ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

وقال الحسن: لا ينال الظالم في الآخرة العهدَ.
ويحتمل: أَن يكون المراد من ذلك: وذريتي، فأخبر أَن فيهم من لا يصلح لذلك.
ويحتمل: أَن يريد به الإمامَة لَا النبوة، وقد كانت هي في نسل كل الفرق، والنبوةُ كانت فيهم.
ويحتمل: أَن يكون قصدَ خصوصًا من ذريته، ممن علم اللَّه أَن فيهم من لا يصلح لذلك.
ولا يحتمل: أن يريد به الإمامَة لا النبوة وقد ذكر، أَو قال الإنسان: قيل له: إِنه من ذريتك لكن لا ينال من ذكر؛ ولهذا خص بالدعاءِ من آمن منهم دون من كفر.
وقوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا (١٢٥)
قيل: المثابة المجمع.
وقيل: المثابة: المرجع، يثوبون: يرجعون.
وقيل: يحجون.
وقوله: (مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا).
هو فعل العباد؛ لأَنهم يأمنون ويثوبون.
أَخبر أَنه جعل ذلك؛ ففيه دلالة خلق أَفعال العباد.

صفحة رقم 556

ثم بين فيه - عَزَّ وَجَلَّ - شدة اشتياق الناس إليها، وتمنيهم الحضور بها، مع احتمال الشدائد والمشقة، وتحمل المؤن، مع بعد المسافة والخطرات؛ فدل أَن اللَّه تعالى -بلطفه وكرمه- حبب ذلك إلى قلوب الخلق، وأَنه جعل من آيات الربوبية والوحدانية، وتدبير سماوي، لا من تدبير البشرية.
وفيه دلالة نبوة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إِذ أَخبر عما قد كان؛ فثبت أَنه أَخبر عن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.
وقوله: (وَأَمْنًا) ولمن دخله من عذاب الآخرة.
وقيل: (وَأَمْنًا) لكل مجرم آوى به، وآوى إليه من القتل، وغيره؛ كقوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، عن كل ما ارتكب.
وأما عندنا: فإنه إن قتل قتيلًا، ثم التجأَ إِليه، فإِنه لا يقتل ما دام فيه؛ لأَنه لا يقتل للكفر هنالك.

صفحة رقم 559

فعلى ذلك القصاص؛ لقوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ".
وما رُويَ عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " لو ظفرت بقاتل عمرَ في الحرم ما قتلته، وإِذا قتل في الحرم يقتل به هنالك.
والوجه فيه: أَن إِقامة مثله عليه فيما يرتكبه في الحرم أحق؛ إذ هي كفارة؛ لينزجر عما ارتكب، وأَحق ما يقع فيه الزجر بمثله، ما هو فيه منِ المكان.
وإذا قيل في غير الحرم، ثم التجأ إلى الحرم - قال أبو حنيفة - رحمه اللَّه - لا يخرج من الحرم.
وأَبو يوسف - رحمه اللَّه - جعل ذلك للسلطان، ذهب إلى أنه قال: (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ

صفحة رقم 560

حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)، كما قال: (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ)، فأوجب الإخراج، من حيث أخرج، كما أوجب القتل من حيث قتل.
وقيل: لم يُخرَج من الحرم إذا لم يخرج منه، كما لم يُقتل في الحرم إذا لم يقتُل فيه.
أَو نقول بالإخراج للقتل، قَصْد ما لم يَسُغْ فعله فيها كان كالصيد يخرج، يلزم فيه ما يجب بالقتل؛ فمثله في موضع الحظر.
وبعد فإِنه لو أخرج لم يأمن بالحرم، بل زيد في عقوبته؛ إِذ الإخراج عقوبة، فقد زيد عليه، مع ما لم يجز في الكفار -الذين نهوا عن قتلهم- إِخراجهم للقتل، كذلك القاتل.
وذهب الآخر: إلى أنه يُخْرج؛ لإقامة الحد عند أبي حنيفة - رحمه اللَّه - وإن لم يرتكب فيه.
وإِخراج المرتكب له، أَقل في الحكم من إِقامته عليه. غير أنه غلط؛ لأن إِخراجه للقتل يرفع من الحد؛ لأَنه يصل إلى قتله، ولما في القتل عقوبة واحدة، وفي الإخراج عقوبتان.
ثم لم يلزمه العقوبة الواحدة -وهي القتل- إِذا لم يقتل فيه كان من ألا يلزمه العقوبتان أحق.
وقول: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)
اختلف في (مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ):
منهم من جعل الحرم كله مقامه -يصلي إليه- لمقامه هنالك بأَولاده.
ومنهم من جعل المسجد مقامه؛ لأَنه كان مكان عبادته فهو المصلى.
ومنهم من جعل ما ظهر من مقامه -وهو موضع ركوبه ونزوله- لما رُويَ عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أَنه لما قدم مكة قام إلى الركن اليماني، فقال عمر: " يا رسول الله! أَلا تتخذ مقامَ إبراهيم مصلى؟! " فأنزل اللَّه - تعالى -: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).
وعندنا: القبلةُ البيتُ؛ كقوله - تعالى -: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)،

صفحة رقم 561

وقوله: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)، أي: مقامًا لقيام العبادات.
وقوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ).
فيه الأمر ببنائه.
وقوله: (أَن طَهِّرَا بَيتِيَ).
يحتمل التطهير لوجهين:
أَحدهما: عن الأَصنام والأَوثان التي كانت هنالك، وعبادةِ غير اللَّه والأَنجاسِ.
ويحتمل: التطهير عن كل أَنواع الأَقذار، وعن كل أَنواع المكاسب، على ما روي في جملة المساجد.
وقوله: (لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
قيل: الطائف: هو القادم؛ سمي طائفًا لدخوله بطوافه.
وقيل: الاستحبابُ الطوافُ؛ لذلك قال أَصحابنا - رحمهم اللَّه - الطوافُ للقادم أَفضل من الصلاة. والصلاة للمقيم أَفضل.

صفحة رقم 562

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية