ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة : ١١٥ ).
التفسير :
قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب ؛ اللام للاختصاص ؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى مختص بملك المشرق، والمغرب ؛ وأما من سواه فملكه محدود ؛ و المشرق مكان الشروق ؛ و المغرب مكان الغروب ؛ وقد وردت المشرق، والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه : مفردة، ومثناة، وجمع ؛ فجاءت مفردة هنا فقال تعالى : ولله المشرق والمغرب ؛ وجاءت مثناة في قوله تعالى : رب المشرقين ورب المغربين [ الرحمن : ١٧ ]، وجمعاً في قوله تعالى : فلا أقسم برب المشارق والمغارب [ المعارج : ٤٠ ] ؛ والجمع بين هذه الأوجه الثلاثة أن نقول : أما «المشرق » فلا ينافي «المشارق »، ولا «المشرقين » ؛ لأنه مفرد محلى ب «أل » ؛ فهو للجنس الشامل للواحد، والمتعدد ؛ وأما رب المشرقين ورب المغربين ، و رب المشارق والمغارب فالجمع بينهما أن يقال : إن جمع المشارق ، و المغارب باعتبار الشارق، والغارب ؛ لأن الشارق، والغارب كثير : الشمس، والقمر، والنجوم ؛ كله له مشرق، ومغرب ؛ فمن يحصي النجوم ! أو باعتبار مشرق كل يوم، ومغربه ؛ لأن كل يوم للشمس مشرق، ومغرب ؛ وللقمر مشرق، ومغرب ؛ وثنَّى باعتبار مشرق الشتاء، ومشرق الصيف ؛ فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب ؛ ومشرق الصيف في أقصى الشمال ؛ وبينهما مسافات عظيمة لا يعلمها إلا الله ؛ وسورة «الرحمن » أكثر ما فيها بصيغة التثنية ؛ فلذلك كان من المناسب اللفظي أن يذكر المشرق، والمغرب بصيغة التثنية ؛ أما عند العظمة فذكرت بالجمع : فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيراً منهم وما نحن بمسبوقين [ المعارج : ٤٠، ٤١ ] ؛ فقوله تعالى : ولله المشرق والمغرب أي مشرق كل شارق ؛ ومغرب كل غارب ؛ ويحتمل أن المراد له كل شيء ؛ لأن ذكر المشرق والمغرب يعني الإحاطة والشمول.
قوله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله ؛ «أين » شرطية ؛ و «ما » زائدة للتوكيد ؛ و تولوا فعل الشرط مضارع مجزوم بأداة الشرط ؛ وعلامة جزمه حذف النون ؛ وقوله تعالى : فثم وجه الله : الفاء رابطة لجواب الشرط ؛ و ثم اسم إشارة يشار به للبعيد ؛ وهو ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم ؛ وجه مبتدأ مؤخر ؛ والجملة من المبتدأ، وخبره في محل جزم جواب الشرط.
قوله تعالى : تولوا أي تتجهوا ؛ فثم أي فهناك ؛ والإشارة إلى الجهة التي تولوا إليها ؛ و وجه الله : اختلف فيه المفسرون من السلف، والخلف، فقال بعضهم : المراد به وجه الله الحقيقي ؛ وقال بعضهم : المراد به الجهة : فثم وجه الله يعني : في المكان الذي اتجهتم إليه جهة الله عز وجل ؛ وذلك ؛ لأن الله محيط بكل شيء ؛ ولكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي ؛ لأن ذلك هو الأصل ؛ وليس هناك ما يمنعه ؛ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قِبَل وجه المصلي١ ؛ والمصلُّون حسب مكانهم يتجهون ؛ فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال ؛ وأهل الشام إلى الجنوب ؛ وأهل المشرق إلى المغرب ؛ وأهل المغرب إلى الشرق ؛ وكل يتجه جهة ؛ لكن الاتجاه الذي يجمعهم الكعبة ؛ وكل يتجه إلى وجه الله ؛ وعلى هذا يكون معنى الآية : أنكم مهما توجهتم في صلاتكم فإنكم تتجهون إلى الله سواء إلى المشرق، أو إلى المغرب، أو إلى الشمال، أو إلى الجنوب.
قوله تعالى : إن الله واسع عليم ؛ «الواسع » يعني واسع الإحاطة، وواسع الصفات ؛ فهو واسع في علمه، وفي قدرته، وسمعه، وبصره، وغير ذلك من صفاته ؛ و عليم أي ذو علم ؛ وعلمه محيط بكل شيء.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : انفراد الله بالملك ؛ لتقديم الخبر في قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب .
٢ ومنها : عموم ملك الله ؛ لأن المشرق والمغرب يحتويان كل شيء.
٣ ومنها : إحاطة الله تعالى بكل شيء ؛ لقوله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله .
٤ ومنها : عموم ملك الله تعالى للمشرق، والمغرب خلقاً وتقديراً ؛ وله أن يوجه عباده إلى ما شاء منهما من مشرق ومغرب ؛ فله ملك المشرق والمغرب توجيهاً ؛ وقد سبق أن قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها... [ البقرة : ١٠٦ ] إلى آيات نسخ القبلة كله تمهيد لتحويل القبلة ؛ فكأن الله تعالى يقول : لله المشرق والمغرب فإذا شاء جعل اتجاه القبلة إلى المشرق ؛ وإذا شاء جعله إلى المغرب ؛ فأينما تولوا فثم وجه الله.
٥ ومنها : إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى ؛ لقوله تعالى : فثم وجه الله .
٦ ومنها : أن الله تعالى له مكان لقوله تعالى : فثم ؛ لأن «ثم » إشارة إلى المكان ؛ ولكن مكانه في العلو ؛ لا يحيط به شيء من مخلوقاته ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية :«أين الله ؟ قالت : في السماء »٢.
٧ ومنها : إبطال بدعتين ضالتين ؛ إحداهما بدعة الحلولية القائلين بأن الله تعالى في كل مكان بذاته ؛ فإن قول هؤلاء باطل يبطله السمع، والعقل، والفطرة أيضاً ؛ الثانية : قول النفاة المعطلة الذين يقولون : إن الله لا داخل العالم، ولا خارجه ؛ ولا فوق العالم، ولا تحته ؛ ولا يمين العالم، ولا شمال العالم، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عن العالم ؛ وهذا القول قال بعض أهل العلم : لو قيل لنا : صفوا لنا العدم ما وجدنا وصفاً أدق من هذا.
٨ ومن فوائد الآية : إثبات اسمين من أسماء الله ؛ وهما : واسع ، و عليم .
٩ ومنها : إثبات سعة الله، وعلمه ؛ ونستفيد صفة ثالثة من جمع السعة والعلم ؛ للإشارة إلى أن علم الله واسع بمعنى أنه لا يفوته شيء من كل معلوم لا في الأرض، ولا في السماء.

١ أخرجه البخاري ص٣٥، كتاب الصلاة، باب ٣٣: حك البزاق باليد من المسجد، حديث رقم ٤٠٦، وأخرجه مسلم ص٧٦٣، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ١٣: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها... ، حديث رقم ١٢٢٣ [٥٠] ٥٤٧..
٢ أخرجه مسلم ص٧٦١، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ٧: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، حديث رقم ١١٩٩ [٣٣] ٥٣٧..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير