قوله تعالى : وإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً (١)للنّاسِ وأَمْناً ، يحتج به في كون الحرم مأمناً، ويحتمل أن يكون معناه جميع الحرم، كقوله : وَلا َ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ(٢) وقوله : فَلاَ يَْقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذا(٣) ، إلا أن معناه أنه مأمن عن النهب والغارات، ولذلك قال النبي عليه السلام في خطبته يوم فتح مكة :" إن الله حبس عن مكة الفيل، وملك عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يقطع شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد " (٤)
نعم، قد روى أبو شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يسفكن فيها دم، وإن الله تعالى حلها لي ساعة ولم يحلها للناس(٥) ".
ويحتمل أن يكون جعلها مأمناً ما جعل فيها من العلامة العظيمة على توحيد الله تعالى، واختصاصه لها بما يوجب تعظيمها ما شوهد من مر الصيد فيها، فإن سائر بقاع الحرم مشبهة لبقاع الأرض، ويجتمع فيها الكلب والظبي، فلا يهيج الكلب ولا ينفر منه الظبي، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب.
وقوله تعالى : واتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيِمَ مُصَلّى [ ١٢٥ ] : يدل على ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات.
وقوله : أَنْ طَهّرَا بَيْتي للطّائِفِينَ والعَاكِفِينَ والُّرُّكّعِ السُجودِ [ ١٢٥ ] : يدل من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل، والصلاة للمقيمين والعاكفين بها أفضل، ويدل على اشتراط الطهارة للطواف، ويدل على جواز الصلاة في نفس الكعبة رداً على مالك في منع الصلاة المفروضة في الكعبة(٦) دون النفل، وأمره بتطهير نفس البيت يدل على الصلاة -التي شرعت الطهارة فيها- في نفس البيت.
ودل أيضاً قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسْجِدِ الحَرامِ(٧) على جواز الصلاة(٨)، إذ الشطر الناحية، والمصلي في البيت متوجه إلى ناحية منه.
٢ - سورة البقرة، آية ١٩١..
٣ - سورة التوبة، آية ٢٨..
٤ - رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما في باب تحريم مكة وتحريم صيدها..
٥ - أخرجه البخاري بنحوه في الحج، ومسلم في صحيحه ج٩ ص١٢٦ نووي...
٦ - في الأحكام للجصاص "في البيت" وما هنا أوضح، وهذا الاستدلال مأخوذ من الأمر بتطهير نفس البيت، ومنه الكعبة، ولو لم يشمل ذلك تطهير داخلها للركع السجود لكان المطلوب تطهير ما حولها فقط، وهو ما أشار إليه هنا..
٧ - سورة البقرة، آية ١٩١..
٨ - أي في البيت..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي