قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ١١٥ وفيه مسألتان :
[ ٣٣ ] المسألة الأولى : في معنى قوله تعالى : فثم وجه الله .
قال ابن حزم :
قوله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله إنما معناها : فثم الله تعالى بعلمه، وقبوله لمن توجه إليه.
وقال : وجه الله تعالى إنما يراد به الله عز وجل، وليس هو غير الله تعالى، ولا نرجع منه إلى شيء سوى الله تعالى(١).
[ ٣٤ ]المسألة الثانية : فيمن صلى إلى غير القبلة ناسيا أو جاهلا.
قال ابن حزم :
من صلى إلى غير القبلة ممن يقدر على معرفة جهتها عامدا أو ناسيا بطلت صلاته، ويعيد ما كان في الوقت إن كان عامدا، ويعيد أبدا إن كان ناسيا.
برهان ذلك :
أن هذين مخاطبان بالتوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة، فصليا بخلاف ما أمرا به، ولا يجزئ ما نهى الله تعالى عنه عما أمر عز وجل به، فقد ذكرنا الحجة في أمر الناسي قبل.
فإن ذكر ذاكر : حديث أهل قباء رضي الله عنهم، وأنهم ابتدءوا الصلاة إلى بيت المقدس فأتاهم الخبر : بأن القبلة قد حولت إلى الكعبة فاستداروا كما كانوا في صلاتهم إلى الكعبة، واجترؤوا بما صلوا إلى بيت المقدس من تلك الصلاة بعينها(٢).
قلنا : هذا خبر صحيح، ولا حجة فيه علينا ؛ ولا نخالفه ولله الحمد :
أول ذلك : أنه ليس فيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك فأقره، ولا حجة إلا في القرآن، أو في كلامه عليه السلام. أو في عمله أو فيما علم عليه السلام من عمل غيره فلم ينكره.
قال ابن حزم : أهل قباء رضي الله عنهم كان الفرض عليهم أن يصلوا إلى بيت المقدس فلو أنهم صلوا إلى الكعبة : لبطلت صلاتهم بلا خلاف. ولا تلزم الشريعة إلا من بلغته، لا من لم تبلغه قال الله تعالى : لأنذركم به ومن بلغ (٣).
ولا شك عند أحد من الجن والإنس، ولا الملائكة : أن من كان من المسلمين بأرض الحبشة، أو بمكة من المستضعفين فإنهم تمادوا على الصلاة إلى بيت المقدس مدة طويلة.
أما أهل مكة فأياما كثيرة بعد نزول تحويل القبلة. وأما من بالحبشة : فلعلهم صلوا عاما أو أعواما حتى بلغهم تحويل القبلة، فحينئذ لزمهم الفرض، لا قبل ذلك، فإنما لزم أهل قباء التحول حين بلغهم لا قبل ذلك فانتقلوا عن فرضهم إلى فرض ناسخ لما كانوا عليه، وهذا هو الحق الذي لا يحل لأحد غيره، وأما من بلغه فرض تحويل الكعبة وعلمه وكان مخاطبا به ولم يسقط تكليفه عنه لعذر مانع، فلم يصل كما أمر ومن لم يصل كما أمر فلم يصل، لأنه لا يجزئ ما نهى الله عنه عما أمر الله تعالى به.
فإن قال قائل : قد روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة(٤) : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا حياله، فأصبحنا : فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله (٥) (٦).
وعن عطاء عن جابر بن عبد الله : " كنا في سرية فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة... فذكر : أنهم خطوا خطوطهم في جهات اختلافهم ؛ فلما أصبحوا أصبنا تلك الخطوط لغير القبلة، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله (٧) (٨).
فإن هذين الخبرين لا يصحان ؛ لأن حديث عبد الله بن عامر لم يروه إلا عاصم بن عبيد الله(٩)، ولم يرو حديث جابر إلا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي(١٠) عن عطاء وعاصم وعبد الملك ساقطان.
ثم لو صحا لكانا حجة لنا، لأن هؤلاء جهلوا، وصلاة الجاهل تامة، وليس الناسي كذلك وبالله تعالى التوفيق(١١).
٢ عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله قد نرى تقلب وجهك في السماء فتوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس وهم اليهود ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل ثم خرج بعد ما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة" أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان حديث (٣٩٩) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة حديث (٥٢٥).
٣ الأنعام: ١٩.
٤ هو عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي، حليف بن عدي أبو محمد المدني، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولأبيه صحية مشهورة، وثقه العجلي، روى له الجماعة، مات سنة بضع وثمانين التقريب (٤٠١/١).
٥ البقرة: ١١٥.
