فقال انك لم تعاد عدوى في الدين فكيف حال القاعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين والمتمسك بسنة سيد المرسلين عند فساد الخلق واختلاف المذاهب والملل كان له اجر مائة شهيد وفي الحديث (سيأتى على الناس زمان تخلق فيه سنتى وتتجدد فيه البدعة فمن اتبع سنتى يومئذ صار غريبا وبقي وحيدا ومن اتبع بدع الناس وجد خمسين صاحبا او اكثر) وللصحبة تأثير عظيم كما قيل
| عدوى البليد الى الجليد سريعة | والجمر يوضع في الرماد فيخمد |
| نخست موعظه پير مجلس اين حرفست | كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد |
الى نصفين وكان المشركون يفرقون اشعار رؤسهم واهل الكتاب يسدلون اى يرسلون شعورهم على الجبين ويتخذونها كالقصة وهي شعر الناصية وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب موافقة اهل الكتاب فيما لم ينزل فيه حكم لاحتمال ان يعملوا بما ذكر في كتابهم ثم نزل جبريل فامره بالفرق واعلم ان اكثر حال النبي عليه الصلاة والسلام كان الإرسال وحلق الرأس منه معدود ولكن الامام الغزالي كره الإرسال في زماننا لانه صار شعار العلوية فاذا لم يكن علويا كان تلبيسا وذكر في جنايات الذخيرة إمساك الجعد في الغلام حرام لانهم انما يمسكون الجعد في الغلام للاطماع الفاسدة وذكر ان شخصا احضر ولده بمجلس ابى بكر رضي الله تعالى عنه وقد حلق بعض الشعر من رأسه وأبقى البعض فامر ابو بكر رضي الله تعالى عنه بقتله فتاب واستغفر فعفا عنه قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ليس هذا امرا بقتله في الحقيقة بل بيان ان من فعله يستحق القتل ومثله انه ذكر فى مجلس ابى يوسف ان النبي عليه السلام كان يحب القرع فقال رجل انا لا أحبه فافتى ابو يوسف بقتله فتاب ورجع فعفا عنه واما قص الشارب فهو قطعه بالمقص اى المقراض
وكان عليه السلام يقص شار به كل جمعة قبل ان يخرج الى صلاة الجمعة قال النووي المختار فيه ان يقص حتى يبدو طرف الشفة ويكون مثل الحاجب وفي الاحياء ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه وغيره لان ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام وتوفير الشارب كتوفير الأظافير مندوب للمجاهد في دار الحرب وان كان قطعهما من الفطرة وذلك ليكون اهيب في عين العدو والسنة تقصير الشارب فحلقه بدعة كحلق اللحية وفي الحديث (جزوا الشوارب واعفوا اللحى) الجز القص والقطع والإعفاء التوفير والترك على حالها وحلق اللحية قبيح بل مثلة وحرام وكما ان حلق شعر الرأس في حق المرأة مثلة منهى عنها وتشبه بالرجال وتفويت للزينة كذلك حلق اللحية مثلة في حق الرجال وتشبه بالنساء منهى عنه وتفويت للزينة قال الفقهاء اللحية في وقتها جمال وفي حلقها تفويته على الكمال ومن تسبيح الملائكة سبحان من زين الرجال باللحى وزين النساء بالذوائب وفي الكشاف في مقام مدح الرجال عند قوله تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ وهم اصحاب اللحى والعمائم قال في نصاب الاحتساب ومن الاكساب التي يحتسب على أربابها حلق لحى الرجال ورأس النساء تشبها بالرجال ولا بأس بأخذ الزائد على القبضة من اللحية لانه عليه السلام كان يأخذ من لحيته طولا وعرضا إذا زاد على قدر القبضة فان الطول المفرط يشوه الحلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنسبة اليه فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية ويكره نتف الشيب كما يفعله البعض في زماننا كرها للشيب واراءة للشباب: قال الحافظ سواد نامه موى سياه چون طى شد بياض كم نشود گر صد انتخاب رود يسود أعلاها ويبيض أصلها ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل واما الختان فهو قطع الجلدة الزائدة من الذكر وجمهور العلماء على ان ذلك من
مؤكدات السنن ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال الا ان يولد الصبى مختونا وقد ولد الأنبياء كلهم مختونين مسرورين اى مقطوعى السرة كرامة لهم الا ابراهيم خليل الله فانه ختن نفسه ببلدة قدوم بالتخفيف والتشديد وهو ابن مائة وعشرين او ثمانين ليستن بسنته بعده واختلفوا في الختان قيل لا يختن حتى يبلغ لانه للطهارة ولا طهارة عليه حتى يبلغ وقيل إذا بلغ عشرا وقيل تسعا وقيل فيما بين سبع سنين الى عشر قال الحدادي المستحب في وقت الختان من اليوم السابع من ولادته الى عشر سنين ويكره الترك الى وقت البلوغ وتوقف ابو حنيفة فى وقته واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم ان يختتن وان بلغ ثمانين وعن الحسن انه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ان لا يختتن ولا يرى به بأسا ولا يرد شهادته وذبيحته وحجه وصلاته قال ابن عبد البر وعامة اهل العلم على هذا واما تقليم الأظفار فهو قصها والقلامة بالضم ما يزال منها وندب قص الأظفار لانه ربما يجنب ولا يصل الماء الى البشرة من أجل الوسخ ولا يزال جنبا ومن اجنب فبقى موضع ابرة من جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعم الغسل جسده كله وفي الحديث (من قلم أظفاره يوم الجمعة أعاذه الله تعالى من البلايا الى الجمعة الاخرى وزيادة ثلاثة ايام) وفي الحديث الآخر (من أراد ان يأمن من الفقر وشكاية العين فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر) قال في المقاصد الحسنة قص الأظفار لم يثبت في كيفيته ولا في تعيين يوم له عن النبي عليه السلام شىء وما يعزى من النظم في ذلك لعلى رضي الله تعالى عنه وهو
| تقليمك الأظفار فيه سنة وادب | يمينها خوابس يسارها او خسب |
فيبدأ يخنصرها ويختم بخنصر الرجل اليسرى وهكذا قرره الامام في الاحياء وفي الحديث (نقوا براجمكم) وهي مفاصل الأصابع والعقد التي على ظهرها يجتمع فيها الوسخ واحدها برحمة بضم الباء والجيم وسكون الراء بينهما وهو ظهر عقدة كل مفصل فظهر العقدة يسمى برجمة وما بين العقدتين يسمى راجبة وجمعها رواجب وذلك مما يلى طهرها وهو قصبة الأصابع فلكل إصبع برجمتان وثلاث رواجب الا الإبهام فان له برجمة وراجبتين فامر بالتنقية لئلا يدرن فيبقى فيه الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة كذا في تفسير القرطبي وعن مجاهد قال ابطأ جبرائيل عليه السلام على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له النبي عليه السلام (ما حبسك يا جبريل) قال وكيف آتيكم وأنتم لا تقصرون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ قال كأنه قيل فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات فقيل قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ اى لاجل الناس إِماماً يأتمون بك في هذه الخصال ويقتدى بك الصالحون فهو نبى في عصره ومقتدى لكافة الناس الى قيام الساعة وقد صفحة رقم 223
أنجز الله وعده فقال لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ونحو ذلك فلذلك اجتمعت اهل الأديان كلهم على تعظيمه وجميع امة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون في آخر صلاتهم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد قيل في سببه انا لما قلنا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد قيل لنا ان ابراهيم هو الذي طلب من الله تعالى ان يرسل إليكم مثل هذا الرسول الذي هو رحمة للعالمين حيث قال رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ فما هديتكم فحينئذ نقول كما صليت على ابراهيم إلخ ثم نلاحظ ان هذه الخيرات كلها من الله تعالى فنقول شكرا لاحسانه ربنا انك حميد مجيد وفي الخبر ان ابراهيم عليه السلام رأى في المنام جنة عريضة مكتوب على أشجارها لا اله الا الله محمد رسول الله فسأل جبريل عنها فاخبره بالقصة فقال يا رب اجر على لسان امة محمد ذكرى فاستجاب الله دعاءه وضمه في الصلاة مع محمد ﷺ قال كأنه قيل فماذا قال ابراهيم عليه السلام عنده فقيل قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على الكاف في جاعلك ومن تبعيضية متعلقة بجاعل اى وجاعل بعض ذريتى اماما يقتدى به اى اجعل لكنه راعى الأدب بالاحتراز عن صورة الأمر وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحالة امامة الكل وان كانوا على الحق والذرية نسل الرجل وقد تطلق على الآباء والأبناء من الذكور والإناث والصغار والكبار ومنه قوله تعالى وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ أراد آباءهم الذين حملوا في السفينة وتقع الذرية على الواحد كما في قوله تعالى رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً يعنى ولدا صالحا قالَ الله استئناف ايضا لا يَنالُ لا يصيب عَهْدِي الظَّالِمِينَ يعنى ان أولادك منهم مسلمون وكافرون فلا تصل الامامة والاستخلاف بالنبوة الذي عهدت إليك من كان ظالما من أولادك وغيرهم وانما ينال عهدى من كان بريئا من الظلم لان الامام انما هو لمنع الظلم فكيف يجوز ان يكون ظالما وان جاز فقد جاء المثل السائر «من استرعى الذئب الغنم ظلم» قال المعتزلة وفيه دليل على ان الفاسق لا يصلح للامامة ولا يقدم للصلاة قلنا الظالم أريد به الكافر والصبر على طاعة الامام الجائر اولى من الخروج عليه لان في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف واراقة الدماء واطلاق أيدي السفهاء وشن الغارات على المسلمين والفساد في الأرض وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكبائر قبل البعثة وبعدها قال ابن الشيخ في حواشيه فيه بحث لان مدلول الآية ان الظالم مادام ظالما لا تناله الامامة لا ان من كان ظالما في وقت ما من الأوقات ثم تاب منه لا ينال الامامة والفرق بينهما ان الظلم الحالي يخل بالمقصود من نصب الامام وهو اخلاء وجه الأرض من الظلم والفساد وحماية اموال الناس واعراضهم من تعرض الظلمة المفسدين بخلاف الظلم القديم الذي تاب عنه الظالم فانه ليس بمخل للمقصود فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له قال
حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره لا تعطى الولاية لولد الزنى قال واشكر الله تعالى على ان جعلنى أول ولد ولدته أمي فانه ابعد من ان يصدر ألفاظ الكفر من أحد أبوي قال المولى الهدائى قدس سره قلت والفقير ايضا كذلك وقال السخاوي في المقاصد الحسنة حديث (لا يدخل الجنة ولد زنية) ان صح فمعناه إذا حمل بمثل عمل أبويه واتفقوا على انه لا يحمل
على ظاهره وقيل في تأويله ايضا ان المراد به من يواظب الزنى كما يقال للشهود بنوا الصحف وللشجعان بنوا الحرب ولاولاد المسلمين بنوا الإسلام انتهى كلامه ثم في الآية اشارة الى ان من أراد ان يبلغ درجة الأخيار ليقتدى به فليلازم التعب وجهد النفس في طاعة الله تعالى: قال السعدي
| چويوسف كسى در صلاح وتميز | بسى ساله بايد كه گردد عزيز |
ضيافة قالت نعم فجاءت باللبن واللحم وسألها عن عيشهم قالت نحن في خير وسعة فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز برّ او شعير او تمر لكانت اكثر ارض الله برّا او شعيرا او تمرا وقالت له انزل حتى اغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقه الايمن فوضع قدمه عليه وهو راكب فغسلت شق رأسه الايمن ثم حولته الى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقى اثر قدميه عليه وقال لها إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولى له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم جاء شيخ احسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لى كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال ذاك ابراهيم وأنت عتبة بابى أمرني ان امسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبرى نبلا تحت دوحة قريبة من زمزم فلما رآه قام اليه فصنع كما يصنع الولد بالوالد ثم قال يا إسماعيل
ان الله أمرني بامر أتعينني عليه قال أعينك عليه قال أمرني ان ابني هاهنا بيتا فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة وابراهيم يبنى فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام ابراهيم على حجر المقام وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجر وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم لما فرغ من بناء الكعبة قيل له اذن في الناس بالحج فقال كيف أنادي وانا بين الجبال ولم يحضرنى أحد فقال الله عليك النداء وعليّ البلاغ فصعد أبا قبيس وصعد هذا الحجر وكان قد خبئ في ابى قبيس ايام الطوفان فارتفع هذا الحجر حتى علا كل حجر في الدنيا وجمع الله له الأرض كالسفرة فنادى يا معشر المسلمين ان ربكم بنى لكم بيتا وأمركم ان تحجوه فأجابه الناس من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات فمن اجابه مرة حج مرة ومن اجابه عشرا حج عشرا وفي الحديث (ان الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولولا مماسة أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب) والمراد منهما الحجر الأسود والحجر الذي قام عليه ابراهيم عند بناء البيت وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ اى امرناهما امرا مؤكدا ووصينا إليهما فان العهد قد يكون بمعنى الأمر والوصية يقال عهد اليه اى امره ووصاه ومنه قوله تعالى أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ وانما سمى إسماعيل لان ابراهيم كان يدعو الى الله ان يرزقه ولدا ويقول اسمع يا ايل وايل هو الله فلما رزق سماه به أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ اى بان طهراه من الأوثان والأنجاس وما يليق به والمراد احفظاه من ان ينصب حوله شىء منها واقراه على طهارته كما في قوله تعالى وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ فانهن لم يطهرن من نجس بل خلقهن طاهرات كقولك للخياط وسع كم القميص فانك لا تريد ان تقول ازل ما فيه من الضيق بل المراد اصنعه ابتداء واسع الكم لِلطَّائِفِينَ الزائرين حوله وَالْعاكِفِينَ المجاورين الذين عكفوا عنده اى أقاموا لا يرجعون وهذا في اهل الحرم والاول في الغرباء القادمين الى مكة للزيارة والطواف وان كان لا يختص بهم الا ان له مزيد اختصاص بهم من حيث ان مجاوزة الميقات لا تصح لهم الا بالإحرام وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ اى المصلين جمع راكع وساجد لان القيام والركوع والسجود من هيآت المصلى ولتقارب الركوع والسجود ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما والجلوس في المسجد الحرام ناظرا الى الكعبة من جملة العبادات
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء