تفسير سورة سورة الحجر

أبو بكر الحداد اليمني

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل

أبو بكر الحداد اليمني (ت 800 هـ)

آية رقم ١
﴿ الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ الر، ومعنَى ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ أي هذه آياتُ الكتاب الذي وعدتُ إنزالَهُ عليكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ أي مبَيِّنٌ للحلالِ والحرام، مميِّزٌ بين الحقِّ والباطلِ.
آية رقم ٢
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ ؛ أي ربَّما يأتِي على الكفارِ يوم يتمَنَّون أن لو كانوا مُسلمين، وذلكَ في الآخرةِ إذا صارَ المسلمون إلى الجنَّة والكفارُ إلى النارِ.
قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ اللهَ تَعَالَى إذا أدْخَلَ أهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأهْلَ النَّارِ النَّارَ، أُحْبسَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيَقُولُ الْمُنَافِقُونَ لَهُمْ : نَحْنُ حُبسْنَا بكُفْرِنَا وَنِفَاقِنَا، فَمَا نَفَعَكُمْ بِمُحَمَّدٍ ؟ فَعِنْدَ ذلِكَ يَصِيحُونَ صَيْحَةً لَمَّا عَيَّرَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَيَسْمَعُهَا أهْلُ الْجَنَّةِ، فَيَقُومُونَ إلى آدَمَ ثُمَّ إلى إبْرَاهِيمَ، ثُمَّ إلى مُوسَى، ثُمَّ إلى عِيسَى يَطْلُبُونَ الشَّفَاعَةَ لَهُمْ، فَيُحِيلُونَهُمْ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَشْفَعُ لَهُمْ، وَذلِكَ هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، فَيُدْخِلُهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ، فَإذا نَظَرَ الْمُنَافِقُونَ إلَيْهِمْ تَمَنَّواْ أنْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ).
آية رقم ٣
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ ﴾ ؛ أي اترُكهم يا مُحَمَّد يأكُلوا في الدُّنيا كالأنعامِ، ويتلذذُوا قَليلاً، ويُشغِلْهم الأملُ الطويل عن طاعةِ الله، ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾، فسيعلمون ماذا ينْزلُ بهم من العذاب، وعن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" إنَّ أخْوَفَ مَا أخَافُ عَلَى أُمَّتِي شَيْئَينِ : طُولَ الأَمَلِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى، فَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وَأمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ".
الآيات من ٤ إلى ٥
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ ؛ أي أجلٌ ينتَهون إليه لا يُهلِكُهم اللهُ حتى ينتهون إليه، لا يهلِكُ أُمَّة قبل أجلِها الذي كتبَ لها، ولا تؤخَّرُ عن أجلِها طرفةَ عينٍ، فلا يفترُ هؤلاء الكفار بتأخيرِ وقت إهلاكهم، فإنه إذا جاءَ الوقتُ الذي كتبَ الله هلاكَهم فيه، لم يتأخَّروا عنه كما لا يتقدمون عليه.
وفي هذا بيانُ أنه لا يموتُ أحدٌ ولا يقتلُ إلاّ لأَجَلهِ الذي جعلَهُ الله له، ولا يعترضُ على هذا بقولِ مَن قالَ : يجبُ أن لا يكون القاتلُ ظالماً للمقتولِ ؛ لأنه لو لم يقتلْهُ كان يموتُ في ذلك الوقتِ! قُلنا : كان يموتُ من غير ألَمِ القتلِ، فكان القاتلُ بإيصالِ ذلك الألَمِ إليه ظَالماً له.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَقَالُواْ ياأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ ؛ أي قالَ الكفارُ مِن أهلِ مكَّة وهم : عبدُالله بن أُمَية المخزومي وأصحابهُ ؛ قالوا للنبيِّ ﷺ : يا أيُّها الذي نزلَ عليه الذِّكرُ في دعواهُ وفي زعمهِ إنَّكَ لَمجنون في دعواكَ أنه نَزَلَ عليكَ هذا. فإنَّهم كانوا لا يُقِرُّونَ بأن القرآنَ أُنزِلَ عليه، وقولهُ تعالى :﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ ﴾ ؛ أي هَلاَّ تأتِينَا بالملائكةِ من السَّماء يشهَدُون أنَّكَ رسولُ اللهِ، ﴿ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ ؛ فيما تدَّعي.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ ﴾ ؛ جوابٌ من اللهِ لَهم يقولُ : ما تَتنَزَّلُ الملائكةُ من السَّماء إلا بالرِّسالةِ والعقاب والموتِ، كلُّ ذلك حقٌّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ ﴾ ؛ أي وما كانوا إذاً مؤَجَّلين إذا نزلت عليهم الملائكةُ، بل يُستَأصَلُونَ بالعذاب حينئذٍ، إلا مَن يكون له المعلومُ من حالهِ أنه يؤمنُ.
آية رقم ٩
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ؛ الذي جعلنَاهُ مُعجِزاً لا يقدرُ على الإتيان بمثلهِ، فهو محفوظٌ من الزِّيادة والنقصان، ويقال : هو محفوظٌ من كَيْدِ المشركين بالإبطال.
آية رقم ١٠
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ ﴾ ؛ أي ولقد أرسَلنا رسُلاً من قبلِكَ في الأُمَم الأوَّلين، والشِّيَعُ : جمعُ شِيعَةٍ، والشِّيعَةُ : الأمَّةُ والفِرقَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ؛ في إنكار التوحيد والبعثِ، كما يفعلُ بكَ قومُكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ؛ بأن تُسمِعَهم ويُفهِمَهم ثم لا يؤمنون بهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : كذلك نسلكُ الاستهزاءَ ف قلوب الْمُجرِمين حتى يَمتَنِعُوا عنه. والسَّلْكُ : إدخالُ الشيءِ في الشيء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ﴾ بعذاب الاستئصالِ عندَ مُعاندَتِهم في التكذيب.
الآيات من ١٤ إلى ١٥
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ ؛ أي لو فَتحنا على هؤلاءِ الكفار بَاباً من السَّماء ينظُرون إليه، فظَلُّوا يصعَدُون إليه وينْزِلُونَ عنه، لَم يؤمنوا وقالُوا :(إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) أي غُطِّيَتْ أبصارُنا وأُغْشِيَتْ عن حقيقةِ الرُّؤية، ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ﴾ ؛ نحن قومٌ قد سُحِرْنَا، وتُخَيَّلُ لنا هذه الأشياءُ على خلافِ حقَائِقها، كما قالوا حين انشقَّ القمرُ وعاينوهُ : هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ.
ومَن قرأ (سُكِرَتْ) بالتخفيفِ فهو من السُّكْرِ، وقراءةُ التشديدِ ؛ لتكثير الفعلِ والمبالغة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً ﴾ ؛ وهي منازلُ الشَّمسِ والقمر والكواكب التِّسعة، وهي اثنَا عسرَ بُرجاً : أوَّلُها الْحَمَلُ والثورُ إلى آخرها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ ؛ أي زيَّنا السماءَ بالكواكب للناظِرين إليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ؛ أي حَفِظْنَا السماءَ أن يدخُلَ فيها شيطانُ يمكنه الاستماعُ إلى كلامِ الملائكة.
قال ابنُ عبَّاس :(كَانَتِ الشَّيَاطِينُ لاَ تُحْجَبُ عَنِ السَّمَوَاتِ كُلِّهَا، وَكَانُواْ يَقْعُدُونَ فِي السَّمَاءِ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَيَسْتَمِعُونَ إلى مَا هُوَ كَائِنٌ فِي الأَرْضِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، فَيَنْزِلُونَ بهِ عَلَى كَهَنَتِهِمْ، فَيَتَكَلَّمُ بهِ الْكَهَنَةُ لِلنَّاسِ، حَتَّى بُعِثَ عِيسَى عليه السلام فَمُنِعُواْ مِنْ ثَلاَثِ سَمَوَاتٍ، وَكَانُوا يَصْعَدُونَ إلَى أرْبَعِ سَمَوَاتٍ إلَى أنْ بَعَثَ اللهُ النَّبِيَّ ﷺ، فَمُنِعُواْ مِنَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَحُرِسَتِ السَّمَاءُ بالنُّجُومِ وَالْمَلاَئِكَةِ، فَمَا مِنْهُمْ أحَدٌ يُرِيدُ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ إلاَّ رُمِيَ بشِهَابٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْهُمُ مَنْ يَخْبَلُ). فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ ؛ أي نجمٌ مُضِيءٌ حارٌّ يتوقدُ لا يخطؤهُ، والشِّهَابُ : هو الكوكبُ الْمُنْقَضُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾ ؛ أي بسَطنَاها، ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ ؛ أي جِبَالاً ثوابتَ أوتاداً لها، ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا ﴾ ؛ أي في الجبالِ، { مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) ؛ من كلِّ ما يوزَنُ مثل الذهب والفضة والحديد والصُّفرِ والنُّحاس والرصاصِ. ويجوز أن يكون المعنى : وأنبَتْنَا في الأرضِ من كلِّ شيءٍ من النباتِ والثمار مقدورٍ مقسومٍ لا يجاوِزُ ما قَدَّرَهُ اللهُ على ما تقتضيه الحكمةُ. وأما تخصيصُ الموزون فلأنَّ ما يُكَالُ من الحبوب يعاقبهُ الوزن أيضاً.
آية رقم ٢٠
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ أي جعلنَا لكم في الأرضِ معايشَ مما تأكُلون وتشرَبُون وتلبَسون، وقولهُ تعالى :﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ ؛ أي وجَعلنا لِمَن لستُمْ له برَازِقِينَ معايشَ من الدواب وغيرِها، وجاءت (مَنْ) لغيرِ الناس كقوله تعالى﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ﴾[النور : ٤٥] الآيةُ. وَقِيْلَ : المعنى : وجعَلنا لكم مَن لستُم له برَازِقين، كأنه قال : جعلنا لكم فيها معايشَ، وجعلنا لكُم العبيدَ والدوابَّ، وكفيناكُم مُؤْنَةَ أرزَاقِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ ؛ أي ما مِن شيءٍ تحتاجون إليه من النَّباتِ والثمار والأمطار، إلاّ ومفاتيحَهُ إلَينا وهو في مَقدُورِنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ؛ أي ما نُنَزِّلُ الرزقَ والمطرَ إلا بمقدارٍ معلوم تقتضِي الحكمةُ إنزالَهُ، ويعلمُ الْخُزَّانُ مقاديرَهُ، كما رُوي في الخبرِ :" مَعَ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكٌ يَضَعُهَا فِي مَوْضِعِهَا، إلاَّ يَوْمَ الطُّوفَانِ فَإنَّهُ طَغَى الْمَاءُ يَوْمَئِذٍ عَلَى خُزَّانِهِ، فَلَمْ يَحْفَظُواْ مَا خَرَجَ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ ؛ أي ذاتَ لُقَاحٍ تأتِي بالسَّحاب وتَلْقَحُ الشَّجرَ، فالريحُ هي الْمُلَقَّحَةُ للسَّحاب ؛ أي الْمُحَمِّلَةُ للسحاب المطرَ، قال ابنُ مسعود :(يَبْعَثُ اللهُ الرِّيحَ فَتَلْقَحُ السَّحَابَ، ثُمَّ تَمُرُّ بهِ فَيُدِرُّ كَمَا تُدِرُّ النَّعْجَةُ، ثُمَّ يُمْطِرُ)، وعنهُ أيضاً قال :(خَلَقَ اللهُ الْمَاءَ فِي الرِّيحِ فَتُفْرِغُهُ الرِّيحُ فِي السَّحَاب ثُمَّ تَمُرُّ بهِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ﴾ ؛ يعني المطرَ، ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ ؛ أي لستُم لذلك الماءِ بخَازنِينَ ولا مفاتيحهُ بأيدِيكم.
آية رقم ٢٣
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ ؛ أي نُحيي بالبعثِ في الآخرة، ونُميتُ في الدنيا ونحن الوارثونَ لِمَا في السَّموات والأرضِ بعدَ موتِ أهلها، ومعنى الإرْثِ : الخلائقُ كلُّهم يَموتُونَ ولا يبقَى إلا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وما يبقَى للحيِّ بعد الميْت يُسمَّى مِيرَاثاً.
آية رقم ٢٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ ؛ أي عِلمْنَا الأوَّلين منكم وعلِمْنا الآخِرين، وَقِيْلَ : ولقد علِمْنا السَّابقين منك إلى الطاعةِ، ولقد علمنا المتأخِّرين عن الطاعةِ.
وعن ابنِ عبَّاس قال :(كَانْتِ امْرَأةٌ حَسْنَاءُ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي آخِرِ النِّسَاءِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَقَدَّمُ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ لِئَلاَّ يَرَاهَا، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَكُونُ فِي آخِرِ الصَّفِّ، فَإذا رَكَعَ تَقُولُ هَكَذا، وَنَظَرَ إلَيْهَا مِنْ تَحْتِ إبْطِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
آية رقم ٢٥
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ ؛ أي يجمَعُهم للجزاءِ والحساب، ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ ﴾ ؛ في أفعالهِ، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ؛ بما يستحقُّه كلُّ واحدٍ منهم.
آية رقم ٢٦
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ ؛ يعني آدمَ، والصَّلْصَالُ : هو الطِّينُ اليابسُ الذي لَم تُصِبْهُ نارٌ، فإذا ضَربَتْهُ صَلَّ ؛ أيْ صَوَّتَ، وإذا مَسَّهُ النارُ فهو فَخَّارٌ. والْحَمَأُ : جَمْعُ الْحَمَأَةِ، وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ إلَى السَّوَادِ. والْمَسْنُونُ : مُتَغَيِّرُ الرَّائِحَةِ إلَى النَّتَنِ من قوله﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾[البقرة : ٢٥٩]. وهو الذي أتت عليه السُّنون.
وذلك أن أدمَ كان في الأصلِ تُراباً ثم عُجِنَ ذلك الترابُ بالماءِ فصارَ طِيناً، ثم صارَ حَمَأً مَسْنُوناً ثم صُوِّرَ، وتُرِكَ مصَوَّراً حتى يَبسَ فصارَ صَلْصَالاً، فمكثَ أربعين سنةً ثم صارَ بَشَراً، لَحماً ودماً وعظماً، ثم نُفِخَ فيه الروحُ.
آية رقم ٢٧
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ﴾ ؛ قِيْلَ : إن الْجَانَّ أبو الجنِّ وهو إبليسُ، فمَن أسلَمَ من ولدهِ فهو جِنِّيٌّ، ومَن كفرَ فهو شيطانٌ، وقوله تعالى :﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أي من قبل آدمَ، وقال الكلبيُّ :(الْجِنُّ وَلَدُ الْجِنِّ وَلَيْسَ هُوَ بإبْلِيسَ، إنَّمَا إبْلِيسُ أبُو الشَّيَاطِينِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ مِن نَّارِ السَّمُومِ ﴾ أي مِن نارٍ حارَّة، قال ابنُ مسعود :(سَمُومُكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ السَّمُومِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ الْجَانُّ)، ويقالُ : السُّمُومُ نارٌ صافية لا دخانَ لها، ومِن هذا سُمِّيت الريحُ المحرقة الحارَّة سَموماً. وأما الْمَارجُ الذي ذكرَهُ الله تعالى في قولهِ﴿ وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾[الرحمن : ١٥] فمعنى الْمَارجِ ما اختلطَ من لَهَب النار.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ ؛ أي جمعتُ خَلقَهُ باليدَين والرجلين والعينَين وسائرِ الأعضاء، ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ ؛ وأدخلتُ فيه روحاً فصارَ بشراً بعدَ ما كان طِيناً يابساً، ﴿ فَقَعُواْ لَهُ ﴾ ؛ على وجُوهِكم، ﴿ سَاجِدِينَ ﴾ ؛ أي خاضعين له بالتحيَّة، ﴿ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ ؛ لآدمَ سجودَ تحيَّة له، وعبادةً للهِ، وقولهُ تعالى :﴿ أَجْمَعُونَ ﴾ يدلُّ على اجتماعِهم في السُّجود في حالةٍ واحدة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴾ ؛ أي امتنعَ من السُّجود لآدمَ، ﴿ قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ ﴾ ؛ أي كيفَ ينبغي أن أسجُدَ له، وأنا أشرفُ منه أصلاً وهو، ﴿ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾، من طينٍ يتصَلصَلُ مجوَّف محتاجٌ إلى الطعامِ والشراب، وهو من حَمَأ، والْحَمَأُ ظلمةٌ وسواد، والْمَسْنُونُ من الحمأ مُنْتِنٌ، ﴿ قَالَ ﴾ ؛ اللهُ تعالى :﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا ﴾ ؛ أي من الجنَّة، وَقِيْلَ : من الأرضِ، فأَلْحَقَهُ بجُزر البحارِ، ﴿ فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ ؛ أي من مطرودٌ من الرحمةِ، مُبْعَدٌ من الخير، ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ﴾ ؛ مع هذا، ﴿ اللَّعْنَةَ ﴾ ؛ لَعْنَةَ اللهِ ولعنةَ الخلائقِ، ﴿ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يومِ الجزاء وهو يومُ القيامةِ، وهو أوَّلُ من عصَى اللهَ من أهل السَّموات والأرضِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ؛ أي أجِّلنِي إلى يوم يبعَثُ الخلائقُ، أرادَ الخبيثُ أن لا يذوقَ الموتَ، ﴿ قَالَ ﴾ ؛ الله تعالى :﴿ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾ أي وقتِ النَّفخَةِ الأُولى حين يُصعَقُ مَن في السمواتِ ومن في الأرض، وبين النفخة الأُولى والثانية أربعون سنةً.
وهذا لم يكن إجابةً من اللهِ لإبليس إلى ما سألَ، لأنه لم يكن أجلهُ ما دون آخرِ التكليف ثم أجَّله إليه، ولكن كان في علمِ الله أنه لم يسأَلْ لكان أجلهُ يمتَدُّ إلى آخرِ التكليف، فيكون هذا جوابَ إهانةٍ لا جواب له.
فلما لم يعطَ الخبيثُ ما سألَ من النَّظْرَةِ ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ ؛ أي خَيَّبْتَنِي من جنَّتك ورحمتك، ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ ﴾ ؛ لبَنِي آدمَ، ﴿ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ؛ من الشهوات واللذاتِ حتى يختارُوها على ما عندَكَ.
آية رقم ٤٠
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ ؛ من قرأ بكسرِ اللام فمعناه : الذين أخلَصُوا الطاعةَ لكَ، ومَن نصبَها فمعناهُ : الذين أخلَصتَهم لنفسِكَ.
آية رقم ٤١
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ؛ أي افعَلْ ما شِئْتَ، فإن طريقكَ عليَّ لا تَفوتُني، وهذا تَهديدٌ لإبليسَ، وَقِيْلَ : معناهُ : علَيَّ مَمَرُّ مَنْ أطاعكَ وعلَيَّ مَمَرُّ من عصَاكَ، كما قال :﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾[الفجر : ١٤]، وَقِيْلَ : معناهُ : إن هذا دينٌ مستقيم عليَّ بيانهُ والهداية إليه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ ؛ أي لا تقدرُ أن تحمِلَهم على المعصيةِ وتُكرِهَهم عليها، ﴿ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾، ولكن مَن يتَّبعُكَ فإنما يتَّبعُكَ باختيارهِ.
الآيات من ٤٣ إلى ٤٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ؛ أي لموعِدُ إبليس ومَن تَبعَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ ؛ بعضُها أسفلَ من بعضٍ، وكلُّ طَبَقٍ منها أشدُّ حرّاً مِن الذي فوقَهُ سبعين ضِعْفاً، والبابُ الأوَّلُ أهونُ حرّاً، ولو أن رجُلاً بالمشرقِ فكُشِفَ عنها بالمغرب لخرجَ دماغهُ من مِنْخَرَيهِ من شدَّة حرِّها.
والطبقُ الأول : جهنَّم، فيه أهلُ القِبلَةِ مِن أهلِ الكبائر إذا ماتوا غيرَ تائبين. الثانِي : لَظَّى، وفيه النَّصارَى. والثالثُ : الْحُطَمَةُ، وفيه اليهودُ. الرابعُ : السَّعِيرُ، وفيه الْمَجُوسُ. الخامسُ : سَقَرُ ؛ وفيه المشركين وأهلِ الأهواء المختلفة، السادسُ : الْجَحِيمُ، وفيه الصَّابئُونَ والزنادقةُ، السابعُ : الْهَاويَةُ، وفيه المنافقونَ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾.
الآيات من ٤٥ إلى ٤٦
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ ؛ أي المتَّقين للمعاصي بالإيمان والطَّاعة في بساتينَ وأنْهارٍ ظاهرةٍ تنبعُ مثلَ الفَوَّارَاتِ، وتجرِي بلا أُخدودٍ، يقالُ لهم يومَ القيامة :﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ﴾ ؛ ادخلُوا الجنةَ بسلامٍ ؛ أي سلامٍ من الآفَاتِ، وَقْيْلَ : بتحيَّة من اللهِ، ﴿ آمِنِينَ ﴾، من كلِّ ما تكرَهُون.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴾ ؛ أي نزَعنا ما في صدور أهل الجنَّة من أسباب العداوةِ من الحقد والحسَدِ والتباغُض، ﴿ إِخْوَاناً ﴾ ؛ أي حتى يصِيروا بمنْزِلة الإخوان، ﴿ عَلَى سُرُرٍ ﴾ ؛ من ذهبٍ، ﴿ مُّتَقَـابِلِينَ ﴾ ؛ في الزيادةِ تسيرُ بهم سُرُوُهم في الجِنَانِ، بعضُها إلى بعضٍ، والسُّرُرُ جمع سَرِيرٍ. وعن عليٍّ رضي الله عنه أنه قالَ :(إنِّي لأَرْجُو أنْ أكُونَ أنَا وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذينَ قَالَ اللهُ ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَـابِلِينَ ﴾ ).
آية رقم ٤٨
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ﴾ ؛ أي لا يُتعِبُون أنفُسَهم في طلب العيش، ﴿ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ ؛ ولا يخافون الإخراجَ منها أبداً، شبابٌ لا يَهرَمُون ؛ أصحاءٌ لا يَسقَمُونَ ؛ أحياءٌ لا يَموتون.
الآيات من ٤٩ إلى ٥٠
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ ؛ أي أخْبرْ عِبادي أنِّي أنا الغفورُ لذنوب مَن تابَ، الرحيمُ لِمَن ماتَ على التوبةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ ﴾ ؛ لِمَن استحقَّهُ.
آية رقم ٥١
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ؛ أي أخبرهُم عن أضيافِ إبراهيمَ وهم الملائكةُ، إلاّ أنه قالَ (عن ضَيْفِ) لأن الضيفَ مصدرٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴾ ؛ أي قالَ لهم إبراهيم حين لم يَطعَمُوا من طَعَامِهِ : إنَّا منكم فَزِعُونَ، والوَجَلُ : هو الفزعُ، ﴿ قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ ﴾ ؛ أي لا تَخَفْ، ﴿ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ؛ بمولودٍ إذا وُلد كان غُلاماً، وإذا بَلَغَ كان عَليماً، ﴿ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي ﴾ ؛ بالولدِ، ﴿ عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ ﴾ ؛ بالشَّيب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ ؛ قالَ هذا على جهة التعجُّب. وَقِيْلَ : أراد فتُبشِّرون بهذا من عندِ الله، أو من تلقاءِ أنفُسِكم. ﴿ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾ ؛ أي بأمرِ الله، فإنَّ أمرَ اللهِ لا يكون إلا حقّاً، ﴿ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ ﴾ ؛ من رحمةِ الله، ثم ﴿ قَالَ ﴾ ؛ لَهم : كيف أقنطُ من رحمةِ الله، ﴿ وَمَن يَقْنَطُ ﴾ ؛ منها، ﴿ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ ﴾.
الآيات من ٥٧ إلى ٥٨
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ﴾ ؛ أي ما شأْنُكم أيُّها المرسَلون ؛ لأنَّهم رسُل اللهِ، ﴿ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى ﴾ ؛ أي لهلاكِ، ﴿ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ ؛ وهم قومُ لوطٍ.
الآيات من ٥٩ إلى ٦٠
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ ﴾ ؛ أي إلاّ خاصَّةَ الذين آمَنوا به، ﴿ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ؛ من الهلاكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ ﴾ ؛ استثناءٌ من الهاءِ والميمِ، وكانت امرأتهُ منافقةً واسمها وَاعَلَة، فقُدِّرَ عليها الهلاكُ، والغابرُون هم الباقون في موضعِ العذاب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ﴾ ؛ أي لما جاءَ الملائكةُ آلَ لوطٍ، ﴿ قَالَ ﴾ ؛ لهم لوطُ :﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ ؛ وإنما قالَ لهم ذلك ؛ لأنَّهم جاؤهُ على هيئةٍ وجَمال لم يكن قد شاهدَ مِثلَهم في الجمالِ، وكان يعلمُ طلبَ قومه لأمثالهم، فخافَ عليهم منهُم فقالَ : إنَّكم قومٌ أُنْكِرُ مجيئَكم إلَيَّ في هذه الديار، ﴿ قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ ؛ أي بالعذاب الذي يكونُ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَآتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾ ؛ بأمرٍ من اللهِ، ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ ؛ في ذلكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيلِ ﴾ ؛ أي ببَعضِ من اللَّيلِ عند السَّحَر، ﴿ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ ﴾ ؛ أي كُن فيمَن يسيرُ خلفَهم ؛ كي لا ينالَهم العذابُ، وقوله تعالى :﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ أي لا يتخلِفْ في موضعِ الهلاك، وَقِيْلَ : لا يلتفِتْ إلى شيءٍ يخلِّفهُ ؛ أي لا يعرِجْ على شيءٍ، ﴿ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴾ بالمضيِّ إليه وهو صفد.
آية رقم ٦٦
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ ﴾ ؛ أي وأوحَينا إليه ذلك الأمرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ ﴾ ؛ في موضعِ نصبٍ بدل مِن قوله (ذلِكَ الأَمْرَ)، وَقِيْلَ : في موضع خفضٍ ؛ لأن المعنى بأنَّ دابرَ هؤلاءِ مقطوعٌ، وقَطْعُ الدَّابرِ هو الإتيان على آخرِهم بالهلاكِ حتى لا يبقَى منهم أحدٌ. وقولهُ تعالى :﴿ مُّصْبِحِينَ ﴾ ؛ أي مُستَأصَلون عندَ الصَّباح، ولا يبقَى لهم نسلٌ ولا عَقِبٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ ؛ أي أهلُ مدينة قومِ لوط وهي سَدُوم، يبَشِّرُ بعضُهم بعضاً بأضيافِ لوط لعمَلِهم الخبيثِ، فإنَّهم كانوا يُجَاهِرُونَ بهذه الفاحشةِ، وقال لَهم لوطُ :﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُواْ اللَّهَ ﴾ ؛ في الحرامِ، ﴿ وَلاَ تُخْزُونِ ﴾ ؛ ولا تُذِلُّون في أمرِي، ﴿ قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ ؛ أي عن ضيافةِ الغُرباء.
آية رقم ٧١
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي ﴾ ؛ أُزَوِّجُكُموهُنَّ، ﴿ إِن كُنْتُمْ ﴾ ؛ لا بدَّ، ﴿ فَاعِلِينَ ﴾ ؛ مثلَ هذا الفعلِ، وذلك أنه لم يَجِدْ ما يتَّقِي به أضيافَهُ أبلغَ من عَرضِ بناته عليهم للتزويجِ، وافتداءِ ضَيفهِ ببناتهِ في الشَّفاعة، وقد كان عَلِمَ أنَّهم لا يرغبون في التزويجِ. وَقِيْلَ : أرادَ بقولهِ (بَنَاتِي) بناتِ قَومِي ؛ لأن نساءَ أُمَّة كلِّ نبيٍّ بمنْزِلةِ بناتهِ في نفقته عليهنَّ.
آية رقم ٧٢
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ؛ هذا قسَمٌ بحياةِ نبيِّنا مُحَمَّد ﷺ، ولم يُقسِمْ بحياة أحَدٍ غيرهِ، تقديرهُ : لعَمرُكَ قَسَمِي، إلاَّ أنه حُذفَ الخبرَ، وجوابهُ : إنَّهم لَفِي غَفَلَتِهم يتحيَّرون.
الآيات من ٧٣ إلى ٧٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾ ؛ أي وقتَ الإشراقِ، وذلك أنَّ الملائكةَ قلَعُوا مَدائِنَهم وقتَ الصُّبح، فرفَعُوها إلى قريبٍ من السَّماء، ثم قلَبُوها عند طلوعِ الشمس، وصاحَ بهم جبريلُ حينئذٍ، ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾، وقد تقدَّم تفسيرُ باقي الآيةِ في سورة هودٍ.
الآيات من ٧٥ إلى ٧٧
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ ؛ أي في إهلاكِ قومِ لوط لآياتٍ للمتفرِّسِين، والمتوسِّمُون هم النُّظَّارُ المثبتون في نَظَرِهم حتى يعرفوا حقيقيةَ السِّمَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ ؛ أي إنَّ قَريَاتِ قومِ لوط لبطَريقٍ واضحٍ ولا يندرسُ ولا يخفَى على طريقِ قُومِكَ إلى الشَّام، والمعنى أن الاعتبارَ بها ممكنٌ. وقولهُ تعالى :﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أي لدلالةً للمؤمنين الذين يصدِّقون بذلك.
الآيات من ٧٨ إلى ٧٩
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ ؛ أي وقد كان أصحابُ الأيْكَةِ وهو قومُ شُعَيبٍ لَظَالمين بكُفرِهم، والأيْكَةُ : الشَّجرُ الملتف الكبيرُ، وكان شُعيب بُعِثَ إلى قَومَين، إلى أهلِ مدينَ كانوا يطفِّفون الكيلَ والوزنَ فأُهلِكوا بالصَّيحة، وبُعث إلى أصحاب الأيكةِ فأُهلِكُوا بالظُّلَّّةِ.
ويقالُ : إن مَديَنَ والأيكة واحدٌ، كانت الأيكةُ عند مِديَن، فخرَجُوا من مديَن إليها يطلبون الرُّوح عندَها، فأخذهم عذابُ يوم الظُّلةِ، واضطرمَ المكانُ عليهم نَاراً فهَلَكوا عن آخرِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ ؛ أي بالعذاب، ﴿ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ ؛ أي إن قريَات لوطٍ ومواضعِ شُعيب لعلَى طريقٍ مُبين.
الآيات من ٨٠ إلى ٨١
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ؛ أي ولقد كذبَ قومُ صالحٍ ومَن تقدَّم من المرسَلين، والْحِجْرُ ديارُ ثَمُودٍ، وإنما سُمُّوا أصحابَ الحجرِ ؛ لأن الحجرَ اسمٌ لوادٍ كانوا يسكُنون عندَهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا ﴾ ؛ يريدُ الناقةَ، ﴿ فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾.
الآيات من ٨٢ إلى ٨٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ﴾ ؛ أي يَنقُبُونَ بيوتَهم في الجبالِ آمِنِينَ من الموتِ لطُولِ أعمارِهم، وَقِيْلَ : من الحرِّ وسقُوطِ السَّقفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ ؛ أي وقتَ الصُّبح صاحَ بهم جبريلُ فهلَكوا، ﴿ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ ﴾ ؛ من عذاب الله، ﴿ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ؛ من الأموالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ ﴾ ؛ أي للحقِّ وإظهارِ الحق لم نخلُقْهما عَبَثاً، ﴿ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ ؛ يعني القيامةَ لِمُجازَاةِ الناسِ كلِّهم، ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ ؛ أي أعرِضْ عن مُجازَاةِ المشركين وعن مجاوبَتِهم، فإنَّ مجاوبةَ السَّفيه سَفَهٌ، قال مجاهدُ :(هَذا مَنْسُوخٌ بآيَةِ الْقِتَالِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ﴾ ؛ أي الخالقُ للإنسان، العالِمُ بتدبيرِ خَلقِهِ.
آية رقم ٨٧
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ ؛ أي أكرَمناكَ يا مُحَمَّدُ بسبعٍ من الْمَثَانِي، قِيْلَ : هي السبعُ الطِّوالُ، وهي السورُ السبع من أوَّلِ البقرةِ إلى الأنفالِ والتوبةِ، وهما جميعاً سورةٌ واحدة، وسُميت هذه السورةُ مَثَانِيَ ؛ لأنَّهُ ثَنَّى فيها الأقاصيصَ، والأمر والنهيَ، والوعيد، والْمُحكَمَ، والمتشابهَ.
وقال ابنُ عبَّاس :(السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَاب) هكذا رُوي عن رسولِ الله ﷺ، حيث قال :" مَا أنْزَلَ اللهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالزَّبُورِ مِثْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَاب، وَإنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ".
وإنما سُمِّيت هذه السورةُ مَثَانِيَ ؛ لأنَّها تُثْنَى في كلِّ صلاةٍ. وإنما خَصَّ هذه السورةَ من جُملةِ القرآن تَعظيماً لها ؛ لأن كمالَ الصلاةِ متعلَّقٌ بها، كما خصَّ جبريلَ وميكائيل من جُملة الملائكةِ تَعظيماً لهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ ؛ أي وآتَيناكَ القرآن العظيمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ ؛ أي لا تَنْظُرَنَّ بعَينِ الرَّغبةِ إلى ما أعطَينا من الأموالِ رجَالاً من بني قُريظة والنَّضير وغيرِهم من قُريش، فإنَّ ما نُعطيكَ من النبوَّةِ والقرآن أعظمُ مما أعطَيناهم من الأموالِ، ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ بما أنعَمْنا عليهم من ما لَم نُنعِمُ به عليكَ.
ويقالُ : لا تحزَنْ على هلاكِهم إن لَم يُؤمِنوا، وهذا القولُ أقربُ ؛ لأن النبيَّ ﷺ كان لا يجوزُ أن يَحْسِدَ أحداً بما أنعمَ اللهُ به عليهِ من نَعيمِ الدُّنيا، وإنما كان يحزنُ على إصرارِهم على الكُفرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أي تواضَعْ، وألِنْ جناحَكَ للمؤمِنين ؛ لكي يتَّبعْكَ الناسُ على دِينِكَ، ولا ينفِرُوا من عندِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ﴾ ؛ أي الْمُعَلْمُ بموضعِ المخافة، الْمُبينُ لكم بلُغةٍ تصدِّقونَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ﴾ ؛ قال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : وَأنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ كَمَا أنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى). سَمَّاهم مُقتَسِمينَ ؛ لأنَّهم اقتَسَموا كُتُبَ اللهِ تعالى، فآمَنُوا ببعضِها وكَفَرُوا ببعضِها، وهمُ، ﴿ الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ؛ أي فرَّقوهُ فآمَنُوا ببعضهِ وهو ما وافقَ دينَهم، وكفَرُوا ببعضهِ وهو ما خالفَ دينهم،
وقال بعضُهم : رهطٌ من أهلِ مكَّة، قال مقاتلُ :(سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلاً بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاقْتَسَمُواْ الأعْقَابَ، وَقَعَدُواْ عَلَى طَرِيقِهَا، فَإذا جَاءَ الْحُجَّاجُ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ : لاَ تَغْتَرُّوا بهَذا الْخَارجِ مِنَّا الْمُدَّعِي النُّبُوَّةَ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى : إنَّهُ كاَهِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : شَاعِرٌ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَماً، فَإذا سُئِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ : صَدَقَ أُوْلَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ هم هؤلاءِ المقتَسِمين جَزَّءُوا القرآن، فقالَ بعضُهم : سحرٌ، وقال بعضهم : كَذِبٌ، وقال بعضُهم : شِعرٌ، وقال بعضُهم : أساطيرُ الأوَّلين، وقال بعضُهم : مُفترَى. ومعنى التَّعْضِيَة : التفريقُ، يقالُ : عَضَيْتُ الشيءَ إذا فرَّقتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ؛ أي في الآخرةِ، ﴿ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ؛ مِن تفريقِ القرآن، وصَرفِهم الناسَ عن دينِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
وعن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ وفي هذهِ الآية قالَ :" فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَوْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ " وَقَالَ عبدُالله :(وَالَّذِي لاَ إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْكُمْ أحَدٌ إلاَّ وَيَسْأَلُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا عَمِلْتَ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا أجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ).
واعترضت الْمُلْحِدَةُ على هذه الآيةِ، وعلى قولهِ تعالى﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾[الرحمن : ٣٩] وحكَمُوا عليهم بالتناقُضِ!
والجوابُ : إنه لا يقالُ لهم هل عملتم كذا ؛ لأنه أعلَمُ بذلكَ منهم، ولكن نقولُ لَهم : لِمَ عملتم كذا، وقال قطربُ :(السُّؤَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَسُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾[الرحمن : ٣٩] يَعْنِي لاَ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ ؛ لأنَّهُ عَالِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْلِقَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَقْرِيعٍ).
آية رقم ٩٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ أي أظهِرْ أمرَكَ بمكَّة واترُكهم حتى يجيءَ أمرُ الله بقتالهم، وكان ﷺ مُستَخفياً بمكَّة قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، لا يظهرُ شيئاً مما أنزلَ الله عليه، فلما نزلت هذه الآيةُ أظهرَ النبيُّ ﷺ أمرَهُ وأعلنه بمكَّة.
الآيات من ٩٥ إلى ٩٦
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ ؛ بكَ، ﴿ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلـاهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ وهم خمسةُ نَفَرٍ أهلكَهم اللهُ في يومٍ واحد، منهم العاصُ بن وائلٍ، نزلَ شِعباً من ذلكَ الشِّعاب، فلمَّا وضعَ قدمَهُ على الأرضِ قال : لُدِغْتُ، فطلَبُوا فلم يجدوا شيئاً، فانتفَخَت رجلهُ حتى صارَت مثل عنُقِ البعيرِ فماتَ مكانَهُ.
ومنهم الحارثُ بن قيسٍ أكلَ حُوتاً مالحاً فأصابَهُ عطشٌ شديد فلم يزل يشربُ حتى انقدَّ مكانه فماتَ.
ومنهم الأسودُ بن عبدِالمطلب بن الحارث، قعدَ إلى أصل شجرةٍ، فجعلَ جبريل يضربُ رأسَهُ على الشَّجرة حتى ماتَ، وكان يستغيثُ بغُلامهِ، فقال غلامهُ : لا أرَى أحداً صنعَ بكَ شيئاً غيرَ نفسِكَ.
ومنهم الأسودُ بن عبدِ يَغوث خرجَ من أهلهِ فأصابه السَّمُومُ فاسودَّ حتى صارَ حَبَناً، واتَى أهلَهُ فلم يعرفوهُ فأغلقوا دونه البابَ حتى ماتَ.
ومنهم الوليدُ بن المغيرةِ خرجَ يتبَختَرُ في مِشْيَتِهِ حتى وقفَ على رجُلٍ يعملُ السِّهامَ، فتعلَّقَ سهمٌ بثوبهِ فجعل رداءَهُ على كَتِفِهِ فأصابَ السهمُ أكحلَهُ فقطعه، ثم لَم ينقطعْ عنه الدمُ حتى ماتَ، فذلك قوله ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ أي بكَ وبالقرآنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ ؛ أي ولقَدْ نعلمُ يا مُحَمَّد أنَّكَ يضيقُ صدرُك بما يقولون من التكذيب بأنَّكَ شاعرٌ وساحر وكاهن، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ؛ أي فَصَلْ بأمرِ ربكَ، واحمدْهُ بالثَّناءِ عليه، ﴿ وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ ﴾ ؛ أي مِنَ العابدين لله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ ؛ أي استقِمْ على عبادةِ ربكَ وطاعتهِ حتى يأتيكَ الموتُ، سَمَّاهُ يَقيناً ؛ لأنه مُوقِنٌ به.
وعن رسولِ الله ﷺ :" مَا أوْحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ الْمَالَ وَأكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إلَيَّ أنْ أُسَبحَ بحَمْدِ رَبي وَأكُونَ مِنَ السَّاجِدِين "، وقال الضحَّاكُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أيْ قُلْ سُبْحَانَ اللهِ وَبحَمْدِهِ، ﴿ وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ ﴾ أيِ الْمُصَلِّينَ، فَكَانَ ﷺ إذا حَزَّ بهِ أمْرٌ فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ(.
وعن أُبَي بن كعبٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْحِجْرِ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بعَدَدِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، وَبعَدَدِ الْمُسْتَهْزِئِينَ برَسُولِ اللهِ ﷺ ".
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

53 مقطع من التفسير