٦ أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١٥٦) والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة حديث (٣٤٥) وفي كتاب التفسير باب ومن سورة البقرة حديث (٢٩٥٧) وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، حديث (١٠٢٠) وابن جرير في تفسيره (٥٥٠/١) وابن أبي حاتم في تفسيره (٣٤٤/١) محقق والدارقطني في سننه (٢٧٢/١) وأبو نعيم في الحلية (١٧٩/١) والبيهقي في السنن الكبرى (١١/٢)
والواحدي في أسباب النزول (٣٧/١)
جميعهم من طريق أشعث بن سعيد السمان عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه مرفوعا.
وقد ذكره بن حزم عن عبد الله بن ربيعة مرفوعا، ولعله أراد الاختصار إذ هو عن أبيه مرفوعا.
وهذا الحديث فيه أشعث بن سعيد السمان متفق على ضعفه، وكذا شيخه عاصم بن عبيد الله [انظر: الجرح والتعديل (٢٧٢/٢) (٣٤٧/٦) والمجروحين (١٧٢/١) (١٢٧/٢) والميزان (٤٢٦/١) (٨/٤) والتاريخ الكبير (٤٣٠/١) (٦٨٤/٦) والتهذيب (٣٠٧/١) (٤٢/٥)]
قال الترمذي في كتاب الصلاة الموضع السابقـ :"هذا حديث ليس إسناده بذاك لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف في الحديث" وقال في الموضع الثاني: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان أبي الربيع، عن عاصم بن عبيد الله، وأشعث يضعف في الحديث" أ هـ
وقد نقل ابن كثير في تفسيره (١٦٣/١ـ ١٦٤) كلام الترمذي ثم قال: "قلت: وشيخه عاصم أيضا ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به، وقال ابن حبان: متروك والله أعلم. وقد روي من طريق جابر... فذكره ثم قال: ورواه ابن مردويه من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس... فذكره حتى قال: وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا" أ هـ
وقد أخرجه أبو داود الطيالسي (١٥٦) من طريق عمرو بن قيس الملائي عن عاصم بن عبيد الله به.
وعمرو بن قيس: ثقة متقن مخرج له في صحيح مسلم [انظر: التقريب (٨٣/٢)]
وحكم الألباني على الحديث بالحسن وجعل حديث جابر الآتي شاهدا له، وسيأتي الحكم عليهما معا إن شاء الله تعالى. [انظر: إرواء الغليل (٣٢٣/١ـ ٣٢٤)].
٧ البقرة: ١١٥.
٨ روي هذا الحديث عن جابر رضي الله عنه من ثلاث طرق:
الأول: طريق احمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري، قال: وجدت في كتاب أبي حدثنا عبد الملك العرزمي عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة. فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي ها هنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطا، وقال بعضنا: القبلة هاهنا قبل الجنوب، وخطوا خطا فلما أصبحوا وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة فلما قفلنا من سفرنا، سألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكت وأنزل الله: ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله أي: حيث كنتم أ هـ
أخرجه الدارقطني في سننه (٢٧١/١) واللفظ له. والبيهقي في السنن الكبرى (١١/٢) وابن مردويه [كما في تفسير ابن كثير (١٦٣/١] والواحدي في أسباب النزول(٣٧/١)
قال البيهقي: "والطريق إلى عبد الملك العرزمي غير واضح لما فيه من الوجادة وغيرها"
وقال ابن القطان: "وعلة هذا [يعني هذا الطريق] الانقطاع فيما بين أحمد بن عبيد الله وأبيه، والجهل بحال أحمد المذكور، وما مس به أيضا عبيد الله بن الحسن العنبري من المذهب على ما ذكره ابن خثيمة وغيره" أ هـ من [نصب الراية (٤٢٠/١)]
أما الألباني فقد حسن هذا الطريق فقال بعد سياقه له ـ: "وعبد الملك هذا ثقة من رجال مسلم، لكن أحمد بن عبيد الله العنبري ليس بالمشهور قال الذهبي: قال ابن القطان: مجهول قال الحافظ في اللسان (٢١٨/١): "وذكره ابن حبان في الثقات (٣١/٨) فقال: روى عن ابن عتبة، وعنه ابن الباغندي، لم يثبت عدالته، وابن القطان تبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطلعون على حاله. وهذا الرجل بصري شهير. وهو ولد عبيد الله القاضي المشهور" أهـ كلام ابن حجر قال الألباني: وأعله البيهقي مما فيه الوجادة وليس بشيء" [إرواء الغليل (٣٢٤/١)]
الثاني: طريق داود بن عمرو الضبي، عن محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء عن جابر به. وفيه أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سير أو سفر، ولم يذكر أنها سرية، وفيه قولهم :"فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأمرنا بالإعادة وقال: قد أجزأت صلاتكم"
أخرجه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (٢٥٨/١) والدارقطني في سننه (٢٧١/١) والحاكم في المستدرك (٣٢٤/١) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/٢) وهذا الطريق فيه علتان:
الأولى: محمد بن سالم، وهو الهمداني، أبو سهل الكوفي، متفق على تضعيفه [انظر الجرح والتعديل (٢٧٢/٧) وتهذيب التهذيب (١٥٥/٩)] وضعف الحديث به: الدارقطني والبيهقي.
الثانية ـ كما قال الدارقطني والبيهقي ـ : الاختلاف فيه على محمد بن يزيد الواسطي فقد أخرجه البيهقي في الموضع السابق من طريق موسى بن مروان الرقي، عن محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن عبيد الله العزرمي، عن عطاء، به.
وأخرجه أيضا من هذا الطريق ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير (١٦٤/١) ومحمد بن عبيد الله العزرمي أيضا ضعيف كما سيأتي.
وأما الحاكم فإنه ـ بعد أن أخرج الحديث ـ قال: "هذا حديث محتج براوته كلهم غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح:.
وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: "قلت: هو أبو سهل واه"
الثالث: طريق محمد بن عبيد الله العزرمي، عن عطاء، به.
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/٢) عن محمد بن عبيد الله من طريقين.
طريق موسى بن مروان الرقي، عن محمد بن يزيد الواسطي به. وقد تقدم حكم الدارقطني والبيهقي على هذا الطريق بالاضطراب.
ـ طريق الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله العزرمي به.
وأخرجه ابن مردويه [كما في تفسير ابن كثير ١٦٤/١)] من طريق محمد بن عبيد الله العزرمي به.
وآفة هذا الطريق محمد بن عبيد الله العزرمي، فإنه متروك باتفاق. [انظر: المجروحين لابن حبان (٢٤٦/٢) والجرح والتعديل (١/٨) وتهذيب التهذيب (٢٨٧/٩)]
وقد ضعف هذا الطريق به: الدارقطني في سننه (٢٧١/١) والبيهقي في الموضع السابق.
وفي الحديث علة أخرى ذكرها ابن القطان [كما في نصب الراية (٤٢٠/١) وهي الاضطراب في المتن، فمرة قال: في غزوة كان فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم والرواية الأخرى: سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن للحديث شاهدان آخران يتقوى بهما:
الأول: أخرجه ابن مردويه [كما في تفسير ابن كثير (١٦٤/١)] من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بنحوه.
والثاني: أخرجه الطبراني في الأوسط (١٨٤/١) من حديث معاذ بنحوه.
النتيجة:
أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده يرتقي لدرجة الحسن لغيره، كما قرر ذلك الترمذي وابن كثير والألباني. [انظر: تفسير ابن كثير (١٦٤/١) إرواء الغليل (٣٢٣/١ـ ٣٢٤)].
٩ هو عاصم بين عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، مات سنة ١٣٢ هـ
قال ابن معين: ضعيف وقال أبو حاتم والبخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كان سيء الحفظ كثير الوهم، وقال ابن حجر: ضعيف انظر: الجرح والتعديل (٣٤٧/٦) والتاريخ الكبير (٤٨٤/٦) والمجروحين (١٢٧/٢) والتقريب (٣٦٦/١) والتهذيب (٤٢/٥).
١٠ هو عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة، العرزمي روى له البخاري تعليقا، ومسلم والأربعة، مات سنة ١٤٥ هـ
قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: صدوق له أوهام انظر: طبقات ابن سعد (٣٥٠/٦) والثقات لابن حبان (٩٧/٧) التقريب (٤٨١/١).
١١ المحلى (٢٥٨/٢ ـ ٢٦١) باختصار.
وللحديث شاهد من رواية ابن عمر مرفوعا:
أخرجه الدارقطني في سننه (٢٧١/١) والحاكم في المستدرك (٣٢٣/١) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/٢) عن يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المجبر، عن نافع عن ابن عمر به.
وأخرجه الدارقطني في سننه (٢٧٠/١) والحاكم (٣٢٣/١) والبيهقي في السنن الكبرى (٩/٢)
من دريق أبي يوسف يعقوب بن يوسف الواسطي، ثنا شعيب بن أيوب، ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
وقد روي موقوفا على عمر، وابن عمر، وعلي، وابن عباس، رضي الله عنهم. أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٦/ ٢ـ ٢٥٧) انظر: نصب الراية (٤١٨/١) إرواء الغليل (٣٢٤/١ـ ٣٢٦)
النتيجة:
أن الحديث صحيح، وقد صححه الترمذي والحاكم كما سبق، والألباني في إرواء الغليل (٣٢٤/١ـ ٣٢٦).
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري