تفسير سورة سورة النساء

أبى بكر السجستاني

كتاب نزهة القلوب

أبى بكر السجستاني

﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾: ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا.﴿ تَعُولُواْ ﴾ تجوروا وتميلوا، وأما قول من قال: ﴿ أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ أن لا يكثر عيالكم، فغير معروف في اللغة. وقال بعض العلماء: إنما أراد أن لا يكثر عيالكم، أي أن لا تنفقوا على عيال، وليس ينفق على عيال حتى يكون ذا عيال، فكأنه أراد: ذلك أدنى ألا تكونوا ممن يعول قوما: قال أبو عمر: وأخبرنا ثعلب عن علي بن صالح صاحب المصلى عن الكسائي قال: من العرب من يقول: عال يعول إذا كثر عياله: وأخبرنا أبو عمرو بن الطوسي عن اللحياني مثله.
﴿ صَدُقَٰتِهِنَّ ﴾ أي مهورهن، واحدتها صدقة ﴿ نِحْلَةً ﴾ أي هبة، يعني أن المهور هبة من الله تعالى للنساء وفريضة عليك. ويقال نحلة: أي ديانة، يقال: ما نحلتك أي ما دينك.
﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ يعني النساء والصبيان. انظر ١٤٢ من البقرة.﴿ قِيَٰماً ﴾ أي قواما. انظر ١٩١ من آل عمران.
﴿ كَلَٰلَةً ﴾: هو أن يموت الرجل ولا ولد له ولا والد. وقيل: هي مصدر من تكلله النسب أي أحاط به، ومنه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس. والأب والإبن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين كلالة، وكأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب، مأخوذ منه، يجري مجرى الشجاعة والسماحة. واختصاره أن الكلالة من تكلله النسب: أي أطاف به، والولد والوالد خارجان من ذلك لأنهما طرفان للرجل.
﴿ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ﴾ أنهى إليه فلم يكن بينهما حاجز، وهو كناية عن الجماع.
﴿ سَلَفَ ﴾: مضى.﴿ مَقْتاً ﴾: بغضا، وقوله عن اسمه ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً ﴾ أي كان فاحشة عند الله ومقتا في تسميتكم، كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها يقولون للولد مَقتى.
﴿ رَبَائِبُكُمُ ﴾: بنات نسائكم من غيركم، الواحدة ربيبة ﴿ حَلَٰئِلُ ﴾: جمع حليلة، وحليلة الرجل امرأته، وإنما قيل لامرأة الرجل حليلته، وللرجل حليلها، لأنه يحل معها وتحل معه، ويقال حليلة بمعنى محلة، لأنها تحل له ويحل لها، قال أبو عمر: ومنه قول عنترة: وحليل غانية تركتُ مجدَّلا   
(محصنات): ذوات الأزواج، والمحصَنات والمحصنات جميعا: الحرائر وإن لم يكن متزوجات، والمحصنات والمحصنات أيضا العفائف ﴿ طَوْلاً ﴾ أي سعة وفضلا ﴿ فَتَيَٰتِكُمُ ﴾ أي إمائكم ﴿ مُسَٰفِحَٰتٍ ﴾ أي زوانٍ ﴿ أَخْدَانٍ ﴾ أصدقاء واحدهم خدن وخدين ﴿ أُحْصِنَّ ﴾: تزوجن، أحصن: زوجن ﴿ ٱلْعَنَتَ ﴾ أي الهلاك، وأصله المشقة والصعوبة، من قولهم أكمة عنوت، إذا كانت صعبة المسلك. حدثني أبو عبدالله قال حدثني أبو عمر عن الهدهد عن المبرد أنه قال: العنت عند العرب: تكليف غير الطاقة. وقوله عز وجل﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ ﴾[البقرة: ٢٢٠] أي لأهلككم. ويجوز أن يكون المعنى: لشدد عليكم وتعبدكم بما يصعب عليكم أداؤه كما فعل بمن كان قبلكم. وقوله:﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾[التوبة: ١٢٨] أي ما هلكتم: أي وعزيز: تشديد يغلب صبره يقال: عزه يعزه عزا، إذا غلبه. ومنه قولهم: من عزيز، أي من غلب سلب.
(نشوز): بغض المرأة للزوج أو الزوج للمرأة، يقال: نشزت عليه: أي ارتفعت عليه، ونشز فلان أي قعد على نشز ونشَز من الأرض: أي مكان مرتفع، وقوله تعالى: ﴿ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ أي معصيتهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من مطاوعة الأزواج.
﴿ ٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾: أي ذي القرابة، والجار الجنب: أي الغريب. والصاحب بالجنب: أي الرفيق في السفر، وابن السبيل: الضيف.(جنب): غريب. وجنب: بعيد، وجنب الذي أصابته جنابة، يقال جنب الرجل واجتنب وتجنب، من الجنابة.(مختال) أي ذو خيلاء.
﴿ ٱلْغَآئِطِ ﴾ المطمئن من الأرض، وكانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوا غائطا، فكنى عن الحدث بالغائط (لمستم) ولامستم النساء: كناية عن الجماع.﴿ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ أي ترابا نظيفا، والصعيد وجه الأرض.﴿ غَفُوراً ﴾ أي ساترا على عباده ذنوبهم، ومنه المغفر، لأنه يغطي الرأس؛ وغفرت المتاع في الوعاء، إذا جعلته فيه لأنه يغطيه ويستره.
﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾: أي ما أصابك من نعمة فمن الله فضلا منه عليك ورحمة، وما أصابك من سيئة أي من أمر يسوءك، فمن نفسك، أي من ذنب أذنبته فعوقبت.
﴿ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾ أي نصيب منها، و (كفلين) أي نصيبين من رحمته ﴿ مُّقِيتاً ﴾ أي مقتدرا، قال الشاعر: وذي ضغن كففت النفس عنه   وكنت على مساءته مقيتاأي مقتدرا. وقيل: مقيتا أي مقدرا لأقوات العباد. والمقيت: الشاهد الحافظ للشيء. والمقيت: الموقوف على الشيء قال الشاعر:_@_ليت شعري وأشعرن إذا ما _@_ قربوه منشورة ودعيت_@_ ألى الفضل أم على إذا حو _@_ سبت إني على الحساب مقيت_@_أي إني على الحساب موقوف.
﴿ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أي ظفرتم بهم.(سلم) بفتح اللام: استلام وانقياد. والسلم: السلف أيضا. والسلم: شجر أيضا، واحدتها سلمة. والسلم والسلم بتسكين اللام وفتح السين وكسرها: الإسلام والصلح أيضا. والسلم أيضا الذلو العظيمة.
﴿ إِنَٰثاً ﴾ في قوله: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً ﴾ أي مواتا، مثل اللات والعزى ومناة وأشباهها من الآلهة المؤنثة، ويقرأ: أُثنا: جمع وثن، فقلبت الواو همزة كما قيل في أقتت: وقتت. ويقرأ: أُنثا جمع إناث.﴿ مَّرِيداً ﴾: ماردا: أي عاتيا، ومعناه أنه قد عري من الخير وظهر شره، من قولهم: شجرة مرداء إذا سقط ورقها فظهرت عيدانها، ومنه غلام أمرد، إذا لم يكن في وجهه شعر.
(واسع) أي جواد يسع لما يسأل. ويقال الواسع: المحيط بعلم كل شيء، كما قال:﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾[طه: ٩٨].
آية رقم ١٣٨
(منافق): مأخوذ من النفق وهو السرب: أي يستتر بالإسلام كما يستتر الرجل في السرب. ويقال هو من قولهم: نافق اليربوع ونفق، إذا دخل نافقاءه، فإذا طلب من النافقاء خرج من القاصعاء، وإذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء. والنافقاء والقاصعاء والراهطاء والدامياء: أسماء جحر اليربوع.
﴿ ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ ﴾: النار دركات أي طبقات بعضها فوق بعض. وقال ابن مسعود: الدرك الأسفل: توابيت من حديد مبهمة عليهم، يعني أنها لا أبواب لها.
﴿ ٱلْمَسِيحَ ﴾ فيه ستة أقوال: قيل سمي عيسى عليه السلام المسيح لسياحته في الأرض، وأصله مسيح: مفعل، فأسكنت الياء وحولت كسرتها إلى السين. وقيل: مسيح: فيعل من مسح الأرض، لأنه كان يمسحها أي يقطعها. وقيل سمي مسيحا لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. وقيل سمي مسيحا لأنه كان أمسح الرجل: ليس لرجله إخمص، والاخمص: ما تجافى عن الأرض من باطن الرجل. وقيل سمي مسيحا لأنه كان لا يمسح عاهة إلا برئ. وقيل المسيح: الصديق.
﴿ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾: أي تجاوزوا الحد وترتفعوا عن الحق.﴿ رُوحٌ مِّنْهُ ﴾: يعني عيسى عليه السلام روح من الله، أحياه الله فجعل روحا. والروح الأمين: جبريل عليه السلام. وقوله تعالى:﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾[الإسراء: ٨٥].
أي من علم ربي وأنتم لا تعلمونه. والروح فيما قال المفسرون: ملك عظيم من ملائكة الله عز وجل يقوم وحده فيكون صفا وتقوم الملائكة صفا، فذلك قوله عز وجل:﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً ﴾[النبأ: ٣٨].
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

56 مقطع من التفسير