قوله جلّ ذكره : وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا .
واذكر يا محمد حين جعلنا البيت - يعني الكعبة - مثابة للناس إليه يثوبون، ومأمنًا لهم إليه يرجعون، وإياه من كل نحوٍ يقصدون.
هو بيت خلقتُه من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل ؛ فمن نظر إلى البيت بعين الخِلْقَة انفصل، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل، وكلُّ من التجأ إلى ذلك البيت أَمِنَ من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام، والتوبة عن الآثام.
ويقال بُنيَ البيتُ من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب الحديد.
بيتٌ من وقع عليه ظِلُّه أناخ بعَقْوَةِ الأمن.
بيتٌ مَنْ وقع عليه طَرْفُه بُشِّرَ بتحقيق الغفران.
بيتٌ مَنْ طاف حَوْلَه طافت اللطائف بقلبه، فطَوْفَة بطوفة، وشَوْطة بشوطة وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
بيتٌ ما خَسِرَ مَنْ أنفق على الوصول إليه مَالَه.
بَيت ما ربح مَنْ ضَنَّ عليه بشيءٍ ؛ مَنْ زاره نَسِيَ مزارَه، وهجر ديارَه.
بيت لا تُسْتَبْعَدُ إليه المسافة، بيت لا تُترَك زيارته لحصول مخافة، أو هجوم آفة، بيت ليس له بمهجة الفقراء آفة.
بيت من قعد عن زيارته فَلِعدَمِ فُتَوَّتِه، أو لقلة محبته.
بيتٌ من صَبِرَ عنه فقلبه أقسى من الحجارة. بيت من وقع عليه شعاعُ أنواره تَسَلَّى عن شموسه وأقماره.
بيت ليس العجب ممن بقي ( عنه ) كيف يصبر، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع !
قوله جلّ ذكره : وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى .
عَبْدٌ رفع لله سبحانه قَدمًا فإلى القيامة جعل أثر قَدَمِه قِبْلَةً لجميع المسلمين إكرامًا لا مدى له.
الأمر في الظاهر بتطهير البيت، والإشارة من الآية إلى تطهير القلب.
وتطهير البيت بِصَوْنه عن الأدناس والأوضار، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس والأغيار.
وطوافُ الحجاج حول البيت معلومٌ بلسان الشرع، وطوافُ المعاني معلومٌ لأهل الحق ؛ فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة، وقلوب الموحدين الحقائق فيها عاكفة، فهؤلاء أصحاب التلوين وهؤلاء أرباب التمكين.
وقلوبُ القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبدًا واقفة.
وقلوب الموحدِّين على بساط الوصل أبدًا راكعة.
وقلوب الواجدين على بساط القرآن أبدًا ساجدة.
ويقال صواعد نوازع الطالبين بباب الكرم أبدًا واقفة، وسوامي قصود المريدين بمشهد الجود أبدًا طائفة، ووفود هِمَمِ العارفين بحضرة العِزِّ أبداً عاكفة. .
لطائف الإشارات
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري