَلُّ يده إلى عنقه يوم القيامة، بحيث يؤثر هذا الغُلُّ في مساره الذي بنى عليه حركة حياته، والحق سبحانه يوازن دائماً بين ما فعله المستحق للجزاء والجزاء، فالجزاء من جنس العمل.
ومثال ذلك قوله سبحانه: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ [التوبة: ٣٤] هذا هو العمل، فما الجزاء فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٥].
هذه مواضع ثلاثة من الإنسان: الجِبَاه، والجُنُوب، والظُّهور جاءت بهذا الترتيب لتطابق تماماً ما فعله صاحب المال الذي كنز ماله وضَنَّ به على الفقير، فقد كان الفقير يأتيه فيلوى عنه جبهته ويعطيه جَنْبه، ثم يدير له ظهره وينصرف عنه، فجاء عذابهم على مقدار ما فعلوه.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً... .
هل معنى هذا أن الله تعالى يساعدهم، ويُعينهم على الكفر؟ قالوا: نعم لأن عبدي حين أناديه فيتأبَّى عليَّ في ندائي، ولا يُقبِل عليَّ بعبوديته لي أعينه على كفره؛ لأنني رَبٌّ غني عنه، فإنْ أحب الكفر وعشقه ولم يَعُدْ هناك أمل في هدايته أختم على قلبه، فلا يدخله إيمان، ولا يخرج منه الكفر. لذلك مَنْ تجنَّى عليك وصَدَّ عنك فأعِنْه على ذلك، ولا تُذكِّره بنفسك.
إذن: ما كفر أحد غَصْباً عن الله، إنما كفر بما أودع الله فيه من اختيار، ولأنه سبحانه رَبٌّ وهو خالق العباد، فعليه سبحانه أنْ يُعينهم، كلاً على ما يريد، فالذي أراد الإيمان وأحبَّه أعانه على الإيمان، والذي أراد الكفر وعَشِقه أيضاً أعانه عليه وساعده.
لذلك ختم الله على قلوب الكافرين، وهنا يقول: وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني: أمامهم سَدّاً حاجزاً ومانعاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً.
هذا مانع مادي خارج عن تكوين الإنسان فَأغْشَيْنَاهُمْ يعني: جعلنا على أبصارهم غشاوة وغطاءً، فهم مصدودون عن الحق لأشياء. أولاً: في ذواتهم أغشينا أبصارهم فلا يروْنَ ولا يهتدون؛ لأنهم بذواتهم لم يذكروا عهد الفطرة الأولى التي فطر اللهُ الناس عليها.
أما الخارج عنهم، ففي المنهج الذي لم يلتفتوا إليه، لا فيما أمامهم، ولا فيما وراءهم؛ لأن هناك سَدّاً يمنعهم، فلو تذكَّروا ما ينتظرهم لارتدعوا عن غَيِّهم، ولو تأملوا ما نزل بمَنْ سبقهم من المكذِّبين، وما حاق بهم من عذاب الله لرجعوا.
لكن جعل الله من أمامهم سَدّاً، فلا يعرفون ما ينتظرهم، ومن خَلفهم سَدّاً فلا يتدبرون ما حاق بأسلافهم، ممَّن قال الله فيهم:
فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا.. [العنكبوت: ٤٠].
فإنْ قُلْتَ: الحق سبحانه جعل سَدّاً يمنعهم من الجهة الأمامية، وسَدّاً يمنعهم من الجهة الخلفية، فماذا لو ساروا على جنب إلى اليمين، أو إلى اليسار؟ قالوا: لو ساروا وتوجهوا إلى اليسار مثلاً لَصَار اليسار بالنسبة لهم أمام، واليمين صار خلفاً، فهم إذن مُحَاصرون بالموانع، بحيث لا أمل لهم في الرجوع إلى منهج الحق، وإلى الصواب.
ويصح أن يكون المعنى وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً أي: مانعاً يمنعهم من التأمل والنظر في الأدلة العقلية المنصوبة أمامهم ليؤمنوا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً يمنعهم، فلم ينتهوا إلى الفطرة الإيمانية المُودَعة فيهم.
آية رقم ١٠
السوائية هنا بالنسبة لهم، لا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسول الله عليه مجرد البلاغ، وما دام بلَّغهم فقد انتهت مهمته، فكأن الله يقول له: اطمئن ولا تحزن، فإنذارك وعدمه عندهم سيَّان، إنما بإنذارك أُقيمت عليهم الحجة، لأنهم أقسموا في موضع سابق:
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً [فاطر: ٤٢].
يعني: إنذارك يا محمد يجدي مع مَنْ يذكر الله ويخافه، ويؤمن به، ويؤمن بقدرته تعالى على البعث وعلى الحساب، هذا الذي ينتفع بالإنذار ويستفيد منه على خلاف المكذِّب للأصل، كيف يستفيد من الإنذار؟ ومعنى ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ [يس: ١١] أي: القرآن.
والخشية: خوف، لكن بمهابة، فأنت تخاف الله وتهابه، وكذلك ترجوه، أما الخوف من غير الله فخوف بكُرْه؛ لأنه خوف من جبروت؛ لذلك جاءت بعد الخشية صفة الرحمة وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ [يس: ١١] فأنت تخاف ممَّن اتصف بالعطف والحنان، وهذا أَدْعى أنْ يُحبِّبك فيمَنْ تخاف منه ويعطفك إليه، فتكون خشيتك له ممزوجة بالهيبة والوقار، وبالرجاء فيه؛ لذلك قال سبحانه: وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ [يس: ١١] حتى لا تنفر من الذي تخافه.
وهذه الخشية تكون من المؤمن بِٱلْغَيْبِ [يس: ١١] يعني: ساعةَ يكون غائباً عن الناس منفرداً، فإنه يخشى الله، ولا يخشى الناس، ولا يحتاج إلى رقيب؛ لأن رقابة البشر للبشر لا تُجدي؛ لأنك ستجعل عليه رقيباً من جنسه، وما جاز على المراقَب يجوز على المراقب من تدليس وغيره، حتى حين تجعل على المراقِب تفتيشاً مفاجئاً لا تأمن التدليس.
وسبق أنْ ضربنا مثلاً برجل المرور، فالواحد منا قبل أنْ يُسمح له بقيادة سيارة لا بُدَّ أنْ يمرَّ بشروط قاسية تضمن أولاً سلامة السيارة التي يقودها، ثم تمكّنه هو من فن القيادة، ولا بُدَّ أنْ يجتاز الاختبارات اللازمة لذلك، ومع هذا كله مِنَّا مَنْ يلتزم، ومِنَّا مَنْ لا يلتزم بالقواعد المرورية؛ لذلك نجعل رجل المرور ليراقب وينظم حركة المرور في الشوارع، وعليه مَنْ يراقبه.
لكن لما وجدوا أن رجل المرور يمكن أنْ يُدلس، فيأخذ الرخصة من مخالف، ويتغافل عن آخر استحدثوا آلات للمراقبة مثل الرادارات، لتكون أكثر دقة، لكن هذه الآلات مَنْ يُشغِّلها؟ بشر يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم.
إذن: حين يكون المراقب من جنس المراقَب، فعملية المراقبة لا تفيد، ولو جعلنا على كل منا رقيباً لاحتجْنا إلى جيوش من الحراس.
إذن: ماذا نفعل لنحكم هذا العالم كله؟
محمد صلى الله عليه وسلم جاء ولرسالته ميزات الرسالة الكاملة، فرسالته غير محدودة بزمان ولا بمكان، فالزمان والمكان هما اللذان يحصران الأحداث، فهما ظرفان للحدث، فإذا لم يكُنْ حدث موجوداً فلا زمانَ ولا مكانَ؛ لذلك لا يصح أنْ يُقال بالنسبة لله تعالى: أين ولا متى، لأن أيْن ومتى مخلوقتان لله.
وإذا كان الزمان والمكان يشتركان في الظرفية للحدث إلا أن المكان ظرف قارٌّ يعني: ثابت، والزمان ظرف متغير، فهذا وقته الصبح، وهذا الظهر ونقول: هذا قبل كذا، وهذا بعد كذا.
رسول الله جاء برسالة عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم الساعة، وجاء بمنهج لصيانة الإنسان في العالم كله مع اختلاف بيئاته وطبائعه، وفي الأزمنة باختلاف عصورها، فكيف تتحقق هذه الصيانة وهذه المراقبة؟ ما دام محمد صلى الله عليه وسلم قد جاء بمنهج ليحكم به العالم كله زماناً ومكاناً، فلا يصح أنْ يجعل على كل فرد منه رقيباً من جنسه، ولا حتى من الملائكة، إنما عليه أنْ يربي في نفوس الناس خشية الله، وأنْ يزرع في قلوبهم المهابة منه سبحانه بالغيب وهذا هو الرقيب الحقيقي والرقيب الملازم الذي لا ينفكّ عنك، ولا يفارقك لحظة.
لذلك، المرأة التي راودها الرجل وأغراها بأنهما في فلاة لا يراهما أحد فقال لها: ما يمنعك مني، وما يرانا غير الكواكب؟ فقالت له: يا أبله، وأين مُكوكب الكواكب؟ هذه هي خشية الرحمن بالغيب.
ورُوِي أن المعتضد وهو أحد ملوك دولة بني بُوَيْه أيام الخلافة العباسية، وكان مشهوراً بالذكاء والعدل، وحدث أن جاء رجل إلى سوف بغداد ليبيع عِقْداً نفيساً ليحج بثمنه، فلم يجد في السوق مشترياً لنفاسة العقد، ومرَّ الرجل بشيخ وقور عليه علامات الصلاح فقال: هذا رجل أمين أُودع عنده هذا العقد أمانة حتى أعود من الحج، فلما عاد من الحج سأل الشيخ عن العقد الذي تركه عنده، فأنكره الشيخ، وخابت كل محاولاته لاستعادة العِقد.
سمعه أحد المارة فقال: يا هذا إنه رجل مخادع كذاب، اذهب إلى المعتضد، وسوف يعيد لك العقد بذكائه وحيلته، ذهب الرجل إلى المعتضد وقصَّ عليه القصة فقال له: اذهب في الغد واجلس بجوار هذا الرجل، وسوف أمرُّ عليك في موكبي فلا تَقُمْ لي وإنْ كلَّمتُك فرُدّ وأنت جالس، ودَعْني أتصرف في هذه المسألة.
وفي الغد مَرَّ المعتضد في موكبه المهيب، وحوله الحاشية و (الهيلمان) والصولجان فنظر إلى صاحب العقد وقال: يا فلان منذ متى وأنت هنا؟ وكيف لا تخبرني بوجودك لأقابلك وأؤدي لك حقك.
سمع الشيخ هذا الكلام فظنَّ أن الرجل من معارف الملك ومن أتباعه، فارتعد ونادى صاحب العِقْد، وقال له: أرجوك لا تذكرني أمام الملك بحكاية العِقْد هذه، وقَام إلى العِقْد فردّه إلى صاحبه، ذهب الرجل بالعقد إلى المعتضد فتبسم، وقال له: انتظرني في الغد أمام دكان هذا الشيخ.
وبالفعل جاء المعتضد، لكنه هذه المرة كان بصحبته المشنقة، فأمر بنَصْبها أمام دكان هذا المخادع، وأمر به فشنقوه. ثم قال: هذا جزاء مَنْ كان إيمانه بين الناس مشهداً، وليس إيمانه بالغيب - يعني: بعيداً عن أعين الناس.
لذلك جعل الله المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وكانوا أول الناس سَعْياً للصلاة، وكانوا أصحاب الصف الأول خلف رسول الله، ومع ذلك كان هذا جزاءهم لماذا؟ لأن المنافق متناقض مع نفسه، فلسانه خلاف قلبه.
ومن معاني الغيب في قوله تعالى: وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ [يس: ١١] أي: الغيب الذي أخبر الله به من أن هناك آخرة وبعثاً وحشراً وحساباً.
وهذه الخشية لله تكون بالغيب يعني: الإيمان بالغيب، والله تعالى نؤمن به سبحانه وهو غيب، والغيب كما قلنا: ما غاب عنك ولا يوجد في الكون طريق يُوصِّلك إليه ولا مقدمات، فنحن نعرف مثلاً في حل تمارين الهندسة أو النظرية: الفرض والمعطيات والمطلوب، فالمعطيات والمقدمات تُوصِّلك للغاية وللمطلوب.
لذلك تجد أن علم الغيب ينقسم إلى قسمين: غيب استأثر الله به، لا يُظهِر عليه أحداً إلا مَنِ ارتضى من رسول، ولم يجعل لهذا النوع من الغيب مقدمات تُوصَل إليه وتدلّ عليه، وهناك غيب له مقدمات تدلُّك عليه، فإنِ استخدمتَ هذه المقدمات توصَّلْتَ بها اليوم إلى ما كان غيباً بالأمس، وينبغي عليك أن تستدلّ بالغيب الذي صار مشهداً لك على أنْ تصدق بالغيب الذي لم تدرك غيبه، ولا سبيل لك إليه، ينبغي أنْ يحفزك ما ترى على أنْ تؤمن بما لم تَرَهُ.
وقلنا: إن هذا النوع من الغيب وهو الغيب الذي له مقدمات تُوصِّل إليه، له ميلاد يظهر فيه، فإنْ صادف هذا الميلاد بحثاً من البشر، وكان البحث سبباً في ظهوره، وإلا أظهره الله مصادفة، كما جاءت أغلب الاكتشافات التي تخدم البشرية الآن مصادفة؛ لأن ميلاد الغيب جاء وبحثُك عنه لم يجيء.
والمؤمن هو الذي يزداد إيمانه بالغيب حين يستدل بما ظهر له على ما لم يظهر، ومن العلماء والموهوبين من الناس مَنْ يفسر لك الغيب الذي لم يأتِ أوانه بشيء موجود بالفعل، ومن ذلك ما رُوِي أن الروم أرسلتْ إلى أمير المؤمنين أنْ يرسل إليهم عالماً يفقههم في أمور الدين، فأرسل إليهم الشّعْبي فجعلوا يسألونه فيما يَخْفَى عليهم من الدين، وكان مما عرضوه عليه أن الإنسان حين يُنعَّم في الجنة يأكل ولا يتغوَّط، فكيف يكون ذلك؟ فرد الشَّعْبي بما عنده من الإشراقات التنويرية التي يفتح الله بها على مَنْ يشاء. وقال لهم: أرأيتم الجنين في بطن أمه، إنه يتغذى وينمو دون أنْ يتغوط، ولو تغوَّط في مشيمته لاحترق، كذلك الإنسان في الجنة يأكل ولا يتغوَّط؛ لأنه يتغذى بطهي الله له، فالله يعطيه بقَدَر بحيث لا يبقى شيء يتغوّطه الإنسان، أمّا نحن فنأكل بطهينا لأنفسنا، ولا نأكل بقدْر الحاجة، لذلك نتغوط.
قالوا له: زعمتم أنكم تأخذون من الجنة ما تشاءون دون أنْ ينقص منها شيء، فكيف ذلك؟ قال: لأن الشيء ينقص بالأخذ منه حين لا يكون له مدد من الغير، فإنْ كان له مدد لا ينقص، والمدد في الجنة مِن الله، فكيف يتأتى النقصان؟
شيء آخر: لو جئتَ إلى المصباح فأخذتَ مه شعلة، بل آلاف الشعلات، أينقص من ضوء المصباح شيء؟
وهكذا رَدّ الشعبي، وأُعجب به القوم، وكتبوا له كتاباً يُوصله إلى أمير المؤمنين، وكأنهم حسدوا أمير المؤمنين أن تكون مثل هذه العقلية وهذه الموهبة في خدمته، وكان في الكتاب: عجبتُ لقوم فيهم مثل الشعبي، كيف يُولُّون غيره؟
فلما ذهب الشعبي وسلَّمه الكتاب قرأه أمير المؤمنين، وقال للشعبي: أتدري ما في الكتاب؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: اقرأ، فقرأ الشعبيُّ العبارة: عجبتُ لقوم فيهم مثل الشعبي كيف يُولُّون غيره؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، لأنه لم يَركَ، ولو رآك لغيَّر رأيه.
والمتأمل في مسألة الإنذار يجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنذارين: عام للعالمين جميعاً، وهو إنذار بلاغ من الله للجميع المؤمن والكافر، وهو الذي قال الله فيه: إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً.. [فاطر: ٢٤] فالذين يؤمنون بالله ينتفعون بالإنذار، وينتفعون بالبشارة، والذين لا يؤمنون لا ينتفعون من ذلك بشيء.
والإنذار الآخر إنذار خاص بمَنْ خَشِي الرحمن بالغيب، وهو إنذار القبول، وينتفع به مَنْ خشي الرحمن بالغيب، فالذين لا يخشوْن ربهم سبق أن أُنذروا، لكن إنذار بلاغ، فلم ينتفعوا به؛ لذلك لم يشملهم الإنذار الخاص.
وقوله سبحانه: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس: ١١] قلنا: إن البشارة: إخبار بالخير قبل أوانه ليحفزك إلى أسباب الخير ويُطعمك فيها، وتلحظ هنا أن المغفرة سبقتْ الأجر، لماذا؟ قالوا: لأن الحق - سبحانه وتعالى - قبل أن يُعطيك النعمة يصرف عنك العذاب أولاً؛ لأن التخلية كما قلنا تسبق التحلية، ثم إن المغفرة دائماً هي جزاء الإيمان بالله، أما الأجر فجزاء العمل بمنهج الله؛ لذلك قال سبحانه: إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ [النساء: ٤٨] فمَنْ آمن بالله أَمِنَ العذاب وضمن المغفرة، فإنْ أراد الأجر فعليه بالعمل الصالح.
ووصف الأجر نفسه بأنه كريم مع أن الكريم هو المعطي سبحانه، فالمعنى أن كرم المعطي تعدَّى إلى العطية، فصارت العطية كريمة، وكأنها تتلهَّف على صاحبها، كما يتلهَّف الرجل إلى العطاء؛ لذلك قلنا: إن النعمة التي يُنعِم الله بها على خَلْقه تعشق صاحبها، وتسعى إليه وتكره مَنْ يحسده عليها، أو يحقد عليه بسببها.
لذلك لا تذهب إلى هذا الحاسد الحاقد، ولا يناله منها خير أبداً، وكأن المُنعِم سبحانه يقول: ما دُمْتَ قد كرهتَ النعمة عند غيرك، فلن تنال منها شيئاً؛ لأنك تُخطِّئ الله في عطائه، وتعترض على قضائه، فكيف تأتيك نعمته؟ لكن إنْ أحببت النعمة عند غيرك تأتِكَ وتطرق هي بابك.
وهذه المسألة لها شواهد كثيرة من حياتنا، أذكر منها أن رجلاً من بلدنا ميت غمر جاءني يشكو قسوة عمه الغني عليه، وأنه رغم غِنَاه بخيل عليه. ويستعمل الأغراب، ويتركه هو بدون عمل، وغير ذلك مما ذكره في شكواه، وكان معي في هذه الجلسة أهلي، فقالت له: يا ابني أنت دائماً تشتم عمك وتخوض في حقه، قال: نعم لأنه لا يسأل عني.
فقلت له: أسألك سؤالاً وأستحلفك ألاَّ تكذب، فلما رأى أنني سأحلفه على المصحف تراجع، فقلت له: أتحب النعمة عند عمك؟ قال: لا، كيف أحبها، وأنا لا أنال منها شيئاً، قلتُ: لو أحببتَ النعمة عند عمك، وتمنيتَ له الخير والمزيد لجاءتك النعمة تطرق بابك، قال: إذن أرجوك يا مولانا تكلم عمي وتوصيه عليَّ.
ويبدو أن الرجل حاول فعلاً إصلاح نفسه، فأصلح الله ما بينه وبين عمه، فبعد صلاة الفجر جاءني يطرق الباب، فلما دخل قال وهو يبكي: يا مولانا أحكي لك حكاية أغرب من الخيال. قلت: ما هي؟ قال: قبل الفجر بساعة جاء مَنْ يطرق عليَّ الباب بشدة، فقمت ففتحت الباب، فإذا به عمي يعاتبنى ويقول: كيف تتركني للأغراب ينهبون مالي وأنت (داير) على حَلِّ شعرك، خذ المفاتيح، ومن الصباح تفتح المحلات، وتباشر بنفسك مصالحي.
فقلت له. نعم، لأنك أحببتَ النعمة عند عمك وغيَّرتَ ما في نفسك ناحيته. إذن: مَنْ أراد أن تكون نِعَم الناس كلها عنده. فَلْيُحب النعمة عند غيره.

ثم يقول الحق سبحانه:

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ... .
قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ هذان ضميران للمتكلم على سبيل التعظيم، فإنَّا هي نحن، كما لو قلت: زيد زيد، فماذا أضافتْ نحن بعد إنَّا؟ القاعدة في صياغة اللغة أن تمييز الشيء يأتي حين يكون هناك اشتراك، فإنْ لم يكُنْ اشتراك فلا يأتي التمييز... فكأن الحق سبحانه لما قال إِنَّا وليس هناك غيره قال: إِنَّا نَحْنُ يعني: كأنه قال إنَّا إنَّا يعني: لا أحدَ سِوَاي، فليس في هذه المسألة اشتراك.
وسبق أنْ أوضحنا أن كلام الله تعالى عن نفسه قد يأتي بصيغة الجمع كما في
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١].
وقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] وتلحظ أن الضمير هنا للتعظيم، وهكذا في كل الآيات التي تتحدث عن فعل من أفعاله تعالى، أو عن فضل من أفضاله، ذلك لأن كل فعل من أفعاله تعالى يحتاج إلى عدة صفات: يحتاج إلى علم، وإلى حكمة، وإلى قدرة.. الخ وكل هذه الصفات كامنة في (نحن) الدالة على العظمة المتكاملة في الأسماء الحسنى لله تعالى.
أما حين يتكلم سبحانه عن الذات الواحدة، فيأتي بضمير المتكلم المفرد كما في:
إِنَّنِيۤ أَنَا اللَّهُ [طه: ١٤] ولم يقُلْ مثلاً: إننا نحن الله؛ لأن إننا ونحن تدل على الجمع، والكلام هنا عن الوحدانية، فلا بُدَّ أنْ يأتي بصيغة المفرد.
لذلك يؤكد الحق سبحانه هذه الوحدانية بعدة وسائل للتوكيد في قوله سبحانه:
إِنَّنِيۤ أَنَا اللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ [طه: ١٤] فلم يَقُلْ سبحانه: فاعبدنا وأقم الصلاة لذكرنا، إنما فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ [طه: ١٤] لأن العبادة تكون لله وحده.
ثم إن عملية البعث وإحياء الموتى لله وحده لا يشاركه فيها أحد.
وقال سبحانه إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ قبل وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ مع أن الكتابة تسبق عملية الإحياء، الكتابة كانت في الدنيا، والإحياء في الآخرة، فلماذا؟ أولاً: عليك أن تلاحظ أن هذا الكلام ليس كلامك، إنما كلام الله، فلا بُدَّ أن تُعمِل عقلك لتفهم عن الله مراده؛ لأن أسلوب الحق -سبحانه وتعالى- يحمل من الكمالات ما يناسب كماله سبحانه، وكلامك أنت يحمل ما يناسب كمالك.
لذلك سبق أن قُلْنا: إن القرآن له تميُّزات عن كل الكتب، وأن تناوله غير تناول أيِّ كتاب...
إذن: ما الحكمة من تقديم إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ على وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ؟ قالوا: لأنه ما فائدة الكتابة؟ الكتابة للأعمال لحصر الحسنات لنثيب عليها، ولحصر السيئات لنعاقب عليها، فإذا لم يكُنْ هناك إحياء للموتى وحساب وجزاء، فما فائدة الكتابة؟ لذلك قدَّم الإحياء على كتابة الأعمال، كما أن الإحياء أعظم من الكتابة فناسب أنْ يتقدم عليها.
ومعنى: مَا قَدَّمُواْ أي: من الأعمال، والعمل قد يكون عملاً مثمراً مستمراً بعد موت صاحبه كالصدقة الجارية، فلو حفر إنسان بئراً مثلاً يشرب منه الناس ويموت يظلّ البئر يسقي الناس، أو ترك علماً نافعاً، هذا كله أثر من آثار العمل الذي كُتِب أولاً، وهو المراد بقوله تعالى: وَآثَارَهُمْ.
ومن آثار الإنسان ما سنَّه للناس وتركه يتبع من بعده، سواء أكان حسنة أم سيئة، فكله مكتوب مُسجَّل في كتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأحصى آثارها من بعد صاحبها، فلو كتب إنسان مثلاً وصية ظالمة حرمت صاحب الحق من حقِّه، والوارث من ميراثه تحمل كل الآثار المترتبة على هذا الظلم؛ لأنه لم يحرم الوارث المباشر فحسب، إنما حرم أيضاً ذريته التي كانت ستستفيد من هذا الميراث، لذلك يظل عليه وِزْرها إلى يوم القيامة.
كذلك مَنْ سَنَّ للناس قانوناً جائراً، فعليه وِزْر القانون الجائر الذي حكم هو به، ثم على مَنْ يحكم بهذا القانون من بعده، ومثل مسألة القطاع العام مثلاً، القطاع العام أقامه مَنْ أقامه، ثم ظلَّتْ آثاره تنهب في الناس إلى أنْ ضَجَّ منه الجميع وطالب الحكام أنفسهم بتعديله.
هذه القضية تشرح لنا حديث سيدنا رسول الله:"مَنْ سَنَّ سُنة حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة، ومَنْ سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووِزْر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة"
أرأيتم الرجل العجوز يزرع النخلة وربما لا ينتفع بثمرها، لكن ينتفع به مَنْ بعده، فهذه هي آثاره من بعده يكتبها الله له ويُحصيها لحسابه.
وقال بعض العلماء في معنى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ أي: نكتب ما قدموا من النية التي تسبق العمل، ثم نكتب العمل نفسه، وهو آثار هذه النية، فحين تعقد نية الخير في عمل ما تأخذ أجر النية، فإذا ما عملتَ العمل تأخذ أجر العمل.
وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: "مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كُتِبت له حسنة، ومَنْ هَمَّ بها فعملها كُتِبت له عَشْراً "وهذا يرشدنا إلى أهمية عقد النية قبل الشروع في العمل ليثاب عليها الإنسان، فالمؤمن لا يأتي العمل هكذا عشوائياً.
وقوله تعالى: وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ هناك فَرْق بين الكتابة والإحصاء، الكتابة أنْ تكتب الشيء، لكن لا تضم المكتوبات إلى بعضها، فتحتاج إلى مَنْ يحصيها ويعدُّها، فالحق سبحانه يسجل علينا الأعمال كتابة أولاً، ثم إحصاءً وعَدّاً، والإحصاء والعَدُّ أيضاً في كتاب مسجل فيه كل شيء فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ والإمام هو ما يُؤتَم به، والمراد هنا اللوح المحفوظ الذي تأخذ منه الملائكة مهمتها في إدارة الكون.
فلما كذَّبوا وأنكروا للمرة الثانية كان لا بُدَّ من تأكيد الكلام على هذا النحو: إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وكل كلمة من هذه العبارة فيها تأكيد، أولاً بإنَّ، ثم أسلوب القصر في تقديم الجار والمجرور إليكم، ثم لام التوكيد في (لمرسلون)، إذن: على قَدْر الإنكار يكون التأكيد، وهؤلاء ينكرون الرسالة من عدة وجوه أولاً: قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا [يس: ١٥]، ثم وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ [يس: ١٥]، ثم إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس: ١٥].
وقولهم: مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا [يس: ١٥] يعتبرون أن بشرية الرسل قَدْح في الرسالة، لكن كيف تتحقق الرسالة إذا لم يكُنْ الرسول من البشر؟
الحق سبحانه يناقشهم هذه المسألة في موضع آخر، فيقول سبحانه:
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٤-٩٥].
هذا أول ردٍّ عليهم، فالذين يمشون على الأرض بشر ليسوا ملائكة.
وفي موضع آخر يجاري الحق الخَلْق، فيقول: وحتى لو جاء الرسول مَلَكاً لا بُدَّ أن ينزل على صورة البشر: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً [الأنعام: ٩] وإلا كيف تروْنه؟ وكيف تتلقَّوْن منه على صورته الملائكية.
إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسول من جنس المرسَل إليهم لتِصحَّ الأُسْوة فيه، وكيف تتحقق الأسوة في الرسول الملَك، وهو لا يعصي الله أصلاً، والرسول مُطالب أنْ يُبلِّغ منهج الله، وأنْ يُطبقه بنفسه، لذلك قال سبحانه:
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] يعني: يُطبق هو المنهج الذي جاء به قبل أن يُبلِّغه للناس.
وقولهم: وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ [يس: ١٥] دلّ على غبائهم في الأداء، فعجيب منهم أنْ يعترفوا لله تعالى بصفة الرحمة، وهم لا يؤمنون به، ومن مقتضيات هذه الرحمة أن يرسل إليهم رسولاً يدلُّهم على الخير ويدفعهم عن الشر، إذن: يعترفون بالحيثية التي تدينهم، ثم يزيدون على ذلك فيتهمون الرسل بالكذب: إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس: ١٥].
وعندها يؤكد الرسل رسالتهم، فيقولون: رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ فكلمة رَبُّنَا يَعْلَمُ حلّت محلّ القسم: لأنهم يُشْهِدون الله على صِدْق رسالتهم، والقسم عند العرب لإثبات قضية مختلف عليها، وما دام قال الرسل رَبُّنَا يَعْلَمُ فالأمر إما أنْ يكون صحيحاً، أو غير صحيح، فإنْ كان غير صحيح فقد كذبوا على الله...
هؤلاء الكفار في تكذيبهم للرسل يعتقدون أنهم بذلك يَغَارُونَ لله وينتقمون من الرسل الذين يكذبون عليه سبحانه، فيقولون:
قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ....
آية رقم ١٦
فلما كذَّبوا وأنكروا للمرة الثانية كان لا بُدَّ من تأكيد الكلام على هذا النحو: إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦] وكل كلمة من هذه العبارة فيها تأكيد، أولاً بإنَّ، ثم أسلوب القصر في تقديم الجار والمجرور إليكم، ثم لام التوكيد في (لمرسلون)، إذن: على قَدْر الإنكار يكون التأكيد، وهؤلاء ينكرون الرسالة من عدة وجوه أولاً: قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا [يس: ١٥]، ثم وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ [يس: ١٥]، ثم إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس: ١٥].
وقولهم: مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا [يس: ١٥] يعتبرون أن بشرية الرسل قَدْح في الرسالة، لكن كيف تتحقق الرسالة إذا لم يكُنْ الرسول من البشر؟
الحق سبحانه يناقشهم هذه المسألة في موضع آخر، فيقول سبحانه: وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٤-٩٥].
هذا أول ردٍّ عليهم، فالذين يمشون على الأرض بشر ليسوا ملائكة.
وفي موضع آخر يجاري الحق الخَلْق، فيقول: وحتى لو جاء الرسول مَلَكاً لا بُدَّ أن ينزل على صورة البشر وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً [الأنعام: ٩] وإلا كيف تروْنه؟ وكيف تتلقَّوْن منه على صورته الملائكية.
إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسول من جنس المرسَل إليهم لتِصحَّ الأُسْوة فيه، وكيف تتحقق الأسوة في الرسول الملَك، وهو لا يعصي الله أصلاً، والرسول مُطالب أنْ يُبلِّغ منهج الله، وأنْ يُطبقه بنفسه، لذلك قال سبحانه لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] يعني: يُطبق هو المنهج الذي جاء به قبل أن يُبلِّغه للناس.
وقولهم: وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ [يس: ١٥] دلّ على غبائهم في الأداء، فعجيب منهم أنْ يعترفوا لله تعالى بصفة الرحمة، وهم لا يؤمنون به، ومن مقتضيات هذه الرحمة أن يرسل إليهم رسولاً يدلُّهم على الخير ويدفعهم عن الشر، إذن: يعترفون بالحيثية التي تدينهم، ثم يزيدون على ذلك فيتهمون الرسل بالكذب: إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس: ١٥].
وعندها يؤكد الرسل رسالتهم، فيقولون: رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦] فكلمة رَبُّنَا يَعْلَمُ [يس: ١٦] حلّت محلّ القسم: لأنهم يُشْهِدون الله على صِدْق رسالتهم، والقسم عند العرب لإثبات قضية مختلف عليها، وما دام قال الرسل رَبُّنَا يَعْلَمُ [يس: ١٦] فالأمر إما أنْ يكون صحيحاً، أو غير صحيح، فإنْ كان غير صحيح فقد كذبوا على الله.
وقد أجمع العرب على أن الكذبة الفاجرة تُوجب خراب الديار - هكذا يعتقدون - وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الكذب يجعل الديار بلاقع، فالكذب مذموم منهيٌّ عنه، حتى عند غير المؤمنين بدين؛ لذلك رأينا كفار مكة لا ينطقون بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله ولو كانوا يعلمون أنها كلمة تقال ليس لها مدلول لَقَالوها، لكنهم يعلمون مدلولها ومعناها، يعلمون أنها تعني أن العبادة لا تكون إلا لله، وأن الأمر والنهي والسيادة لا تكون إلا لله.. الخ لذلك تأبَّوْا فلم يقولوها، لأنهم لا يريدون مدلولها.
هؤلاء الكفار في تكذيبهم للرسل يعتقدون أنهم بذلك يَغَارُونَ لله وينتقمون من الرسل الذين يكذبون عليه سبحانه، فيقولون:
قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ... .
آية رقم ١٧
فلما كذَّبوا وأنكروا للمرة الثانية كان لا بُدَّ من تأكيد الكلام على هذا النحو: إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦] وكل كلمة من هذه العبارة فيها تأكيد، أولاً بإنَّ، ثم أسلوب القصر في تقديم الجار والمجرور إليكم، ثم لام التوكيد في (لمرسلون)، إذن: على قَدْر الإنكار يكون التأكيد، وهؤلاء ينكرون الرسالة من عدة وجوه أولاً: قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا [يس: ١٥]، ثم وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ [يس: ١٥]، ثم إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس: ١٥].
وقولهم: مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا [يس: ١٥] يعتبرون أن بشرية الرسل قَدْح في الرسالة، لكن كيف تتحقق الرسالة إذا لم يكُنْ الرسول من البشر؟
الحق سبحانه يناقشهم هذه المسألة في موضع آخر، فيقول سبحانه: وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٤-٩٥].
هذا أول ردٍّ عليهم، فالذين يمشون على الأرض بشر ليسوا ملائكة.
وفي موضع آخر يجاري الحق الخَلْق، فيقول: وحتى لو جاء الرسول مَلَكاً لا بُدَّ أن ينزل على صورة البشر وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً [الأنعام: ٩] وإلا كيف تروْنه؟ وكيف تتلقَّوْن منه على صورته الملائكية.
إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسول من جنس المرسَل إليهم لتِصحَّ الأُسْوة فيه، وكيف تتحقق الأسوة في الرسول الملَك، وهو لا يعصي الله أصلاً، والرسول مُطالب أنْ يُبلِّغ منهج الله، وأنْ يُطبقه بنفسه، لذلك قال سبحانه لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] يعني: يُطبق هو المنهج الذي جاء به قبل أن يُبلِّغه للناس.
وقولهم: وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ [يس: ١٥] دلّ على غبائهم في الأداء، فعجيب منهم أنْ يعترفوا لله تعالى بصفة الرحمة، وهم لا يؤمنون به، ومن مقتضيات هذه الرحمة أن يرسل إليهم رسولاً يدلُّهم على الخير ويدفعهم عن الشر، إذن: يعترفون بالحيثية التي تدينهم، ثم يزيدون على ذلك فيتهمون الرسل بالكذب: إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس: ١٥].
وعندها يؤكد الرسل رسالتهم، فيقولون: رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس: ١٦] فكلمة رَبُّنَا يَعْلَمُ [يس: ١٦] حلّت محلّ القسم: لأنهم يُشْهِدون الله على صِدْق رسالتهم، والقسم عند العرب لإثبات قضية مختلف عليها، وما دام قال الرسل رَبُّنَا يَعْلَمُ [يس: ١٦] فالأمر إما أنْ يكون صحيحاً، أو غير صحيح، فإنْ كان غير صحيح فقد كذبوا على الله.
وقد أجمع العرب على أن الكذبة الفاجرة تُوجب خراب الديار - هكذا يعتقدون - وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الكذب يجعل الديار بلاقع، فالكذب مذموم منهيٌّ عنه، حتى عند غير المؤمنين بدين؛ لذلك رأينا كفار مكة لا ينطقون بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله ولو كانوا يعلمون أنها كلمة تقال ليس لها مدلول لَقَالوها، لكنهم يعلمون مدلولها ومعناها، يعلمون أنها تعني أن العبادة لا تكون إلا لله، وأن الأمر والنهي والسيادة لا تكون إلا لله.. الخ لذلك تأبَّوْا فلم يقولوها، لأنهم لا يريدون مدلولها.
هؤلاء الكفار في تكذيبهم للرسل يعتقدون أنهم بذلك يَغَارُونَ لله وينتقمون من الرسل الذين يكذبون عليه سبحانه، فيقولون:
قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ... .
كأنهم يقولون للرسل: ما دُمْتم كذبتم على الله وقًلْتم رَبُّنَا يَعْلَمُ.. [يس: ١٦] في أمور نظنكم فيها كاذبين، فقد تطيَّرنا بكم يعني: تشاءمنا. والتطيُّر من الطَّيَرة. وكانت عادة معروفة عند العرب، فكانوا حين يريد الواحد منهم عمل شيء، يأتي إلى طير فيزجره ويُطلقه، فيرى إلى أين يطير: فإنْ طار إلى اليمين أمضى ما ينوي عليه، وإنْ طار إلى اليسار أمسك وتشاءم، وقد حَرَّم الإسلامُ هذه العادة ونهى عنها.
وقولهم لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ [يس: ١٨] أي: عما تقولونه من أنكم مُرْسَلُون بمنهج لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [يس: ١٨] فجمعوا عليهم الرجم والعذاب الأليم، والرجم غير العذاب، الرجم رَمْيٌ بالحجارة حتى الموت، فهو إنهاء للعذاب؛ لأن التعذيب إيلام حي، فمَنْ مات لا يستطيع أنْ تُعذِّبه، لذلك قالت العرب: لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها.
لذلك لما ادَّعى أحد القضاة أن القرآن ليس فيها نَصٌّ على الرجم: قلنا لهم: صحيح، ليس في القرآن آية تنص على الرجم، لكن أيهما أقوى في التقنين: الكلام أم الفعل؟ أيهما يُعَدُّ حُجة؟ لا شكَّ أن الفعل أقوى حجة، لأن الكلام يمكن أنْ يؤوَّل، أمَّا الفعل فلا تأويل فيه، وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم الرجم في ماعز والغامدية.
إذن: الاحتجاج هنا ليس بالنصِّ القولي، إنما الفعل من رسول الله الذي فوَّضه الله في أنْ يشرع، وأمرنا بطاعة أوامره، فقال سبحانه: وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ [الحشر: ٧] والحق سبحانه لا يأمرنا هذا الأمر إلا إذا كان قد ترك لرسول الله أموراً يُشرعها.
وهذه من ميزاته صلى الله عليه وسلم على غيره من الرسل، فكل رسول ما عليه إلا أنْ يُبلِّغ الحكم كما جاءه من الله، أما سيدنا رسول الله فأُمِر أن يُبلِّغَ عن الله، وترك له بعض الأمور، وفوّض أنْ يشرِع فيها.
لذلك جاءت هذه الآية: وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ [الحشر: ٧].
لذلك حين نستقرئ آيات الطاعة تجد القرآن يقول مرة: وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ [المائدة: ٩٢].
ويقول في آية أخرى: وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ [آل عمران: ١٣٢].
ويقول: وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ [النساء: ٥٩].
فتكرار الفعل (أَطِيعُوا) يعني: أن الجهة مُنفكة، فلله تعالى أمر وللرسول أمر، يعني: أطيعوا الله في التقنين الإجمالي العام، وأطيعوا الرسول في تفصيل ما أجمل، ففي الزكاة مثلاً جاء الأمر العام بأداء الزكاة، لكن لم يحدد الحق سبحانه له نصاباً، هذا النِّصَاب بيَّنه سيدنا رسول الله. إذن: لله فيها أمر، وللرسول أمر.
أما إن جاء الأمر (وأطيعوا) واحداً وعطف رسول الله على الله، ولم تُكرر الطاعة مع المطاع، فاعلم أنَّ الأمر واحد قاله الله وقاله رسول الله، فطاعة المطاع الثاني من باطن طاعة المطاع الأول، كما في قوله سبحانه: أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] فلم يقُل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن طاعة أولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة رسول الله، وليس لهم طاعة مستقلة منفصلة، بل طاعتهم في ظِلِّ طاعة الله وطاعة رسول الله.
إذن: الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول، فإنْ قال قائل: نريد أنْ نسمع كلام الله في هذه المسألة نقول: نعم، هناك كلام بالنصِّ وكلام باللازم، والحق سبحانه حين تكلم عن الإماء في هذه المسألة قال: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ [النساء: ٢٥].
والعذاب كما قلنا: إيلام حَيٍّ أمَّا الرجم فهو إنهاء للحياة، وإنهاء للعذاب؛ لذلك بيَّن الحق سبحانه أن النصف للعذاب، وهنا يُخرِج الرجم؛ لأن الرجم لا يُنصَّف. إذن: فالنصف ليس على الإطلاق وكونه يخصُّ هنا العذاب، فهذا يعني أنَّ عليهن الرجم أيضاً كاملاً، لا يُنصَّف.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام والهدهد: لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ [النمل: ٢١] إذن: العذاب غير الذبح وغير القتل.
وقولهم: لَنَرْجُمَنَّكُمْ [يس: ١٨] الرجم قد يُطلق على القول، لنرجمنَّكم بالقول، وقد يكون الرجم على حقيقته بشدة حتى الموت، أو بهوادة، فيُراد منه الإيلام.
معنى طَائِرُكُم يعني: تشاؤمكم مَّعَكُمْ أي: ملازم لكم، والمراد هنا الكفر، والهمزة الأولى في أَئِن للاستفهام و (إنْ) أداة شرط وجوابها محذوف تقديره: أئن ذُكِّرتم بالله وبمنهج خالقكم، وبما يُسعدكم في دنياكم تكون النتيجة أنكم تهددون المذكِّر لكم بالرجم وبالعذاب الأليم، بدل أنْ تتبركوا به وتُعينوه وتتبعوا ما جاءكم به.
بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ يعني: متجاوزون للحدِّ؛ لأن الأمر بيننا وبينكم لم يخرج عن كونه مناظرة كلامية لم نتعدَّ فيها حدود البلاغ بأننا مُرْسَلون إليكم، فكانت النتيجة أنْ قابلتم المناظرة الكلامية بهذا الفعل القاسي المسرف المتجاوز للحدِّ، حيث جمعتم علينا الرجْم والعذاب الأليم.
في هذه الأثناء، ماذا حدث؟
وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ....
قوله سبحانه: وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يٰقَوْمِ اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ يدل على أن الرسولين الأولين اللذين كذَّبهما القوم كان لهما أنصار مؤمنون بهما، مُصدِّقون لدعوتهما، فلما جاء الثالث وأيضاً كذَّبه القوم أخذتْ هؤلاء المؤمنين حَمِيَّة الحق، وكان منهم هذا الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لِنُصْرة الحق وإعلاء كلمته.
ونلحظ في هذه الآية أولاً قوله سبحانه: مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ أنه لم يكن قريباً من مكان هذه المناظرة الكلامية، وأنه تحمَّل المشاق في سبيل نُصْرته للحق، وهذا دليل على قوة الطاقة الإيمانية عند هذا الرجل، ودليل أيضاً على أن الرسولين السابقين قد بلغت دعوتهما أقصى المدينة.
ثم وصفه بأنه (رَجُلٌ) ولم يَقُلْ فلان، فذكر الصفة البارزة في تكوينه أنه رجل.
وهِمَّة الرجل هي التي تحدد مقدار رجولته، فرجل يريد الحياة لنفسه فقط والكل يخدمه، يرى كل شيء لنفسه ولا يرى نفسه لأحد، هذا رجل وطنه نفسه وذاته، ورجل وطنه أهله وعياله يُعدِّي إليهم منفعته، ورجل وطنه أمته، ورجل وطنه العالم كله مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو فلسفة الرجل.
إذن: هِمَم الرجال هي التي تحدد أوطانهم ومنازلهم، وأعلى هذه المنازل رجل وطنه العالم كله؛ لأن الخَلْق كلهم عيال الله، فمَنْ يحب الخير لهم وينثر عليهم ما ينفعهم فقد استأمنه الله على رزق العباد.
ومثّلنا لبيان ذلك قلنا: هبْ أن لك أولاداً، واحداً منهم يأخذ مصروفه فينفقه على ملذاته ورغباته وفيما لا يفيد، والآخر يشتري بمصروفه حلوى ويُوزِّعها على إخوته الصغار، فأيهما تُؤثِره بعد ذلك، وأيهما تزيده؟ كذلك اليد المناولة عن الله لخَلْق الله، وكأن الله يقول له: أنت مأمون على نعمتي، مأمون على خَلْقى، ومن ذلك قول الشاعر:
وقوله يَسْعَىٰ يعني: أن مجيئه لم يكُنْ عادياً، إنما مسرعاً يجري قَالَ يٰقَوْمِ اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ وقوله يٰقَوْمِ نداء لتحنين المنادَى، كأنه يقول: يا أهلي، يا عشيرتي، يا أبنائي، فذكر ما بينه وبينهم من صلات المودة والرحمة.
وقوله اتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ يدل على تأييده لهم، وهو هنا يذكر الحيثية الأولى لهذا الاتباع هي أنهم مرسلون.
آية رقم ٢١
ثم يذكر لهم حيثية أخرى فيقول: اتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ يعني: لم يطلبوا منكم أجراً على دعوتهم.
وكلمة مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً لا تُقال إلا إذا كان العمل الذي قام به يحتاج إلى أجر، والرسول ما جاء إلا لينفع المرسَل إليهم، فهو منطقياً يحتاج إلى أجر، لكن مَنْ يستطيع أنْ يوفيه أجره؟ لا أحد يوفيه أجره إلا الله؛ لأن نَفْع الرسول يتعدَّى نفْع الدنيا إلى نفع الآخرة، فمَنْ من البشر يعطي الرسول ما يستحقه؟
لذلك رأينا الرسل جميعاً يقولون هذه الكلمة إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ [يونس: ٧٢] يعني: أنتم أيها القوم لا تملكون مقدار أجري، ولا تقدرون على تقييمه، إنما يعطيني أجري الذي أعمل من أجله. كل رسل الله قالوا هذه الكلمة إلا رسولين، هما: سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟
قالوا: لأن إبراهيم كانت أول دعوته لأبيه آزر، ولا يليق أنْ يطلب منه أجراً على دعوته إياه إلى الحق، كذلك سيدنا موسى أول ما دَعا دَعا فرعون الذي ربَّاه في بيته، وله فَضْل عليه، فكيف يطلب منه أجراً؟
وقوله سبحانه: وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [يس: ٢١] حيثية ثالثة لاتباعهم، فهم مُرْسَلُون من قِبَل مَنْ أرسله الله، والله لا يرسل إلا مَنْ يهدي إلى صراط مستقيم يوصل إليه سبحانه. فهؤلاء المرسلون مهتدون في أنفسهم، وبالتالي هادون لغيرهم، فهو إذن يذكر الأمر وعِلَّته، فهؤلاء الرسل لا يسألون أجراً، ولا يدعون إلى ضلال، بل إلى هدى.
ثم يلتفت هذا الرجل إلى نفسه، فيقول للقوم: أنا لا آمركم أمراً أنا عنه بنَجْوَة، ولو كنتُ سأغشُّكُم فلن أغشَّ نفسي وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [يس: ٢٢] أي: خلقني من العدم، فهو أوْلى بالعبادة، هو الذي صنعني، أوجدني من عدم، وأمدَّني من عُدم، ولا زال يُوالي عليَّ نعمه، إذن: ما يمنعني أن أعبده وهو أَوْلَى بالعبادة، ولو لم تكُنْ عبادتي له إلا لأُكافئه على نعمه دون نظر إلى ثواب، لكانتْ عبادته واجبة.
وهذا ليس كلامَ رسول، إنما كلام رجل مؤمن متطوع باشر الإيمانُ قلبه، فأراد أنْ يزكّي إيمانه، وأنْ يُعدّى هدايته إلى غيره من باب قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
الحق سبحانه خلق الخَلْق أولاً، ثم أرسل الرسل بالمنهج لهدايتهم، الرسل بدورهم بلَّغوا الأصحاب، ومَنْ بلغه شيء تحمله كما يتحمله الرسول، لذلك قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها فرُبَّ مُبلَّغ أَوْعَى من سامع".
إذن: مسئولية الدعوة يتحملها أولاً الرسل، ثم المؤمنون بهم الذين بلغتهم الدعوة، وهذا التحمُّل ليس تفضُّلاً، إنما تكليف من الله، لذلك قال سبحانه:
لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣]، فكما شهد الرسول أنه بلغكم، فواجب عليكم أنْ تشهدوا على الناس أنكم بلَّغتموهم؛ لأن المؤمنين بالرسالة امتداد للرسول.
لذلك، رأينا هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لإعلاء كلمة الحق وتأييد الرسل لم يكن رسولاً ولم يكلِّفه أحد بهذا، إنما تطوَّع به؛ لأن طاقة الإيمان عنده دفعته إلى هذا الموقف.
آية رقم ٢٢
ثم نراه يُطبِّق المسألة على نفسه أولاً، فيقول: وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وهذا تلطُّف في عرض الدعوة وأحرى أنْ تُقبل.
وقوله: وَمَا لِيَ كأنه يتعجب من أمر نفسه لو أنه لم يؤمن بالذي فطره، والتعجب من النفس أصدق ألوان التعبير، كأنه لا يماري ولا يداهن ويقول ما في نفسه، كما قال سيدنا سليمان -عليه السلام: مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ [النمل: ٢٠].
فالجواب ليس عند الغير، بل عنده هو، كأنه يقول: لا بُدَّ أن يكون الهدهد موجوداً لكني لا أراه، فالقاعدة أنه يستعمل الكل والكل موجود، فالعجب عندي أنا: ما لي لا أراه، ثم يعيد الأمر أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠] يعني: إما أنْ يكون المانع من عندي أنا، أو من عنده، كأنه يُشكِّك في الأول، ثم يُدقِّق فيجده من عنده هو.
فقوله: وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ كأن أمر الفطرة والخَلْق يقتضي أن تَعْبد الذي فَطر، والخروج عن هذا أمر يستدعي العجب.
لذلك في سورة البقرة الحق سبحانه يلقننا في مخاطبة الكافرين
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ [البقرة: ٢٨] يعني: كيف يكون ذلك منكم، إنَّ كفركم بالله الذي خلقكم ورزقكم أمر لا يجوز بالمنطق العقلي، فأخبرونا إذن الطريقة التي كفرتم بها.
والفَطْر: الخَلْق العجيب على غير مثال سابق؛ لذلك يقول سبحانه عن نفسه
بَدِيعُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ [البقرة: ١١٧] يعني: خلق السماوات والأرض ابتداءً على غير مثال سابق احتذاه في الخَلْق.
أو: أن المعنى الَّذِي فَطَرَنِي أي: على الإيمان به إيمان فطرة، إذن: فإيمانه بالله إما إيمان شكر لمن خلقه وأوجده على غير مثال سابق، أو إيمان الفطرة الأولى التي فطر الله الناسَ عليها، واستجاب هو لِمَا في ذاته من هذه الفطرة.
وحين نتأمل مهمة هذا الرجل نجد أنه أشبه بالقلب بالنسبة لباقي أعضاء الجسم، أي: من حيث تكوين مراحل الإيمان، كيف؟ الجسم عبارة عن جوارح متعددة، لكل جارحة مهمة ووظيفة، وحياة الجسم تتطلب مقومات الحياة من الطعام والشراب والهواء، فيأكل الإنسان من نتاج الأرض، ويشرب من مائها...
كذلك، كان هذا الرجل من حيث قوة إيمانه، فبعد أنْ آمن واستقر الإيمان في قلبه أراد أنْ يُعدِّي إيمانه إلى قومه، وأنْ يُشِعَّ عليهم من الهداية التي تشرَّب بها قلبه... وقوله سبحانه وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني: لا تظنوا أنكم تفلتون من الله؛ لأنكم في قبضته، وأنتم في البدء كنتم منه بإقراركم، وكذلك تكون النهاية إليه والمرجع، فإنْ لم تُقدِّروا نعمة الإيجاد فقدِّروا مغبة العَوْد.
ونلحظ في هذه الآية أن الرجل المؤمن يتكلم عن نفسه بصيغة المفرد وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ثم يعدل عن الإفراد إلى خطاب الجماعة والقوم المكذِّبين وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ولم يَقُلْ: وإليه أرجع، لماذا؟
قالوا: لأن الطاعة التي هي أصل العبادة إنما تأتي على مراحل ثلاث:
الأولى: أنْ تطيع مَنْ تجد فيه نموذجاً كمالياً يستحق أن يُطاع، ويستحق أنْ يُحمد لكماله، وإنْ لم يَعُدْ عليك منه شيء، كما تنظر مثلاً إلى قصيدة رائعة معبِّرة فتعجب بقائلها وتثني عليه، أنت لا يعود عليك شيء منها لكنك تُقدِّر الشاعر لذاته.
الثانية: أن تطيع إنساناً وتُقدِّره لمنفعة تعود عليك منه، وكثيراً ما نرى الناس يخدمون رجلاً جباناً لا يستحق أنْ يخدم، وما خدمه الناسُ إلا طمعاً فيما عنده.
والمرحلة الثالثة: أنْ تطيع شخصاً أو تحترمه لمجرد الخوف منه واتقاءَ شرِّه.
وقد حقق الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى المرحلتين الأولى والثانية في قوله وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي فأنا أعبده لأنه بكماله يستحق أن يُعبد، وأعبده لنعمه المتوالية، أما المرحلة الثالثة فجعلها لهؤلاء المكذِّبين من قومه، فقال وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
يعني: تنبهوا يا قوم: إذا لم تقدروا في الله صفات الكمال التي يُحبُّ لأجلها، ولم تقدروا في الله نعمه المتوالية عليكم، فاعلموا أن العودة إليه والمرجع والمصير بين يديه، وهو سبحانه قوي عليكم، لا يفلت من قبضته أحد.
ثم يؤكد هذا الرجل المؤمن على مسألة عباده الله وحده، فيزيد:
أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً....
الاستفهام في أَأَتَّخِذُ يحمل معنى التعجُّب والإنكار، فهو يتعجب وينكر: كيف يتخذ من دون الله آلهة، والله هو الذي خلقه، وحين تتأمل معنى الفعل (أتخذ) تجد أن الشيء المُتَّخذ ليس أصلاً، فمعنى اتخاذ آلهة أنها ليستْ آلهة في الحقيقة، وأنها لا تستحق أنْ تكون آلهة، لكن عمدتَ إليها فجعلتها آلهة... إذن: ما دامت هذه آلهة متخذة، فالمعنى أنها ليس لها وجود أصلاً، وكأن الرجل يُصحِّح للقوم فكرتهم عن العبادة.
وقوله سبحانه: إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ هذه العبارة فيها لفتة لطيفة ينبغي تأملها؛ لأن صفة الرحمة في الرحمن تتناقض مع الضر، فكيف جمع السياق بينهما؟
نقول: إذا فسرتَ ما يجري عليك به قَدَر الله على أنه ضُرٌّ لك فتعقَّل أنه من رحمن، فلا بد أن يكون لمجريه عليك وهو الرحمن حكمة فيما أجرى، لذلك نقول: أحمدك ربي على كُلِّ قضائك وجميع قدرك، حَمْدَ الرضا بحكمك، لليقين بحكمتك.
فكأن الحق سبحانه يقول لك: تنبه أنه ليس كل ما تراه بقوانينك أنت ضاراً لك، هو كذلك؛ لن مُجريه عليك رحمن، ففي طيَّات هذا الضر نَفْع كثير. كما يقدم الأب الحنون ولده للطبيب فيُجري له جراحة مؤلمة، أو يقطع جزءاً منه ليُصلح باقي الجسم، فهذا ضرر في الظاهر، وفي الحقيقة رحمة به...
إذن: اللمسة التي نريد الوقوف عندها في هذه الآية أن الرحمن إنْ كانت تنافي عندك فِعْل الضر، فهذا عندك أنت، إنما عند مُجريها لا تنافي، لأنها من الرحمانية.
وقوله تعالى: لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً يعني: شفاعة هذه الآلهة -إنْ كانت لهم شفاعة- لا تُجدي، لأنهم شركاء لله وأنداد لله، فكيف تُقْبل شفاعتهم عنده سبحانه؟
وشرط في الشفاعة أن يكون الشافع محبوباً عند المشفوع عنده، فهذه الآلهة على فرْض أنه كان لهم شفاعة، فهي غير مقبولة عند الله تعالى، مع أن هذه الآلهة في ذاتها معذورة حيث لا ذنبَ لها، فهي ما ادَّعَتْ أنها آلهة، إنما ادَّعى البشر ذلك.
وسبق أنْ ذكرنا أن هذه الآلهة قد تبرأت من كونها تُعبد من دون الله، وصدق الشاعر الذي صاغ هذا المعنى: فقال على لسان هذه الآلهة:
وقوله سبحانه: وَلاَ يُنقِذُونَ لأن الشافع حين تُرد شفاعته يمكن أن ينقذ المشفوع فيه من يد المشفوع عنده، أما هؤلاء الآلهة فلا تُقبل شفاعتها، ولا تستطيع أنْ تنقذ مَنْ طلب منها أنْ تشفع له.
وقد بيَّنَّا معنى الشفاعة، وأنها من الشفع يعني: إنسان له قضية، ولا يستطيع وحده بأسباب حَلَّ هذه القضية فيستعين بآخر ليساعده وينضم إليه لِيقوِّيه على حَلِّها، إذن: بعد أنْ كان مفرداً صار بالشافع شفعاً، يعني: اثنين...
إذن: هذه الآلهة -على فَرْض أن لها شفاعة- فهي شفاعة مردودة غير مقبولة، وهم أيضاً لا يستطيعون إنقاذ مَنْ يلجأ إليهم من قبضة الحق سبحانه، فهم لا يصلحون للشفاعة، ولا للإنقاذ...
آية رقم ٢٤
الاستفهام في أَأَتَّخِذُ [يس: ٢٣] يحمل معنى التعجُّب والإنكار، فهو يتعجب وينكر: كيف يتخذ من دون الله آلهة، والله هو الذي خلقه، وحين تتأمل معنى الفعل (أتخذ) تجد أن الشيء المُتَّخذ ليس أصلاً، فمعنى اتخاذ آلهة أنها ليستْ آلهة في الحقيقة، وأنها لا تستحق أنْ تكون آلهة، لكن عمدتَ إليها فجعلتها آلهة، ومثله اتخاذ الولد في قوله تعالى: مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ.. [المؤمنون: ٩١].
فالمعنى: أن الله تعالى ليس له ولد في حقيقة الأمر، وإنْ قلتم اتخذ الله ولداً، فهذا يعني أنه أتى سبحانه إلى ولد فتبنَّاه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وكما تقول أنت اتخذت ولداً. يعني: أتيتَ إلى ولد لم تنجبه فتبنَّيْته.
إذن: ما دامت هذه آلهة متخذة، فالمعنى أنها ليس لها وجود أصلاً، وكأن الرجل يُصحِّح للقوم فكرتهم عن العبادة.
وقوله سبحانه: إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ [يس: ٢٣] هذه العبارة فيها لفتة لطيفة ينبغي تأملها؛ لأن صفة الرحمة في الرحمن تتناقض مع الضر، فكيف جمع السياق بينهما؟
نقول: إذا فسرتَ ما يجري عليك به قَدَر الله على أنه ضُرٌّ لك فتعقَّل أنه من رحمن، فلا بد أن يكون لمجريه عليك وهو الرحمن حكمة فيما أجرى، لذلك نقول: أحمدك ربي على كُلِّ قضائك وجميع قدرك، حَمْدَ الرضا بحكمك، لليقين بحكمتك.
فكأن الحق سبحانه يقول لك: تنبه أنه ليس كل ما تراه بقوانينك أنت ضاراً لك، هو كذلك؛ لن مُجريه عليك رحمن، ففي طيَّات هذا الضر نَفْع كثير. كما يقدم الأب الحنون ولده للطبيب فيُجري له جراحة مؤلمة، أو يقطع جزءاً منه ليُصلح باقي الجسم، فهذا ضرر في الظاهر، وفي الحقيقة رحمة به.
لذلك سبق أنْ قلنا: إذا دخل عليك ولدك يسيل دمه، فلا تستقبل هذا إلا بالرضا، ولا بالسخط، إلا بعد أنْ تسأل عن الفاعل، فإنْ كان عدواً سخطَتْ عليه، وإنْ كان مُحباً تقبلْتَ ما حدث بالرضا، وقلتَ للولد: لا بد أنَّ عمَّك مثلاً رآك تخطئ فعاقبك.
كذلك لا تحكم على أقدار الله التي يُجريها عليك إلا من منطلق أنها من رحمن أرحم بك من الوالدة بولدها، وأنت خَلْقه وصَنْعته، وما رأينا أحداً من حمقى البشر يعمد إلى صنعته فيحطمها، إنما يعتنى بها، ويُعمِل فيها يد التجميل والتزيين، كما ترى النجار مثلاً يمسك بـ (الفارة) وينحت في الخشب. أتقول: إنه يضر بصنعته؟ لا بل يُصلحها ويُزينها.
لذلك يقول تعالى في الحديث القدسي: أبعد هذا التودد من الخالق للخَلْق يُجْري عليهم ما يضرهم؟
وفي حياتنا العملية كثيراً ما نرى شواهد لهذه المسألة، فكثيراً ما يفوتك القطار أو الأتوبيس مثلاً، فتأخذ الميعاد التالي، وفي الطريق تجد القطار أو الأتوبيس حدث له حادث فتصحح أنت فكرتك الأولى، وتُحوِّل غضبك لفوات القطار إلى شكر لله الذي نجَّاك، وكنتَ تظن غير ذلك. إذن: انظر إلى مَنْ أجرى عليك الأقدار، ولا تنظر إلى المنفعة السطحية؛ لأن لله تعالى حكمة فيما يُجريه، تعلمها أنت أو لا تعلمها.
أيضاً كثيراً ما يُخفق أحد أبنائنا مثلاً في الامتحان وقد ذاكر واجتهد وحصَّل العلوم.. الخ لكن عَرَض له عارض من مرض أو غيره فلم يُوفَّق. النظرة السطحية للأمور تقول: إنها شر وخسارة تدعو إلى السخط والعياذ بالله، لكن النظرة المتأنية المتأملة ترى لله تعالى حكمة في هذا الإخفاق.
فالأب العاقل في مثل هذه المواقف يقول لولده: يا بني، احمد الله فأنت دائم النجاح، ولعلك إنْ نجحتَ هذا العام لا تَسْلم من عيون الحاسدين، وهذه فرصة لك لتزيد من مجموعك لتدخل الكلية التي تريدها.. الخ.
وهكذا يُوثق الوالد علاقة ولده بالله، ويُزيد من إيمانه ورضاه بربه، ويُبعده عن السخط وعدم الرضا بالقضاء، وهذه مسألة ينبغي على الآباء الاهتمام بها.
إذن: اللمسة التي نريد الوقوف عندها في هذه الآية أن الرحمن إنْ كانت تنافي عندك فِعْل الضر، فهذا عندك أنت، إنما عند مُجريها لا تنافي، لأنها من الرحمانية.
وقوله تعالى: لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً [يس: ٢٣] يعني: شفاعة هذه الآلهة - إنْ كانت لهم شفاعة - لا تُجدي، لأنهم شركاء لله وأنداد لله، فكيف تُقْبل شفاعتهم عنده سبحانه؟
وشرط في الشفاعة أن يكون الشافع محبوباً عند المشفوع عنده، فهذه الآلهة على فرْض أنه كان لهم شفاعة، فهي غير مقبولة عند الله تعالى، مع أن هذه الآلهة في ذاتها معذورة حيث لا ذنبَ لها، فهي ما ادَّعَتْ أنها آلهة، إنما ادَّعى البشر ذلك.
وسبق أنْ ذكرنا أن هذه الآلهة قد تبرأت من كونها تُعبد من دون الله، وصدق الشاعر الذي صاغ هذا المعنى: فقال على لسان هذه الآلهة:
عَبَدُونَا وَنَحْنُ أَعْبَدُ للهِ  مِنَ القَائِمينَ بالأَسْحَارِ
قَدْ تجنَّوْا جَهْلاً كما قَدْ تجنوه على ابْنِ مريَمَ والحَوارِي
تَخِذُوا صَمْتَنَا عَلينَا دليلاً فغدَوْنَا بهمُ وَقُودَ النَّارِ
لِلْمُغَالِي جَزَاؤُه والمغَالَى فِيهِ تُنجِيهِ رحمةُ الغفَّارِ

وقوله سبحانه: وَلاَ يُنقِذُونَ [يس: ٢٣] لأن الشافع حين تُرد شفاعته يمكن أن ينقذ المشفوع فيه من يد المشفوع عنده، أما هؤلاء الآلهة فلا تُقبل شفاعتها، ولا تستطيع أنْ تنقذ مَنْ طلب منها أنْ تشفع له.
وقد بيَّنَّا معنى الشفاعة، وأنها من الشفع يعني: إنسان له قضية، ولا يستطيع وحده بأسباب حَلَّ هذه القضية فيستعين بآخر ليساعده وينضم إليه لِيقوِّيه على حَلِّها، إذن: بعد أنْ كان مفرداً صار بالشافع شفعاً. يعني: اثنين.
ولما أراد الحق سبحانه أن يجلى لنا هذه المسألة قال سبحانه في سورة البقرة: وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة: ٤٨].
وقال في موضع آخر: وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة: ١٢٣].
تلحظ أن صدر الآيتين متفق لكن عجزهما مختلف، فلماذا؟ قالوا: لأن مرجع الضمير مختلف؛ لأن عندنا هنا نَفْساً جازية، ونفساً مجزياً عنها، فإنْ أعدْتَ الضمير على المجزى عنها، فالمجزى عنه لا يشفع بنفسه، إنما يعرض العدل أولاً، ويطلب تقويم الضرر ليدفع فِدْيته، فإنْ لم يقبل منه العدل بحث عَمَّنْ يشفع له، إذن: فالمعنى: لا يُقبل من ذاتها عدل، ولا تنفعها شفاعة الغير.
فإنْ أعدْتَ الضمير على النفس الجازية - أي: الشافعة - فإن الشافع يتقدم ليشفع أولاً، فإنْ لم تُقبل شفاعته فإنه يعرض العدل، ويتحمل الفدية.
إذن: هذه الآلهة - على فَرْض أن لها شفاعة - فهي شفاعة مردودة غير مقبولة، وهم أيضاً لا يستطيعون إنقاذ مَنْ يلجأ إليهم من قبضة الحق سبحانه، فهم لا يصلحون للشفاعة، ولا للإنقاذ، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣].
وقوله: إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [يس: ٢٤] يعني: إنْ فعلتُ ذلك، وذهبتُ إلى عبادة هذه الآلهة أكون في ضلال مُّبِينٍ [يس: ٢٤] بيِّن واضح، وقوله: لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [يس: ٢٤] كأن الضلال يحاصره ويحيط به من كل ناحية، بحيث لا يستطيع أنْ ينجو منه.
ثم يقول هذا الرجل المؤمن: إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ [يس: ٢٥] هذا الخطاب يصح أنْ يُوجَّه إلى الرسل الذين جاء الرجل ليساندهم في دعوتهم ويناصرهم، فنظر إليهم وقال إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ [يس: ٢٥] ومعنى فَٱسْمَعُونِ [يس: ٢٥] أي: اسمعوا مني ما أناصركم به، واشهدوا لي بأنني متطوع بهذه المساندة الإيمانية، لم يُكلِّفنى أحد بها.
ويصح أنْ يكون هذا الخطاب مُوجَّهاً إلى القوم المكذِّبين، فهو يقول لهم: إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ [يس: ٢٥] يعني: الله ربكم رغماً عنكم، وإنْ كنتم كافرين به سبحانه فأنا احترمت ربوبيته لكم، وآمنتُ بها لأدخل في عظمة هذه الربوبية فَٱسْمَعُونِ [يس: ٢٥] أي: اسمعوا مني هذا البلاغ لأكون قد أدَّيْتُ ما وجب عليَّ نحوكم، وأبلغتكم ولم أخدعكم أو أغشَّكم.

ثم يقول الحق سبحانه:

قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يٰلَيْتَ... .
آية رقم ٢٥
الاستفهام في أَأَتَّخِذُ [يس: ٢٣] يحمل معنى التعجُّب والإنكار، فهو يتعجب وينكر: كيف يتخذ من دون الله آلهة، والله هو الذي خلقه، وحين تتأمل معنى الفعل (أتخذ) تجد أن الشيء المُتَّخذ ليس أصلاً، فمعنى اتخاذ آلهة أنها ليستْ آلهة في الحقيقة، وأنها لا تستحق أنْ تكون آلهة، لكن عمدتَ إليها فجعلتها آلهة، ومثله اتخاذ الولد في قوله تعالى: مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ.. [المؤمنون: ٩١].
فالمعنى: أن الله تعالى ليس له ولد في حقيقة الأمر، وإنْ قلتم اتخذ الله ولداً، فهذا يعني أنه أتى سبحانه إلى ولد فتبنَّاه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وكما تقول أنت اتخذت ولداً. يعني: أتيتَ إلى ولد لم تنجبه فتبنَّيْته.
إذن: ما دامت هذه آلهة متخذة، فالمعنى أنها ليس لها وجود أصلاً، وكأن الرجل يُصحِّح للقوم فكرتهم عن العبادة.
وقوله سبحانه: إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ [يس: ٢٣] هذه العبارة فيها لفتة لطيفة ينبغي تأملها؛ لأن صفة الرحمة في الرحمن تتناقض مع الضر، فكيف جمع السياق بينهما؟
نقول: إذا فسرتَ ما يجري عليك به قَدَر الله على أنه ضُرٌّ لك فتعقَّل أنه من رحمن، فلا بد أن يكون لمجريه عليك وهو الرحمن حكمة فيما أجرى، لذلك نقول: أحمدك ربي على كُلِّ قضائك وجميع قدرك، حَمْدَ الرضا بحكمك، لليقين بحكمتك.
فكأن الحق سبحانه يقول لك: تنبه أنه ليس كل ما تراه بقوانينك أنت ضاراً لك، هو كذلك؛ لن مُجريه عليك رحمن، ففي طيَّات هذا الضر نَفْع كثير. كما يقدم الأب الحنون ولده للطبيب فيُجري له جراحة مؤلمة، أو يقطع جزءاً منه ليُصلح باقي الجسم، فهذا ضرر في الظاهر، وفي الحقيقة رحمة به.
لذلك سبق أنْ قلنا: إذا دخل عليك ولدك يسيل دمه، فلا تستقبل هذا إلا بالرضا، ولا بالسخط، إلا بعد أنْ تسأل عن الفاعل، فإنْ كان عدواً سخطَتْ عليه، وإنْ كان مُحباً تقبلْتَ ما حدث بالرضا، وقلتَ للولد: لا بد أنَّ عمَّك مثلاً رآك تخطئ فعاقبك.
كذلك لا تحكم على أقدار الله التي يُجريها عليك إلا من منطلق أنها من رحمن أرحم بك من الوالدة بولدها، وأنت خَلْقه وصَنْعته، وما رأينا أحداً من حمقى البشر يعمد إلى صنعته فيحطمها، إنما يعتنى بها، ويُعمِل فيها يد التجميل والتزيين، كما ترى النجار مثلاً يمسك بـ (الفارة) وينحت في الخشب. أتقول: إنه يضر بصنعته؟ لا بل يُصلحها ويُزينها.
لذلك يقول تعالى في الحديث القدسي: أبعد هذا التودد من الخالق للخَلْق يُجْري عليهم ما يضرهم؟
وفي حياتنا العملية كثيراً ما نرى شواهد لهذه المسألة، فكثيراً ما يفوتك القطار أو الأتوبيس مثلاً، فتأخذ الميعاد التالي، وفي الطريق تجد القطار أو الأتوبيس حدث له حادث فتصحح أنت فكرتك الأولى، وتُحوِّل غضبك لفوات القطار إلى شكر لله الذي نجَّاك، وكنتَ تظن غير ذلك. إذن: انظر إلى مَنْ أجرى عليك الأقدار، ولا تنظر إلى المنفعة السطحية؛ لأن لله تعالى حكمة فيما يُجريه، تعلمها أنت أو لا تعلمها.
أيضاً كثيراً ما يُخفق أحد أبنائنا مثلاً في الامتحان وقد ذاكر واجتهد وحصَّل العلوم.. الخ لكن عَرَض له عارض من مرض أو غيره فلم يُوفَّق. النظرة السطحية للأمور تقول: إنها شر وخسارة تدعو إلى السخط والعياذ بالله، لكن النظرة المتأنية المتأملة ترى لله تعالى حكمة في هذا الإخفاق.
فالأب العاقل في مثل هذه المواقف يقول لولده: يا بني، احمد الله فأنت دائم النجاح، ولعلك إنْ نجحتَ هذا العام لا تَسْلم من عيون الحاسدين، وهذه فرصة لك لتزيد من مجموعك لتدخل الكلية التي تريدها.. الخ.
وهكذا يُوثق الوالد علاقة ولده بالله، ويُزيد من إيمانه ورضاه بربه، ويُبعده عن السخط وعدم الرضا بالقضاء، وهذه مسألة ينبغي على الآباء الاهتمام بها.
إذن: اللمسة التي نريد الوقوف عندها في هذه الآية أن الرحمن إنْ كانت تنافي عندك فِعْل الضر، فهذا عندك أنت، إنما عند مُجريها لا تنافي، لأنها من الرحمانية.
وقوله تعالى: لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً [يس: ٢٣] يعني: شفاعة هذه الآلهة - إنْ كانت لهم شفاعة - لا تُجدي، لأنهم شركاء لله وأنداد لله، فكيف تُقْبل شفاعتهم عنده سبحانه؟
وشرط في الشفاعة أن يكون الشافع محبوباً عند المشفوع عنده، فهذه الآلهة على فرْض أنه كان لهم شفاعة، فهي غير مقبولة عند الله تعالى، مع أن هذه الآلهة في ذاتها معذورة حيث لا ذنبَ لها، فهي ما ادَّعَتْ أنها آلهة، إنما ادَّعى البشر ذلك.
وسبق أنْ ذكرنا أن هذه الآلهة قد تبرأت من كونها تُعبد من دون الله، وصدق الشاعر الذي صاغ هذا المعنى: فقال على لسان هذه الآلهة:
عَبَدُونَا وَنَحْنُ أَعْبَدُ للهِ  مِنَ القَائِمينَ بالأَسْحَارِ
قَدْ تجنَّوْا جَهْلاً كما قَدْ تجنوه على ابْنِ مريَمَ والحَوارِي
تَخِذُوا صَمْتَنَا عَلينَا دليلاً فغدَوْنَا بهمُ وَقُودَ النَّارِ
لِلْمُغَالِي جَزَاؤُه والمغَالَى فِيهِ تُنجِيهِ رحمةُ الغفَّارِ

وقوله سبحانه: وَلاَ يُنقِذُونَ [يس: ٢٣] لأن الشافع حين تُرد شفاعته يمكن أن ينقذ المشفوع فيه من يد المشفوع عنده، أما هؤلاء الآلهة فلا تُقبل شفاعتها، ولا تستطيع أنْ تنقذ مَنْ طلب منها أنْ تشفع له.
وقد بيَّنَّا معنى الشفاعة، وأنها من الشفع يعني: إنسان له قضية، ولا يستطيع وحده بأسباب حَلَّ هذه القضية فيستعين بآخر ليساعده وينضم إليه لِيقوِّيه على حَلِّها، إذن: بعد أنْ كان مفرداً صار بالشافع شفعاً. يعني: اثنين.
ولما أراد الحق سبحانه أن يجلى لنا هذه المسألة قال سبحانه في سورة البقرة: وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة: ٤٨].
وقال في موضع آخر: وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة: ١٢٣].
تلحظ أن صدر الآيتين متفق لكن عجزهما مختلف، فلماذا؟ قالوا: لأن مرجع الضمير مختلف؛ لأن عندنا هنا نَفْساً جازية، ونفساً مجزياً عنها، فإنْ أعدْتَ الضمير على المجزى عنها، فالمجزى عنه لا يشفع بنفسه، إنما يعرض العدل أولاً، ويطلب تقويم الضرر ليدفع فِدْيته، فإنْ لم يقبل منه العدل بحث عَمَّنْ يشفع له، إذن: فالمعنى: لا يُقبل من ذاتها عدل، ولا تنفعها شفاعة الغير.
فإنْ أعدْتَ الضمير على النفس الجازية - أي: الشافعة - فإن الشافع يتقدم ليشفع أولاً، فإنْ لم تُقبل شفاعته فإنه يعرض العدل، ويتحمل الفدية.
إذن: هذه الآلهة - على فَرْض أن لها شفاعة - فهي شفاعة مردودة غير مقبولة، وهم أيضاً لا يستطيعون إنقاذ مَنْ يلجأ إليهم من قبضة الحق سبحانه، فهم لا يصلحون للشفاعة، ولا للإنقاذ، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣].
وقوله: إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [يس: ٢٤] يعني: إنْ فعلتُ ذلك، وذهبتُ إلى عبادة هذه الآلهة أكون في ضلال مُّبِينٍ [يس: ٢٤] بيِّن واضح، وقوله: لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ [يس: ٢٤] كأن الضلال يحاصره ويحيط به من كل ناحية، بحيث لا يستطيع أنْ ينجو منه.
ثم يقول هذا الرجل المؤمن: إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ [يس: ٢٥] هذا الخطاب يصح أنْ يُوجَّه إلى الرسل الذين جاء الرجل ليساندهم في دعوتهم ويناصرهم، فنظر إليهم وقال إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ [يس: ٢٥] ومعنى فَٱسْمَعُونِ [يس: ٢٥] أي: اسمعوا مني ما أناصركم به، واشهدوا لي بأنني متطوع بهذه المساندة الإيمانية، لم يُكلِّفنى أحد بها.
ويصح أنْ يكون هذا الخطاب مُوجَّهاً إلى القوم المكذِّبين، فهو يقول لهم: إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ [يس: ٢٥] يعني: الله ربكم رغماً عنكم، وإنْ كنتم كافرين به سبحانه فأنا احترمت ربوبيته لكم، وآمنتُ بها لأدخل في عظمة هذه الربوبية فَٱسْمَعُونِ [يس: ٢٥] أي: اسمعوا مني هذا البلاغ لأكون قد أدَّيْتُ ما وجب عليَّ نحوكم، وأبلغتكم ولم أخدعكم أو أغشَّكم.

ثم يقول الحق سبحانه:

قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يٰلَيْتَ... .
آية رقم ٢٦
... من مؤهلات هذا الرجل لدخول الجنة أنه لم ينظر إلى حَظِّ نفسه من التديُّن، إنما نظر أيضاً إلى حَظِّ إخوانه، فحتى بعد أنْ بُشِّر بالجنة، أو بعد أنْ دخلها لم ينشغل بنعيمها عن قومه، إنما قال يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ يعني: ما أنا فيه من النعيم، وما انتهى إليه أمر الإيمان والطاعة، ليعملوا مثلي ولينالوا ما نِلْت، إنهم لو علموا لتهافتوا على الإيمان، وأقبلوا على الطاعة أكثر من تهافتهم على الكفر والمعصية.
آية رقم ٢٧
بناء الفعل (قيل) للمجهول يفيد التعميم، فمَنِ الذي قال له ادخل الجنة، ومتى قال؟ في القرآن آية نقرؤها تجيب عن ذلك، اقرأ قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠].
فالرجل الذي وقف هذا الموقفَ الإيماني متبرعاً، وجاء من أقصى المدينة يسعى ليساند الرسل في أمر لم يُكلِّف به، ويأتي للقوم المكذِّبين بحجج وبراهين لم يَأْتِ بها الرسل أنفسهم جدير بأنْ تتنزَّل عليه الملائكة، وبأن تبشره بالجنة. أو: أن الحق سبحانه حكى عنه ما يقوله بعد أنْ يموت ويدخل الجنة، وهذا إكبار من الله له.
ومن مؤهلات هذا الرجل لدخول الجنة أنه لم ينظر إلى حَظِّ نفسه من التديُّن، إنما نظر أيضاً إلى حَظِّ إخوانه، فحتى بعد أنْ بُشِّر بالجنة، أو بعد أنْ دخلها لم ينشغل بنعيمها عن قومه، إنما قال يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [يس: ٢٦] يعني: ما أنا فيه من النعيم، وما انتهى إليه أمر الإيمان والطاعة، ليعملوا مثلي ولينالوا ما نِلْت، إنهم لو علموا لتهافتوا على الإيمان، وأقبلوا على الطاعة أكثر من تهافتهم على الكفر والمعصية.
وقوله: بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ [يس: ٢٧] لاحظ أن المغفرة سبقتْ المكرُمة، وهذه المسألة يسمونها التخلية والتحلية، وسبق أن مثَّلْنا لها بالثوب حين تريد أنْ تكويه مثلاً: أتذهب به إلى (المكوجي) بما عليه من وسخ؟ لا إنما تنظفه أولاً، ثم تُزيِّنه بالكَيِّ.
كذلك الحق سبحانه وتعالى - ولله المثل الأعلى - قبل أنْ يُدْخِل عبده الجنة يُنقِّيه أولاً من الذنوب، ويطهره مما عَلَق به، وهذه هي التخلية، ثم يُكرمه بالجنة، وهذه هي التحلية، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥].
فالحق سبحانه يمتنُّ علينا أولاً بأن يُزحزِحنا عن النار بمغفرة الذنوب، ثم يُكرمنا بدخول الجنة كرامةً منه وفَضلاً.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ... .
نفهم من سياق هاتين الآيتين أن القوم المكذِّبين قتلوا هذا الرجل المتطوع، أو أنه مات بطبيعة الحال، والمنتظر أن الله تعالى يجازيهم على تكذيبهم للرسل الثلاثة أولاً، ثم تكذيبهم للرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لنصحهم، فماذا فعل الله بهم؟
يقول سبحانه: إن أمر هؤلاء المكذِّبين أهون من أنْ نُنزل عليهم جُنداً من السماء تهلكهم. ومجرد صيحة واحدة كافية لهلاكهم، فالمعنى وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ [يس: ٢٨] أي: من بعد النصيحة والعِظَات والبراهين التي تطوَّع بها مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ [يس: ٢٨] يعني: لم نُنزل وما كان ينبغي لنا أنْ نُنزل عليهم جنداً من السماء؛ لأن الأمر أهون من ذلك.
إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس: ٢٩] أي: ما كانت إلا صيحة واحدة فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس: ٢٩] كلمة خَامِدُونَ [يس: ٢٩] تدل على أنهم كانوا متحمسين للكفر بهم في أُوَار وغضب واشتعال على رسل الله أولاً، ثم على الرجل المتطوع ثانياً، فهُمْ في ذلك أشبه بالنار المتأججة، فأخمدها الله.
ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك كلمة يصح أن يقولها كل مؤمن يرى مصارع العاصين ونهاية الكافرين الذين أدركهم الموت قبل أنْ يتداركوا أنفسهم بالإيمان، يقول:
يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ... .
آية رقم ٢٩
إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً أي: ما كانت إلا صيحة واحدة فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس: ٢٩] كلمة خَامِدُونَ [يس: ٢٩] تدل على أنهم كانوا متحمسين للكفر... في أُوَار وغضب واشتعال على رسل الله أولاً، ثم على الرجل المتطوع ثانياً، فهُمْ في ذلك أشبه بالنار المتأججة، فأخمدها الله.
هذه كلمة تحسُّر كثيراً ما نقولها تحسُّراً على فوات الخير ممن نحب له الخير، ومعنى يٰحَسْرَةً هذا نداء كأنك تناديها تقول: يا حسرة تعالَىْ، فهذا أوانكِ. والتحسُّر هنا على العباد الذين كذّبوا رسل الله واستهزأوا بهم، وهذا أمر يجب أن يتحسَّر عليه كل مؤمن؛ لأن الله تعالى خلقك وخلق لك قبل أنْ يستدعيك للوجود.
خلق لك مقوِّمات حياتك المادية، وصان مادتك بما قدَّر لك في الأرض من أقوات ومن ضروريات وكماليات، فهل يُعقل أنْ يُعطى كل هذا للبدن ويُترك الروح بلا عطاء، وهي أهم من البدن؟
لا بُدَّ إذن أنْ يكون للروح عطاء وغذاء وقيم، بل إن القيم هي مطلوب الله من عبده؛ لأنك ستكون عابداً لله، مطيعاً لأوامره، منتهياً عن نواهيه، وهذا هو المنهج الذي كلَّفك به في افعل كذا، ولا تفعل كذا.
لذلك تجد أن عطاء المادة ومُقوِّمات حياة البدن مكفولة للجميع: للمؤمن وللكافر، للطائع وللعاصي؛ لأن الله تعالى هو الذي استدعى الكل إلى الوجود؛ لذلك تكفّل بأرزاقهم، كما تستدعي أنت مثلاً ضيفاً إلى بيتك، فتهيىء له مطعمه ومَشْربه ومُقَامه عندك، وكل الناس أخذوا هذا العطاء.
أما عطاء القِيَم والروح، فبعضهم أخذه وبعضهم تركه؛ لأن عطاء المادة سمح له بشهوة نفسه، أما القِيَم فقيَّدتْ هذه الشهوة وأمسكتها عن أشياء، نفسه تريدها، فلما صَدَّته القيم عن شهوات النفس تركها وتملَّص منها.
هذا المنهج القِيمى جاء من مُحِبٍّ لك حريص على مصلحتك...
إذن: كل مؤمن يرى مصير المكذِّبين ومصارع الكافرين في هذه القصة وفي أشباهها لا بُدَّ أن يقول هذه الكلمة يٰحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ لماذا؟ لأن من تمام الإيمان أنْ يتحسَّر المؤمن على مَنْ لم يَذُقْ طعم الفضيلة ولذة الطاعة، فهو مسكين يستحق مَنْ يشفق عليه ويتحسَّر على حاله، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل ويحب الخير للإنسانية كلها.
يعني: كان يكفي هؤلاء المكذبين أن ينظروا مصير مَنْ كذَّب قبلهم، وما حاق بهم من العذاب، وأنهم بعد أنْ أهلكهم الله لم يرجع منهم أحد...
وقوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْاْ تعني أن من هؤلاء القوم مَنْ رأى بالفعل مصارع المكذِّبين، ومرَّ على ديارهم وهي خاوية على عروشها في أسفارهم ورحلات تجارتهم في الشتاء والصيف، ومعنى كَمْ تفيد الكثرة، وأنه أمر فوق الحصر كما تقول لمن ينكر جميلك: كم أحسنتُ إليك وكأنك تقول له: أنا أرتضى حكمك وأستأمنك أنت على الجواب، وبذلك تحوَّل الإخبار منك إلى أقرار منه هو...
وقوله: أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ يحتمل أكثر من معنى حسب عَوْد الضمير في (أنهم) وفي (إليهم) فالآية تتحدث عن قرون أُهلِكَتْ من قبل وتخاطب مكذِّبين معاصرين، فإنْ عاد ضمير الغائبين في (أنهم) إلى القرون التى أهلكت. فالمعنى: أنهم لا يرجعون، ولم نَرَ أحداً منهم رجع بعد هلاكه، وإنْ عاد الضمير على المخاطبين الموجودين. فالمعنى: أنكم أيها المخاطبون، لا ترجعون في نسبكم إلى هؤلاء الذين أهلكهم الله؛ لأن الله تعالى استأصلهم بحيث لم يُبْق منهم أحداً ولا نسلاً.
والآية في مجملها تعني أن هلاك الكافرين والمكذبين ليس بدعاً: بل هو سنة مُتَّبعة على مَرِّ الزمان...
آية رقم ٣٢
يعني: كان يكفي هؤلاء المكذبين أن ينظروا مصير مَنْ كذَّب قبلهم، وما حاق بهم من العذاب، وأنهم بعد أنْ أهلكهم الله لم يرجع منهم أحد. وكلمة يَرَوْاْ [يس: ٣١] من الفعل رأى، وهى تأتي: بصرية أو علمية، تقول: رأيت المشهد، فهذه رؤية بصرية، وتقول: رأيت هذا الرأي يعني علمته، والرؤية البصرية تقصر معلوماتك على ما اتصلتْ به جارحتك، أمّا العلمية فتعطيك ما اتصلتْ به جارحتك وجوارح الآخرين، فالرؤية العلمية إذن أوسع من البصرية.
لذلك قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ [الفيل: ١].
ومعلوم أن سيدنا رسول الله وُلِد في عام الفيل، وربما بعد هذه الحادثة، إذن: لم يَرَ منها شيئاً رؤية بصرية، ومع ذلك خاطبه ربه بقوله أَلَمْ تَرَ [الفيل: ١] يعني: ألم تعلم، سواء أكان قومه قصُّوا عليه القصة، أو أن الله تعالى أخبره بها.
والرؤية البصرية للأحداث أوثق وسائل الإدراك لأنه كما يقولون: ليس مع العين أين، لكن لماذا عدل السياق عن ألم تعلم إلى ألم تر؟ قالوا: في هذا إشارة من الحق سبحانه لنبيه يقول له: إن إخباري لك بقضية علمية أوثق من رؤيتك بعينك.
وقوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْاْ [يس: ٣١] تعني أن من هؤلاء القوم مَنْ رأى بالفعل مصارع المكذِّبين، ومرَّ على ديارهم وهي خاوية على عروشها في أسفارهم ورحلات تجارتهم في الشتاء والصيف، ومعنى كَمْ [يس: ٣١] تفيد الكثرة، وأنه أمر فوق الحصر كما تقول لمن ينكر جميلك: كم أحسنتُ إليك وكأنك تقول له: أنا أرتضى حكمك وأستأمنك أنت على الجواب، وبذلك تحوَّل الإخبار منك إلى أقرار منه هو.
ومعنى: مِّنَ ٱلْقُرُونِ [يس: ٣١] القرون جمع قرن، وهو فترة من الزمن قدَّروها بمائة عام، والقرن أيضاً يعني الجماعة أو القوم يجمعهم الشيء الواحد مهما طالتْ فترته كالدين الواحد، أو حكم ملك من الملوك.. الخ. فمثلاً نقول: قوم نوح وقد أخذوا من الزمن مساحة ألف عام أو يزيد.
وقوله: أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ [يس: ٣١] يحتمل أكثر من معنى حسب عَوْد الضمير في (أنهم) وفي (إليهم) فالآية تتحدث عن قرون أُهلِكَتْ من قبل وتخاطب مكذِّبين معاصرين، فإنْ عاد ضمير الغائبين في (أنهم) إلى القرون التى أهلكت. فالمعنى: أنهم لا يرجعون، ولم نَرَ أحداً منهم رجع بعد هلاكه، وإنْ عاد الضمير على المخاطبين الموجودين. فالمعنى: أنكم أيها المخاطبون، لا ترجعون في نسبكم إلى هؤلاء الذين أهلكهم الله؛ لأن الله تعالى استأصلهم بحيث لم يُبْق منهم أحداً ولا نسلاً.
والآية في مجملها تعني أن هلاك الكافرين والمكذبين ليس بدعاً: بل هو سنة مُتَّبعة على مَرِّ الزمان، فالقرآن يقصُّ علينا ما نزل بعاد وثمود وفرعون: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ [الفجر: ٦-١٢].
والله تعالى أبقى الآثار لتدلنا على صدْق ما أخبرنا به سبحانه، وها نحن نرى أمريكا مثلاً، وهي سيدة الحضارة الحديثة، وصاحبة الأسبقية في الابتكار والاختراع وغزو الفضاء، ومع ذلك يأتون إلى مصر ليشاهدوا آثار الفراعنة التي بُنيت قبل الميلاد بآلاف السنين، ويتعجبون رغم تقدُّمهم العلمي من كيفية بناء الأهرامات مثلاً.
هذه السُّنة - سُنة إهلاك الكافرين - نرى لها شواهد في عصرنا الحديث، فروسيا التي انتحرت وقتلتْ نفسها بنفسها، انظر ماذا فعلتْ في الشيشان، هذه الدولة الإسلامية الصغيرة، في حين قصَّرنا نحن عن نُصْرتهم، أو أن نُصْرتنا لهم لم تكُنْ على قَدْر جبروت المعتدين؛ لذلك تدخلت السماء وردَّ الله على أعداء دينه، وثأر منهم في زلزال سخاليل.
وقوله تعالى في الآية بعدها: وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٣٢] جاءت هذه الآية بعد قوله سبحانه أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ [يس: ٣١] لتوضح أن عدم الرجعة أي فى الدنيا، وإلا لو لم يكُنْ لهم رجعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالموت راحة بالنسبة لهؤلاء المكذِّبين، كما قال الفخر الرازيرحمه الله، إنما المراد: لا يرجعون في الدنيا، أما في الآخرة فلا بُدَّ من الرجوع للحساب عن كل كبيرة وصغيرة.
قوله سبحانه (وإنْ) إنْ هنا بمعنى ما النافية و (لَمَّا) بمعنى إلا، فالمعنى: وما كُلٌّ إلا جميع لدينا مُحضرون. وقد عرفنا من دراستنا لقواعد النحو أن كل وجميع من ألفاظ التوكيد المعنوي للجمع، ومثلهما أبصع وأكتع وأبتع، تقول: جاء القوم أجمعون أو أبصعون أو أبتعون، وجاء القوم كلهم. ونلحظ أن الآية جمعتْ بين لفظي التوكيد كل وجميع، فلماذا؟
قالوا: الجمع بينهما ضروري هنا، لأن لكل منهما مدلولاً، لا تؤديه الأخرى، فالكُلية تفيد الشمول للأفراد في الرجوع، فكلهم يعني كل فرد منهم، ولا يُشترط أن يكونوا مجتمعين سوياً، إنما يأتي كُلٌّ بمفرده لتُرى الذلَّة والصَّغَار على المسرفين وعلى الكافرين الذين جعلوا من أنفسهم آلهة مطاعة. أمَّا جميع فيعنى: يأتون مجتمعين.
ومعنى مُحْضَرُونَ [يس: ٣٢] من الفعل حضر، وفَرْق بين حضر وأُحْضِر، حضر، أي: طواعية بنفسه وبرغبته، أما أُحْضِر أي: أجبر على الحضور، وأكْره رغم أنفه.
بعد أنْ ذكر الحق سبحانه مسألة البعث في وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٣٢] أراد سبحانه أنْ يذكر دليلاً على صِدْق هذه القضية؛ لأن البعث من المسائل التي ينكرها كثيرون، وصدق القائل:
زَعَمَ المُنجِّمُ وَالطَّبِيبُ كِلاَهُما  لاَ تُحْشَرُ الأجْسَادُ قُلْْتُ إليكُمَا
إنْ صَحَّ قَوْلكُمَا فلَسْتُ بِخَاسِرٍ أوْ صَحَّ قوْلي فالخَسَارُ عليكُمَا

وكما يقول لك الناصح: إنْ ذهبتَ في الطريق الفلاني فاحذر وخُذْ الاحتياط؛ لأن فيه ذئاباً وسباعاً وقطاعَ طرق، فماذا عليك إنْ أخذتَ الحيطة، ولم تجد شيئاً، مما خوَّفك منه؟ كذلك اعتقادي في البعث إنْ لم يُفدني لا يضرني، واعتقادكم إنْ لم يضركم لا يُفيدكم.
وأقوى شبهة في مسألة بَعْث الأجساد عند الفلاسفة أنهم قالوا: هَبْ أنَّ إنساناً مات ودُفن وتحلَّل جسده وزرعت على قبره شجرة تغذَّت من بقاياه، ثم أثمرتْ وأكل من ثمارها إنسان آخر، فوصلت إليه عناصر من الأول، فحين يكون البعث. كيف تُبْعَثُ هذه العناصر للأول، أم للآخر؟
وصاحب هذه الشبهة فَهِمَ أن العناصر حين تتكوَّن لها ذاتية في التكوين، ولم يفهم أن لها جنسية في التعميم، كيف؟ نقول: هب أن إنساناً أصابه مرض أنقص وزنه عشرين كيلو مثلاً، ثم هدى الله الطبيب إلى عِلَّته ووصف له الدواء شُفِي من مرضه وتغذَّى حتى عاد إلى وزنه الأول، أين ذهبتْ عناصره التي نقصتْ منه؟ وهل هي كمية نفس العناصر التي عادتْ إليه بعد أنْ شُفي؟
إذن: المسألة ليست خصوصية عناصر، بل كمية عناصر، والعظمة في أنْ نحصي كمية عناصر كل إنسان، فلو جمعت كمية العناصر الموجودة عندي (أكون) محمد الشعراوي؛ لأن عناصر البشر جميعاً واحدة هي الستة عشر عنصراً المعروفة، والتي تبدأ كما ذكرنا بالأكسوجين، ثم الكربون، ثم النتروجين، ثم الهيدروجين.. الخ لكن يختلف الأشخاص باختلاف كميات هذه العناصر عند كل منا، فأنت عندك كذا أكسوجين، وكذا كربون، وكذا نتروجين، وأنا أعلى منك في الأكسجين، وأقلّ منك في الكربون، وهكذا.
والحق سبحانه يُعلِّمنا أن المسألة ليست ذاتية عناصر، وخصوصية عناصر، إنما قيمة عناصر، فيقول سبحانه في سورة (ق): قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤] يعني: يحفظ هذه الكميات ويُحصيها بمقاديرها، فإذا أراد سبحانه البعث جمع نسبة كذا ونسبة كذا تعطي فلاناً، ونسبة كذا إلى نسبة كذا تعطي فلاناً وهكذا، ولم يقف الأمر عند علم هذه النِّسَب، بل حفظها الله وسجِّلها في كتاب حفيظ.
وفي موضع آخر، يردُّ الحق سبحانه على منكري البعث يقول لهم: لماذا تكابرون في البعث، وهو إعادة لشيء كان موجوداً بالفعل وتفَرَّقتْ عناصره، والأعجب من ذلك أنْ أنشأته من غير موجود، إذن: فالبعث أهون من الإعادة وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧] هذا إنْ جاريناكم في فَهْمكم للأمور، واتبعنا قوانينكم في التفكير.
وسبق أنْ أوضحنا أن العناصر التي خلقها الله في الكون هي هي، لم تزد شيئاً، ولم تنقص شيئاً، فالماء مثلاً هو نفس الماء منذ خلق اللهُ الأرض، لكنه يدور في دورة معروفة، فالإنسان مثلاً يشرب طوال حياته كذا طن من الماء، فهل يحتفظ بها؟ لا بل تخرج منه في صورة بول وخلافه، حتى بعد أنْ يموت يتبخّر ما فيه من مائية، وتمتصها الأرض لتبدأ دورة جديدة للماء. وهكذا عناصر الإنسان تدور هذه الدورة.
وهنا يسوق الحق سبحانه لهؤلاء المنكرين هذا الدليل:
وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً... .
وهذا دليل مُشَاهد يراه الجميع، ولا يستطيع أحد إنكاره، فنحن نرى الأرض الميتة الجرداء القاحلة، فإذا ما جاء المطر اخضرَّتْ ودبَّتْ فيها الحياة واهتزَّتْ ورَبَتْ، وعلى الإنسان أنْ يأخذ مما يُشاهد دليلاً على صِدْق ما غاب عن مشاهدته.
وقوله تعالى وَآيَةٌ لَّهُمُ [يس: ٣٣] الآية: الشيء العجيب في بابه كما نقول: فلان آية في الكرم أو آية في الحُسْن، وهذه الآية لهم يعني للكافرين فحسب، لأن المؤمن لا يحتاج إلى هذه الأدلة؛ المؤمن قال: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣].
وطلب الدليل على الشيء أول دليل على وجوده، وما أتعبتُ نفسي في البحث عن الدليل إلا لأنني مقتنع بوجود الشيء، فطلَب الدليل هو عَيْن الدليل، والمؤمن لا يطلب الدليل إلا ليجادل به مَنْ لا يؤمن ليلفِته إلى آيات الله.
وهذه الآية إما أن تأخذها على أنها آية كونية تدل على قدرة الإله المُوجِد سبحانه، وإمَّا أن تأخذها دليلاً على أننا إذا أنزلنا المطر على الأرض الميتة تهتزّ وتنبت من كل زوج بهيج.
والمتأمل في الأرض يجد أنها آية في ذاتها، ونعمة من أعظم نِعَم الله علينا، حتى وإنْ كانت صخراً لا تنبت، فيكفي أنها مَقرُّنا، فوقها نستقر، وإليها نأوي، فما بالك إنْ منحها الله لوناً من الحياة حين تهتزّ بالنبات وتتحول إلى اللون الأخضر البديع.
وإحياء الأرض على مراتب، فإما أنْ يكون الإحياء بنباتات لا تغني في القوت مثل العُشْب والحشائش والنجيل، ويكفي أن هذا النوع يكسو وجه الأرض جمالاً ونُضْرة ويلبد الرمل ويثبته على وجه الأرض فلا تبعثره الرياح في أعيننا، فهي إذن مظهر من مظاهر حياة الأرض، ونعمة من نِعَم الله، والمرتبة الأخرى أن تنبت الأرض النبات الذي نقتات به، وهو قسمان: الحبوب التي تمثل الضروريات، وهي من مقومات حياتك، وهي أصل القوت وأهمها القمح.
وقد أشار الحق سبحانه إلى أهميتها، فقال سبحانه وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ [الرحمن: ١٢] ليلفت أنظارنا إلى أهمية القشرة التي كنا إلى وقت قريب لا نهتم بها، ونضعها علفاً للمواشي، ونأكل الدقيق الفاخر أو (العلامة)، وكان هذا طعام الصفوة والأغنياء إلى أنْ تنبهنا إلى أهمية الردة، فأصبحنا نُفضِّلها على الدقيق الفاخر، بدليل أن الخبز المكوَّن من الردة الآن أغلى من الخبز الأبيض، ثم رأينا الذين أسرفوا على أنفسهم في أكل الخبز الأبيض الفاخر لا يأكلون إلا الردة، وبأمر الطبيب.
لذلك رُوِي أن سيدنا سليمان عليه السلام، وقد أعطاه الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده كان لا يأكل إلا الخشكار أي: الدقيق الخشن أما الدقيق (العلامة) فللخدم.
ثم الفواكه وتُعَدُّ من التَّرفيات التي نتفكَّه بها.
لذلك يقول سبحانه: وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا.. [يس: ٣٣] هذه هي المرتبة الأولى، ثم وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: ٣٣] وهذه هي الضروريات.
ثم وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ.. [يس: ٣٤].
وخَصَّ النخيل والأعناب؛ لأن البلح والعنب أهم الفواكه، وأقربها من ضروريات القُوت، فهما قوت للبعض، وفاكهة للبعض؛ لذلك قال شوقيرحمه الله عن البلح:
طَعَام الفَقيرِ وحَلْوى الغَنِيّ  وزَادُ المسَافِر والمغْتَرِبْ
ونقف هنا عند عظمة الأداء القرآني؛ لأن الكلامَ كلامُ رب، وعلينا نحن أنْ نجلي وجوه العظمة فيه، وقد لاحظ العلماء جزاهم الله عنَّا خيراً أن القرآن لما تكلم عن الفاكهة قال مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [يس: ٣٤] فذكر الشجرة في النخيل، وذكر الثمرة في الأعناب، ولم يذكر ثمرة النخيل وهي التمر، ولم يذكر شجرة العنب وهي الكَرْم.
ولما بحث العلماء هذه المسألة وجدوا أن القرآن ذكر النخيل؛ لأنها شجرة كثيرة الفوائد، مستمرة العطاء، لا يقتصر نفعها على ثمرها، بل كل ما فيها نافع مفيد، ويكفي أنْ تعرف أن النخلة لا يُرْمَى منها شيء أبداً، ولكل جزء فيها استعمال ومهمة: الجذع والجريد والخوص، حتى الليف يحشون به أفخم أنواع الصالونات، أما شجرة العنب فبعد أنْ تأخذ ثمرها لا يبقى فيها إلا مجموعة من العيدان الملتوية التي لا تغني شيئاً.
ثم يقول سبحانه وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ [يس: ٣٤] لأن الأرض المنزرعة التي تعطينا هذا العطاء إما أنْ تُروى بالأنهار أو بالمطر، فإذا لم يتوفر لها هذان المصدران تُرْوَى بعيون وهي المياه الجوفية التي تتسرَّب من ماء المطر في باطن الأرض، كما قاله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ [الزمر: ٢١].
وهذه العيون مظهر من مظاهر قدرة الله، فمنها ما نبحث عنه ونحفره، ومنها ما ينساب بنفسه طبيعياً بقدرة الله، وكأن ربك عز وجل يُطمئنك إلى عطائه، فإنْ كنتَ في أرض غير ممطرة ولستَ في وادٍ تجري فيه الأنهار فاطمئن، ففي باطن عيون تتفجَّر بالماء العَذْب الصالح للشرب ولِسقْى الأرض. وقد تنبَّهنا مؤخراً إلى ضرورة زراعة الصحراء واستصلاحها، وأعاننا على ذلك ما فيها من آبار ومياه جوفية، ما علينا إلا أنْ نبحثَ عنها.
ثم يُبيِّن الحق سبحانه العلة في تفجير العيون، فيقول سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥] قوله تعالى: مِن ثَمَرِهِ [يس: ٣٥] قالوا: من ثمره. أي: الحبوب والبلح والعنب وغيرها، أو من ثمر تفجير العيون، قال البعض: ينبغي أن ننسب الثمرة إلى الأصل، فيكون المعنى: من ثمر القدرة في كُنْ، وليس المراد الثمرة القريبة.
فكأن الحق سبحانه يريد أنْ يخلعك من الفتنة بالأسباب، ويلفتك إلى المسبِّب الأعلى الأول؛ لذلك أمرنا حين يعزُّ الماء ولا تسعفنا الأسباب أن نلجأ إلى المسبِّب سبحانه بصلاة الاستسقاء؛ لأن المسبِّب سبحانه هو المرجع النهائي لهذه المسألة، وأنت حين تستسقي لا تستسقي بنفسك، إنما بأضعف منك، وإنْ كنتَ عاصياً كفوراً تستسقي بمَنْ لم يرتكب معصية.
لذلك أمرنا أنْ نأخذ معنا في صلاة الاستسقاء النساء والأطفال والمواشي، وكأننا نتوسل إلى الله بضعفهم وطهارتهم من المعاصي، وكأننا نقول لربنا: يا رب إن كنا قد عصيناك ولا نستحق السُّقيا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء.
بل وأمرنا في الاستسقاء أن نخرج إليه ونحن مخالفون للأَرْدِية مغيِّرون لِسَمتها، إظهاراً للذلة والانكسار لله سبحانه وتعالى.
والآن، بعد ما حدث من تطور في استخدام الماء حتى صِرْنَا نستقبله في خزانات ومواسير بَعُدَتْ الصلة بين واهب الماء والمنتفع به، فحين تنقطع المياه لا تخطر على بالك صلاة الاستسقاء، ولا تتذكر واهب الماء، إنما تفكر في سبب انقطاع المياه فتسأل عن المواسير وعن الموتور.. الخ. إذن: الأسباب نفسها أبعدتْنَا عن المسبِّب سبحانه.
وقوله سبحانه وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس: ٣٥] استدراك يراعي دور الإنسان وعمله، فمن الثمار ما يُؤْكَل مباشرة مثل الخوخ والبرتقال والخيار، ومن الثمار ما يحتاج إلى علاج وإعداد ليُؤكل، كما نفعل مثلاً في (الكوسة) وغيرها مما يحتاج إلى إعداد، فكأن الحق سبحانه يُقدِّر لك دورك، ويعطيك حقك، ويذكر لك عملك مهما كان يسيراً.
وهذه المسألة جاءت بوضوح في قوله سبحانه: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣-٦٤] فربُّك عز وجل يُقدِّر عملك في حرث الأرض وإعدادها للزراعة، وهذا دورك فيها، أما مسألة الإنبات فهي لله وحده، لا دخْلَ لك فيها.
كذلك احتَرَم ربُّك عملَك في إيجادك شيئاً كان معدوماً وسمَّاك خالقاً، لأنك أوجدتَ معدوماً، وإنْ كان هذا الذي أوجدته من موجود معلوم، فقال سبحانه فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤].
فإذا كان ربك قد احترم خلقك لشيء كان معدوماً، فينبغي عليك أنْ تحترم أحسنيته في الخَلْق، فأنت خالق وربّك أحسن الخالقين، أنت تستطيع أنْ تعالج الرمل مثلاً، وتصنع منه كوباً، هذا نوع من الخَلْق لكن يظل الكوب كما هو، ويثبت على الحالة التي أوجد عليها، فلا تعطي أنت الكوب صفة الحياة، أما خَلْق الله فيعطيه الله صفةَ الحياة، فينمو ويكبر ويتناسل. الخ.
وقوله سبحانه: أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥] جاء بعد ذكر هذه النِّعَم السابقة، والتي تستوجب شكر الله عليها، لكن لم يَأْتِ هُنا أمر بالشكر ولم يَأتِ بأسلوب خبري، إنما جاء هكذا أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥] بصيغة الاستفهام، وكأن الله تعالى يقول لنا: أجيبوا أنتم، فقد استأمنتُكم على الجواب، وقد علم سبحانه أن الجواب لا يمكن أنْ يكون إلا الإقرار بالشكر على النعمة.

ثم يقول سبحانه:

سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ... .
وهذا دليل مُشَاهد يراه الجميع، ولا يستطيع أحد إنكاره، فنحن نرى الأرض الميتة الجرداء القاحلة، فإذا ما جاء المطر اخضرَّتْ ودبَّتْ فيها الحياة واهتزَّتْ ورَبَتْ، وعلى الإنسان أنْ يأخذ مما يُشاهد دليلاً على صِدْق ما غاب عن مشاهدته.
وقوله تعالى وَآيَةٌ لَّهُمُ [يس: ٣٣] الآية: الشيء العجيب في بابه كما نقول: فلان آية في الكرم أو آية في الحُسْن، وهذه الآية لهم يعني للكافرين فحسب، لأن المؤمن لا يحتاج إلى هذه الأدلة؛ المؤمن قال: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣].
وطلب الدليل على الشيء أول دليل على وجوده، وما أتعبتُ نفسي في البحث عن الدليل إلا لأنني مقتنع بوجود الشيء، فطلَب الدليل هو عَيْن الدليل، والمؤمن لا يطلب الدليل إلا ليجادل به مَنْ لا يؤمن ليلفِته إلى آيات الله.
وهذه الآية إما أن تأخذها على أنها آية كونية تدل على قدرة الإله المُوجِد سبحانه، وإمَّا أن تأخذها دليلاً على أننا إذا أنزلنا المطر على الأرض الميتة تهتزّ وتنبت من كل زوج بهيج.
والمتأمل في الأرض يجد أنها آية في ذاتها، ونعمة من أعظم نِعَم الله علينا، حتى وإنْ كانت صخراً لا تنبت، فيكفي أنها مَقرُّنا، فوقها نستقر، وإليها نأوي، فما بالك إنْ منحها الله لوناً من الحياة حين تهتزّ بالنبات وتتحول إلى اللون الأخضر البديع.
وإحياء الأرض على مراتب، فإما أنْ يكون الإحياء بنباتات لا تغني في القوت مثل العُشْب والحشائش والنجيل، ويكفي أن هذا النوع يكسو وجه الأرض جمالاً ونُضْرة ويلبد الرمل ويثبته على وجه الأرض فلا تبعثره الرياح في أعيننا، فهي إذن مظهر من مظاهر حياة الأرض، ونعمة من نِعَم الله، والمرتبة الأخرى أن تنبت الأرض النبات الذي نقتات به، وهو قسمان: الحبوب التي تمثل الضروريات، وهي من مقومات حياتك، وهي أصل القوت وأهمها القمح.
وقد أشار الحق سبحانه إلى أهميتها، فقال سبحانه وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ [الرحمن: ١٢] ليلفت أنظارنا إلى أهمية القشرة التي كنا إلى وقت قريب لا نهتم بها، ونضعها علفاً للمواشي، ونأكل الدقيق الفاخر أو (العلامة)، وكان هذا طعام الصفوة والأغنياء إلى أنْ تنبهنا إلى أهمية الردة، فأصبحنا نُفضِّلها على الدقيق الفاخر، بدليل أن الخبز المكوَّن من الردة الآن أغلى من الخبز الأبيض، ثم رأينا الذين أسرفوا على أنفسهم في أكل الخبز الأبيض الفاخر لا يأكلون إلا الردة، وبأمر الطبيب.
لذلك رُوِي أن سيدنا سليمان عليه السلام، وقد أعطاه الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده كان لا يأكل إلا الخشكار أي: الدقيق الخشن أما الدقيق (العلامة) فللخدم.
ثم الفواكه وتُعَدُّ من التَّرفيات التي نتفكَّه بها.
لذلك يقول سبحانه: وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا.. [يس: ٣٣] هذه هي المرتبة الأولى، ثم وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: ٣٣] وهذه هي الضروريات.
ثم وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ.. [يس: ٣٤].
وخَصَّ النخيل والأعناب؛ لأن البلح والعنب أهم الفواكه، وأقربها من ضروريات القُوت، فهما قوت للبعض، وفاكهة للبعض؛ لذلك قال شوقيرحمه الله عن البلح:
طَعَام الفَقيرِ وحَلْوى الغَنِيّ  وزَادُ المسَافِر والمغْتَرِبْ
ونقف هنا عند عظمة الأداء القرآني؛ لأن الكلامَ كلامُ رب، وعلينا نحن أنْ نجلي وجوه العظمة فيه، وقد لاحظ العلماء جزاهم الله عنَّا خيراً أن القرآن لما تكلم عن الفاكهة قال مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [يس: ٣٤] فذكر الشجرة في النخيل، وذكر الثمرة في الأعناب، ولم يذكر ثمرة النخيل وهي التمر، ولم يذكر شجرة العنب وهي الكَرْم.
ولما بحث العلماء هذه المسألة وجدوا أن القرآن ذكر النخيل؛ لأنها شجرة كثيرة الفوائد، مستمرة العطاء، لا يقتصر نفعها على ثمرها، بل كل ما فيها نافع مفيد، ويكفي أنْ تعرف أن النخلة لا يُرْمَى منها شيء أبداً، ولكل جزء فيها استعمال ومهمة: الجذع والجريد والخوص، حتى الليف يحشون به أفخم أنواع الصالونات، أما شجرة العنب فبعد أنْ تأخذ ثمرها لا يبقى فيها إلا مجموعة من العيدان الملتوية التي لا تغني شيئاً.
ثم يقول سبحانه وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ [يس: ٣٤] لأن الأرض المنزرعة التي تعطينا هذا العطاء إما أنْ تُروى بالأنهار أو بالمطر، فإذا لم يتوفر لها هذان المصدران تُرْوَى بعيون وهي المياه الجوفية التي تتسرَّب من ماء المطر في باطن الأرض، كما قاله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ [الزمر: ٢١].
وهذه العيون مظهر من مظاهر قدرة الله، فمنها ما نبحث عنه ونحفره، ومنها ما ينساب بنفسه طبيعياً بقدرة الله، وكأن ربك عز وجل يُطمئنك إلى عطائه، فإنْ كنتَ في أرض غير ممطرة ولستَ في وادٍ تجري فيه الأنهار فاطمئن، ففي باطن عيون تتفجَّر بالماء العَذْب الصالح للشرب ولِسقْى الأرض. وقد تنبَّهنا مؤخراً إلى ضرورة زراعة الصحراء واستصلاحها، وأعاننا على ذلك ما فيها من آبار ومياه جوفية، ما علينا إلا أنْ نبحثَ عنها.
ثم يُبيِّن الحق سبحانه العلة في تفجير العيون، فيقول سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥] قوله تعالى: مِن ثَمَرِهِ [يس: ٣٥] قالوا: من ثمره. أي: الحبوب والبلح والعنب وغيرها، أو من ثمر تفجير العيون، قال البعض: ينبغي أن ننسب الثمرة إلى الأصل، فيكون المعنى: من ثمر القدرة في كُنْ، وليس المراد الثمرة القريبة.
فكأن الحق سبحانه يريد أنْ يخلعك من الفتنة بالأسباب، ويلفتك إلى المسبِّب الأعلى الأول؛ لذلك أمرنا حين يعزُّ الماء ولا تسعفنا الأسباب أن نلجأ إلى المسبِّب سبحانه بصلاة الاستسقاء؛ لأن المسبِّب سبحانه هو المرجع النهائي لهذه المسألة، وأنت حين تستسقي لا تستسقي بنفسك، إنما بأضعف منك، وإنْ كنتَ عاصياً كفوراً تستسقي بمَنْ لم يرتكب معصية.
لذلك أمرنا أنْ نأخذ معنا في صلاة الاستسقاء النساء والأطفال والمواشي، وكأننا نتوسل إلى الله بضعفهم وطهارتهم من المعاصي، وكأننا نقول لربنا: يا رب إن كنا قد عصيناك ولا نستحق السُّقيا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء.
بل وأمرنا في الاستسقاء أن نخرج إليه ونحن مخالفون للأَرْدِية مغيِّرون لِسَمتها، إظهاراً للذلة والانكسار لله سبحانه وتعالى.
والآن، بعد ما حدث من تطور في استخدام الماء حتى صِرْنَا نستقبله في خزانات ومواسير بَعُدَتْ الصلة بين واهب الماء والمنتفع به، فحين تنقطع المياه لا تخطر على بالك صلاة الاستسقاء، ولا تتذكر واهب الماء، إنما تفكر في سبب انقطاع المياه فتسأل عن المواسير وعن الموتور.. الخ. إذن: الأسباب نفسها أبعدتْنَا عن المسبِّب سبحانه.
وقوله سبحانه وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس: ٣٥] استدراك يراعي دور الإنسان وعمله، فمن الثمار ما يُؤْكَل مباشرة مثل الخوخ والبرتقال والخيار، ومن الثمار ما يحتاج إلى علاج وإعداد ليُؤكل، كما نفعل مثلاً في (الكوسة) وغيرها مما يحتاج إلى إعداد، فكأن الحق سبحانه يُقدِّر لك دورك، ويعطيك حقك، ويذكر لك عملك مهما كان يسيراً.
وهذه المسألة جاءت بوضوح في قوله سبحانه: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣-٦٤] فربُّك عز وجل يُقدِّر عملك في حرث الأرض وإعدادها للزراعة، وهذا دورك فيها، أما مسألة الإنبات فهي لله وحده، لا دخْلَ لك فيها.
كذلك احتَرَم ربُّك عملَك في إيجادك شيئاً كان معدوماً وسمَّاك خالقاً، لأنك أوجدتَ معدوماً، وإنْ كان هذا الذي أوجدته من موجود معلوم، فقال سبحانه فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤].
فإذا كان ربك قد احترم خلقك لشيء كان معدوماً، فينبغي عليك أنْ تحترم أحسنيته في الخَلْق، فأنت خالق وربّك أحسن الخالقين، أنت تستطيع أنْ تعالج الرمل مثلاً، وتصنع منه كوباً، هذا نوع من الخَلْق لكن يظل الكوب كما هو، ويثبت على الحالة التي أوجد عليها، فلا تعطي أنت الكوب صفة الحياة، أما خَلْق الله فيعطيه الله صفةَ الحياة، فينمو ويكبر ويتناسل. الخ.
وقوله سبحانه: أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥] جاء بعد ذكر هذه النِّعَم السابقة، والتي تستوجب شكر الله عليها، لكن لم يَأْتِ هُنا أمر بالشكر ولم يَأتِ بأسلوب خبري، إنما جاء هكذا أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥] بصيغة الاستفهام، وكأن الله تعالى يقول لنا: أجيبوا أنتم، فقد استأمنتُكم على الجواب، وقد علم سبحانه أن الجواب لا يمكن أنْ يكون إلا الإقرار بالشكر على النعمة.

ثم يقول سبحانه:

سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ... .
آية رقم ٣٥
ثم يُبيِّن الحق سبحانه العلة في تفجير العيون، فيقول سبحانه: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ قوله تعالى: مِن ثَمَرِهِ قالوا: من ثمره. أي: الحبوب والبلح والعنب وغيرها، أو من ثمر تفجير العيون، قال البعض: ينبغي أن ننسب الثمرة إلى الأصل، فيكون المعنى: من ثمر القدرة في كُنْ، وليس المراد الثمرة القريبة.
فكأن الحق سبحانه يريد أنْ يخلعك من الفتنة بالأسباب، ويلفتك إلى المسبِّب الأعلى الأول؛ لذلك أمرنا حين يعزُّ الماء ولا تسعفنا الأسباب أن نلجأ إلى المسبِّب سبحانه بصلاة الاستسقاء؛ لأن المسبِّب سبحانه هو المرجع النهائي لهذه المسألة...
وقوله سبحانه وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ استدراك يراعي دور الإنسان وعمله... فكأن الحق سبحانه يُقدِّر لك دورك، ويعطيك حقك، ويذكر لك عملك مهما كان يسيراً.
وهذه المسألة جاءت بوضوح في قوله سبحانه:
أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣-٦٤] فربُّك عز وجل يُقدِّر عملك في حرث الأرض وإعدادها للزراعة، وهذا دورك فيها، أما مسألة الإنبات فهي لله وحده، لا دخْلَ لك فيها...
وقوله سبحانه: أَفَلاَ يَشْكُرُونَ جاء بعد ذكر هذه النِّعَم السابقة، والتي تستوجب شكر الله عليها، لكن لم يَأْتِ هُنا أمر بالشكر ولم يَأتِ بأسلوب خبري، إنما جاء هكذا أَفَلاَ يَشْكُرُونَ بصيغة الاستفهام، وكأن الله تعالى يقول لنا: أجيبوا أنتم، فقد استأمنتُكم على الجواب، وقد علم سبحانه أن الجواب لا يمكن أنْ يكون إلا الإقرار بالشكر على النعمة.
كلمة سُبْحَانَ تعني: التنزيه المطلق لواجب الوجود الأعلى عن أن تحكمه قوانين الموجود نفسه؛ لذلك تُقال في كل أمر عجيب كما في قصة الإسراء والمعراج...
لذلك تجد أن هذه الكلمة: سُبْحَانَ لا تُقَال ولم تُقَل من قبل إلا لله تعالى، مع كثرة الجبابرة في الأرض، ومع وجود مَنِ ادعى الألوهية، ومَن قال: أنا ربكم الأعلى ومع ذلك لم تُقَلْ إلا لله؛ لذلك نقول في ذكر الله: سبحانك ولا تُقال إلا لك، لماذا؟ لأنها تعني التنزيه المطلق، وهو لا يكون إلا لله.
وكلمة (سبحان) مصدر يعني: لله سبحان أي تنزيه قبل أن يوجد مَنْ ينزهه، فهو مُنزَّه في ذاته قبل أنْ يوجد مَنْ يقول سبحان الله، كما أنه تعالى خالق قبل أنْ يخلق، ورازق قبل أنْ يرزق أحداً، فالصفة موجودة فيه سبحانه قبل أنْ يُوجد لها متعلق، كما تقول: فلان شاعر، أهو شاعر لأنه قال قصيدة رائعة، أم هو شاعر قبل أنْ يقولها؟ نعم هو شاعر قبل أن يقول القصيدة، ولولا موهبة الشعر عنده ما قالها.
إذن: فصفات الكمال كلها موجودة لله تعالى قبل أنْ يوجد لها متعلق؛ لأن هذه الصفات هي التي أوجدتْ متعلقها...
والتنزيه المطلق للحق سبحانه له مقامات ثلاثة:
الأول: أنْ تُنزِّه ذاته سبحانه عن كل الذوات.
الثاني: أنْ تُنزه صفاته سبحانه عن كل الصفات، فأنت تُوصف بالغِنى، لكن غناك ليس كغِنَى الحق سبحانه، أنت موجود والله موجود، فهل وجودك كوجوده سبحانه؟.. الخ.
ثم الثالث: أنْ تنزه فعله سبحانه أنْ يشبه الأفعال، فإذا قيل: الله فعل كذا. إياك أن تقيس فعْله تعالى بفعلك؛ لذلك قلنا في سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] قِسْها على قوة الفاعل سبحانه، لا على قوتك أنت.
الحق سبحانه حينما يأتي بشيء يعلمه المخاطبون الأولون لا يغلق خزائن فضله، إنما يترك لنا رصيداً احتياطياً لكل ما يجد بعد ذلك نتيجة التطور والتزاوج في قوله سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ، فقوله تعالى: وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ.
فهو غير معلوم للمخاطبين أولاً، لكن سيُعلم فيما بعد، وأبرز آيات القرآن التي أشارت إلى هذه المسألة قوله سبحانه:
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٨].
فجاء قوله تعالى: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٨] رصيداً احتياطياً لما استجدَّ بعد ذلك من وسائل النقل والمواصلات، كالسيارات والطائرات والصواريخ.. الخ.
فإنْ قلتَ: فلماذا جاءت هذه الأشياء المتسجدَّة على سبيل الإجمال؟ نقول: لأن العقل لم يكُن مستعداً لأنْ يقبلها ساعة الخطاب، وهو لم يَرَ شيئاً من هذا، لكن حين يوجد الشيء يراه صراحة، فقال سبحانه على سبيل الإجمال.
وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٨] لأن كل يوم سيأتي لنا بجديد وبعجائب لم نَرَها من قبل، وآخر ما شاهدناهُ من ذلك الصواريخ، ومَنْ يدريك لعلنا نرى عن قريب ما هو أعجب منها، وعندها سنُدخِل كل هذه الأشياء تحت وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٨]...
والحق سبحانه وتعالى في قوله سُبْحَانَ الَّذِي خَلَق الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ إنما يُطمئننا على امتداد النعمة وامتداد المنعَم عليه، فبالتزاوج يبقى النوع ويتكاثر، والزوجية موجودة في كل شيء...
والزوجية موجودة في كل شيء في الوجود، كما قال سبحانه في آية أخرى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات: ٤٩].
وإذا نظرتَ إلى هذا الوجود كله بعين العلم الفاحصة المجرِّبة المدقِّقة لوجدتَ كل شيء في الوجود زوجين لاستدامة الصنف...
وذكر الحق سبحانه الزوجية في مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ولم يذكر الحيوان، لماذا؟ لأنه سبحانه ذكر الأعلى، وهو الإنسان الحيوان الناطق، فالآخر مِثْله وتابعٌ له.
ومعنى وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ أن في الكون أشياء كثيرة لا نعلم وجه الزوجية فيها، وقد نعلمها مستقبلاً مع تَقدُّم العلوم التجريبية، كما حدث مثلاً في الكهرباء، وعرفنا أنها سالب وموجب، ولا نستفيد بالكهرباء إلا إذا التقى السالب بالموجب، أما إنِ التقى سالبٌ بسالب أو موجبٌ بموجب، فالنتيجة تكون عكسية، والسالب والمُوجب هنا نوع من أنواع الزوجية، كذلك الحال في الذرَّة وغيرها مما اكتشفه العلم الحديث.
إذن: فكلمة وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ لها مدلولات وقعتْ، أخبر الله عنها قبل أنْ نكتشفها لنعلم أن الغيب الذي يخبرنا الله به يأتي كمقدمة لغيب آخر سنعرفه في المستقبل، وكأن الحق سبحانه يلفت أنظارنا: كما صدَّق الواقع ما أخبرتُ به من الغيب، فصدِّقوا ما أخبرتُكم به من غيب الآخرة.
آية رقم ٣٧
قوله تعالى وَآيَةٌ لَّهُمُ يعني: خاصة بهم، وليست آية للكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم آمن بفطرته، ولم يكن بحاجة إلى دليل ليؤمن، كذلك المؤمن لا يبحث عن الدليل إلا ليردَّ به على مَنْ ينكر...
وقوله سبحانه: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ السلخ كَشْط الجلد عن الشاة، فما العلاقة بين هذه المسألة وضوء الليل والنهار؟ قالوا: الأصل في الشيء الظلمة، ولا تظهر الظلمة إلا بمنير طارئ، فالليل ظلمة، ثم يأتي ضوء النهار فيستر هذه الظلمة، فكأن النهار حينما يأتي يستر الظلمة كما يستر جلد الشاة لحمها، فإذا ما أراد الحق سبحانه أنْ يأتي الظلام يخلع الضوء، كما نسلخ جلد الشاة عن لحمها.
إذن: فالليل يأتي على طبيعته لأنه الأصل؛ لذلك قال سبحانه: وَآيَةٌ لَّهُمُ الَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ فالظلام عدم نور، أما النور فإيجاد، ويحتاج إلى آلة جديدة، فلو ترك الليل لحاله لظلَّ مظلماً، ولولا آلة الضوء لظلَّ ليلاً، إذن: للضوء آلة. أما الظلام فليس له آلة حينما تعمل يأتي الظلام، أو قُلْ الظلام أمره عدمي، أما الضوء فأمره وجودي، فإذا قيل: نسلخ منه النهار فقد شبه الضوء الذي يغطي الظلام بالجلد الذي يغطي لحم الشاة.
والمعنى: نذهب بهذا الغلاف الضوئي الذي يستر الليل، فيحلّ الظلام أي: يظهر على طبيعته ومن تلقاء نفسه؛ لذلك جاء الأداء القرآني بإذا الدالة على المفاجأة فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ فكأن المسألة تلقائية لا تحتاج إلى ترتيب.
آية رقم ٣٨
الشمس هي آلة الضوء الذي نسلخه عن الليل، ومعنى تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا أي: لشيء ولغاية تستقر عندها...
فمعنى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا أي: الشمس بمجموعتها، وما يدور حولها من كواكب تجري إلى نجم يسميه علماء الفلك (الفيجا) والعرب تسميه (النسر) الواقع... ومعنى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا المستقر إما أن يكون نهاية العام، ثم تبدأ عاماً جديداً، وتشرق من أول مطلع لها، أو أن المستقر آخر عمرها ونهايتها حيث تنفض وتُكوَّر وتنتهي.
لكن، ما الذي يحرك هذه المجموعة الشمسية؟ وكيف تجري بهذه السرعة؟ ونحن نعلم أن الحركة تحتاج إلى طاقة تمدها، فما الطاقة التي تحرك هذه المجموعة بهذه الصورة وهذا الاستمرار؟ قالوا: إنها تجري، لأن الله خلقها على هيئة الحركة والجريان، لذلك تجري لا يُوقفِها شيء، وستظل جارية إلى أن يشاء الله، فلا يلزمها إذن طاقة تحركها، ومثال ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر: ٤١].
وفي علم الحركة قانون اسمه قانون العطالة، وهو أن كل متحرك يظل على حركته، إلى أنْ تُوقفه، وكل ساكن يظلُّ على سكونه إلى أنْ تُحركه، وهذا القانون فسَّر لنا حركة الأقمار الصناعية ومراكب الفضاء التي تظل متحركة لفترات طويلة.
ونتساءل: ما الفترة التي تحركها طوال هذه المدة؟ إنها تتحرك؛ لأنها وضعت في مجالها على هيئة الحركة فتظل متحركة لا يُوقِفها شيء لأنها فوق مجال الجاذبية. إذن: كل الذي احتاجته هذه الآلات من الطاقة هي طاقة الصاروخ الذي يحملها، إلى أنْ يعبر بها مجال الجاذبية الأرضية، أما هي فتظل دائرة بلا طاقة وبلا وقود.
ثم يُذكِّرنا الحق سبحانه بفضله في هذه الحركة، فيقول ذَلِكَ أي: ما سبق من حركة الليل والنهار وجريان الشمس تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ يعني: كل هذا الجريان وكل هذه الحركة إنما هما بتقدير الله، وكلمة الْعَزِيزِ هنا مناسبة تماماً، فالمعنى أنه تعالى العزيز الذي لا تغلبه القوانين؛ لأنه سبحانه خالق القوانين.
آية رقم ٣٩
بعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن الشمس وهي آلة الضوء، تكلم عن القمر لأنه له مهمة يؤديها حين تغيب الشمس، وكأن القمر استعار من الشمس بعض ضوئها لينير بالليل للذين لا يعملون إلا ليلاً كالعَسَس والحراس ورجال الأمن وعمال المخابز وغيرهم، فالقمر كما تعلمون لا يضيء بنفسه، إنما يعكس بعض ضوء الشمس، فيأتي ضوؤه هادئاً؛ لذلك يسمونه الضوء الحليم، حيث يأتينا لا شعاعَ له، ولا حرارة فيه.
لذلك حين يُعدَّد لنا الحق سبحانه بعض آلائه ونِعَمه، يقول وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ.. [الروم: ٢٣].
فإذا كان النوم مقصوراً على الليل، فماذا كان يفعل هؤلاء الذين تقتضي طبيعة عملهم أنْ يعملوا بالليل، ويرتاحون وينامون بالنهار، فهذه الآية مظهر من مظاهر دِقَّة الأداء القرآني، فإنْ كان الليل هو الأصل في النوم والراحة لجمهرة الناس، فلا مانع من النوم بالنهار للقِلَّة القائمة على أمر النائمين بالليل.
ومعنى: قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ [يس: ٣٩] يعني: قدَّرنا سَيْره في منازل ومسافات، هذه المنازل نشاهدها كل شهر في حركة القمر: التربيع الأول، والتربيع الثاني ثم البدر..
والقمر أسرع في حركته من الشمس؛ لأنه يقطع فَلَكه في شهر، بينما تقطع الشمس فَلَكها في سنة.
وتأمل دِقَّة الأداء القرآني المبني على الهندسة العليا في قوله سبحانه: حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ [يس: ٣٩] هذه صورة توضيحية لمنازل القمر مأخوذة من البيئة العربية، فالعرجون هو عذْق النخلة الذي يحمل الثمار، ونسميه (السُّباطة)، وهي مكوَّنة من عدة شماريخ رفيعة، لكن قاعدتها عند اتصالها بجذع النخلة عريضة ومفلطحة، هذا العذق يَيْبَس ويضمر كلما تقادم ويعوج و (يتقفع) كلما جفَّتْ منه المائية، وهذه الصورة توضح تماماً حركة القمر حيث يضمر ويتقفع إلى أنْ يتلاشى آخر الشهر.
وإذا كان القرآن قد شبَّه القمر بالعرجون القديم، فإن العرب تشبهه بقُلامة الظفر، كما جاء في قول شاعرهم الذي راح يرقب ضوء القمر حتى يغيب فيتسلل إلى محبوبته:
وَغَابَ ضَوْءُ قُمَيْرٍ كنتُ أَرْقُبهُ  مثل القُلاَمَةِ قَدْ قُدَّتْ من الظُّفْر
ومن الحكمة أن نُشبِّه القمر العالي الذي لا ندركه بشيء دانٍ ندركه، وأن نقول لك: هذا مثل هذا لتتضح الصورة.
ثم يقول سبحانه جامعاً بين الشمس والقمر، وبين الليل والنهار:
لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ... .
لا يقال: فلان لا يدرك فلاناً إلا إذا كان سابقه، كذلك الشمس لا تدرك القمر؛ لأنه كما قُلْنا سابقها وأسرع منها؛ لأنه يقطع دورته في شهر، وتقطع الشمس دورتها في سنة...
وقوله سبحانه: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يسبحون من السبح، وهو قَطْع المسافة على ماء لين، فهي حركة فيها انسيابية، ليست على أرض تدبّ عليها الأقدام، وهذا مثال لحركة الأفلاك، وهذه الحركة السبحية يكون كل جزء منها مُوزَّعاً على جزء من الزمن.
وهذه الحركة ليس لدينا المقاييس التي ندركها بها، إنما نعرفها من جملة الزمن مع جملة الحركة، فمثلاً لو وُلد لك مولود وجلستَ ترقبه وتلاحظ نموه، فإنك لا تلاحظ هذا النمو، ولا يكبر الولد في عين أبيه أبداً، لماذا؟
لأن نموه لا يأتي قفزةً واحدة يمكن ملاحظتها، إنما يُوزَّع النمو على الزمن، لكن إذا غِبْتَ عن ولدك عدة شهور أو سنوات فإنك تلاحظ نموه حين تعود وتراه؛ لأنك تلاحظ مجموع النمو طوال فترة غيابك عنه.
فمعنى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يعني: يسيرون سيراً انسيابياً متتابعاً يُوزَّع على الزمن.
آية رقم ٤١
قوله تعالى وَآيَةٌ لَّهُمْ هي آية لنا ولهم، لنا على سبيل الاستدلال نستدل لهم بها لنقنعهم، ولهم هم أي: تدعوهم إلى الإيمان بالله...
ومعنى الْفُلْكِ السفن الْمَشْحُونِ المملوء. والمراد: سفينة سيدنا نوح -عليه السلام- وقد أوحى الله إليه أنْ يصنع السفينة، ودلَّه على كيفية صناعتها، كما قال سبحانه:
فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.. [المؤمنون: ٢٧].
فالسفن في حَدِّ ذاتها من آيات الله، ولو لم يُوحِ الله إلى نوح أن يصنع السفينة، كيف كنا ننتقل في الماء، وهو ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فهذه آية أجراها الله تعالى على يد سيدنا نوح، ليعلم الناسُ جميعاً صناعة السفن، ثم للعقول بعد ذلك أنْ تُطوِّرها وترقى بصناعتها، كما نرى الآن السفن العملاقة على أحدث ما يكون، حيث استبدلَ الإنسانُ قِلْع المركب بآلات البخار والكهرباء، وحَلِّ الحديد والمعادن محلَّ الخشب والمسامير.. الخ.
ومع هذا التطور، وبعد الاستغناء عن قوة الريح في تسيير السفن تظلّ السفن تسير بسم الله وبقدرته حتى إن استخدمت البخار أو الكهرباء؛ لأن الريح لا يعني الهواء الذي يُسيِّر السفن فحسب، إنما الريح تعني القوة أيّاً كانت؛ لذلك يقول سبحانه:
وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.. [الأنفال: ٤٦].
ويقول سبحانه: إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ.. [الشورى: ٣٣].
ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ والآية تتحدث عن العرب الذين نزل القرآن مُخاطباً لهم، والذين حُمِلوا في السفينة هم آباؤهم لا ذريتهم، فكيف ذلك؟
قال القرآن: حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ والمراد: آباؤهم؛ لأن الذرية تُطلق أيضاً على الأب؛ لأن الذراري منه، أو لأن الآباء الذين نجوا في السفينة هم الأصل الأصيل للموجودين الذين يخاطبهم القرآن، وكانوا هم مطمورين في آبائهم.
لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن كل واحد منا إلى أنْ تقوم الساعة فيه جزىء حَيٌّ من أبيه آدم لم يطرأ عليه الموت، ولو تتبعتَ الآباء وسلسلْتَ هذه السلسلة لقُلْتَ إنني من ميكروب حيٍّ جاء من أبي، وأبي من ميكروب حَيٍّ جاء من أبيه، وهكذا إلى آدم عليه السلام، ولو كان هذا الميكروب ميتاً ما جئت.
إذن: ففي كل مِنَّا ذرة تكوينية من أبيه آدم لم يطرأ عليها تغيير، وهذه الذرة هي التى تحمل الفطرة الإيمانية في كل إنسان.
ووصف الحق سبحانه الفُلْكَ بأنه مشحون. يعني: مملوء؛ لأن سيدنا نوحاً لم يأخذ فيها المؤمنين ليُنجيهم من الغرق فحسب، إنما ليُوفِّر لهم سُبُل العيش بعد النجاة، وإلا فكيف يعيش الناسُ على أرض لا يوجد فيها غيرهم، لا نبات ولا حيوان ولا طيور؟
لذلك قال سبحانه مخاطباً نبيه نوحاً: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.. [هود: ٤٠].
آية رقم ٤٢
قوله تعالى وَآيَةٌ لَّهُمْ [يس: ٤١] هي آية لنا ولهم، لنا على سبيل الاستدلال نستدل لهم بها لنقنعهم، ولهم هم أي: تدعوهم إلى الإيمان بالله؛ لذلك لما سُئِل الإمام علي رضي الله عنه: أعرفتَ ربك بمحمد؟ أم عرفتَ محمداً بربك؟ فقال: عرفتُ ربي بربي، وجاء محمد فبلَّغني مراد ربي مني.
ومعنى ٱلْفُلْكِ السفن ٱلْمَشْحُونِ المملوء. والمراد: سفينة سيدنا نوح - عليه السلام - وقد أوحى الله إليه أنْ يصنع السفينة، ودلَّه على كيفية صناعتها، كما قال سبحانه: فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.. [المؤمنون: ٢٧].
فالسفن في حَدِّ ذاتها من آيات الله، ولو لم يُوحِ الله إلى نوح أن يصنع السفينة، كيف كنا ننتقل في الماء، وهو ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فهذه آية أجراها الله تعالى على يد سيدنا نوح، ليعلم الناسُ جميعاً صناعة السفن، ثم للعقول بعد ذلك أنْ تُطوِّرها وترقى بصناعتها، كما نرى الآن السفن العملاقة على أحدث ما يكون، حيث استبدلَ الإنسانُ قِلْع المركب بآلات البخار والكهرباء، وحَلِّ الحديد والمعادن محلَّ الخشب والمسامير.. الخ.
ومع هذا التطور، وبعد الاستغناء عن قوة الريح في تسيير السفن تظلّ السفن تسير بسم الله وبقدرته حتى إن استخدمت البخار أو الكهرباء؛ لأن الريح لا يعني الهواء الذي يُسيِّر السفن فحسب، إنما الريح تعني القوة أيّاً كانت؛ لذلك يقول سبحانه: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.. [الأنفال: ٤٦].
ويقول سبحانه: إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ.. [الشورى: ٣٣].
ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [يس: ٤١] والآية تتحدث عن العرب الذين نزل القرآن مُخاطباً لهم، والذين حُمِلوا في السفينة هم آباؤهم لا ذريتهم، فكيف ذلك؟
قال القرآن: حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ [يس: ٤١] والمراد: آباؤهم؛ لأن الذرية تُطلق أيضاً على الأب؛ لأن الذراري منه، أو لأن الآباء الذين نجوا في السفينة هم الأصل الأصيل للموجودين الذين يخاطبهم القرآن، وكانوا هم مطمورين في آبائهم.
لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن كل واحد منا إلى أنْ تقوم الساعة فيه جزىء حَيٌّ من أبيه آدم لم يطرأ عليه الموت، ولو تتبعتَ الآباء وسلسلْتَ هذه السلسلة لقُلْتَ إنني من ميكروب حيٍّ جاء من أبي، وأبي من ميكروب حَيٍّ جاء من أبيه، وهكذا إلى آدم عليه السلام، ولو كان هذا الميكروب ميتاً ما جئت.
إذن: ففي كل مِنَّا ذرة تكوينية من أبيه آدم لم يطرأ عليها تغيير، وهذه الذرة هي التى تحمل الفطرة الإيمانية في كل إنسان.
ووصف الحق سبحانه الفُلْكَ بأنه مشحون. يعني: مملوء؛ لأن سيدنا نوحاً لم يأخذ فيها المؤمنين ليُنجيهم من الغرق فحسب، إنما ليُوفِّر لهم سُبُل العيش بعد النجاة، وإلا فكيف يعيش الناسُ على أرض لا يوجد فيها غيرهم، لا نبات ولا حيوان ولا طيور؟
لذلك قال سبحانه مخاطباً نبيه نوحاً: قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ.. [هود: ٤٠].
وقوله سبحانه: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس: ٤٢] فمن بعد السفينة أخذها الناس نموذجاً، وصنعوا مثله، وطوَّروا في صناعته، فأنشأوا السفن والمراكب والزوارق وغيرها مما يُركَب في البحر. أو: خلقنا لهم من مثله ما يُركَب في البراري والصحراء، ومن ذلك يُسَمُّون الجمل مثلاً سفينة الصحراء.
ثم يحذرنا الحق سبحانه أنْ نغترَّ بهذه المراكب؛ لأنها وسائل للنجاة، لأنه سبحانه إنْ أراد الهلاك أهلك، وكم رأينا سُفُناً عملاقة توفرت لها كل سُبُل الأمان والسلامة، ومع ذلك ابتلعتْها الأمواج بمَنْ فيها.
وصدق الله: وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ [يس: ٤٣] فإياك حين تُرزَق بنعمة تخلصك من معطب أنْ تغرَّك النعمة فتحسب فيها الأمن والنجاة؛ لأنك لن تفلت من قبضة الله، ولا ينقذك أحد، ولا ينجيك شيء إنْ أراد بك الهلاك، وهل ترى بيدك شيئاً يُنجيك حين تهبُّ عاصفة، أو يعلو الموج فوق سفينتك كالجبال؟ إذن: آلاتك ووسائلك لا تُنجيك من قدري.
ومعنى فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ [يس: ٤٣] الصريخ هو الذي تستصرخه وتستنجد به لينقذك، ويأخذ بيدك، ويُخرِجك من المأزق الذي أنت فيه. ومن روائع العقائد التي استشفها أهل الإشراق والتنوير أنْ قالوا: الإنسان يصرخ ويستنجد بمَنْ هو أقرب منه: كأبيه: أو أمه، أو خادمه، أو جاره.. الخ. فإذا لم يجد؟ يقول: يا الله، لذلك نسمع بعضهم يقول عند المأزق: يا هُوْه. والمراد يا هُوَ يعني: يا الله؛ لأنه لا يوجد غيره ينقذ ويُغيث.
ومن المواضع التي وردت فيها مادة صرخ قوله تعالى حكايةً عن الشيطان مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] والمُصْرِخ: هو الذي يُزيل الصراخ يعني: يسعفك، ويزيل عنك الشدة.
وقوله تعالى: وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ [يس: ٤٣] يعني: امتنع المصرخ، وامتنع عنهم أيضاً المنقذ الذي يتطوَّع فينقذهم، وهذا قَطْع للأمل في النجاة، فإنْ أراد اللهُ الإهلاكَ فلا سبيلَ للنجاة أبداً، إلا بإذنه تعالى ورحمته.
لذلك يقول في الآية بعدها: إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا [يس: ٤٤] رحمة تنجي من الغرق، ومعنى وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ [يس: ٤٤] أن هذه النجاة ليست صَكّاً بالسلامة الدائمة والبقاء المستمر، إنما هذه النجاة متاعٌ إلى حين، إلى أنْ يحلَّ الأجلُ ويُدركك الموت، فأنت إذنْ سلمتَ من الحِمام إلى الحِمام الذي لا بُدَّ منه.

وأشبه بذلك قول الفخر الرازي:

ولَوْ أنَّا إذَا مِتْنَا اسْتَرحْنَا  لَكانَ الموْتُ رَاحةَ كُلِّ حَيّ
ولكِنَّا إذَا مِتْنَا بُعِثْنَا ونُسَأل بَعْدهَا عن كُلِّ شَيّ

وكلمة الحين تعني الفترة من الزمن بحسب ما تُقاس به، فمثلاً في: فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: ١٧] الحين يعني: يوم وليلة، وفي قوله تعالى: تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ.. [إبراهيم: ٢٥] الحين هنا يعني: سنة، وفي: هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً [الإنسان: ١] يعني: مقدار مُحدَّد من الزمن.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ... .
آية رقم ٤٣
قوله تعالى وَآيَةٌ لَّهُمْ [يس: ٤١] هي آية لنا ولهم، لنا على سبيل الاستدلال نستدل لهم بها لنقنعهم، ولهم هم أي: تدعوهم إلى الإيمان بالله؛ لذلك لما سُئِل الإمام علي رضي الله عنه: أعرفتَ ربك بمحمد؟ أم عرفتَ محمداً بربك؟ فقال: عرفتُ ربي بربي، وجاء محمد فبلَّغني مراد ربي مني.
ومعنى ٱلْفُلْكِ السفن ٱلْمَشْحُونِ المملوء. والمراد: سفينة سيدنا نوح - عليه السلام - وقد أوحى الله إليه أنْ يصنع السفينة، ودلَّه على كيفية صناعتها، كما قال سبحانه: فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.. [المؤمنون: ٢٧].
فالسفن في حَدِّ ذاتها من آيات الله، ولو لم يُوحِ الله إلى نوح أن يصنع السفينة، كيف كنا ننتقل في الماء، وهو ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فهذه آية أجراها الله تعالى على يد سيدنا نوح، ليعلم الناسُ جميعاً صناعة السفن، ثم للعقول بعد ذلك أنْ تُطوِّرها وترقى بصناعتها، كما نرى الآن السفن العملاقة على أحدث ما يكون، حيث استبدلَ الإنسانُ قِلْع المركب بآلات البخار والكهرباء، وحَلِّ الحديد والمعادن محلَّ الخشب والمسامير.. الخ.
ومع هذا التطور، وبعد الاستغناء عن قوة الريح في تسيير السفن تظلّ السفن تسير بسم الله وبقدرته حتى إن استخدمت البخار أو الكهرباء؛ لأن الريح لا يعني الهواء الذي يُسيِّر السفن فحسب، إنما الريح تعني القوة أيّاً كانت؛ لذلك يقول سبحانه: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.. [الأنفال: ٤٦].
ويقول سبحانه: إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ.. [الشورى: ٣٣].
ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ [يس: ٤١] والآية تتحدث عن العرب الذين نزل القرآن مُخاطباً لهم، والذين حُمِلوا في السفينة هم آباؤهم لا ذريتهم، فكيف ذلك؟
قال القرآن: حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ [يس: ٤١] والمراد: آباؤهم؛ لأن الذرية تُطلق أيضاً على الأب؛ لأن الذراري منه، أو لأن الآباء الذين نجوا في السفينة هم الأصل الأصيل للموجودين الذين يخاطبهم القرآن، وكانوا هم مطمورين في آبائهم.
لذلك سبق أنْ قُلْنا: إن كل واحد منا إلى أنْ تقوم الساعة فيه جزىء حَيٌّ من أبيه آدم لم يطرأ عليه الموت، ولو تتبعتَ الآباء وسلسلْتَ هذه السلسلة لقُلْتَ إنني من ميكروب حيٍّ جاء من أبي، وأبي من ميكروب حَيٍّ جاء من أبيه، وهكذا إلى آدم عليه السلام، ولو كان هذا الميكروب ميتاً ما جئت.
إذن: ففي كل مِنَّا ذرة تكوينية من أبيه آدم لم يطرأ عليها تغيير، وهذه الذرة هي التى تحمل الفطرة الإيمانية في كل إنسان.
ووصف الحق سبحانه الفُلْكَ بأنه مشحون. يعني: مملوء؛ لأن سيدنا نوحاً لم يأخذ فيها المؤمنين ليُنجيهم من الغرق فحسب، إنما ليُوفِّر لهم سُبُل العيش بعد النجاة، وإلا فكيف يعيش الناسُ على أرض لا يوجد فيها غيرهم، لا نبات ولا حيوان ولا طيور؟
لذلك قال سبحانه مخاطباً نبيه نوحاً: قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ.. [هود: ٤٠].
وقوله سبحانه: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس: ٤٢] فمن بعد السفينة أخذها الناس نموذجاً، وصنعوا مثله، وطوَّروا في صناعته، فأنشأوا السفن والمراكب والزوارق وغيرها مما يُركَب في البحر. أو: خلقنا لهم من مثله ما يُركَب في البراري والصحراء، ومن ذلك يُسَمُّون الجمل مثلاً سفينة الصحراء.
ثم يحذرنا الحق سبحانه أنْ نغترَّ بهذه المراكب؛ لأنها وسائل للنجاة، لأنه سبحانه إنْ أراد الهلاك أهلك، وكم رأينا سُفُناً عملاقة توفرت لها كل سُبُل الأمان والسلامة، ومع ذلك ابتلعتْها الأمواج بمَنْ فيها.
وصدق الله: وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ [يس: ٤٣] فإياك حين تُرزَق بنعمة تخلصك من معطب أنْ تغرَّك النعمة فتحسب فيها الأمن والنجاة؛ لأنك لن تفلت من قبضة الله، ولا ينقذك أحد، ولا ينجيك شيء إنْ أراد بك الهلاك، وهل ترى بيدك شيئاً يُنجيك حين تهبُّ عاصفة، أو يعلو الموج فوق سفينتك كالجبال؟ إذن: آلاتك ووسائلك لا تُنجيك من قدري.
ومعنى فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ [يس: ٤٣] الصريخ هو الذي تستصرخه وتستنجد به لينقذك، ويأخذ بيدك، ويُخرِجك من المأزق الذي أنت فيه. ومن روائع العقائد التي استشفها أهل الإشراق والتنوير أنْ قالوا: الإنسان يصرخ ويستنجد بمَنْ هو أقرب منه: كأبيه: أو أمه، أو خادمه، أو جاره.. الخ. فإذا لم يجد؟ يقول: يا الله، لذلك نسمع بعضهم يقول عند المأزق: يا هُوْه. والمراد يا هُوَ يعني: يا الله؛ لأنه لا يوجد غيره ينقذ ويُغيث.
ومن المواضع التي وردت فيها مادة صرخ قوله تعالى حكايةً عن الشيطان مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] والمُصْرِخ: هو الذي يُزيل الصراخ يعني: يسعفك، ويزيل عنك الشدة.
وقوله تعالى: وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ [يس: ٤٣] يعني: امتنع المصرخ، وامتنع عنهم أيضاً المنقذ الذي يتطوَّع فينقذهم، وهذا قَطْع للأمل في النجاة، فإنْ أراد اللهُ الإهلاكَ فلا سبيلَ للنجاة أبداً، إلا بإذنه تعالى ورحمته.
لذلك يقول في الآية بعدها: إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا [يس: ٤٤] رحمة تنجي من الغرق، ومعنى وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ [يس: ٤٤] أن هذه النجاة ليست صَكّاً بالسلامة الدائمة والبقاء المستمر، إنما هذه النجاة متاعٌ إلى حين، إلى أنْ يحلَّ الأجلُ ويُدركك الموت، فأنت إذنْ سلمتَ من الحِمام إلى الحِمام الذي لا بُدَّ منه.

وأشبه بذلك قول الفخر الرازي:

ولَوْ أنَّا إذَا مِتْنَا اسْتَرحْنَا  لَكانَ الموْتُ رَاحةَ كُلِّ حَيّ
ولكِنَّا إذَا مِتْنَا بُعِثْنَا ونُسَأل بَعْدهَا عن كُلِّ شَيّ

وكلمة الحين تعني الفترة من الزمن بحسب ما تُقاس به، فمثلاً في: فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: ١٧] الحين يعني: يوم وليلة، وفي قوله تعالى: تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ.. [إبراهيم: ٢٥] الحين هنا يعني: سنة، وفي: هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً [الإنسان: ١] يعني: مقدار مُحدَّد من الزمن.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ... .
آية رقم ٤٤
لذلك يقول في الآية بعدها: إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا رحمة تنجي من الغرق، ومعنى وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ أن هذه النجاة ليست صَكّاً بالسلامة الدائمة والبقاء المستمر، إنما هذه النجاة متاعٌ إلى حين، إلى أنْ يحلَّ الأجلُ ويُدركك الموت، فأنت إذنْ سلمتَ من الحِمام إلى الحِمام الذي لا بُدَّ منه.
... معنى لَهُمُ أي: للكافرين، وجاء الفعل قِيلَ هكذا مبنياً للمجهول ليفيد العموم، فكأن كل مؤمن عليه أنْ يقول، وأنْ ينصح، وأن يأخذ بيد غيره إلى طريق الله.
والحق سبحانه في هذه الآية يقول لعباده المؤمنين: يا عبادي، يا مَنْ آمنتم بي، وصدَّقتم رسلي، لكني أحب ألاَّ تدخروا وُسْعاً لتنقذوا خَلْقي من غضبي عليهم، حين يُصِرُّون على الكفر ويقيمون عليه.
وهذا نوع من الرجاء في المؤمنين أنْ يأخذوا بيد الكفار، وأن ينقذوهم من دواعي غضب الله عليهم، وهذا المعنى داخل تحت قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
ومعنى مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أي: ما هو أمامكم، وما ينتظركم من البعث والحشر والسؤال والحساب، ثم النار وَمَا خَلْفَكُمْ [يس: ٤٥] يعني: ما سبقكم من العبر بالمكذِّبين قبلكم، وكيف كانت عاقبتهم ونهاية كفرهم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ رجاء أنْ يرحمكم الله.
إذن: فينبغي أن يكون في بال المؤمن أنْ يمهد السبيل لرحمة الكافر، وأنْ يحاول وُسْعه أن ينقذه، وأنْ يعطف عليه، لا أنْ يسلك معه مسلَك اللدد والخصومة التي لا تجدي.
هذا هو اللدد والعناد بعينه، فالآيات أمامهم واضحة، وهم يُعرضون عنها وينصرفون عن تدبُّرها؛ ذلك لأن الذين يكفرون بالله ويُكذِّبون رسله، ويتأبَّوْن على منهج الله الذي جاء لصيانة خليفته في الأرض، هؤلاء مستفيدون من الفساد، ومستفيدون من الإعراض عن منهج الله، فطبيعي أنْ يَرَوْا في كل رسول وفي كل مصلح أنه جاء ليقطع أرزاقهم، ويفسد عليهم حياتهم، فيصادمونه ويقفون في وجهه.
وهذه الآية يفسرها قول الله في موضع آخر: وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل: ١٤].
فإنْ قُلْتَ: ما دُمتم حريصين على أنْ يرحم اللهُ هؤلاء الكافرين، فلماذا لا تُلِحون عليهم بالآيات الجديدة إلى أنْ يؤمنوا فيرحمهم الله؟ نقول: مهما جئناهم بالآيات فسوف ننتهي إلى هذه النتيجة التي قررها القرآن: وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ [يس: ٤٦].
هذا لون آخر من عنادهم وقَلْبهم للحقائق، فإذا قال لهم الناصح أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله يعني: مما استخلفكم فيه لا مما عندكم، وملَكه لكم يكون الرد أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ هكذا يقلب الكافر حقائق الأمور ويتبجحون بالباطل.
أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ يعني: لسنا بخلاء بل نحب أنْ ننفق، وأن ننفذ مرادات الله في خَلْقه، والله يريد أن يمنع الرزق عن هؤلاء، فكيف نرزقهم نحن، إننا لو أنفقنا عليهم لكنا معاندين مخالفين لمراد الله، ولو شاء الله لأطعمهم.
ولم يقفوا بعنادهم عند هذا الحدِّ، إنما يتمادَوْنَ فيتهمون المؤمنين بالضلال المبين إِنْ أَنتُمْ يعني: ما أنتم إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ سبحان الله، لماذا؟ لأنكم تعارضون مراد الله، وتُطعمون مَنْ حرمه الله وتجيرون عليه.
نعم، الحق سبحانه رب الجميع، ويرزق الجميع، ويطعمنا ويسقينا، لكنه سبحانه يريد أنْ يشهد عطف عباده على عباده لتسير حركتهم في الحياة بلا غِلٍّ، وبلا حقد، فالفقير حين ينال من خير الغنيِّ لا يحقد عليه ولا يحسده، بل يتمنى دوام النعمة عنده، ثم إن الغِنَى والفقر عَرَض ينتقل ويزول، والواقع يشهد بذلك.
آية رقم ٤٨
قولهم مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ [يس: ٤٨] أي: الوعد بالآخرة وكلمة (الوعد) تدل على البشارة بالخير، على خلاف الوعيد وهو إنذار بالشرِّ، فعجيب منهم أنْ ينكروا الوعد وهو في صالحهم، وحظهم في الوعد لا في الوعيد.
وهذا الاستفهام منهم على سبيل الإنكار، فليس هناك آخرة ولا حساب ولا جزاء، والعاقل منهم الذي يعترف بالآخرة يقول كما قال صاحب الجنة وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
ومعنى إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [يس: ٤٨] في قولكم بأن هناك بعثاً وحساباً، وواضح ما في إنكارهم للقيامة من تحدٍّ وعناد واستعجال لها. يقولون: أين هي القيامة التي تتكلم عنها، ائت بها الآن إنْ كنتَ صادقاً، ويظل الواحد منهم في هذا الجدل إلى أنْ تفاجئه القيامة.
مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس: ٤٩] يعني: ربما تفاجئه القيامة وهو في جداله هذا، وما المانع فالأمر لا يكلفنا إلا مجرد صيحة واحدة تأخذهم وتقضي عليهم جميعاً.
وهذا إنذار لأهل الغفلة الذين غفلوا عن البعث والحشر والحساب، وشغلتهم الدنيا في تجارتهم وفي زراعتهم ومشاكل حياتهم، حتى أضاعوا الحياة في أخذ وردٍّ وجدال وخصام إلى أنْ فاجأتهم القيامة؛ لذلك يقول الشاعر: إياك أن تجادل في شيء كان في يدك فأخذه منك غيرك.
نَفْسِي التي تملِكُ الأشياءَ ذَاهِبَةٌ  فكيفَ آسَى عَلَى شَيءٍ لَهَا ذَهَباً
ومعنى تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس: ٤٩] يعني: تفاجئهم وهم في جدالهم وخصامهم، ومعنى يَخِصِّمُونَ [يس: ٤٩] أي: يختصمون، فقُلِبت التاء صاداً، وأدغمت في الصاد للدلالة على المبالغة. والأَخْذُ يدل على الشدة أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: ٤٢].
وقوله: فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [يس: ٥٠] يعني: تفاجئهم الصيحة والقيامة، بحيث لا يتمكن أحد أنْ يُوصي أحداً، والوصية معروفة وهي أنْ يُوصِي الإنسان أهله وأولاده بما هو مهم في حياتهم؛ لذلك رأينا سيدنا رسول الله في حجة الوداع لما أحسَّ بدُنُو الأجل أوصى المسلمين في خطبته الجامعة للُبِّ الدين وأسسه، كذلك مَنْ أقبل على أجله واستشعر نهايته عليه أنْ يوصي مَنْ يحرص عليه بالأشياء المهمة.
إذن: فَهُم في هذا الموقف لا يسعفهم الوقت لكي يُوصِى بعضهم بعضاً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس: ٥٠] حتى ولا هذه يستطيعونها. فالقيامة إذن لا ينبغي أن يستبطئها أحد؛ لأنها تأتي بغتة؛ لذلك أخفاها الله، واستأثر سبحانه وحده بعلمها ليظل الإنسان على ذِكْر لها، ينتظرها في كل وقت، والقيامة بالنسبة للإنسان لا تعني بالضرورة الآخرة، إنما مجرد أنْ يموت فقد قامت القيامة في حقه، فبالموت لم يَعُدْ له عمل، ولا توبة، ولا استدراك لشيء.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ... .
آية رقم ٤٩
قولهم مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ [يس: ٤٨] أي: الوعد بالآخرة وكلمة (الوعد) تدل على البشارة بالخير، على خلاف الوعيد وهو إنذار بالشرِّ، فعجيب منهم أنْ ينكروا الوعد وهو في صالحهم، وحظهم في الوعد لا في الوعيد.
وهذا الاستفهام منهم على سبيل الإنكار، فليس هناك آخرة ولا حساب ولا جزاء، والعاقل منهم الذي يعترف بالآخرة يقول كما قال صاحب الجنة وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
ومعنى إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [يس: ٤٨] في قولكم بأن هناك بعثاً وحساباً، وواضح ما في إنكارهم للقيامة من تحدٍّ وعناد واستعجال لها. يقولون: أين هي القيامة التي تتكلم عنها، ائت بها الآن إنْ كنتَ صادقاً، ويظل الواحد منهم في هذا الجدل إلى أنْ تفاجئه القيامة.
مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس: ٤٩] يعني: ربما تفاجئه القيامة وهو في جداله هذا، وما المانع فالأمر لا يكلفنا إلا مجرد صيحة واحدة تأخذهم وتقضي عليهم جميعاً.
وهذا إنذار لأهل الغفلة الذين غفلوا عن البعث والحشر والحساب، وشغلتهم الدنيا في تجارتهم وفي زراعتهم ومشاكل حياتهم، حتى أضاعوا الحياة في أخذ وردٍّ وجدال وخصام إلى أنْ فاجأتهم القيامة؛ لذلك يقول الشاعر: إياك أن تجادل في شيء كان في يدك فأخذه منك غيرك.
نَفْسِي التي تملِكُ الأشياءَ ذَاهِبَةٌ  فكيفَ آسَى عَلَى شَيءٍ لَهَا ذَهَباً
ومعنى تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس: ٤٩] يعني: تفاجئهم وهم في جدالهم وخصامهم، ومعنى يَخِصِّمُونَ [يس: ٤٩] أي: يختصمون، فقُلِبت التاء صاداً، وأدغمت في الصاد للدلالة على المبالغة. والأَخْذُ يدل على الشدة أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: ٤٢].
وقوله: فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [يس: ٥٠] يعني: تفاجئهم الصيحة والقيامة، بحيث لا يتمكن أحد أنْ يُوصي أحداً، والوصية معروفة وهي أنْ يُوصِي الإنسان أهله وأولاده بما هو مهم في حياتهم؛ لذلك رأينا سيدنا رسول الله في حجة الوداع لما أحسَّ بدُنُو الأجل أوصى المسلمين في خطبته الجامعة للُبِّ الدين وأسسه، كذلك مَنْ أقبل على أجله واستشعر نهايته عليه أنْ يوصي مَنْ يحرص عليه بالأشياء المهمة.
إذن: فَهُم في هذا الموقف لا يسعفهم الوقت لكي يُوصِى بعضهم بعضاً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس: ٥٠] حتى ولا هذه يستطيعونها. فالقيامة إذن لا ينبغي أن يستبطئها أحد؛ لأنها تأتي بغتة؛ لذلك أخفاها الله، واستأثر سبحانه وحده بعلمها ليظل الإنسان على ذِكْر لها، ينتظرها في كل وقت، والقيامة بالنسبة للإنسان لا تعني بالضرورة الآخرة، إنما مجرد أنْ يموت فقد قامت القيامة في حقه، فبالموت لم يَعُدْ له عمل، ولا توبة، ولا استدراك لشيء.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ... .
آية رقم ٥٠
قولهم مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ [يس: ٤٨] أي: الوعد بالآخرة وكلمة (الوعد) تدل على البشارة بالخير، على خلاف الوعيد وهو إنذار بالشرِّ، فعجيب منهم أنْ ينكروا الوعد وهو في صالحهم، وحظهم في الوعد لا في الوعيد.
وهذا الاستفهام منهم على سبيل الإنكار، فليس هناك آخرة ولا حساب ولا جزاء، والعاقل منهم الذي يعترف بالآخرة يقول كما قال صاحب الجنة وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦].
ومعنى إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [يس: ٤٨] في قولكم بأن هناك بعثاً وحساباً، وواضح ما في إنكارهم للقيامة من تحدٍّ وعناد واستعجال لها. يقولون: أين هي القيامة التي تتكلم عنها، ائت بها الآن إنْ كنتَ صادقاً، ويظل الواحد منهم في هذا الجدل إلى أنْ تفاجئه القيامة.
مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس: ٤٩] يعني: ربما تفاجئه القيامة وهو في جداله هذا، وما المانع فالأمر لا يكلفنا إلا مجرد صيحة واحدة تأخذهم وتقضي عليهم جميعاً.
وهذا إنذار لأهل الغفلة الذين غفلوا عن البعث والحشر والحساب، وشغلتهم الدنيا في تجارتهم وفي زراعتهم ومشاكل حياتهم، حتى أضاعوا الحياة في أخذ وردٍّ وجدال وخصام إلى أنْ فاجأتهم القيامة؛ لذلك يقول الشاعر: إياك أن تجادل في شيء كان في يدك فأخذه منك غيرك.
نَفْسِي التي تملِكُ الأشياءَ ذَاهِبَةٌ  فكيفَ آسَى عَلَى شَيءٍ لَهَا ذَهَباً
ومعنى تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس: ٤٩] يعني: تفاجئهم وهم في جدالهم وخصامهم، ومعنى يَخِصِّمُونَ [يس: ٤٩] أي: يختصمون، فقُلِبت التاء صاداً، وأدغمت في الصاد للدلالة على المبالغة. والأَخْذُ يدل على الشدة أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: ٤٢].
وقوله: فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [يس: ٥٠] يعني: تفاجئهم الصيحة والقيامة، بحيث لا يتمكن أحد أنْ يُوصي أحداً، والوصية معروفة وهي أنْ يُوصِي الإنسان أهله وأولاده بما هو مهم في حياتهم؛ لذلك رأينا سيدنا رسول الله في حجة الوداع لما أحسَّ بدُنُو الأجل أوصى المسلمين في خطبته الجامعة للُبِّ الدين وأسسه، كذلك مَنْ أقبل على أجله واستشعر نهايته عليه أنْ يوصي مَنْ يحرص عليه بالأشياء المهمة.
إذن: فَهُم في هذا الموقف لا يسعفهم الوقت لكي يُوصِى بعضهم بعضاً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس: ٥٠] حتى ولا هذه يستطيعونها. فالقيامة إذن لا ينبغي أن يستبطئها أحد؛ لأنها تأتي بغتة؛ لذلك أخفاها الله، واستأثر سبحانه وحده بعلمها ليظل الإنسان على ذِكْر لها، ينتظرها في كل وقت، والقيامة بالنسبة للإنسان لا تعني بالضرورة الآخرة، إنما مجرد أنْ يموت فقد قامت القيامة في حقه، فبالموت لم يَعُدْ له عمل، ولا توبة، ولا استدراك لشيء.

ثم يقول الحق سبحانه:

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ... .
قوله سبحانه: وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ [يس: ٥١] أي: البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، وهذه هي نفخة البعث، وتسبقها نفخة الصَّعْق التي تُميتهم وتخمدهم، لذلك يقول سبحانه: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨].
فإنْ قُلْتَ: النفخة واحدة، فكيف تميت الأولى وتحيي الثانية؟ نقول: النفخة في الصُّور ما هي إلا علامة فقط للحدث أمّا الفاعل على الحقيقة فهو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يميت في الأولى، ويحيي في الثانية.
ومعنى ٱلأَجْدَاثِ [يس: ٥١] القبور إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس: ٥١] يعني: يُسرعون وأصل كلمة يَنسِلُونَ [يس: ٥١] من نسل الخيوط بعضها عن بعض، نقول: الثوب (ينسل) يعني: تخرج بعض الخيوط من أماكنها من اللُّحْمة أو السُّدَّة، لذلك نقول: (كفف) الخياطة يعني: امنع هذا (التنسيل) بأن تُمسك الخيوط بعضها إلى بعض، فلا تنفلت.
فإذا ما خرجوا من الأجداث ورأوا الحقيقة التي طالما كذَّبوها قالوا: يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا [يس: ٥٢] هم الذين يقولون ويدْعُون على أنفسهم بالويل والثبور؛ لا أحد يقول لهم: ويلكم إنما يقولونها هم لأنفسهم، وهذا بيان للحسرة على ما فاتهم.
والمعنى: يا ويلنا احضر، فهذا أوانك، لأن الأمر فوق ما نحتمل، ولا نستطيع دفعه، والإنسان حين يُفاجأ بفساد رأيه يعود على نفسه باللوم، بل قد يضربها ويعذبها.
وعجيب منهم أنْ يقولوا الآن مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا [يس: ٥٢] فيعترفون بأن الموت كان مجرد مَرْقَد، والمرقد لا بُدَّ بعده من يقظة. عندها يردُّ عليهم: هَذَا أي: ما تروْنَه من أمور القيامة مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢] ويجوز أنْ يكون اسم الإشارة هَذَا إشارة إلى مَّرْقَدِنَا في مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا [يس: ٥٢].
الحق - سبحانه وتعالى - أخبر أنه جامعُ الناس ليوم لا ريب فيه، وأن مَنْ أفلت من عقوبات الدنيا وعذاب الحياة التي يعيشون فيها، فإن الله مُدَّخِر له عذاباً من نوع أشد؛ لأن الذين قاموا بالدعوة إلى الله أول الأمر واضطهِدوا وأُوذوا، منهم من مات في الاضطهاد قبل أنْ يرى انتصار الإسلام وغلبة المسلمين، وقبل أنْ يرى انتقامَ الله من أعدائه، فإذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ أن يُرِي الله هؤلاء المؤمنين عاقبةَ الكافرين وما نزل بهم من العذاب.
والوعد هنا رغم أنه إنذار بالشرِّ الذي ينتظرهم، إلا أنه في حقهم يُسمَّى وَعْداً لا وعيداً، لماذا؟ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه نعمة كبرى، كما في قوله تعالى في سورة الرحمن: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٥-٣٦].
فجعل النار والشُّواظ من آلاء الله؛ لأنه يُخوِّفهم بها، ويحذرهم منها، ولم يفاجئهم بها وهم أصحاء، ويسمعون ويبصرون، ويقدرون على الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فهم في وقت المهلة والتدارك. وكما تُحذِّر ولدك من الرسوب إنْ هو أهمل دروسه وتتوعده، إذن: فالوعيد هنا عَيْن النعمة؛ لذلك سُمِّي وعداً لا وعيداً.
ومعنى: وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢] أى: في البلاغ عن الله إِن كَانَتْ [يس: ٥٣] أي: ما كانت النفخة إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس: ٥٣] لا تتكرر؛ لأن الذي يُكرر الفعل البشر، ومعنى تكراره أن الفعل الأول لم يكُنْ كافياً ولم يَفِ بالغرض منه، أمَّا هنا فالفاعل الله عز جل.
إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣] إذا هنا فجائية، فبمجرد الصيحة أُحْضِروا جميعاً رغماً عنهم، وبدون اختيارهم، ومُحضر اسم مفعول من أحضر. يعني: أُجبر على الحضور والمثول بين يدي الله للحساب.
وفي الآية السابقة وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٣٢] فزادتْ (كل) الدالة على شمول الأفراد، إنما قد يكون شمول الأفراد تتابعاً مجموعة تلوْ الأخرى، لكن هنا يأتون مجموعين ليرى التابع متبوعه، والضال مَنْ أَضلَّه.. الخ؛ لذلك يسمونها الفاضحة.
فإذا ما خرجوا من الأجداث ورأوا الحقيقة التي طالما كذَّبوها قالوا: يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هم الذين يقولون ويدْعُون على أنفسهم بالويل والثبور؛ لا أحد يقول لهم: ويلكم إنما يقولونها هم لأنفسهم، وهذا بيان للحسرة على ما فاتهم.
والمعنى: يا ويلنا احضر، فهذا أوانك، لأن الأمر فوق ما نحتمل، ولا نستطيع دفعه، والإنسان حين يُفاجأ بفساد رأيه يعود على نفسه باللوم، بل قد يضربها ويعذبها.
وعجيب منهم أنْ يقولوا الآن مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا فيعترفون بأن الموت كان مجرد مَرْقَد، والمرقد لا بُدَّ بعده من يقظة. عندها يردُّ عليهم: هَذَا أي: ما تروْنَه من أمور القيامة مَا وَعَدَ الرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ويجوز أنْ يكون اسم الإشارة هَذَا إشارة إلى مَّرْقَدِنَا في مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا.
الحق -سبحانه وتعالى- أخبر أنه جامعُ الناس ليوم لا ريب فيه، وأن مَنْ أفلت من عقوبات الدنيا وعذاب الحياة التي يعيشون فيها، فإن الله مُدَّخِر له عذاباً من نوع أشد؛ لأن الذين قاموا بالدعوة إلى الله أول الأمر واضطهِدوا وأُوذوا، منهم من مات في الاضطهاد قبل أنْ يرى انتصار الإسلام وغلبة المسلمين، وقبل أنْ يرى انتقامَ الله من أعدائه، فإذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ أن يُرِي الله هؤلاء المؤمنين عاقبةَ الكافرين وما نزل بهم من العذاب.
والوعد هنا رغم أنه إنذار بالشرِّ الذي ينتظرهم، إلا أنه في حقهم يُسمَّى وَعْداً لا وعيداً، لماذا؟ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه نعمة كبرى، كما في قوله تعالى في سورة الرحمن:
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٥-٣٦].
فجعل النار والشُّواظ من آلاء الله؛ لأنه يُخوِّفهم بها، ويحذرهم منها، ولم يفاجئهم بها وهم أصحاء، ويسمعون ويبصرون، ويقدرون على الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فهم في وقت المهلة والتدارك.
وكما تُحذِّر ولدك من الرسوب إنْ هو أهمل دروسه وتتوعده، إذن: فالوعيد هنا عَيْن النعمة؛ لذلك سُمِّي وعداً لا وعيداً.
قوله سبحانه: وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ [يس: ٥١] أي: البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، وهذه هي نفخة البعث، وتسبقها نفخة الصَّعْق التي تُميتهم وتخمدهم، لذلك يقول سبحانه: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: ٦٨].
فإنْ قُلْتَ: النفخة واحدة، فكيف تميت الأولى وتحيي الثانية؟ نقول: النفخة في الصُّور ما هي إلا علامة فقط للحدث أمّا الفاعل على الحقيقة فهو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يميت في الأولى، ويحيي في الثانية.
ومعنى ٱلأَجْدَاثِ [يس: ٥١] القبور إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس: ٥١] يعني: يُسرعون وأصل كلمة يَنسِلُونَ [يس: ٥١] من نسل الخيوط بعضها عن بعض، نقول: الثوب (ينسل) يعني: تخرج بعض الخيوط من أماكنها من اللُّحْمة أو السُّدَّة، لذلك نقول: (كفف) الخياطة يعني: امنع هذا (التنسيل) بأن تُمسك الخيوط بعضها إلى بعض، فلا تنفلت.
فإذا ما خرجوا من الأجداث ورأوا الحقيقة التي طالما كذَّبوها قالوا: يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا [يس: ٥٢] هم الذين يقولون ويدْعُون على أنفسهم بالويل والثبور؛ لا أحد يقول لهم: ويلكم إنما يقولونها هم لأنفسهم، وهذا بيان للحسرة على ما فاتهم.
والمعنى: يا ويلنا احضر، فهذا أوانك، لأن الأمر فوق ما نحتمل، ولا نستطيع دفعه، والإنسان حين يُفاجأ بفساد رأيه يعود على نفسه باللوم، بل قد يضربها ويعذبها.
وعجيب منهم أنْ يقولوا الآن مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا [يس: ٥٢] فيعترفون بأن الموت كان مجرد مَرْقَد، والمرقد لا بُدَّ بعده من يقظة. عندها يردُّ عليهم: هَذَا أي: ما تروْنَه من أمور القيامة مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢] ويجوز أنْ يكون اسم الإشارة هَذَا إشارة إلى مَّرْقَدِنَا في مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا [يس: ٥٢].
الحق - سبحانه وتعالى - أخبر أنه جامعُ الناس ليوم لا ريب فيه، وأن مَنْ أفلت من عقوبات الدنيا وعذاب الحياة التي يعيشون فيها، فإن الله مُدَّخِر له عذاباً من نوع أشد؛ لأن الذين قاموا بالدعوة إلى الله أول الأمر واضطهِدوا وأُوذوا، منهم من مات في الاضطهاد قبل أنْ يرى انتصار الإسلام وغلبة المسلمين، وقبل أنْ يرى انتقامَ الله من أعدائه، فإذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ أن يُرِي الله هؤلاء المؤمنين عاقبةَ الكافرين وما نزل بهم من العذاب.
والوعد هنا رغم أنه إنذار بالشرِّ الذي ينتظرهم، إلا أنه في حقهم يُسمَّى وَعْداً لا وعيداً، لماذا؟ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه نعمة كبرى، كما في قوله تعالى في سورة الرحمن: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٥-٣٦].
فجعل النار والشُّواظ من آلاء الله؛ لأنه يُخوِّفهم بها، ويحذرهم منها، ولم يفاجئهم بها وهم أصحاء، ويسمعون ويبصرون، ويقدرون على الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فهم في وقت المهلة والتدارك. وكما تُحذِّر ولدك من الرسوب إنْ هو أهمل دروسه وتتوعده، إذن: فالوعيد هنا عَيْن النعمة؛ لذلك سُمِّي وعداً لا وعيداً.
ومعنى: وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢] أى: في البلاغ عن الله إِن كَانَتْ [يس: ٥٣] أي: ما كانت النفخة إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس: ٥٣] لا تتكرر؛ لأن الذي يُكرر الفعل البشر، ومعنى تكراره أن الفعل الأول لم يكُنْ كافياً ولم يَفِ بالغرض منه، أمَّا هنا فالفاعل الله عز جل.
إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣] إذا هنا فجائية، فبمجرد الصيحة أُحْضِروا جميعاً رغماً عنهم، وبدون اختيارهم، ومُحضر اسم مفعول من أحضر. يعني: أُجبر على الحضور والمثول بين يدي الله للحساب.
وفي الآية السابقة وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٣٢] فزادتْ (كل) الدالة على شمول الأفراد، إنما قد يكون شمول الأفراد تتابعاً مجموعة تلوْ الأخرى، لكن هنا يأتون مجموعين ليرى التابع متبوعه، والضال مَنْ أَضلَّه.. الخ؛ لذلك يسمونها الفاضحة.
كأن الحق سبحانه يُطمئِن أهل الإيمان والعمل الصالح، يعني: لا تخافوا من هَوْل القيامة؛ لأننا لا نظلم أحداً، والجزاء عندنا من جنس العمل وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهذه الآية طمأنينة لمن عمل صالحاً، وتخويف لمن عمل سيئاً.
آية رقم ٥٥
قوله تعالى: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الصاحب هو المنتقَى والمختار من جنسك لتصاحبه ولا تفارقه، فكأن الجنة أُخْرِجت مخرج العقلاء الذين يُصاحِبون ويُصَاحَبون، ذلك لأن الجنة كانت في بالهم وفي أذهانهم، فهم متعلقون بها وهي شُغُلهم الشاغل، فَلَهُم صحبة بالجنة، وللجنة صحبة بهم، فكلما أقدموا على خير تذكَّروا الجنة فرغبوا فيه، وكلما أقدموا على شر تذكروا النار فانصرفوا عنه. أو: أن الصاحب هو المالك للشيء، فكأن الجنة مِلْك لهم، ملكوها وحازوا مفاتيحها بما قدَّموا من العمل الصالح.
ومعنى اليَوْمَ أي: يوم القيامة فِي شُغُلٍ أي: نعيم يشغلهم عن أيِّ شيء آخر أو: في شُغُل عن معارفهم وأقاربهم الذين دخلوا النار والعياذ بالله، كما قال سبحانه:
وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً [لقمان: ٣٣] فهم في نعيم يشغلهم عن كل هؤلاء، فكأنهم لا يعرفونهم.
آية رقم ٥٦
قوله تعالى: إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ [يس: ٥٥] الصاحب هو المنتقَى والمختار من جنسك لتصاحبه ولا تفارقه، فكأن الجنة أُخْرِجت مخرج العقلاء الذين يُصاحِبون ويُصَاحَبون، ذلك لأن الجنة كانت في بالهم وفي أذهانهم، فهم متعلقون بها وهي شُغُلهم الشاغل، فَلَهُم صحبة بالجنة، وللجنة صحبة بهم، فكلما أقدموا على خير تذكَّروا الجنة فرغبوا فيه، وكلما أقدموا على شر تذكروا النار فانصرفوا عنه. أو: أن الصاحب هو المالك للشيء، فكأن الجنة مِلْك لهم، ملكوها وحازوا مفاتيحها بما قدَّموا من العمل الصالح.
ومعنى ٱليَوْمَ أي: يوم القيامة فِي شُغُلٍ [يس: ٥٥] أي: نعيم يشغلهم عن أيِّ شيء آخر أو: في شُغُل عن معارفهم وأقاربهم الذين دخلوا النار والعياذ بالله، كما قال سبحانه: وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً [لقمان: ٣٣] فهم في نعيم يشغلهم عن كل هؤلاء، فكأنهم لا يعرفونهم.
فَاكِهُونَ يقال: فَاكِه وفَكِه يعني: متلذذ ومُتنعِّم. ومنها: الفاكهة، فهي ليست من الضروريات إنما من التفكُّه والتلذذ.
وقوله سبحانه: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ [يس: ٥٦] أذكر أنني لما قرأتُ هذه الآية على الإخوان ضرب واحد منهم على صدره - وكان شيخاً وقوراً - ضرب على صدره بعنف وانفعال، وقال: (يا خرابي، يعني فلانة هتجيلي تاني) لأنه رأى في زوجته ما يُنفِّره منها، فتعجب أنها ستصاحبه حتى في الآخرة وفي الجنة، فقلنا له: يا شيخ أنت تكره في زوجتك أشياء لكن لها مع الله أعمال طيبة، تجعلها أهلاً للجنة، فعملها الطيب مع الله يلغي عملها السيىء معك.
وربما كنتَ أنت حادّ المزاج، أو طماعاً وعينُك زائغة؛ لأن الله تعالى قال في الحياة الزوجية: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٢١].
فالحياة الزوجية في بدايتها سَكَن، حيث يسكن كلٌّ منهما إلى الآخر ويرتاح في حضنه، ثم إذا تغيَّرتْ الأوضاع وَزَهد أحدهما في الآخر أو ظهر منه ما يُنفِّر كانت المودة، فإذا ما أصابهما الكِبَر والعجز فليرحم كل منهما عَجْز الآخر، بما جعله الله بينهما من صفة الرحمة، فالحياة الزوجية في هذه الحالة معيشة تراحم قبل كل شيء.
ثم إن هذه الزوجة التي تنقم منها بعض الصفات، وتنفر من تصرفاتها لن تأتي في الآخرة على هذه الصورة التي تكرهها، إنما ستأتي على صورة جديدة كما قال سبحانه: وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ [آل عمران: ١٥] فالله سيطهرها مما كنتَ تأخذه عليها.
ومعنى: فِي ظِلاَلٍ [يس: ٥٦] أي: لا شمسَ هناك، ولا حَرَّ يؤذيهم، والظل معروف ألِفه المكلَّفون في الدنيا، وإليه يفيئون في حَرِّ الشمس، فهو أمر مألوف لهم، أما في الآخرة فهي ظلال يُمتَّعون فيها، أو في ظل الله كما ورد في الحديث الشريف: والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير الذي له حَجَلة (النموسية) أو: هي الوسادة التي يُتكأ عليها.
ومعنى مُتَّكِئُونَ [يس: ٥٦] الاتكاء حالة وهيئة للإنسان، فهو: إمَّا قائم، أو قاعد، أو متكئ، والاتكاء أَمتع هذه الحالات؛ لأن القائم قائم لعمل، والقاعد يقعد لِهَمٍّ يفكُر فيه، فلا هو قادر على القيام للعمل، ولا هو قادر على الاتكاء للراحة، فقوله سبحانه مُتَّكِئُونَ [يس: ٥٦] يعني: تمام الراحة لهم.
ثم يقول سبحانه: لَهُمْ فِيهَا [يس: ٥٧] أي: في الجنة فَاكِهَةٌ [يس: ٥٧] الفاكهة من التفكُّه والتلذذ، وعرفنا أن الطعام يأكله الإنسان إما للاقتيات وهو الضروريات، وإما فاكهة للتلذُّذ والتنعُّم، وهنا يذكر الحق سبحانه الفاكهة فحسب؛ لأننا لا نأكل في الجنة إلا تفكُّهاً وتنعُّماً، لا عن حاجة أو جوع.
وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ [يس: ٥٧] أي: ما يدعون به وما يخطر ببالهم، فيجدوه بين أيديهم، وقال بعضهم (مَا يدَّعُون) يعني: لا يدخر الله لهم دعوة؛ لأنه سبحانه يعطيهم قبل أن يدعوا.
وبعد ذلك يتكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن معنى كان يريده لخَلْقه في الدنيا نتيجة للسير على منهجه وصراطه المستقيم، فيقول سبحانه: سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يس: ٥٨] فثمرة الإسلام أنْ يُسْلِموا زمامهم جميعاً إلى يد خالقهم، وأن يكونوا إخوة عابدين لمعبود واحد، وأن يعيشوا معاً في أمن واطمئنان وسلام.
إذن: فالأمن والسلام هما الغاية من منهج الله، وهما تمام النعمة، وإلا فلو نعِم الإنسانُ بكل ألوان النعيم وفقد نعمة الأمن والسلام لنغَّصَتْ عليه كل النعم، وما هنئ بعيش ولا تمتُّع بلذة؛ لذلك امتن الله تعالى على قريش فقال: ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٤].
السلام يكون منك حين تُقبل على آخر فتقول: السلام عليكم يعني: أنا مقبل عليك بسلام، فيردُّ عليك: وعليكم السلام، والمعنى: لا أنت تؤذينا، ولا نحن نؤذيك، وكُلٌّ يعطَى من السلام على قدر إمكاناته، فإذا كان السلام من الله، فهو السلام المطلق، السلام الذي يحميك من كل جوانبك، فلا ينفذ إليك شيء يضرُّك.
ومعنى: سَلاَمٌ قَوْلاً [يس: ٥٨] يعني: الله تعالى هو قائله ليس مناولةً عن طريق الملائكة مثلاً، فيقول لهم: سلِّموا على فلان، فالمعنى: سلام حالة كونه قَوْلاً من رب رحيم، وليس بلاغاً عن الله من أحد، واختار هنا لفظ الربوبية التي تقتضي أن المربِّي يحب المربَّى، فما بالك إذا وصفتَ الربوبية بالرحمة مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يس: ٥٨]
وبعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن المؤمنين، وما ينتظرهم من النعيم يُحدِّثنا عن المجرمين:
وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا... .
آية رقم ٥٧
ثم يقول سبحانه: لَهُمْ فِيهَا أي: في الجنة فَاكِهَةٌ الفاكهة من التفكُّه والتلذذ، وعرفنا أن الطعام يأكله الإنسان إما للاقتيات وهو الضروريات، وإما فاكهة للتلذُّذ والتنعُّم، وهنا يذكر الحق سبحانه الفاكهة فحسب؛ لأننا لا نأكل في الجنة إلا تفكُّهاً وتنعُّماً، لا عن حاجة أو جوع.
وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ أي: ما يدعون به وما يخطر ببالهم، فيجدوه بين أيديهم، وقال بعضهم (مَا يدَّعُون) يعني: لا يدخر الله لهم دعوة؛ لأنه سبحانه يعطيهم قبل أن يدعوا.
آية رقم ٥٨
وبعد ذلك يتكلم الحق -سبحانه وتعالى- عن معنى كان يريده لخَلْقه في الدنيا نتيجة للسير على منهجه وصراطه المستقيم، فيقول سبحانه: سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ فثمرة الإسلام أنْ يُسْلِموا زمامهم جميعاً إلى يد خالقهم، وأن يكونوا إخوة عابدين لمعبود واحد، وأن يعيشوا معاً في أمن واطمئنان وسلام.
إذن: فالأمن والسلام هما الغاية من منهج الله، وهما تمام النعمة، وإلا فلو نعِم الإنسانُ بكل ألوان النعيم وفقد نعمة الأمن والسلام لنغَّصَتْ عليه كل النعم، وما هنئ بعيش ولا تمتُّع بلذة؛ لذلك امتن الله تعالى على قريش فقال: الَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ [قريش: ٤].
السلام يكون منك حين تُقبل على آخر فتقول: السلام عليكم يعني: أنا مقبل عليك بسلام، فيردُّ عليك: وعليكم السلام، والمعنى: لا أنت تؤذينا، ولا نحن نؤذيك، وكُلٌّ يعطَى من السلام على قدر إمكاناته، فإذا كان السلام من الله، فهو السلام المطلق، السلام الذي يحميك من كل جوانبك، فلا ينفذ إليك شيء يضرُّك.
ومعنى: سَلاَمٌ قَوْلاً يعني: الله تعالى هو قائله ليس مناولةً عن طريق الملائكة مثلاً، فيقول لهم: سلِّموا على فلان، فالمعنى: سلام حالة كونه قَوْلاً من رب رحيم، وليس بلاغاً عن الله من أحد، واختار هنا لفظ الربوبية التي تقتضي أن المربِّي يحب المربَّى، فما بالك إذا وصفتَ الربوبية بالرحمة مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ.
آية رقم ٥٩
معنى: وَٱمْتَازُواْ [يس: ٥٩] أي: تميّزوا أيها المجرمون عن المؤمنين، وانحازوا بعيداً عنهم، تجمعوا في جانب واحد لترواْ دخول المؤمنين الجنة، وتظلوا أنتم في الموقف لتزداد حسرتكم.
وقد اقتضتْ حكمة الله تعالى أنْ يُميز المؤمنين والكافرين بمعنى: أن يُعرف كُلُّ منهم، وذلك في غزوة الحديبية، وقبل أنْ يعودوا إلى المدينة بيَّن الله لهم وجه الحكمة في ذلك والعلة من صلح الحديبية، ولماذا قَبِل رسول الله شروطها. العلة أن بين كفار مكة مؤمنين يكتمون إيمانهم، ولا يعرفهم أحد، فلو دخل المسلمون مكة في هذا الوقت لحدثتْ مصادمات بين الجانبين، وعندها سيُؤْذَى هؤلاء المؤمنون الذين يكتمون إيمانهم، ولا يستطيعون الجهر به، وسيؤخذ العاطل مع الباطل.
لذلك قال سبحانه في هذه القصة من سورة الفتح: هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [الفتح: ٢٥] ومعنى لَوْ تَزَيَّلُواْ [الفتح: ٢٥] يعني: لو تميَّز المؤمنون عن الكافرين.
أو: يكون المعنى: وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ [يس: ٥٩] امتازوا بعلامات تميزكم وتلازمكم دائماً، بحيث لا يكون خجلكم أمامنا الآن فحسب، إنما تكون لكم سمات تُعرَفون بها، وهذه العلامة هي علامة الغضب وسواد الوجه والعياذ بالله. ومن ذلك قوله تعالى في المؤمنين: تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ [البقرة: ٢٧٣].
كأن سائلاً سأل: وهل يستحق الكفار كلَّ هذا العذاب وهذا الغضب من الله تعالى؟ فيجيب الحق سبحانه: نعم، يستحقون؛ لأن الله نبَّههم وحذرهم فلم يستجيبوا، ذلك في قوله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ.
فالحق سبحانه لم يأخذكم على غِرَّة، إنما نبَّهكم وبيَّن لكم مداخل الشيطان وحبائله وحِيلَه...
آية رقم ٦١
وبعد أن نهانا ربنا -تبارك وتعالى- عن عبادة الشيطان يُوجِّهنا إلى العبادة الحقة: وَأَنِ اعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ حين نتأمل هاتين الآيتين نجد أن العلة في النهي عن عبادة الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [يس: ٦٠] كان القياس في الآية بعدها: وأن اعبدوني لأنني حبيبكم...
لكن الحق سبحانه لم يُعلل عبادته سبحانه بالمحبة، إنما اعبدوني لأني أدعوكم إلى الصراط المستقيم النافع لكم المنظِّم لحياتكم، اعبدوني لهذا، أما مسألة المحبة فهي موجودة وأنا أحبكم، فسواء كنتُ أحبك أو لا أحبك كان ينبغي عليك اتباع هذا الصراط المستقيم؛ لأنك المستفيد منه.
آية رقم ٦٢
الجِبلّ: هم القوم الأشداء الأقوياء. وحين ترى مادة (جبل) فاعلم أنها تدُلُّ على القوة والشدة والثبات والفخامة، ومن ذلك سُمِّيَ الجبل لثباته ونقول: فلان جُبل على كذا. يعني: صفة أصيلة فيه، ثابتة في شخصيته، فبَيْنَ هذه الأشياء جامع اشتقاقيّ واحد؛ لذلك نُشبِّه الرجل العاقل بالجبل؛ لأنه ثابت لا تهزه الأحداث.
ومعنى وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ يعني: لستم أول مَنْ أضلَّه إبليس، فقد أضلَّ قبلكم قوماً كثيرين كانوا أقوى منكم، ولعب بهم حتى جعل منهم أداة للضلال، فلم يقف عند حَدِّ ضلالهم هم، إنما ضَلُّوا وأضلُّوا، حتى صاروا جُنْداً من جُنْده كما قلنا...
ثم يُؤنِّب الحق سبحانه هؤلاء العاصين: أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ يعني: أين كانت عقولكم حين انسقتُمْ وراءه، بعد أن حذرناكم منه وبيَّنا لكم مداخله، وحين يردُّك خالقك إلى العقل، ويأمرك بإعماله فاعلم أن نتيجة إعمال العقل موافقة لمراده سبحانه منك، فإنْ أعملتَ عقلك في كَوْن الله وآياته، لا بد أنْ تصل إلى نتيجة مرادة لله تعالى، كذلك أنت لا تأمر مخاطبك بأنْ يُعمل عقله في شيء، إلا إذا كنتَ واثقاً أنَّ نتيجة هذا العمل في صالحك، ووِفْق هواك، ولو كنتَ تعرف أن النتيجة على خلاف ما تريد ما أعطيتَه الفرصة لإعمال عقله.
ومثَّلْنَا لذلك بالبائع الذي يبيع سلعة جيدة، فإنه يدعوك إلى فحصها وتأمُّلها والتأكد من جودتها... أما الغَاشُّ فيحاول إقناعك بكلام نظري معظمه كذب وتدليس، ويحاول أنْ يصرف ذهنك وفكرك في الشيء، لأن النتيجة لن تكون في صالحه.
كذلك الحق -سبحانه وتعالى- يقول: أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ يعنى: لو عقلتم لَتوصلْتُم إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم.
آية رقم ٦٣
هنا أيضاً اعتبر التخويفَ من جهنم وعداً لا وعيداً، وسبق أنْ عرفنا أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر...
وقُلْنا: سَمَّى ذلك وعداً؛ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه يُعَدُّ خيراً؛ لأنك تستطيع تدارك الأمر، وتصحيح الخطأ.
آية رقم ٦٤
هنا أيضاً اعتبر التخويفَ من جهنم وعداً لا وعيداً، وسبق أنْ عرفنا أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر، ومن ذلك قول الشاعر:
يَا دَهْرُ يَا مُنْجِزَ إيعَادِهِ  وَمُخْلِفَ المأْمُولِ مِنْ وَعْدِهِ
وقُلْنا: سَمَّى ذلك وعداً؛ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه يُعَدُّ خيراً؛ لأنك تستطيع تدارك الأمر، وتصحيح الخطأ.
وقوله سبحانه: ٱصْلَوْهَا [يس: ٦٤] ادخلوها، واصْطَلُوا بنارها، واحترقوا بلظَاهَا، ٱلْيَوْمَ [يس: ٦٤] أي: يوم الجزاء اليوم القائم الذي نحن فيه، أما ما قبله فقد مضى ومضتْ معه اللذات التي جاءت بكم إلى النار، ذهبتْ اللذات وبقيتْ تبعتها، ولم يعُد أمامكم إلا النار تحترقون فيها بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [يس: ٦٤] يعني: هذه النار ليست ظُلْماً، إنما جزاء كفركم بنعمة الله، وهذا تقريع لهم؛ لأنهم لم يعرفوا للحق سبحانه نعمه عليهم، ولو عرفوا لله هذه النعمة ما كفروا بها.
لذلك حين تُحسِن إلى إنسان، فيقابل إحسانك بالإساءة يخجل أن يقابلك، ويستطيع أنْ يتحمل منك أيَّ عقاب، إلا أن تواجهه أنت، لماذا؟ لأن حياء المسيء من المحسن أشدُّ عليه من العذاب، فكأن الله تعالى يقول لهؤلاء الكفرة بنعمه: استحيوا من الله، لأنه أنعم عليكم فكفرتم بنعمه، ولو أن عندكم إحساساً لكان تذكيركم بكفركم أشدَّ عليكم من هذه النار التي تَصْلوْنها.
ثم يقول سبحانه واصفاً حالهم، والعياذ بالله: ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥].
قوله: ٱلْيَوْمَ [يس: ٦٥] أي: يوم القيامة والجزاء نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ [يس: ٦٥].
نضرب عليها فلا يستطيعون الكلام، فالأفواه مَنَاط الكلام، وقبل أن يختم الله على أفواههم في الآخرة ختم على قلوبهم في الدنيا، بالأمس ختم اللهُ على القلوب فلا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر، واليوم ختم الله على الأفواه ومنعهم الكلام، حتى لا يعتذرون ولا يستغفرون.
فالمقام هنا مقام حساب لا عمل، فلا جدوى من الاستغفار، ولا فائدة من الاعتذار، بل انتهى أوان الكلام والمنطق، ولم يعُد للسان دَوْر، اليوم تُغْلَق الأفواه وتُقيَّد الألسنة لتنطق الجوارح.
وتأمل بعدها: وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥] القياس كان يقتضي أنْ يقول الحق سبحانه ١٦٤٩; لْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ [يس: ٦٥].
ومثلها: ونُنْطِق أيديهم ونُشهِد أرجلهم، لكن السياق القرآني هنا مختلف، فبعد أنْ يختمَ اللهُ على أفواههم تُكلمنا أيديهم تطوعاً لا أمراً، وتشهد أرجلهم تطوعاً لا أمراً، فلم نقل للأيدي: تكلمي، ولم نقل للأرجل: اشهدي.
وإنما تطوعتْ هذه الجوارح بالشهادة، مع أنها هي نفس الجوارح التي بُوشِرت بها المعاصي والذنوب في الدنيا، ومع ذلك تشهد لا على نفسها، إنما على النفس الواعية التي أخضع اللهُ لها الجوارح، وأمرها أن تسير وِفْق مرادها، ورهْنَ إشارتها في الدنيا.
أما ونحن الآن في الآخرة، وقد تحررتْ الجوارحُ من تبعيتها للنفس الواعية، وأصبح الملْكُ كله والتفويض كله لله تعالى، فالآن تتكلم الجوارحُ بما تريد، وتشهد بما كان أمام الرب الأعلى سبحانه.
وسبق أنْ مثَّلْنَا هذه المسألة بالكتيبة من الجيش يرسلها القائد الأعلى، وعلى الكتيبة أن تطيع أوامر قائدها المباشر، ولو كانت الأوامر خاطئة، إلى أن تعود إلى الأعلى، فتشكو له ما كان من القائد المباشر، هكذا الجوارح يوم القيامة.
فإنْ قلتَ: فلماذا أسند التكلم للأيدي، والشهادة للأرجل؟ نقول: لأن جمهرة الأعمال عادة تُسند إلى الأيدي، حتى لو كان المشي وسيلة العمل، وطالما أن الأيدي تتكلم، فكأنها أصبحتْ مُدَّعية تحتاج إلى شاهد فتشهد الأرجل.
أما مسألة: كيف تنطق الأيدي، فالذي أنطق اللسان وهو قطعة من لحم ودم قادر على أنْ يُنْطِق باقي الأعضاء الأيدي أو غيرها، وما دام الفعلُ لله تعالى فلا داعيَ للسؤال عن الكيفية، ثم إن الأيدي بها من الأعصاب أكثر مما بأعضاء الكلام.
وقوله تعالى: بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥] ولم يقُلْ: بما كانوا يعملون، لأن هناك فرقاً بين إنسان يُقبل على المعصية لكنه لا يفرح بها، بل يندم عليها ويعاقب نفسه على ارتكابها، وآخر يعتبر ارتكاب المعصية مكسباً فيفرح بها، ويتحدث عنها ويتباهى بارتكابها.
ومن حيث التحقيق اللغوي لمادة (كسب)، فإن هذا الفعل يأتي مجرداً (كسب)، ويدل على الربح في البيع والشراء، وعلى العمل يأتي من الإنسان طبيعياً، لا تكلُّفَ فيه ولا افتعال، وغالباً ما يُستخدم في الخير.
ويأتي هذا الفعل مزيداً بالهمزة والتاء (اكتسب)، ويدل على الافتعال والتكلّف، وتُستخدم هذه الصيغة في الإثم، وأوضحنا هذه المسألة فقلنا: إن الإنسان حين يفعل الخير يأتي الفعلُ منه طبيعياً تلقائياً، أما الشر فيتلصص له ويحتال، ذلك لأن الخير هَيِّن ليِّن سهل مقبول، أما الإثم فشَاقٌّ مخجل.
أنت حين تجلس مثلاً بين أهلك ترى زوجك أو بناتك أو عمتك أو خالتك.. الخ وفيهن الجميلات والحسان، وأنت تنظر إليهن جميعاً دون تكلُّف ودون خجل، لأنه أمر طبيعي، أنا مع غير المحارم ومع مَنْ يحرم عليك النظر إليهن، فإنك تسرق النظرة وتحتال لها، حتى لا ينكشف أمرك، ولا يطلع أحد على نقيصتك.
فإذا جاءت كسب محل اكتسب، فاعلم أن صاحب المعصية ومرتكب الإثم قد تعوَّد عليه وألِفه، حتى أنه يفعله كأمر طبيعي فلا يخفيه ولا يستحي منه، بل يجاهر به، فَعَدّ الاكتساب في حقه كسباً، كما في هذه الآية:
وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥].
هنا أيضاً اعتبر التخويفَ من جهنم وعداً لا وعيداً، وسبق أنْ عرفنا أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر، ومن ذلك قول الشاعر:
يَا دَهْرُ يَا مُنْجِزَ إيعَادِهِ  وَمُخْلِفَ المأْمُولِ مِنْ وَعْدِهِ
وقُلْنا: سَمَّى ذلك وعداً؛ لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه يُعَدُّ خيراً؛ لأنك تستطيع تدارك الأمر، وتصحيح الخطأ.
وقوله سبحانه: ٱصْلَوْهَا [يس: ٦٤] ادخلوها، واصْطَلُوا بنارها، واحترقوا بلظَاهَا، ٱلْيَوْمَ [يس: ٦٤] أي: يوم الجزاء اليوم القائم الذي نحن فيه، أما ما قبله فقد مضى ومضتْ معه اللذات التي جاءت بكم إلى النار، ذهبتْ اللذات وبقيتْ تبعتها، ولم يعُد أمامكم إلا النار تحترقون فيها بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [يس: ٦٤] يعني: هذه النار ليست ظُلْماً، إنما جزاء كفركم بنعمة الله، وهذا تقريع لهم؛ لأنهم لم يعرفوا للحق سبحانه نعمه عليهم، ولو عرفوا لله هذه النعمة ما كفروا بها.
لذلك حين تُحسِن إلى إنسان، فيقابل إحسانك بالإساءة يخجل أن يقابلك، ويستطيع أنْ يتحمل منك أيَّ عقاب، إلا أن تواجهه أنت، لماذا؟ لأن حياء المسيء من المحسن أشدُّ عليه من العذاب، فكأن الله تعالى يقول لهؤلاء الكفرة بنعمه: استحيوا من الله، لأنه أنعم عليكم فكفرتم بنعمه، ولو أن عندكم إحساساً لكان تذكيركم بكفركم أشدَّ عليكم من هذه النار التي تَصْلوْنها.
ثم يقول سبحانه واصفاً حالهم، والعياذ بالله: ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥].
قوله: ٱلْيَوْمَ [يس: ٦٥] أي: يوم القيامة والجزاء نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ [يس: ٦٥].
نضرب عليها فلا يستطيعون الكلام، فالأفواه مَنَاط الكلام، وقبل أن يختم الله على أفواههم في الآخرة ختم على قلوبهم في الدنيا، بالأمس ختم اللهُ على القلوب فلا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر، واليوم ختم الله على الأفواه ومنعهم الكلام، حتى لا يعتذرون ولا يستغفرون.
فالمقام هنا مقام حساب لا عمل، فلا جدوى من الاستغفار، ولا فائدة من الاعتذار، بل انتهى أوان الكلام والمنطق، ولم يعُد للسان دَوْر، اليوم تُغْلَق الأفواه وتُقيَّد الألسنة لتنطق الجوارح.
وتأمل بعدها: وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥] القياس كان يقتضي أنْ يقول الحق سبحانه ١٦٤٩; لْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ [يس: ٦٥].
ومثلها: ونُنْطِق أيديهم ونُشهِد أرجلهم، لكن السياق القرآني هنا مختلف، فبعد أنْ يختمَ اللهُ على أفواههم تُكلمنا أيديهم تطوعاً لا أمراً، وتشهد أرجلهم تطوعاً لا أمراً، فلم نقل للأيدي: تكلمي، ولم نقل للأرجل: اشهدي.
وإنما تطوعتْ هذه الجوارح بالشهادة، مع أنها هي نفس الجوارح التي بُوشِرت بها المعاصي والذنوب في الدنيا، ومع ذلك تشهد لا على نفسها، إنما على النفس الواعية التي أخضع اللهُ لها الجوارح، وأمرها أن تسير وِفْق مرادها، ورهْنَ إشارتها في الدنيا.
أما ونحن الآن في الآخرة، وقد تحررتْ الجوارحُ من تبعيتها للنفس الواعية، وأصبح الملْكُ كله والتفويض كله لله تعالى، فالآن تتكلم الجوارحُ بما تريد، وتشهد بما كان أمام الرب الأعلى سبحانه.
وسبق أنْ مثَّلْنَا هذه المسألة بالكتيبة من الجيش يرسلها القائد الأعلى، وعلى الكتيبة أن تطيع أوامر قائدها المباشر، ولو كانت الأوامر خاطئة، إلى أن تعود إلى الأعلى، فتشكو له ما كان من القائد المباشر، هكذا الجوارح يوم القيامة.
فإنْ قلتَ: فلماذا أسند التكلم للأيدي، والشهادة للأرجل؟ نقول: لأن جمهرة الأعمال عادة تُسند إلى الأيدي، حتى لو كان المشي وسيلة العمل، وطالما أن الأيدي تتكلم، فكأنها أصبحتْ مُدَّعية تحتاج إلى شاهد فتشهد الأرجل.
أما مسألة: كيف تنطق الأيدي، فالذي أنطق اللسان وهو قطعة من لحم ودم قادر على أنْ يُنْطِق باقي الأعضاء الأيدي أو غيرها، وما دام الفعلُ لله تعالى فلا داعيَ للسؤال عن الكيفية، ثم إن الأيدي بها من الأعصاب أكثر مما بأعضاء الكلام.
وقوله تعالى: بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥] ولم يقُلْ: بما كانوا يعملون، لأن هناك فرقاً بين إنسان يُقبل على المعصية لكنه لا يفرح بها، بل يندم عليها ويعاقب نفسه على ارتكابها، وآخر يعتبر ارتكاب المعصية مكسباً فيفرح بها، ويتحدث عنها ويتباهى بارتكابها.
ومن حيث التحقيق اللغوي لمادة (كسب)، فإن هذا الفعل يأتي مجرداً (كسب)، ويدل على الربح في البيع والشراء، وعلى العمل يأتي من الإنسان طبيعياً، لا تكلُّفَ فيه ولا افتعال، وغالباً ما يُستخدم في الخير.
ويأتي هذا الفعل مزيداً بالهمزة والتاء (اكتسب)، ويدل على الافتعال والتكلّف، وتُستخدم هذه الصيغة في الإثم، وأوضحنا هذه المسألة فقلنا: إن الإنسان حين يفعل الخير يأتي الفعلُ منه طبيعياً تلقائياً، أما الشر فيتلصص له ويحتال، ذلك لأن الخير هَيِّن ليِّن سهل مقبول، أما الإثم فشَاقٌّ مخجل.
أنت حين تجلس مثلاً بين أهلك ترى زوجك أو بناتك أو عمتك أو خالتك.. الخ وفيهن الجميلات والحسان، وأنت تنظر إليهن جميعاً دون تكلُّف ودون خجل، لأنه أمر طبيعي، أنا مع غير المحارم ومع مَنْ يحرم عليك النظر إليهن، فإنك تسرق النظرة وتحتال لها، حتى لا ينكشف أمرك، ولا يطلع أحد على نقيصتك.
فإذا جاءت كسب محل اكتسب، فاعلم أن صاحب المعصية ومرتكب الإثم قد تعوَّد عليه وألِفه، حتى أنه يفعله كأمر طبيعي فلا يخفيه ولا يستحي منه، بل يجاهر به، فَعَدّ الاكتساب في حقه كسباً، كما في هذه الآية:
وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥].
آية رقم ٦٦
يعني: كما ختمنا على أفواههم ومنعناهم الكلام لو شِئْنا لطمسنا أعينهم يعني: أغلقناها وسوَّيناها، بحيث لا يظهر لها أثر في وجوههم، وإذا طمسنا على أعينهم فقدوا البصر، فكيف يبصرون وهم يسابقون إلى الصراط؟
لقائل أنْ يقول: إذا فقدوا البصر على الصراط، فقد تكون لهم بدائل وحيل تُسعفهم، كأن يتحسس طريقه بعصا مثلاً، أو يجد مَنْ يأخذ بيده ويرشده، فالحق سبحانه وتعالى يُطوِّقهم من كل نواحيهم، ويقطع أملهم في النجاة، فيقول: وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ [يس: ٦٧].
فالأمر لا ينتهي عند العمى والطمس على الأعين، إنما هناك ما هو أشد، أنْ يمسخهم في أماكنهم ويجمدهم فيها، فلا يستطيعون حراكاً.
والمسخ أنْ يصيروا كالمساخيط لا يتحرك، أو مسخناهم يعني: حوَّلنا صورهم إلى صور قبيحة، إذلالاً وإهانة لهم.
والمعنى الأول أوجه، لأنه تعالى قال بعدها: فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ [يس: ٦٧].
لأنهم تجمدوا في أماكنهم، فلا حركة لهم لا إلى الأمام بالمضيِّ فى الطريق الجديد الذي هم مُقبلون عليه، ولا حتى العودة في الطريق الذي جاءوا منه وألِفُوه.
يعني: كما ختمنا على أفواههم ومنعناهم الكلام لو شِئْنا لطمسنا أعينهم يعني: أغلقناها وسوَّيناها، بحيث لا يظهر لها أثر في وجوههم، وإذا طمسنا على أعينهم فقدوا البصر، فكيف يبصرون وهم يسابقون إلى الصراط؟
لقائل أنْ يقول: إذا فقدوا البصر على الصراط، فقد تكون لهم بدائل وحيل تُسعفهم، كأن يتحسس طريقه بعصا مثلاً، أو يجد مَنْ يأخذ بيده ويرشده، فالحق سبحانه وتعالى يُطوِّقهم من كل نواحيهم، ويقطع أملهم في النجاة، فيقول: وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ [يس: ٦٧].
فالأمر لا ينتهي عند العمى والطمس على الأعين، إنما هناك ما هو أشد، أنْ يمسخهم في أماكنهم ويجمدهم فيها، فلا يستطيعون حراكاً.
والمسخ أنْ يصيروا كالمساخيط لا يتحرك، أو مسخناهم يعني: حوَّلنا صورهم إلى صور قبيحة، إذلالاً وإهانة لهم.
والمعنى الأول أوجه، لأنه تعالى قال بعدها: فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ [يس: ٦٧].
لأنهم تجمدوا في أماكنهم، فلا حركة لهم لا إلى الأمام بالمضيِّ فى الطريق الجديد الذي هم مُقبلون عليه، ولا حتى العودة في الطريق الذي جاءوا منه وألِفُوه.
آية رقم ٦٨
الحق سبحانه قد أعذر بأنه أنذر، وأعذر لأنه قال لهم لا تعبدوا الشيطان وبيَّن عداوته، وقال: اعبدوني واسلكوا صراطي المستقيم، إذن: ليس لهم عذر حين كفروا بالله وأطاعوا الشيطان وعبدوه، لكنهم قد يعتذرون من ناحية أخرى فيقولون: يا رب أنت أخذتنا ولو عشْنا لاهتدينَا وعُدْنا إلى الصراط المستقيم، فيرد الله عليهم: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ.. [فاطر: ٣٧].
يعني: قد عمَّرناكم عمراً طويلاً يكفي للتذكُّر والعودة فلم تعودوا، ثم إن التعمير يُورِث الضعف والوَهَن وعدم القدرة، فأنت أول الحياة عندك فتوة وقوة ونشاط بدني وذهني، لكن مع الكِبَر تضعف البنية، وتقِلُّ القوة العضلية والعقلية، ويعود الإنسان إلى الضعف الذي بدأ به وهو طفل صغير، وكما قال تعالى: لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً.. [النحل: ٧٠].
فإذا كنتم لم تعودوا ولم ترعووا في فترة القوة وسلامة العقل والتفكير، أتعودون في فترة الهَرم والضعف والنسيان؟
لذلك يقول هنا الحق سبحانه: وَمَن نُّعَمِّرْهُ [يس: ٦٨] نطيل عمره ونَمُد له فيه نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ [يس: ٦٧] الانتكاس: العودة إلى الوراء، والرجوع إلى ما كنتَ عليه أولاً، فَطُول العمر يعود بالإنسان إلى مرحلة الطفولة الأولى، فهو نكسة في حقه حين يصير شيخاً هرماً لا يستطيع الحراك ولا الكلام، وتأخذ ذاكرتُه في الضعف فينسى ويخرف، فهو كالطفل تماماً يحتاج مَنْ يحمله ويُطعمه ويُزيل عنه الأذى.. الخ، فهل في هذه الحال عودة؟ وهل ينفع معها تفكُّر وتدبُّر؟
أَفَلاَ يَعْقِلُونَ [يس: ٦٨] يعني: أين عقولكم في هذه المسألة، والحق سبحانه يسوقها بأسلوب الاستفهام، ولا يأتي بها على سبيل الإخبار ليجيبوا هم ويُقِرُّوا على أنفسهم بعدم التعقُّل.
نلحظ هنا نقلة في سياق هذه الآيات، فما العلاقة التي نقلتنا من الكلام عن الآخرة وجزاء الكافرين المجرمين إلى الحديث عن سيدنا رسول الله؟
نعرف أن المقاصد الأصلية للتديُّن هي أولاً: توحيد الله، ومعنى التوحيد لله تعالى أن تشهد أنه واحد أحد، ولكل من الوصفين معنى لا يؤديه الآخر، فلكل منهما (ما صدق)، فمعنى (واحد) أي: من حيث الوجود هو واحد لا فرد آخر معه.
أمَّا أحد فيعني أنه في ذاته سبحانه ليس مُكوَّناً من أجزاء، فالإله أحَد في ذاته، لم تجتمع عدة أشياء في تكوينه، ذاته لا ترتكن إلى شيء، فمثلاً حين تأخذ الشيء الواحد كالكرسي مثلاً، الكرسي في وجوده كرسي واحد، لكنه ليس واحداً، لأنه مُكوَّن من عدة أشياء، مُكوَّن من الخشب والمسامير والغِراء و (البوية).. الخ فهو واحد ليس أحداً، أما الحق سبحانه فلاَ بُدَّ أنْ يُوصفَ بالوصفين معاً، فنقول: هو سبحانه واحد أحد؛ لأن لكل منهما معنىً.
ومسألة الواحدية مسألة عملية عقلية؛ لأن الله تعالى أعلن أنه الإله الحق، وأنه واحد لا شريك له، وأنه هو الخالق وحده، وهو الرازق، وهو الذي يستحق وحده أن يُعبدَ، هذه دعوى لم يَقُمْ لها معارض، والدعوى تثبت لصاحبها إلى أنْ يدَّعيها آخر، ونحن لم نَرَ أحداً ادَّعى الخَلْق لنفسه.
فلو كان معه سبحانه إله آخر أو آلهة أخرى فأين هم؟ لماذا لم يطالبوا بحقهم في هذه المسألة؟ أو أنهم سكتوا عنها أو لم يَدْرُوا بها؟ وعلى أيِّ حال من هذه الأحوال لا يصلحون لأَنْ يكونوا آلهة؛ لذلك يناقش القرآنُ هذه المسألة بكلام منطقي: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
إذن: فالتوحيد هو الأساس الأصيل للدين، لكن لا أعرف بالعقل مطلوبَ الإله مني، لا بُدَّ أن يُبعَث لي رسول يخاطبني بمطلوب ربي مني، إذن: لا بُدَّ من رسول. وهذا هو المقصد الثاني للدين. وخطاب الحق للخَلْق طاقة كمال مطلق والبشر نقص مطلق؛ لذلك لا بُدَّ في هذا الخطاب من واسطة تستطيع التلقِّي عن هذا الكمال المطلق، وتستطيع التبليغ إلى الأقل كمالاً، وهكذا تتدرج المسألة، فالله تعالى يخاطب الملائكة، والملائكة تخاطب الرسل، والرسل يخاطبون الناس.
فلا بُدَّ من (الرسالة) وهي المقصد الثاني للدين، والرسول هو الواسطة بين الخالق والخَلْق، والرسول ليس مُبلِّغاً فحسب، إنما مُبلِّغ وأُسْوة سلوك وتطبيق، كما قال سبحانه: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] ولو كان الرسول مَلَكاً لما تحققتْ به الأسوة، ولا يمكن أنْ أُحمل على مطلوب الرسول إلا إذا كان الرسول من جنسي.
لذلك يقول تعالى موضحاً هذه القضية: وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٤] فيأتي الرد (قُلْ) أي رداً عليهم: لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٥].
إذن: كيف نُنزل مَلَكاً لبشر؟ لو نزل المَلكُ على طبيعته النورانية ما رآه البشر، ولا بُدَّ أن يأتيهم في صورة بشرية، لظلَّتْ الشبهة قائمة: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩].
فلا بد - إذن - من وسائط هي أشبه ما تكون بـ (الترانس) في عالم الكهرباء، وهو أداة تأخذ من القوى وتعطى للضعيف دون أن تحرقه.
العنصر الثالث للدين هو الحشر؛ لأن الرسالة جاءتْ لتحمل المنهج: افعل كذا ولا تفعل كذا، هذا المنهج من الناس مَنْ سيسير عليه فيفعل ما أمر به وينتهي عما نُهي عنه، ومنهم مَنْ سينصرف عنه بل ويخالفه، إذن: لا بُدَّ من مَرَدٍّ يُثَاب فيه المطيع، ويُعاقَب فيه المخالف، هذا المردُّ هو الحشر.
فالحق سبحانه تكلم عن التوحيد في قوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [يس: ٦٠-٦١] وتكلم عن الحشر في قوله سبحانه: هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [يس: ٦٣-٦٤].
والآن يتكلم عن العنصر الثاني وهو الرسالة فنقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ [يس: ٦٩] أي: نحن لا المجتمع ولا البيئة التي يعيش فيها؛ لذلك كانت الأمية في رسول الله شرفاً؛ لأنه لو لم يكُنْ أمياً لكانت ثقافته من الخَلْق.
أمَّا أميته فتعني أنه أخذ ثقافته وعلمه من الله؛ لذلك كان من شرفه صلى الله عليه وسلم أن يكونَ أمياً، ومن شرف أمته أنْ تكون أمية، لأنها لو كانت أمة متعلمة لقيل إن ما حدث في الجزيرة العربية ما هو إلا قفزة حضارية، كما قالوا: لَمّا نصرنا الله في حرب رمضان ورأينا بأعيننا تأييد الله لنا، ومع ذلك قالوا: نَصْر حضاري.
فالحق سبحانه يقرر هذه الحقيقة: وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ [يس: ٦٩] لَكُنَّا علمناه غير الشعر، فرسول الله مُعلَّم نعم، لكن مُعلَّم مِنْ مَنْ؟ من ربه، لم يأخذ شيئاً من البشر.
وقد يُظَنُّ أن الله لم يُعلِّمه الشعر؛ لأن الشعر يحتاج إلى ثقافة لغوية وعِلْم بالأوزان والقوافي، ولا بُدَّ له من الحِسِّ المرهف والأذن الموسيقية إلى آخر هذه الأدوات التي يحتاجها الشاعر وربما لم تتوفر هذه الأدوات لرسول الله كما أنها لم تتوفر لكثيرين غيره.
فيرد الله تعالى هذا الظن، ويقول: وَمَا يَنبَغِي لَهُ [يس: ٦٩] يعني: لم نُعلمه الشعر لنقصٍ في إمكانياته، فلو أراد أنْ يقول شعراً لَقَالَ الشعر على أحسن مَا يُقَال، لكن لا ينبغي له ذلك؛ لأن مهمة الرسول خلاف مهمة الشاعر، فأغلب الشعر في الكذب وفي الشر، فإذا دخل في الخير ضَعُفَ ولاَنَ، ذلك لأن طبيعة الشعر أن ينطلق ويُحلِّق في الخيال، وأن يقول الشاعر ما يحلو له أياً كانت غايته؛ لذلك قالوا: أعذب الشعر أكذبه.
وكثيراً ما نرى الشعراء أصحاب القيم والأخرق يصعب عليهم الجمع بين مطلوب الإيمان منهم، وما تدعوهم إليه مَلَكة الشعر عندهم، فلا يملكون إلا أنْ يحصروا أنفسهم في شعر القيم والأخلاق والفضائل، ويبتعدوا عن شعر الهجاء والغزل.
والشاعر المهجري الذي عُرِف عنه التقوى والصلاح، فحاول أنْ يجمع بين هذه التقوى والموهبة الشعرية لديه فقال:
مَوْلاَي إنِّي قَدْ عَصَيْتُكَ عَامِداً  لأَرَاكَ أَجْمَلَ مَا تكُونُ غَفُوراً
وَلَقَدْ جَنَيْتُ مِنَ الذُّنُوبِ كِبَارَهَا ضَنّاً بِعَفْوِكَ أنْ يكُونَ صَغِيراً

فأجاد في الأولى، ولم يُوفَّق في الثانية.
وسيدنا حسان بن ثابت، كان شاعراً مجيداً في الجاهلية، فلما أسلم قالوا له: لاَنَ شعرك يا أبا الحسام. فقال: الشعر نكِد يَقْوى في الشر، فإذا دخل في الخير ضعُفَ ولاَنَ.
فقوله تعالى: وَمَا يَنبَغِي لَهُ [يس: ٦٩] دفع عن رسول الله الاتهام بأن طبيعته ليست شاعرية، أو أنه غير مُرْهف الحس، وأن أذنه غير موسيقية، إلى آخر هذا الهراء، وكيف يُتَّهم بهذا مَنْ علَّمه الله، وباشرتْ أذنه الوحي؟
أما القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنشد الشعر، نعم أنشد رسول الله الشعر، لكن لم ينشده مستقيماً، بل خالف فيه حتى لا يظلَّ البيتُ على استقامة وزنه، فلما أنشد:
سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً  وَيأْتِيكَ مَنْ لَم تُزوِّدِ بِالأَخْبَارِ
وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أصدق كلمة قالها لبيد:
أَلاَ كُلُّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ  وَكُلُّ نَعيمٍ زائِلٌ لاَ مَحَالَةَ

والصواب:

أَلاَ كُلُّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلٌ  وَكُلُّ نَعيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ
إذن: كان سيدنا رسول الله يكسر وزن البيْت، حتى لا يقال إنه أنشد الشعر، مع أن الله تعالى قال: وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ [يس: ٦٩] لكن لم يَنْه رسول الله عن إنشاده، فكأن رسول الله يحتاط للأمر، فيقول ولا أنشده أيضاً، ليكون بعيداً عنه كلية.
هذا عن الإنشاد، أما عن قوله الشعر بنفسه، فيرى البعض أنه صلى الله عليه وسلم قال شعراً مثل قوله في غزوة حنين:
أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِب  أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطَّلِبِِ
نعم جاء هذا القول من رسول الله موافقاً لوزن شعريٍّ يسمونه الرَّجز، فهو قول صادف وزناً شعرياً وفرْق بين نَظْم الكلام وإخضاعه للوزن والقافية، وبين كلام يصادف وزناً دون قصد، وإلا ففي القرآن نفسه آيات صادفت وزناً شعرياً، فهل نقول إنها شعر؟ واقرأ مثلاً: لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ.. [آل عمران: ٩٢]. فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: ٣٢]. نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [الحجر: ٤٩].
هذه وغيرها آيات صادفت وزناً شعرياً، لكنها لا تُسمَّى شعراً؛ لأن الشعر قول موزون مُقفَّى قصداً.
الحق سبحانه حكى عن رسوله أن الكفار اتهموه فقالوا: ساحر وشاعر وقالوا: كاهن، لكن القرآن رَدَّ عليهم في مسألة الشعر، ونفى أن يقول الرسول شعراً: وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ [يس: ٦٩] ولم يَنْفِ عنه السحر ولا الكهانة، لماذا؟
قالوا: لأن مهمة رسول الله بلاغ القرآن عن الله، والقرآن من جنس الأساليب الراقية، وأقرب شيء إليه الشعر لذلك نفاه القرآن، أما السحر فطلاسم وكلام لا معنى له، فلم يَقُلْ: وما علمناه السحر.
ولو أن لهذه الكلمة مدلولاً لكان الرد عليها سهلاً، فإذا كان محمداً ساحراً سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً، إذن: تكذيبكم له وكفركم به أدَلُّ شيء على أنه ليس ساحراً، وهل للمسحور إرادة مع الساحر.
وفي قولهم كاهن ردٌّ عليهم: وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ [الحاقة: ٤٢] لأن قَوْلَ الكاهن كلام مسجوع سَجْعاً بارداً، والقرآن خلاف هذا كله، ثم إنكم أهل فصاحة وبيان، وأنتم أعلم الناس بالأساليب والتمييز بينها، فهل يخفى عليكم أنْ تفرقوا بين القرآن وغيره من الكلام وأنتم أمة كلام، وتجعلون للكلمة أسواقاً ومعارض؟
ثم يُبيِّن الحق سبحانه العلة في عدم قول الرسول للشعر، فيقول سبحانه: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ [يس: ٦٩] إن هنا بمعنى ما النافية. يعني: ما هذا القرآن إلا تذكير لمن يعقل وقرآن مبين. أي: بيِّن واضح يُتلَى، وقد يكون له نَغَم ألذّ في أذن الوَرع من الشعر، لذلك بعض الناس يسمع القرآن فتأخذه نشوة وإعجاب، ولو سألته تجده لا يعرف ما يحدث له، لماذا؟
قالوا: لأن الذي يتكلم الله، والذي يسمع خلق الله، فالله تعالى يتكلم بالكلام الذي يؤثر ويستميل المخلوق لله الذي ما يزال على فطرته التي فطر الناس عليها، فإنْ خرج عن هذه الفطرة لم يؤثر فيه القرآن هذا التأثير، ذلك لأن القرآن واحد أمَّا الفطرة المستقبلة فتختلف.
والحق سبحانه يشرح لنا هذه المسألة في قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً [محمد: ١٦] فأمره الله أنْ يردّ عليهم: قُلْ هُوَ [فصلت: ٤٤] أي: القرآن لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت: ٤٤].
ذلك لأن فاعلَ الشيء غير قابله، وسبق أن مثَّلْنا لذلك بكوب الشاي الساخن تنفخ فيه ليبرد، وفي الشتاء تنفخ في يديك لتُدفئها، فالنفخة واحدة، لكن المستقبل لها مختلف، كذلك حال الناس في تلقِّى القرآن، فمَنْ تلقى كلام الله بفطرة سليمة فهمه وتأثر به، ومَنْ تلقى كلام الله وهو منشغل عنه أُغْلِق عليه، فلم يفهم عن الله ولم يتأثر بكلامه.
لذلك نرى بعض الناس من غير العرب لا ينطق بكلمة عربية، لكنه ساعة يسمع أو يقرأ كلام الله تجد له انفعالَ مواجيد، وتدمع عيناه، لماذا؟ لا بد أن شيئاً في تكوينه تأثر بهذا الأسلوب.
وإذا كان الحق سبحانه أوحى إلى الجماد فانفعل لكلامه، وأوحى إلى الحيوان ففهم عنه، فمن باب أَوْلَى يكلم الإنسان العاقل بكلام يصادف طبيعته ويؤثر فيه، فيتأثر وينفعل.
ثم يقول سبحانه مبيِّناً مهمة هذا الذِّكْر وهذا القرآن المبين: لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً [يس: ٧٠] نعم، سماهم أحياء وخطابك لهم دليل على أنهم أحياء، لكن أحياء الحياة المادية التي تنتهي بالموت، إنما هناك حياة أخرى بالعقل والفكر وبالقيم الروحية، وهذه لا يظهر أثرها إلا بعد الموت.
والناس جميعاً يشتركون في الحياة المادية؛ لذلك يُسمَّى العنصر الذي يدخل على الحياة المادية لتأخذ طابع الحياة الروحية (الروح)، فالروح روح من أمره سبحانه، وبعد أنْ يعطيه الروح التي تحيا بها المادة يعطيه الروح التي تحيا بها القيم، وحياة القيم قُلْنا: إنها ترتقي بك لتعطيك قيمة في الآخرة، وقد تعطيك في الدنيا راحة البال واستقامة واستقراراً، لكن تظل الحياة الحقيقية في الآخرة.
فإذا شاء الله أُعْطِي الإنسانُ حياةً موصولة كما أعطي سيدنا يحيى، فلما دعا سيدنا زكريا ربه قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٤-٦].
فأجابه الله: يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً [مريم: ٧].
إذن: بشَّره الله بالغلام، وسمَّاه اسماً يدل على أنه سيعطيه حياة موصولة؛ فحين تسمى ولدك ذكي مثلاً تفاؤلاً أن يكون ذكياً، أو نبيل تفاؤلاً أن يكون نبيلاً، لكن أتملك أنْ تحقق رغبتك هذه.

لذلك قال الشاعر:

وَسَمَّيْتُهُ يَحْيَى لِيحيَاْ فَلَمْ يَكُنْ  لِرَدِّ قَضَاءِ اللهِ فِيهِ سَبِيلُ
نعم، أنت سميتَ، لكنك لا تهب الحياة، واهبُ الحياة هو الله، فإذا سَمَّى الله يحيى فلا بُدَّ أن يحيا حياة موصولة؛ لذلك مات سيدنا يحيى شهيداً، لتتصل حياته الدنيا بحياة الآخرة، وليحقق فيه ما أراده الله.
ومعنى: وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ [يس: ٧٠] أي: يستحق لهم العذاب؛ لأنهم لم ينتفعوا بالإنذار.
ثم يتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن بعض آياته في الكون:
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ... .
آية رقم ٧٠
نلحظ هنا نقلة في سياق هذه الآيات، فما العلاقة التي نقلتنا من الكلام عن الآخرة وجزاء الكافرين المجرمين إلى الحديث عن سيدنا رسول الله؟
نعرف أن المقاصد الأصلية للتديُّن هي أولاً: توحيد الله، ومعنى التوحيد لله تعالى أن تشهد أنه واحد أحد، ولكل من الوصفين معنى لا يؤديه الآخر، فلكل منهما (ما صدق)، فمعنى (واحد) أي: من حيث الوجود هو واحد لا فرد آخر معه.
أمَّا أحد فيعني أنه في ذاته سبحانه ليس مُكوَّناً من أجزاء، فالإله أحَد في ذاته، لم تجتمع عدة أشياء في تكوينه، ذاته لا ترتكن إلى شيء، فمثلاً حين تأخذ الشيء الواحد كالكرسي مثلاً، الكرسي في وجوده كرسي واحد، لكنه ليس واحداً، لأنه مُكوَّن من عدة أشياء، مُكوَّن من الخشب والمسامير والغِراء و (البوية).. الخ فهو واحد ليس أحداً، أما الحق سبحانه فلاَ بُدَّ أنْ يُوصفَ بالوصفين معاً، فنقول: هو سبحانه واحد أحد؛ لأن لكل منهما معنىً.
ومسألة الواحدية مسألة عملية عقلية؛ لأن الله تعالى أعلن أنه الإله الحق، وأنه واحد لا شريك له، وأنه هو الخالق وحده، وهو الرازق، وهو الذي يستحق وحده أن يُعبدَ، هذه دعوى لم يَقُمْ لها معارض، والدعوى تثبت لصاحبها إلى أنْ يدَّعيها آخر، ونحن لم نَرَ أحداً ادَّعى الخَلْق لنفسه.
فلو كان معه سبحانه إله آخر أو آلهة أخرى فأين هم؟ لماذا لم يطالبوا بحقهم في هذه المسألة؟ أو أنهم سكتوا عنها أو لم يَدْرُوا بها؟ وعلى أيِّ حال من هذه الأحوال لا يصلحون لأَنْ يكونوا آلهة؛ لذلك يناقش القرآنُ هذه المسألة بكلام منطقي: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
إذن: فالتوحيد هو الأساس الأصيل للدين، لكن لا أعرف بالعقل مطلوبَ الإله مني، لا بُدَّ أن يُبعَث لي رسول يخاطبني بمطلوب ربي مني، إذن: لا بُدَّ من رسول. وهذا هو المقصد الثاني للدين. وخطاب الحق للخَلْق طاقة كمال مطلق والبشر نقص مطلق؛ لذلك لا بُدَّ في هذا الخطاب من واسطة تستطيع التلقِّي عن هذا الكمال المطلق، وتستطيع التبليغ إلى الأقل كمالاً، وهكذا تتدرج المسألة، فالله تعالى يخاطب الملائكة، والملائكة تخاطب الرسل، والرسل يخاطبون الناس.
فلا بُدَّ من (الرسالة) وهي المقصد الثاني للدين، والرسول هو الواسطة بين الخالق والخَلْق، والرسول ليس مُبلِّغاً فحسب، إنما مُبلِّغ وأُسْوة سلوك وتطبيق، كما قال سبحانه: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] ولو كان الرسول مَلَكاً لما تحققتْ به الأسوة، ولا يمكن أنْ أُحمل على مطلوب الرسول إلا إذا كان الرسول من جنسي.
لذلك يقول تعالى موضحاً هذه القضية: وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٤] فيأتي الرد (قُلْ) أي رداً عليهم: لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٥].
إذن: كيف نُنزل مَلَكاً لبشر؟ لو نزل المَلكُ على طبيعته النورانية ما رآه البشر، ولا بُدَّ أن يأتيهم في صورة بشرية، لظلَّتْ الشبهة قائمة: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩].
فلا بد - إذن - من وسائط هي أشبه ما تكون بـ (الترانس) في عالم الكهرباء، وهو أداة تأخذ من القوى وتعطى للضعيف دون أن تحرقه.
العنصر الثالث للدين هو الحشر؛ لأن الرسالة جاءتْ لتحمل المنهج: افعل كذا ولا تفعل كذا، هذا المنهج من الناس مَنْ سيسير عليه فيفعل ما أمر به وينتهي عما نُهي عنه، ومنهم مَنْ سينصرف عنه بل ويخالفه، إذن: لا بُدَّ من مَرَدٍّ يُثَاب فيه المطيع، ويُعاقَب فيه المخالف، هذا المردُّ هو الحشر.
فالحق سبحانه تكلم عن التوحيد في قوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [يس: ٦٠-٦١] وتكلم عن الحشر في قوله سبحانه: هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [يس: ٦٣-٦٤].
والآن يتكلم عن العنصر الثاني وهو الرسالة فنقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ [يس: ٦٩] أي: نحن لا المجتمع ولا البيئة التي يعيش فيها؛ لذلك كانت الأمية في رسول الله شرفاً؛ لأنه لو لم يكُنْ أمياً لكانت ثقافته من الخَلْق.
أمَّا أميته فتعني أنه أخذ ثقافته وعلمه من الله؛ لذلك كان من شرفه صلى الله عليه وسلم أن يكونَ أمياً، ومن شرف أمته أنْ تكون أمية، لأنها لو كانت أمة متعلمة لقيل إن ما حدث في الجزيرة العربية ما هو إلا قفزة حضارية، كما قالوا: لَمّا نصرنا الله في حرب رمضان ورأينا بأعيننا تأييد الله لنا، ومع ذلك قالوا: نَصْر حضاري.
فالحق سبحانه يقرر هذه الحقيقة: وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ [يس: ٦٩] لَكُنَّا علمناه غير الشعر، فرسول الله مُعلَّم نعم، لكن مُعلَّم مِنْ مَنْ؟ من ربه، لم يأخذ شيئاً من البشر.
وقد يُظَنُّ أن الله لم يُعلِّمه الشعر؛ لأن الشعر يحتاج إلى ثقافة لغوية وعِلْم بالأوزان والقوافي، ولا بُدَّ له من الحِسِّ المرهف والأذن الموسيقية إلى آخر هذه الأدوات التي يحتاجها الشاعر وربما لم تتوفر هذه الأدوات لرسول الله كما أنها لم تتوفر لكثيرين غيره.
فيرد الله تعالى هذا الظن، ويقول: وَمَا يَنبَغِي لَهُ [يس: ٦٩] يعني: لم نُعلمه الشعر لنقصٍ في إمكانياته، فلو أراد أنْ يقول شعراً لَقَالَ الشعر على أحسن مَا يُقَال، لكن لا ينبغي له ذلك؛ لأن مهمة الرسول خلاف مهمة الشاعر، فأغلب الشعر في الكذب وفي الشر، فإذا دخل في الخير ضَعُفَ ولاَنَ، ذلك لأن طبيعة الشعر أن ينطلق ويُحلِّق في الخيال، وأن يقول الشاعر ما يحلو له أياً كانت غايته؛ لذلك قالوا: أعذب الشعر أكذبه.
وكثيراً ما نرى الشعراء أصحاب القيم والأخرق يصعب عليهم الجمع بين مطلوب الإيمان منهم، وما تدعوهم إليه مَلَكة الشعر عندهم، فلا يملكون إلا أنْ يحصروا أنفسهم في شعر القيم والأخلاق والفضائل، ويبتعدوا عن شعر الهجاء والغزل.
والشاعر المهجري الذي عُرِف عنه التقوى والصلاح، فحاول أنْ يجمع بين هذه التقوى والموهبة الشعرية لديه فقال:
مَوْلاَي إنِّي قَدْ عَصَيْتُكَ عَامِداً  لأَرَاكَ أَجْمَلَ مَا تكُونُ غَفُوراً
وَلَقَدْ جَنَيْتُ مِنَ الذُّنُوبِ كِبَارَهَا ضَنّاً بِعَفْوِكَ أنْ يكُونَ صَغِيراً

فأجاد في الأولى، ولم يُوفَّق في الثانية.
وسيدنا حسان بن ثابت، كان شاعراً مجيداً في الجاهلية، فلما أسلم قالوا له: لاَنَ شعرك يا أبا الحسام. فقال: الشعر نكِد يَقْوى في الشر، فإذا دخل في الخير ضعُفَ ولاَنَ.
فقوله تعالى: وَمَا يَنبَغِي لَهُ [يس: ٦٩] دفع عن رسول الله الاتهام بأن طبيعته ليست شاعرية، أو أنه غير مُرْهف الحس، وأن أذنه غير موسيقية، إلى آخر هذا الهراء، وكيف يُتَّهم بهذا مَنْ علَّمه الله، وباشرتْ أذنه الوحي؟
أما القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنشد الشعر، نعم أنشد رسول الله الشعر، لكن لم ينشده مستقيماً، بل خالف فيه حتى لا يظلَّ البيتُ على استقامة وزنه، فلما أنشد:
سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً  وَيأْتِيكَ مَنْ لَم تُزوِّدِ بِالأَخْبَارِ
وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أصدق كلمة قالها لبيد:
أَلاَ كُلُّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ  وَكُلُّ نَعيمٍ زائِلٌ لاَ مَحَالَةَ

والصواب:

أَلاَ كُلُّ شيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلٌ  وَكُلُّ نَعيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ
إذن: كان سيدنا رسول الله يكسر وزن البيْت، حتى لا يقال إنه أنشد الشعر، مع أن الله تعالى قال: وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ [يس: ٦٩] لكن لم يَنْه رسول الله عن إنشاده، فكأن رسول الله يحتاط للأمر، فيقول ولا أنشده أيضاً، ليكون بعيداً عنه كلية.
هذا عن الإنشاد، أما عن قوله الشعر بنفسه، فيرى البعض أنه صلى الله عليه وسلم قال شعراً مثل قوله في غزوة حنين:
أَنَا النَّبيُّ لاَ كَذِب  أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطَّلِبِِ
نعم جاء هذا القول من رسول الله موافقاً لوزن شعريٍّ يسمونه الرَّجز، فهو قول صادف وزناً شعرياً وفرْق بين نَظْم الكلام وإخضاعه للوزن والقافية، وبين كلام يصادف وزناً دون قصد، وإلا ففي القرآن نفسه آيات صادفت وزناً شعرياً، فهل نقول إنها شعر؟ واقرأ مثلاً: لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ.. [آل عمران: ٩٢]. فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: ٣٢]. نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [الحجر: ٤٩].
هذه وغيرها آيات صادفت وزناً شعرياً، لكنها لا تُسمَّى شعراً؛ لأن الشعر قول موزون مُقفَّى قصداً.
الحق سبحانه حكى عن رسوله أن الكفار اتهموه فقالوا: ساحر وشاعر وقالوا: كاهن، لكن القرآن رَدَّ عليهم في مسألة الشعر، ونفى أن يقول الرسول شعراً: وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ [يس: ٦٩] ولم يَنْفِ عنه السحر ولا الكهانة، لماذا؟
قالوا: لأن مهمة رسول الله بلاغ القرآن عن الله، والقرآن من جنس الأساليب الراقية، وأقرب شيء إليه الشعر لذلك نفاه القرآن، أما السحر فطلاسم وكلام لا معنى له، فلم يَقُلْ: وما علمناه السحر.
ولو أن لهذه الكلمة مدلولاً لكان الرد عليها سهلاً، فإذا كان محمداً ساحراً سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضاً، إذن: تكذيبكم له وكفركم به أدَلُّ شيء على أنه ليس ساحراً، وهل للمسحور إرادة مع الساحر.
وفي قولهم كاهن ردٌّ عليهم: وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ [الحاقة: ٤٢] لأن قَوْلَ الكاهن كلام مسجوع سَجْعاً بارداً، والقرآن خلاف هذا كله، ثم إنكم أهل فصاحة وبيان، وأنتم أعلم الناس بالأساليب والتمييز بينها، فهل يخفى عليكم أنْ تفرقوا بين القرآن وغيره من الكلام وأنتم أمة كلام، وتجعلون للكلمة أسواقاً ومعارض؟
ثم يُبيِّن الحق سبحانه العلة في عدم قول الرسول للشعر، فيقول سبحانه: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ [يس: ٦٩] إن هنا بمعنى ما النافية. يعني: ما هذا القرآن إلا تذكير لمن يعقل وقرآن مبين. أي: بيِّن واضح يُتلَى، وقد يكون له نَغَم ألذّ في أذن الوَرع من الشعر، لذلك بعض الناس يسمع القرآن فتأخذه نشوة وإعجاب، ولو سألته تجده لا يعرف ما يحدث له، لماذا؟
قالوا: لأن الذي يتكلم الله، والذي يسمع خلق الله، فالله تعالى يتكلم بالكلام الذي يؤثر ويستميل المخلوق لله الذي ما يزال على فطرته التي فطر الناس عليها، فإنْ خرج عن هذه الفطرة لم يؤثر فيه القرآن هذا التأثير، ذلك لأن القرآن واحد أمَّا الفطرة المستقبلة فتختلف.
والحق سبحانه يشرح لنا هذه المسألة في قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً [محمد: ١٦] فأمره الله أنْ يردّ عليهم: قُلْ هُوَ [فصلت: ٤٤] أي: القرآن لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت: ٤٤].
ذلك لأن فاعلَ الشيء غير قابله، وسبق أن مثَّلْنا لذلك بكوب الشاي الساخن تنفخ فيه ليبرد، وفي الشتاء تنفخ في يديك لتُدفئها، فالنفخة واحدة، لكن المستقبل لها مختلف، كذلك حال الناس في تلقِّى القرآن، فمَنْ تلقى كلام الله بفطرة سليمة فهمه وتأثر به، ومَنْ تلقى كلام الله وهو منشغل عنه أُغْلِق عليه، فلم يفهم عن الله ولم يتأثر بكلامه.
لذلك نرى بعض الناس من غير العرب لا ينطق بكلمة عربية، لكنه ساعة يسمع أو يقرأ كلام الله تجد له انفعالَ مواجيد، وتدمع عيناه، لماذا؟ لا بد أن شيئاً في تكوينه تأثر بهذا الأسلوب.
وإذا كان الحق سبحانه أوحى إلى الجماد فانفعل لكلامه، وأوحى إلى الحيوان ففهم عنه، فمن باب أَوْلَى يكلم الإنسان العاقل بكلام يصادف طبيعته ويؤثر فيه، فيتأثر وينفعل.
ثم يقول سبحانه مبيِّناً مهمة هذا الذِّكْر وهذا القرآن المبين: لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً [يس: ٧٠] نعم، سماهم أحياء وخطابك لهم دليل على أنهم أحياء، لكن أحياء الحياة المادية التي تنتهي بالموت، إنما هناك حياة أخرى بالعقل والفكر وبالقيم الروحية، وهذه لا يظهر أثرها إلا بعد الموت.
والناس جميعاً يشتركون في الحياة المادية؛ لذلك يُسمَّى العنصر الذي يدخل على الحياة المادية لتأخذ طابع الحياة الروحية (الروح)، فالروح روح من أمره سبحانه، وبعد أنْ يعطيه الروح التي تحيا بها المادة يعطيه الروح التي تحيا بها القيم، وحياة القيم قُلْنا: إنها ترتقي بك لتعطيك قيمة في الآخرة، وقد تعطيك في الدنيا راحة البال واستقامة واستقراراً، لكن تظل الحياة الحقيقية في الآخرة.
فإذا شاء الله أُعْطِي الإنسانُ حياةً موصولة كما أعطي سيدنا يحيى، فلما دعا سيدنا زكريا ربه قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٤-٦].
فأجابه الله: يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً [مريم: ٧].
إذن: بشَّره الله بالغلام، وسمَّاه اسماً يدل على أنه سيعطيه حياة موصولة؛ فحين تسمى ولدك ذكي مثلاً تفاؤلاً أن يكون ذكياً، أو نبيل تفاؤلاً أن يكون نبيلاً، لكن أتملك أنْ تحقق رغبتك هذه.

لذلك قال الشاعر:

وَسَمَّيْتُهُ يَحْيَى لِيحيَاْ فَلَمْ يَكُنْ  لِرَدِّ قَضَاءِ اللهِ فِيهِ سَبِيلُ
نعم، أنت سميتَ، لكنك لا تهب الحياة، واهبُ الحياة هو الله، فإذا سَمَّى الله يحيى فلا بُدَّ أن يحيا حياة موصولة؛ لذلك مات سيدنا يحيى شهيداً، لتتصل حياته الدنيا بحياة الآخرة، وليحقق فيه ما أراده الله.
ومعنى: وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ [يس: ٧٠] أي: يستحق لهم العذاب؛ لأنهم لم ينتفعوا بالإنذار.
ثم يتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن بعض آياته في الكون:
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ... .
هنا نقلهم الحق سبحانه إلى مجال المادة التي لا يستطيعون إنكارها، وقلنا: إن الرؤية في أَوَلَمْ يَرَوْاْ [يس: ٧١] يصح أن تكون رؤية بصرية أو رؤية علمية أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً [يس: ٧١] قوله مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ [يس: ٧١] ينفي المشاركة يعني: هذه صنعتنا وخَلْقنا لم يشاركنا فيه أحد، ولم يعاونَّا فيه أحد، بل هو خَلْق لله وحده.
وكلمة أَنْعاماً [يس: ٧١] هي الأنعام التي ذُكرت في سورة الأنعام: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ [الأنعام: ١٤٣-١٤٤].
وهي البقر والإبل والغنم والماعز، وسميت أنعاماً لأنها النعمة البارزة في أشياء متعددة، ننتفع بها في حياتنا، فنأخذ منها الصوف والوبر والجلود والألبان، ونحمل عليها الأثقال، وهذه كلها نِعَم واضحة في البيئة العربية.
ثم إن خَلْق الأنعام في ذاته نعمة، وقوله سبحانه فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس: ٧١] نعمة أخرى؛ لأن هناك حيوانات أخرى متوحشة لا تُملَك إلا بالصيد وبالقوة، وهي قليلة النفع إذا ما قُورِنت بالمستأنسة التي ينتفع بها الإنسان، فيسوقها ويركبها ويحلبها.
ثم نعمة التذليل وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ [يس: ٧٢] وإلا فإذا خلقها الله ولم يُذلِّلها ما استطاع الإنسانُ تذليلها، ولا الاستفادة منها، فالجمل مثلاً رغم ضخامة حجمه وقوته، إلا أن الطفل يسوقه ويُنيخه ويركبه، كيف؟ لأن الله ذَلَّله وسخَّره، أما الثعبان فمع صِغَر حجمه إلا أننا نخافه ونهرب منه؛ لأن الله لم يُذلِّله لنا، بل البرغوث في الفراش يشاغبك ويقلقك، وليس لك سلطان عليه.
إذن: فخَلْق هذه الأنعام في ذاته نعمة، وتملّكها نعمة، وتذليلها نعمة، وهذه النِّعم للمؤمن والكافر على السواء، لأنها من عطاء الربوبية. إذن: كان عليهم أن يحترموا هذه، وأن يسألوا أنفسهم: كيف نكفر بالله وهو يوالي علينا كل هذه النِّعَم، وليت الأمر يقف عند كفرهم هم، إنما يتعدى ذلك حين يمنعون الرسل من نَشْر دعوتهم.
وقوله سبحانه: فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ [يس: ٧٢] أي: ما يُركب من الدواب. ورَكُوب مثل قولنا: شاة حَلُوب يعني: تُحلب وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧٢] أي: من لبنها وهي حية، واللبن نأمل منه الجبن والزبدة.. الخ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ [يس: ٧٣] مشارب جمع مشرب. والمراد القِرْبة التي كانوا يشربون بها، وتُصنع من جلود هذه الحيوانات أو يُراد بالمشارب ما يُشرب من ألبانها، واللبن وإنْ كان يُشرب من الأنثى إلا أن الذكر سبب فيه، فلولا أنها حملتْ ما كان منها اللبن.
ثم تُختم هذه النِّعَم بقوله سبحانه أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٧٣] هكذا بأسلوب الاستفهام ليجيبوا هم، فالله لا يقول لهم: اشكروني على هذه النِّعم إنما يقررهم: أهذه تستوجب الشكر أم لا؟ ثم لو شكرتم فسوف تتعرضون لعطاء آخر وزيادة: لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧].
إذن: كان يجب عليهم أن يشكروا الله على نِعَمه، وأن تدعوهم هذه النِّعَم إلى الإيمان بهذا الإله المنعِم الذي يُوالي عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، ولِمَ لا والإنسان حينما يكون موظفاً يتقاضى أجره كل شهر من صاحب العمل لا بُدَّ أن يُحيِّيه كل يوم ويتودد إليه، فالمنعم بكل هذه النعم أفلا يستحق أنْ يُعبد وأنْ يُشكر؟
وليت الأمر ينتهي بهم عند حَدِّ عدم الشكر، إنما يحكي القرآن عنهم فيقول:
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ... .
آية رقم ٧٢
هنا نقلهم الحق سبحانه إلى مجال المادة التي لا يستطيعون إنكارها، وقلنا: إن الرؤية في أَوَلَمْ يَرَوْاْ [يس: ٧١] يصح أن تكون رؤية بصرية أو رؤية علمية أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً [يس: ٧١] قوله مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ [يس: ٧١] ينفي المشاركة يعني: هذه صنعتنا وخَلْقنا لم يشاركنا فيه أحد، ولم يعاونَّا فيه أحد، بل هو خَلْق لله وحده.
وكلمة أَنْعاماً [يس: ٧١] هي الأنعام التي ذُكرت في سورة الأنعام: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ [الأنعام: ١٤٣-١٤٤].
وهي البقر والإبل والغنم والماعز، وسميت أنعاماً لأنها النعمة البارزة في أشياء متعددة، ننتفع بها في حياتنا، فنأخذ منها الصوف والوبر والجلود والألبان، ونحمل عليها الأثقال، وهذه كلها نِعَم واضحة في البيئة العربية.
ثم إن خَلْق الأنعام في ذاته نعمة، وقوله سبحانه فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس: ٧١] نعمة أخرى؛ لأن هناك حيوانات أخرى متوحشة لا تُملَك إلا بالصيد وبالقوة، وهي قليلة النفع إذا ما قُورِنت بالمستأنسة التي ينتفع بها الإنسان، فيسوقها ويركبها ويحلبها.
ثم نعمة التذليل وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ [يس: ٧٢] وإلا فإذا خلقها الله ولم يُذلِّلها ما استطاع الإنسانُ تذليلها، ولا الاستفادة منها، فالجمل مثلاً رغم ضخامة حجمه وقوته، إلا أن الطفل يسوقه ويُنيخه ويركبه، كيف؟ لأن الله ذَلَّله وسخَّره، أما الثعبان فمع صِغَر حجمه إلا أننا نخافه ونهرب منه؛ لأن الله لم يُذلِّله لنا، بل البرغوث في الفراش يشاغبك ويقلقك، وليس لك سلطان عليه.
إذن: فخَلْق هذه الأنعام في ذاته نعمة، وتملّكها نعمة، وتذليلها نعمة، وهذه النِّعم للمؤمن والكافر على السواء، لأنها من عطاء الربوبية. إذن: كان عليهم أن يحترموا هذه، وأن يسألوا أنفسهم: كيف نكفر بالله وهو يوالي علينا كل هذه النِّعَم، وليت الأمر يقف عند كفرهم هم، إنما يتعدى ذلك حين يمنعون الرسل من نَشْر دعوتهم.
وقوله سبحانه: فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ [يس: ٧٢] أي: ما يُركب من الدواب. ورَكُوب مثل قولنا: شاة حَلُوب يعني: تُحلب وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧٢] أي: من لبنها وهي حية، واللبن نأمل منه الجبن والزبدة.. الخ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ [يس: ٧٣] مشارب جمع مشرب. والمراد القِرْبة التي كانوا يشربون بها، وتُصنع من جلود هذه الحيوانات أو يُراد بالمشارب ما يُشرب من ألبانها، واللبن وإنْ كان يُشرب من الأنثى إلا أن الذكر سبب فيه، فلولا أنها حملتْ ما كان منها اللبن.
ثم تُختم هذه النِّعَم بقوله سبحانه أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٧٣] هكذا بأسلوب الاستفهام ليجيبوا هم، فالله لا يقول لهم: اشكروني على هذه النِّعم إنما يقررهم: أهذه تستوجب الشكر أم لا؟ ثم لو شكرتم فسوف تتعرضون لعطاء آخر وزيادة: لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧].
إذن: كان يجب عليهم أن يشكروا الله على نِعَمه، وأن تدعوهم هذه النِّعَم إلى الإيمان بهذا الإله المنعِم الذي يُوالي عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، ولِمَ لا والإنسان حينما يكون موظفاً يتقاضى أجره كل شهر من صاحب العمل لا بُدَّ أن يُحيِّيه كل يوم ويتودد إليه، فالمنعم بكل هذه النعم أفلا يستحق أنْ يُعبد وأنْ يُشكر؟
وليت الأمر ينتهي بهم عند حَدِّ عدم الشكر، إنما يحكي القرآن عنهم فيقول:
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ... .
آية رقم ٧٣
هنا نقلهم الحق سبحانه إلى مجال المادة التي لا يستطيعون إنكارها، وقلنا: إن الرؤية في أَوَلَمْ يَرَوْاْ [يس: ٧١] يصح أن تكون رؤية بصرية أو رؤية علمية أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً [يس: ٧١] قوله مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ [يس: ٧١] ينفي المشاركة يعني: هذه صنعتنا وخَلْقنا لم يشاركنا فيه أحد، ولم يعاونَّا فيه أحد، بل هو خَلْق لله وحده.
وكلمة أَنْعاماً [يس: ٧١] هي الأنعام التي ذُكرت في سورة الأنعام: ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ [الأنعام: ١٤٣-١٤٤].
وهي البقر والإبل والغنم والماعز، وسميت أنعاماً لأنها النعمة البارزة في أشياء متعددة، ننتفع بها في حياتنا، فنأخذ منها الصوف والوبر والجلود والألبان، ونحمل عليها الأثقال، وهذه كلها نِعَم واضحة في البيئة العربية.
ثم إن خَلْق الأنعام في ذاته نعمة، وقوله سبحانه فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس: ٧١] نعمة أخرى؛ لأن هناك حيوانات أخرى متوحشة لا تُملَك إلا بالصيد وبالقوة، وهي قليلة النفع إذا ما قُورِنت بالمستأنسة التي ينتفع بها الإنسان، فيسوقها ويركبها ويحلبها.
ثم نعمة التذليل وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ [يس: ٧٢] وإلا فإذا خلقها الله ولم يُذلِّلها ما استطاع الإنسانُ تذليلها، ولا الاستفادة منها، فالجمل مثلاً رغم ضخامة حجمه وقوته، إلا أن الطفل يسوقه ويُنيخه ويركبه، كيف؟ لأن الله ذَلَّله وسخَّره، أما الثعبان فمع صِغَر حجمه إلا أننا نخافه ونهرب منه؛ لأن الله لم يُذلِّله لنا، بل البرغوث في الفراش يشاغبك ويقلقك، وليس لك سلطان عليه.
إذن: فخَلْق هذه الأنعام في ذاته نعمة، وتملّكها نعمة، وتذليلها نعمة، وهذه النِّعم للمؤمن والكافر على السواء، لأنها من عطاء الربوبية. إذن: كان عليهم أن يحترموا هذه، وأن يسألوا أنفسهم: كيف نكفر بالله وهو يوالي علينا كل هذه النِّعَم، وليت الأمر يقف عند كفرهم هم، إنما يتعدى ذلك حين يمنعون الرسل من نَشْر دعوتهم.
وقوله سبحانه: فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ [يس: ٧٢] أي: ما يُركب من الدواب. ورَكُوب مثل قولنا: شاة حَلُوب يعني: تُحلب وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس: ٧٢] أي: من لبنها وهي حية، واللبن نأمل منه الجبن والزبدة.. الخ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ [يس: ٧٣] مشارب جمع مشرب. والمراد القِرْبة التي كانوا يشربون بها، وتُصنع من جلود هذه الحيوانات أو يُراد بالمشارب ما يُشرب من ألبانها، واللبن وإنْ كان يُشرب من الأنثى إلا أن الذكر سبب فيه، فلولا أنها حملتْ ما كان منها اللبن.
ثم تُختم هذه النِّعَم بقوله سبحانه أَفَلاَ يَشْكُرُونَ [يس: ٧٣] هكذا بأسلوب الاستفهام ليجيبوا هم، فالله لا يقول لهم: اشكروني على هذه النِّعم إنما يقررهم: أهذه تستوجب الشكر أم لا؟ ثم لو شكرتم فسوف تتعرضون لعطاء آخر وزيادة: لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧].
إذن: كان يجب عليهم أن يشكروا الله على نِعَمه، وأن تدعوهم هذه النِّعَم إلى الإيمان بهذا الإله المنعِم الذي يُوالي عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، ولِمَ لا والإنسان حينما يكون موظفاً يتقاضى أجره كل شهر من صاحب العمل لا بُدَّ أن يُحيِّيه كل يوم ويتودد إليه، فالمنعم بكل هذه النعم أفلا يستحق أنْ يُعبد وأنْ يُشكر؟
وليت الأمر ينتهي بهم عند حَدِّ عدم الشكر، إنما يحكي القرآن عنهم فيقول:
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ... .
آية رقم ٧٤
عجيبٌ أن يحكي القرآن عنهم هذا بعد أن شرح اللهُ لهم آياته التي تثبت وجوده الأعلى ووحدانيته الكبرى، ففي الآفاق حول الإنسان آيات، وفي نفسه آيات، فمَنِ انصرف عن الأولى أو غفل عنها، فكيف يغفل عن الأخرى، وهي في نفسه وذاته التي لا تفارقه.
لذلك قال سبحانه: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣].
ومع ذلك وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً [يس: ٧٤] أي: عبدوها من دون الله، لماذا؟ لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ [يس: ٧٤] صحيح أن الإنسان يتخذ إلهاً منه لينصره في شدته، لكن إذا كان هذا الإله الذي ترجع إليه في الشدة هو الذي يرجع إليك ويحتاجك؛ لتصلحه إنْ كسرتْه الريح، أو أطاحت به العوارض، فإن وقع تقيمه، وإنْ كُسِرت ذراعه أصلحتها، وإن جاء السيل جرفه، وألقى به في الوحل، إذن: كيف يُتَّخذ هذا إلهاً؟
وتعرفون قصة سيدنا إبراهيم لما حطم الأصنام سأل قومه: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ [الأنبياء: ٦٢-٦٣].
وهكذا أوقفهم نبي الله إبراهيم على كلمة الحق التي لا يستطيعون إنكارها، وهي أنهم جمادات صمَّاء لا تنطق فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ [الأنبياء: ٦٤] لكن سرعان ما تنبهوا إلى خطورة هذا الاعتراف، فعادوا إلى ما كانوا عليه من المكابرة والعناد ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ [الأنبياء: ٦٥] عندها رأى إبراهيم أنْ يجابههم بهذه الحقيقة التي يحاولون الانفلات منها قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ٦٦-٦٧].
لذلك يرد الله عليهم: لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ [يس: ٧٥] فهم لا ينصرون عابديهم، إنما العابدون هم الذين ينصرونهم، ويوم القيامة سيجمعهم الله معاً، لا يُحشر العابد بدون المعبود لتكون المواجهة، فلو حُشِر العابد وحده لانتظر معبوده ينصره ويدافع عنه، إنما يُحشَر الجميع معاً، كما قال سبحانه: مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٥-٢٦].
وقال سبحانه: ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ [الصافات: ٢٢] أي: أحضروهم معهم في النار، العابد والمعبود، والمعنى أن هذه الأصنام ستكون وقوداً للنار التي يُعذَّب بها العابدون.
وبعد ذلك يعود السياق إلى رسول الله، الذي يكابرون فيه ويعاندونه:
فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ... .
آية رقم ٧٥
عجيبٌ أن يحكي القرآن عنهم هذا بعد أن شرح اللهُ لهم آياته التي تثبت وجوده الأعلى ووحدانيته الكبرى، ففي الآفاق حول الإنسان آيات، وفي نفسه آيات، فمَنِ انصرف عن الأولى أو غفل عنها، فكيف يغفل عن الأخرى، وهي في نفسه وذاته التي لا تفارقه.
لذلك قال سبحانه: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ [فصلت: ٥٣].
ومع ذلك وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً [يس: ٧٤] أي: عبدوها من دون الله، لماذا؟ لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ [يس: ٧٤] صحيح أن الإنسان يتخذ إلهاً منه لينصره في شدته، لكن إذا كان هذا الإله الذي ترجع إليه في الشدة هو الذي يرجع إليك ويحتاجك؛ لتصلحه إنْ كسرتْه الريح، أو أطاحت به العوارض، فإن وقع تقيمه، وإنْ كُسِرت ذراعه أصلحتها، وإن جاء السيل جرفه، وألقى به في الوحل، إذن: كيف يُتَّخذ هذا إلهاً؟
وتعرفون قصة سيدنا إبراهيم لما حطم الأصنام سأل قومه: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ [الأنبياء: ٦٢-٦٣].
وهكذا أوقفهم نبي الله إبراهيم على كلمة الحق التي لا يستطيعون إنكارها، وهي أنهم جمادات صمَّاء لا تنطق فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ [الأنبياء: ٦٤] لكن سرعان ما تنبهوا إلى خطورة هذا الاعتراف، فعادوا إلى ما كانوا عليه من المكابرة والعناد ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ [الأنبياء: ٦٥] عندها رأى إبراهيم أنْ يجابههم بهذه الحقيقة التي يحاولون الانفلات منها قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ٦٦-٦٧].
لذلك يرد الله عليهم: لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ [يس: ٧٥] فهم لا ينصرون عابديهم، إنما العابدون هم الذين ينصرونهم، ويوم القيامة سيجمعهم الله معاً، لا يُحشر العابد بدون المعبود لتكون المواجهة، فلو حُشِر العابد وحده لانتظر معبوده ينصره ويدافع عنه، إنما يُحشَر الجميع معاً، كما قال سبحانه: مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٥-٢٦].
وقال سبحانه: ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ [الصافات: ٢٢] أي: أحضروهم معهم في النار، العابد والمعبود، والمعنى أن هذه الأصنام ستكون وقوداً للنار التي يُعذَّب بها العابدون.
وبعد ذلك يعود السياق إلى رسول الله، الذي يكابرون فيه ويعاندونه:
فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ... .
الحق سبحانه وتعالى يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويُطيِّب خاطره، والتسلية لا تكون إلا من مُسلٍّ لمسَلَّىً، المسلِّي هو الذي أرسل المسلَّى، فلابد أن يجامله حتى في الشدة، وسنة الله في الرسل جميعاً أن الله ما أرسل رسولاً وخذله أبداً، وما كانت الشدة في رحلة وموكب الرسالات إلا تصفيةً لنفوس المؤمنين، وتمحيصاً لهم، وتصحيحاً للعقيدة، حتى لا يبقى إلا المؤمن الحق الذي يتحمل مسئولية الرسالة والدفاع عنها.
لذلك يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ [يس: ٧٦] لا تحزن يا محمد، والحزن: أسف النفس على عدم تحقيق ما يتمنى الإنسان وطُروء ما يفسد، فإنْ حَزن رسول الله وانقبضتْ نفسه، فمَنْ يُسلِّيه؟ ومَنْ يُخفِّف عنه؟ يُسلِّيه الذي أرسله؛ لأنه سبحانه يحصي عليهم كل شيء، ويعلم ما يُسِرُّون وما يعلنون.
إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [يس: ٧٦].
لكن، ما الذي أسَرَّهُ هؤلاء؟
الذين واجهوا رسول الله كانوا قسمين: قسم واجهه بشجاعة، فأعلن بلسانه ما في قلبه من أنه لا يؤمن به، وهؤلاء هم الكَفَرة، وقسم آمن بلسانه وكتم الكفر في قلبه، وهؤلاء هم المنافقون، فمعنى مَا يُسِرُّونَ [يس: ٧٦] أي: من النفاق وَمَا يُعْلِنُونَ [يس: ٧٦] من الكفر. أو مَا يُسِرُّونَ [يس: ٧٦] من الإيمان الحقيقي بك، وأنك رسول وأمين وصادق وَمَا يُعْلِنُونَ [يس: ٧٦] من الكفر، بدليل قوله تعالى: وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل: ١٤].
بدليل أنهم لم يُكذِّبوا القرآن، ولم يعترضوا عليه، إنما اعتراضهم أنْ ينزل على محمد بالذات، لذلك قالوا كما حكى عنهم القرآن: لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
وبدليل أنهم كانوا يأتمنون رسول الله على ودائعهم وأماناتهم، هذا كله دليل على إيمانهم برسول الله، لكنهم مع ذلك أعلنوا كلمة الكفر خوفاً على السلطة الزمنية والمنزلة والسيادة والجبروت، وقد جاء الدين الجديد ليسلِبَ منهم هذا كله، ويُوقف تسلُّطهم على الضعفاء وعلى الفقراء.
إذن: لا بُدَّ أن يصادموا رسول الله، وأن يقفوا في وجه دعوته، بكل قواهم رغم إيمانهم بصدقه في قرارة أنفسهم؛ لذلك كانوا في المدينة يستعدون لتنصيب ملك منهم فلما دخلها رسول الله واجتمع الناس عليه انفضَّتْ مملكتهم، وزالتْ قبل أن تُولد، ذهبت السلطات الزمنية التي كانت للكفار كما ذهبت السلطة من أيدي اليهود، وكانوا أهلَ العلم وأهلَ المال وأهلَ القتال، ذهب كل هذا يوم عَلَتْ كلمة الإسلام.
أو: يُرادُ بما يُسِرُّون وما يعلنون أن عمل الإنسان حصيلة أمرين: شيء أو حاجة تختمر في النفس تُعَدُّ سِرّاً وعقيدة تدفعه إلى العمل فإنْ ترجمَتْ إلى عمل وبرزتْ للوجود صارتْ علانية، وعليه يكون المعنى: نعلم ما يُسِرُّون من عقائدهم الفاسدة، وما يعلنون من فِعْل القبائح.
لكن أيمتنُّ الله بعلم الشيء دون فائدة من وراء هذا العلم؟ المسألة لا تنتهي بمجرد العلم، إنما لا بُدَّ أنْ يترتب على هذا العلم جزاءٌ يعاقب الكافر العاصي، ويُثيب المؤمن المطيع، إذن: تدبَّروا أمركم، واحذروا ما يترتب على هذا العلم من آثار؛ لأن علم الله ليس (فنطزية) علم ومعرفة.
لذلك قال تعالى في الآية الأخرى: وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [يونس: ٦٥] البعض فهم أن كلمة إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [يونس: ٦٥] هي قول الكافرين، لكن كيف يقولها الكافر، ليتهم قالوا إنما قالها الله تذييلاً لقوله: وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ [يونس: ٦٥] لماذا؟ لأن العزة لله جميعاً.
بعد أن تكلم الحق سبحانه عن آياته في الآفاق في الأرض وفي الشمس والقمر والفُلْك والدواب والأنعام يتكلم سبحانه عن آياته في النفس الإنسانية، فإذا كانت الآيات في الآفاق من حولهم لم تلفتهم إلى الله، فهذه هي آياته في ذات أنفسهم التي لا تفارقهم:
أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ... .
قوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَ [يس: ٧٧] بمعنى يعلم لأن الإنسان لم يَرَ عملية الخَلْق في نفسه، فإنْ قلتَ: فمَنِ الذي أعلمه؟ ومَنِ الذي عرَّفه أن الله هو الخالق؟ قالوا: عرف الإنسانُ هذه الحقيقة؛ لأن في الكون كمالاً لم يدَّعه أحدٌ من الخَلْق، ثم فوجئت الدنيا برسول الله يخبر بأن الله تعالى هو الخالق، ولم يعارض أحد، فهذه إذن دَعْوى ليس لها معارض ولا مناهض، مع أن الإنسان كثيراً ما يدَّعي ما ليس له، لكن هذه الدعوى بالذات لا يستطيع أحد أن يدعيها لنفسه.
والقاعدة أن الدعوى تثبت لصاحبها ما لم يَقُمْ لها معارض، وإلا لو أن هذه الدعوى لم تسلم للخالق عز وجل، فأين الخالق؟ لماذا لم يعارضها، ولماذا لم يطالب بحقه في الخَلْق؟ إما أنه جَبُنَ عن المواجهة، أو أنه لم يَدْرِ بهذه الدعوى، وفي كلتا الحالتين لا يستحق أن يكون إلهاً.
ونلحظ على سياق هذه الآيات أن الحق سبحانه قال في الآيات السابقة: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس: ٧١] وهنا قال: أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ [يس: ٧٧] فخاطب الإنسان، ولم يخاطب الجماعة، قالوا: لأن هذه الآية، أو يُراد بالإنسان مطلق الإنسان، فهي لكل مُكذِّب بالبعث ممَّنْ هم على شاكلة أُبيٍّ.
وقوله سبحانه: مِن نُّطْفَةٍ [يس: ٧٧] العلم التجريبي لم يصل إلى شيء في مسألة الخَلْق هذه إلا مؤخراً، يحاول على استحياء كشف بعض أسرار خَلْق الإنسان مما لم نكُنْ نعرف عنها شيئاً من قبل، والنطفة هي الجوهر والميكروب أو الجرثومة الفعَّالة التي تسبب الإخصاب حين تصل إلى البويضة، وهذه النطفة تسبح في سائل هو المني وتعيش فيه؛ لذلك قال تعالى في آية أخرى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ [القيامة: ٣٧].
وقد أثبت العلم التجريبي الحديث أن النطفة هي المسئولة عن تحديد الذكورة أو الأنوثة، والبويضة ما هي إلا وعاء فقط. إذن: لا دَخْلَ للمرأة في هذه المسألة، بدليل قول الله تعالى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ [القيامة: ٣٧-٣٩] أي: من النطفة، وقلنا: إن من العجيب أن المرأة العربية قديماً فطنَتْ إلى هذه الحقيقة التي لم يتوصّل إليها العلم إلا حديثاً.
أما حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذه، المسألة: فهموا من هذا الحديث أن تحديد الذكورة أو الأنوثة يتوقف على الماء الذي يسبق، لكن حين نتأمل اللفظ نفسه، فكلمة (غلب) تدل على الغلبة والسباق، والسباق لا يكون إلا لعناصر تخرج من نقطة واحدة، وتنطلق في اتجاه واحد، إذن: فهما غير متقابلين، فمعنى يغلب يعني يسبق.
وقلنا: إنهم الآن تنبهوا إلى أن البويضة حين تخرج من المرأة تُحدث تغييراً كيماوياً في تكوين المرأة يُسبِّب ارتفاعاً في درجة الحرارة وتغيُّراً في المزاج وفي نبضات القلب؛ لذلك اخترعوا ساعة تقيس هذه التغييرات، وتعرف بها المرأة موعد نزول البويضة.
والنطفة ميكروب متنَاهٍ في الصِّغر؛ لا يُرَى إلا بالمجهر، ورحم الله العقاد الذي قال كلمةً موجزة تصور هذا الصِّغَر، فقال: إن أنسال العالم كله - يعني النطف التي كوَّنتهم - يمكن أن توضع في نصف كُسْتبان الخياطة. فسبحان الخالق الذي يُخرِج من هذه النطفة المتناهية الصِّغر إنساناً كاملاً، ويُنشىء منها العظام الصلبة والعضلات نصف الصلبة والرَّخْوة، وأنشأ منها الغضاريف والأعصاب والدم السائل والمخ.. الخ.
هذا في الجسم المادي، والأعجب منه ما يحتويه هذا الجسم من العقل الذي يفهم، واللسان الذي ينطق ويتذوق، والعين التي ترى، واليد التي تبطش، والأنف الذي يشم، والأنامل التي تلمس، والرِّجْل التي تسعى.
هذه كلها من النطفة، هذا الميكروب الذي لا يُرى بالعين المجردة، هذه النطفة التي عبَّر عنها القرآن بالماء المهين، مهين لأن الإنسان يتبوله ويخرج من مجرى البول، ويُلقى فى دورات المياه مع القاذورات، وإن أصاب ملابسك لا بُدَّ أن تُغسل. ومن هذا الماء المهين يُخْلق الإنسان، بل ويصل إلى أعلى مراتب الطغيان والجبروت، كيف؟
قالوا: لأن الإنسانَ له صفات حسنة في ذاته، ومواهب يحب أن يظهرها، فإنْ كان مع أحبابه أعجبه شكله الجميل أو ماله أو ذكاؤه.. الخ، فيحاول أن يُبيِّن هذه المواهب لهم، فإذا عُودِي كانت له مواهب أخرى في أعدائه، ومع العدو يُجنِّد الإنسان كل مواهبه لينتصر على عدوه، هذه مواهب في الغضب وفي الخصومة والجدال.

لذلك قال أحدهم:

وكم مِنْ نِعْمَةٍ لله فِيَّ حَمَدْتُها  يُجَمِّعُها فيَّ مَواهِبُ ثلاث
أولاَهُما لِنَفسي وثانيتهما لأحْبَابي وأصْحَابي وثالثهما لخصْمي

هذا كله معنى فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ [يس: ٧٧] يعني: بعد أنْ خلق الإنسان من هذه النطفة ومن هذا الماء المهين فوجئنا بأنه خَصِيمٌ [يس: ٧٧] يعني: عدو لدود مُّبِينٌ [يس: ٧٧] يعني: يبين عن مواهب العداء عنده إبانةً واضحة، والإنسان لا يكون مُبيناً لغيره إلا إذا بَانَ الشيء في نفسه هو؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالمدرس الفاشل هو الذي لا يستطيع أن ينقل المعلومة لتلاميذه؛ لأن المعلومة غير واضحة عنده، ولو كانت المعلومة واضحة في ذهنه لاستطاع أنْ ينقلها بأيِّ أسلوب.
إذن: المعنى مُّبِينٌ [يس: ٧٧] يُحسِن الإبانة عَمَّا في نفسه؛ لذلك تقول: أبنتُ لك لأنها بانت عندي، وأعلمتُك لأنها عُلِمت عندي، وأفهمتُك لأنني فهمتُ، فهما إذن موهبتان، والإنسان ترتقي مواهبه ويجند كل صفاته في الخصومة لا يدخر شيئاً منها، ففي الخصومة يُظهِر ما عنده من المال أو الشجاعة أو الحيلة.. الخ.
وعجيبٌ أن هذا كله كامن في النطفة، وعجيبٌ أيضاً أن ينقل الإنسانُ هذه الخصومةَ من ذات نفسه، ومن خصومته لأعدائه إلى خصومة ربه وخالقه.
لذلك قال تعالى بعدها مُصوِّراً هذه الخصومة لا مع أُبَيٍّ سبب نزول الآيات، إنما مع كل مَنْ هو على شاكلة أُبَيٍّ:
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ... .
تحدَّثنا عن ضرب المثل وقُلْنا: الضرب إيقاع جسم على جسم بعنف، ويُشترط فيه أن يكون الضاربُ أقوى من المضروب، وإلا كانت النتيجة عكسية، ومن ذلك قول الرافعي رحمه الله:
كذلك ضَرْب المثل هو إيجاد شيء يُوقع على شيء، ليبين لك الأثر الحاسم الفعَّال، فحين تشكّ مثلاً في شيء يُوضِّحه لك بمثَلٍ لا تشك فيه، فيُقرِّبه إلى ذهنك، ومن ذلك قوله تعالى لما أراد أنْ يُوضِّح لنا بطلان الشرك، والفرق بينه وبين التوحيد، قال سبحانه:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٩].
نعم، لا يستوي عبد يتنازعه عدة أسياد، وعبد مِلْك لسيد واحد، كذلك لا يستوي التوحيد والشرك.
فقوله تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً أي: أبيّ بن خلف، والمثل الذي ضربه أنْ أخذ عَظْماً قد بَلِي، وراح يُفتِّته أمام رسول الله وهو يقول: أتزعم يا محمد أن ربك سيحيي هذا، بعد أن صار إلى ما ترى؟ وإنْ كانت الآيات نزلت في أُبيٍّ، إلا أنها لا تقتصر عليه، إنما تشمل كل مُكذِّب بالبعث، مُنكر لهذه القضية.
ومعنى وَنَسِيَ خَلْقَهُ يعني: لو تذكَّر خَلْقه هو، وتأمل في ذات نفسه وجد الدليل على ما يُكذِّب به؛ لأن الله خلقك من العدم، فصار لك وجود، فإذا مِتَّ بقيتْ منك هذه البقايا التي تُفتِّتها منثورة في الأرض، ومعلوم بحسب ما تفهمه العقول أن الإيجاد من موجود أهون من الإيجاد من العدم
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].
الحق سبحانه في هذه الآية يخاطبنا على قَدْر عقولنا ووَفق منطقنا، وإلاَّ فلا يُقال في حقه تعالى هَيِّن وأهون، ولا سهل وأسهل، هذا يُقال في حق البشر فحسب.
تحدَّثنا عن ضرب المثل وقُلْنا: الضرب إيقاع جسم على جسم بعنف، ويُشترط فيه أن يكون الضاربُ أقوى من المضروب، وإلا كانت النتيجة عكسية، ومن ذلك قول الرافعيرحمه الله :
أيَا هَازِئاً مِنْ صُرُوفِ القَدَرِ  بِنْفسِكَ تَعْنُفُ لاَ بالقَدَرْ
وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعَصَا ضَرَبْتَ العَصَا أَمْ ضَرَبْتَ الحَجَرْ؟

كذلك ضَرْب المثل هو إيجاد شيء يُوقع على شيء، ليبين لك الأثر الحاسم الفعَّال، فحين تشكّ مثلاً في شيء يُوضِّحه لك بمثَلٍ لا تشك فيه، فيُقرِّبه إلى ذهنك، ومن ذلك قوله تعالى لما أراد أنْ يُوضِّح لنا بطلان الشرك، والفرق بينه وبين التوحيد، قال سبحانه: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ٱلْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٩].
نعم، لا يستوي عبد يتنازعه عدة أسياد، وعبد مِلْك لسيد واحد، كذلك لا يستوي التوحيد والشرك.
فقوله تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً [يس: ٧٨] أي: أبيّ بن خلف، والمثل الذي ضربه أنْ أخذ عَظْماً قد بَلِي، وراح يُفتِّته أمام رسول الله وهو يقول: أتزعم يا محمد أن ربك سيحيي هذا، بعد أن صار إلى ما ترى؟ وإنْ كانت الآيات نزلت في أُبيٍّ، إلا أنها لا تقتصر عليه، إنما تشمل كل مُكذِّب بالبعث، مُنكر لهذه القضية.
ومعنى وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس: ٧٨] يعني: لو تذكَّر خَلْقه هو، وتأمل في ذات نفسه وجد الدليل على ما يُكذِّب به؛ لأن الله خلقك من العدم، فصار لك وجود، فإذا مِتَّ بقيتْ منك هذه البقايا التي تُفتِّتها منثورة في الأرض، ومعلوم بحسب ما تفهمه العقول أن الإيجاد من موجود أهون من الإيجاد من العدم وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].
الحق سبحانه في هذه الآية يخاطبنا على قَدْر عقولنا ووَفق منطقنا، وإلاَّ فلا يُقال في حقه تعالى هَيِّن وأهون، ولا سهل وأسهل، هذا يُقال في حق البشر فحسب.
وقوله: قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨] حينما ألقى هذا السؤال على الكافرين المكذِّبين بالبعث يقولون: لا أحد يستطيع أنْ يُحيي الموتى، لماذا؟ لأنه يقيس المسألة على عَجْز القدرة في البشر، لا على طلاقة القدرة في الخالق سبحانه.
والعجيب أن الله تعالى يُثبت للإنسان صفة الخَلْق، فيقول: فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤] والإنسان ينكر ويُكذِّب بقدرة الله في الخَلْق، فإذا كان ربك لم يَضِنّ عليك بأنك خالق، فلا تضنّ عليه بأنه أحسن الخالقين.
وقلنا: إذا وجدتَ صفة لله تعالى ووصف بها البشر فلا بُدَّ أنْ تأخذها في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] فلله تعالى وجه لا كالأوجه، وله سبحانه يد لكن ليستْ كالأيدي.. وهكذا؛ لأن الله تعالى واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله. الله موجود وأنت موجود، لكن وجودك ليس كوجوده، الله غني وأنت غني، لكن غِنَاك ليس كغِنَى الله، غَنِى الله ذاتيٌّ لا ينفصل عنه سبحانه، أما غناك فموهوب.
الله خالق وأنت خالق، لكن فَرْقٌ بين خَلْقك وخَلْق الله، خَلْقك من موجود وخَلْقه تعالى من عدم، خَلْقك جامد لا حياة فيه، وخَلْق الله في حياة فينمو ويتغذى ويتكاثر.. الخ فأنت خالق، لكن ربك سبحانه أحسن الخالقين.
إذن: لله تعالى صفات الكمال المطلق، يُفيض منها على خَلْقه فيعطيهم من صفاته تعالى، لكن تظل له سبحانه طلاقة القدرة.
ومعنى رَمِيمٌ [يس: ٧٨] قديمة بالية تتفتت.
ثم يردُّ الحق سبحانه على هذا المكذِّب وأمثاله: قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩] ومعنى أَنشَأَهَآ يعني: من العدم، ولأنْ ينشئها من موجود أَوْلَى، وقوله أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩] في الرد على هذا المكذِّب يوحي بأن هناك مرة أخرى، وإحياءً آخر غير الأول وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩] أي: بالخَلْق الأول وبالخَلْق الثاني، فالعلم بالخَلْق الأول أنْ يعطيه صفات ومواهبَ في ذاته، وأنْ يستعمره في الأرض، وأن يجعلَ له منهجاً ينظم حياته فيها.
وبهذا المنهج أرشده إلى سبيل الخير، وحذَّره من سبُل الشر، وأوضح له الجزاء على هذا وذاك، وهو سبحانه عليم بالخَلْق الآخر في الآخرة. أي: يعلم كيف يجازيه على ما قدَّم. إذن: معنى وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩] يعني: عليم كيف يُكلِّفه، وعليك كيف يجازيه، وعلى قَدْر التكليف يكون الجزاء.
الفلاسفة المسلمون أحبوا أنْ يوضحوا لنا هذا المعنى، فقالوا: حينما أراد الله أن يخلق من العدم وقبل أنْ توجد السماء أو الأرض قال: اخرجى يا سماء كوني سماءً فكانت، وهكذا الأرض. إذن: قادريته سبحانه هي التي فعلت، ومقدورية الأشياء هي التي انفعلت، فما الذي انتهى من هذين العنصرين؟ إنهما باقيتان موجودتان: قادرية الفاعل سبحانه، ومقدورية الأشياء.
الحق سبحانه يسوق لهم دليلاً آخر على طلاقة قدرته، فإن كنتم تُكذِّبون بالبعث، فانظروا إلى هذه الآية المادية التي تشاهدونها، فالذي يُحيي العظام التي رَمَّتْ هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً تُوقِدونها، فيشتعل العود الأخضر، والخضرة دليل الرطوبة والمائية، فكيف تأتي النار من الماء، هذه آية يروْنَها في البيئات العربية كل يوم، ومعلوم أن الحطب هو أول وقود عرفه الإنسان واستخدمه بسلام؛ لأنه أصْفَى وقود، وهو صِحيٌّ لا يلوث البيئة، ولا يضر بها، ولك أنْ تقارن بين وقود الحطب ووقود البترول مثلاً، لتعرف الفَرْق.
هذا تَرقٍّ في الدليل، فبعد أنْ ذكر سبحانه آية جَعْل الشجر الأخضر ناراً، يسوق الدليل الأقوى، وهو خَلْق السماوات والأرض، السماوات دليل من العلو الثابت الذي لا يتغير، والأرض دليل ملامس لنا، نشاهده ونباشره. وحيثية هذه الآية جاءت في آية أخرى، حيث قال الحق سبحانه: لَخَلْقُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧].
فإنْ قُلْتَ: عَلِّلْ لنا أن خَلْق السماوات والأرض مع أنها لا تحس ولا تتكلم ولا تعلم.. الخ. أكبر من خَلْق الناس، نقول: نعم خَلْق السماوات والأرض أكبر من خَلْق الناس؛ لأنها منذ خلقها الله على حالها لم تتغير، وستظل إلى قيام الساعة، أما أنت أيها الإنسان فتموت، تموت وأنت طفل، بل وأنت جنين في بطن أمك، تموت وأنت شاب وأنت شيخ هَرِم، وقصارى ما يمكن أن تصل إليه لو عُمرت في الدنيا مائة عام أو يزيد عليها بضعة أعوام، فأين عمرك من عمر الشمس، أو القمر أو الأرض؟ وهَل رأيت خادماً أطول عمراً من مخدومه؟
إننا نتوارد على هذا الكون أفراداً وأمماً ودولاً، تذهب جميعها وتَفْنى وتبقى السماء والأرض كما هي شامخة عظيمة، لا يطرأ عليها تغيير، ولا تخرج عن قانون التسخير في شيء أبداً، ومنذ أن خلق الله هذا الكون ما رأينا كوكباً خرج عن فلكه، ولا تخلَّف عن موعده، أو امتنع عن أداء مهمته.
هذا حال الجمادات في السماوات والأرض، فما حالكم أنتم أيها العقلاء؟ لو تحدَّثنا في المادة فهي تبقى وأنتم تموتون، وفي المعاني والقيم تتساند هذه الجمادات، وأنتم تتعاندون وتختلفون وتتصارعون، فأيُّكم إذن أحسن خَلْقاً وأكبر؟
لذلك يجيب الحق سبحانه على هذا الاستفهام المنفي: أَوَلَـيْسَ الَذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم...
فيقول (بَلَى) أي: نعم قادر وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ وخلاَّق صيغة مبالغة من خالق، ليؤكد هذه القضية لكل مكذِّب بها، وهو سبحانه الْعَلِيمُ أي: بمَنْ خلق.
ثم يقول سبحانه: إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ هنا إشارة لطيفة من الحق سبحانه لكل مُكذِّب بالبعث، كأن الله يقول لهم: يا مَنْ تكذِّبون بقدرة الله على بَعْث العظام التي رمَّتْ، أتظنون أن الله يخلق بعلاج كما تخلقون أنتم، الله الخالق لا يخلق بعلاج، وإنما يخلق بكلمة (كُنْ)، بل يخلق سبحانه بمجرد مراده، فإنْ أراد شيئاً كان، دون أنْ يقول، ودون أنْ يأمر، وما كلمة (كُنْ) إلا لتقريب المسألة إلى أذهاننا.
وسبق أنْ أوضحنا هذه العملية بمثال، ولله المثل الأعلى، قلنا: كيف تنكر أيها الإنسان قدرة الله، وقد أفاض عليك بمثلها في ذات نفسك، فأنت مثلاً حينما تريد أنْ تقوم من مجلسك، ماذا تفعل؟ هل أمرتَ العضلات أنْ تتحرك، بل هل تعرف أصلاً ما هي العضلات التي تقيمك، وما الأعصاب التي تتحكم في هذه العملية؟
إنك تقوم بمجرد إرادتك للقيام وليس لك دَخْل فيها، بدليل أن الطفل الصغير الذي لا يعرف عن تكوين جسمه شيئاً يقوم إذا أراد القيام، فإذا كنتَ أنت أيها الإنسان تنفعل لك الأشياء دون أنْ تقولَ لها انفعلي، فهل يليق بك أنْ تُكذِّب بهذا في حق ربك وخالقك؟
فإنْ قُلْتَ: فلماذا لا آمر أعضائي وأقول لها: اعملي كذا وكذا؟ نقول: الحق سبحانه يقول للشيء كُنْ لأنه سبحانه يعلم أن الأشياء ستأتمر بأمره، ولن تخرج عن مراده، إنما هل أنت واثق أنها ستأتمر بأمرك إنْ أمرتها؟ إنك لا تثق بهذه المسألة بدليل أن الله تعالى حين يسلب الإنسان هذه القدرة تخرج أعضاؤه عن طاعته، فيريد أنْ يقوم فلا يستطيع، تشل الأعضاء فلا تتحرك.
إذن، نقول: إذا كان المخلوق مجرد إرادته تسيطر على جوارحه، فهل نستبعد أن تكون إرادة الخالق الأعلى تسيطر على هذا الكون المخلوق له سبحانه؟
وكلمة (كُنْ) يقولها الله ليقرِّب لنا فَهْم المسألة، ويقولها لأن الأشياء لا تتخلف أبداً عن طاعته والانفعال لأمره، إنما أنت إنْ قُلْتها فلن يسمعك أحد؛ لذلك قال سبحانه موضحاً استجابة الأرض لأمره سبحانه:
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ٢] أي: حَقَّ لها أنْ تسمع، وأنْ تطيع.
ومعنى أَن يَقُولَ لَهُ أي: للشيء الذي لم يُوجد بَعْد، فكيف أذن يخاطبه وهو ما يزال غَيْباً، قالوا: الخالق سبحان خلق كل الأشياء أزلاً في عالم اسمه "عالم المثال"، فالأشياء موجودة بالفعل، لكن تنتظر الأمر بالظهور والخروج إلى عالم الوجود؛ لذلك قال أحد العارفين: أمور يُبديها ولا يبتديها.
آية رقم ٨٣
عرفنا في الآية السابقة أن الحق سبحانه إذا قال كُنْ انفعلتْ له الأشياء وأطاعت، أما إنْ قالها الإنسان فلن يستجيب له شيء، وقلنا: إذا ورد لله تعالى وَصْف يُوصف به البشر، فعلينا أنْ نأخذه في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] إذن: طبيعي أنْ تختم هذه الآيات والسورة كلها بقوله تعالى فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس: ٨٣] يعني: تنزيهاً له عن أن يُشبهه أحد، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وكلمة مَلَكُوتُ [يس: ٨٣] من ملك، وهذه المادة الميم واللام والكاف تُستخدم على معان أربعة: الأول: نقول مالك، وهو كل مَنْ ملَك شيئاً ولو كان يسيراً، فلو كان لا يملك إلا الثوب الذي يلبسه يُسمَّى مالك. الثاني: نقول مَلِك وهو الذي يملك مَنْ مَلَك أي: يملك أنْ يتصرف فيه وفي إدارة حركته، الثالث: كلمة المُلْك وهي أن يترقى الملك في أمور ظاهرة يعرفها الناس، الرابع: كلمة الملكوت ويُراد بها الملْك المستور غير الظاهر، وهو أقوى وأعمّ من المُلْك.
وقد يكون الشيء من عالم الملكوت، ثم يصير إلى عالم المُلك مثل الأشياء التي كانت غيباً واكتشفها الإنسان أو ابتكرها، فصارت مشهودة، وهناك أشياء تظل دائماً في عالم الملكوت لا نعرف شيئاً عنها إلا في الآخرة، وهذا النوع هو الذي يُكذِّبون به، ومن ذلك قوله تعالى في شأن سيدنا إبراهيم: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ [الأنعام: ٧٥].
نعم، يُطلعه الله على عالم الملكوت، لأنه لما أطلعه على عالم الملْك وابتلاه نجح في الابتلاء بتفوق، نجح في كل مراحل حياته، نجح وهو شيخ كبير في مسألة ذَبْح ولده إسماعيل، نجح لما أُلْقِي في النار؛ لذلك صار أهلاً لأنْ يُطلِعه الله على أسرار الكون، وعلى عالم الملكوت، كما لو أن في أولادك ولداً صالحاً ترى فيه مخايل النجابة، فتصطفيه بشيء تفضله به عن باقي الأولاد، كذلك مَنْ يحسن العبودية لله تعالى يحسن الله له العطاء.
ومن ذلك ما قَصَّه علينا القرآن في سورة الكهف من قصة العبد الصالح الذي رافقه نبي الله موسى وتعلَّم منه، والذي قال الله فيه فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً [الكهف: ٦٥] هذا العبد الصالح لم يكُنْ نبياً، ولم ينزل عليه الوحي، ومع ذلك تعلَّم منه النبي، لماذا؟ لأنه أخذ ما جاء به الرسول وطبَّقه على نفسه، فلما علم الله منه أنه مأمون على مناهج الله وعلى أسراره زاده وأعطاه من علمه اللَّدُنيِّ، وكشف له من أسرار الملكوت.
ألاَ ترى أن سيدنا موسى - عليه السلام - غضب منه حينما خرق السفينة، وتعمد أنْ يعيبها، وهي لمساكين فقراء، هذا هو عالم الملْك الذي اطَّلع عليه العبد الصالح، أما علمه بعالم الملكوت ففي قوله: وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف: ٧٩] فأطلع العبدَ الصالح على بعض عالم الملكوت، كما أطلع إبراهيم عليه السلام على ملكوت السماء.
وكلمة (ملكوت) تحمل معنى المبالغة، مثل: رحموت وجبروت ورهبوت، فهي إذن للمبالغة في الملْك، لكن نلحظ عند علماء القراءات أن أحدهم يقرأ: مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ [الفاتحة: ٤] فيقول (مَلِكِ يوم الدين) بدون صيغة المبالغة، قالوا: لأن الكلام عن يوم الدين، وفي هذا اليوم الملْك كله لله وليس لأحد مُلْك، ولا حتى الثوب الذي يرتديه.
ومن ذلك أيضاً قولنا في الأذان الله أكبر فذكر الصفة (أكبر) دون مبالغة، ولم يذكر الاسم (الكبير)، فكيف يتأتَّى ذلك في شعار الصلاة، التي هي عماد الدين، ونأتي بالصفة دون الاسم؟ قالوا: لأن الأذان يأخذ الناس من أعمالهم للاستجابة لنداء ربهم، والعمل له اعتباره في الإسلام؛ لأنه مهمة الإنسان في الحياة، وبه يتوصَّل إلى طاعة الله؛ لذلك يُقدِّره الدين ولا يحتقره.
ومعنى (الله أكبر) أن العمل كبير ومهم، لكن الله أكبر ونداء ربِّك أهم، أما كبير فهي اسم من أسماء الله. ومعنى كبير أن ما دونه صغير؛ لذلك أتى في الأذان بالوصف لا بالاسم.
فقوله تعالى: فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس: ٨٣] أي: ما تراه وما لا تراه من الملك، وما خَفِي عنك، ثم توصَّلْتَ إليه بالعلم واكتشفته، والذي لا تراه من الملك إلى أنْ يخبر الله به أحد عباده: عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ [الجن: ٢٦-٢٧].
والتحقيق أن المغيبات والأسرار المطمورة في الكون لا يكتشفها الإنسان إنما تُكْشف له، وقلنا: إن كل سِرٍّ في الكون أراد الله أنْ يُظهره له عمر وميلاد، فإنْ صادف ميلادُه بحثَكَ ظهر على يديك، وإلا أظهره الله لك مصادفة في موعده إذا لم تبحث عنه؛ لذلك يقولون: إن سبعة وتسعين بالمائة من مكتشفات الحياة ظهرت لنا مصادفة.
ويقول سبحانه في آية الكرسي: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ [البقرة: ٢٥٥] فالإنسان لا يحيط إلا بعلم الشيء اليسير من علم الله، ولا يحيط بهذا اليسير إلا بعلمه تعالى وإذنه، حين يأذن بميلاد الشيء وظهوره.
وقوله سبحانه: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: ٨٣] أي: يوم القيامة، فكونوا على ذِكْرٍ لهذه الحقيقة، فمَنْ لم يؤمن بنعمة الخَلْق ترهبه نعمة الإعادة والمرجع، فأنتم ما خُلِقْتم عبثاً، ولمن تُتْرَكُوا سُدىً.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

82 مقطع من التفسير