لا يُمَكَّنَ مشركٌ من دخولِ الحرم لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ والذُّل والهوانُ والقتلُ والسبيُ والنفيُ (١).
واختلف الأئمةُ في دخولِ الكفارِ المساجدَ، فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: يجوزُ للذميِّ دخولُ المسجدِ الحرامِ (٢) وغيرِه بالإذنِ، ومنعَهُ مالكٌ وأحمدُ مطلقًا، والشافعيُّ يمنعُه في المسجدِ الحرام، ويُجيزه في غيرِه، ويأتي ذكرُ اختلافِهم في دخولِ الذميِّ حرمَ مكةَ، ومنعهِ من استيطانِ الحجازِ في سورة التوبة عندَ تفسير قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [الآية: ٢٨].
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥).
[١١٥] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ مُلْكًا وخَلْقًا.
فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا تُحَوِّلوا وُجوهَكُم.
فَثَمَّ هناك.
وَجْهُ اللَّهِ أي: جهتُه التي أمر بها. قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: خرجَ نفرٌ من أصحابِ رسولِ الله - ﷺ - في سفرٍ قبلَ تحويلِ القبلةِ إلى الكعبةِ، فأَصابهم الضَّبابُ، وحضرت الصلاةُ، فتحرَّوا القبلة، وصلَّوا، فلما ذهبَ الضَّبابُ، استبانَ لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قَدِموا، سألوا رسولَ الله - ﷺ - عن
(٢) "الحرام" سقطت من "ن".
الكسائيِّ (يُسَارِعُونَ) و (سَارِعُوا) و (نُسَارِعُ) بالإمالة حيثُما وقعَ (١).
وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ أي: من صَلُحَتْ أحوالُهم عندَ الله.
وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥).
[١١٥] وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وحفصٌ، وخلفٌ: (يَفْعَلُوا) (يُكْفَرُوهُ) بالغيب فيهما إخبارًا عن الأمةِ القائمةِ، والباقون: بالخطاب، لقولِه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: ١١٠]، وأبو عمرو يَرَى القراءتين (٢)، ومعنى الآية: فلن تَعْدَموا ثوابَهُ، بل يُشْكَرُ لكم.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ أي: المؤمنين.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦).
[١١٦] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي: لا تدفعُ أموالُهم بالفدية ولا أولادُهم بالنُّصْرَةِ.
(٢) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٧٠)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٥)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١١٣)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٥٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٥٩).
فتح الرحمن في تفسير القرآن
أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي
نور الدين طالب