ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

و اذكر إذ جعلنا أدغم أبو عمرو وهشام الذال من إذ في الجيم ههنا وحيث وقع، وكذا في الزاء نحو و إذ زين وفي السين نحو : إذ سمعتموه ، والصاد نحو إذ صرفنا والتاء نحو إذ تبرأ والدال نحو : إذ دخلوا ، وأدغم بن ذكوان في الدال وحدها وخلف في الدال والتاء وأظهر خلاد والكسائي عند الجيم فقط ونافع وابن كثير وعاصم يظهرون الذال عند ذلك كله البيت الكعبة غلب عليها كالنجم على الثريا مثابة للناس أي مرجعا يثوبون إليه من كل جانب أو موضع ثواب لهم بحج وعمرة وصلاة فيها قال عليه السلام :«صلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة »* رواه ابن ماجة وأمنا مأمنا يأمنون فيه من إيذاء المشركين فإنهم كانوا لا يتعرضون لأهل مكة ويقولون هم أهل الله ويتعرضون لمن حوله كما قال الله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ * قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة :«إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لن يحل القتال فيه لأحد ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلى خلاها، فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لفينهم ولبيوتهم، فقال : إلا الإذخر »* متفق عليه من حديث ابن عباس، وفي رواية أبي هريرة نحوه.
وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فجعل المقام بينه وبين البيت والله أعلم. وكلمة من للتبعيض إن كان المراد بمقام إبراهيم الحرم كله كما قال إبراهيم النخعي، أو المسجد كما قال ابن يمان : أو مشاهد الحج كلها عرفة ومزدلفة وغيرهما كما قال به بعض الناس، وللابتداء إن كان المراد بمقام إبراهيم الحَجَر الذي في المسجد يصلي إليه الأئمة، وذلك الحجر هو الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت وكان أثر أصابع رجليه عليه بينا فاندرس بكثر المسح بالأيدي وهذا القول أصح ويدل عليه ما ذكرنا من حديث جابر، فتقديره واتخذوا مصلى قريبا من مقام إبراهيم يعني في المسجد أو في الحرم. قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الماضي عطفا على جَعَلَنا، وقرأ الآخرون بالكسر على الأمر فهو معطوف على جعلنا بتقدير وقلنا اتخذوا أو على المقدر عاملا لإذ يعني واذكروا إذ جعلنا واتخذوا أو اعتراض معطوف على مقدر تقديره توبوا إليه واتخذوا، وعلى التقديرين الأخيرين خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عن أنس قال قال عمر بن الخطاب : وافقت ربي في ثلاث ووافقني في ثلاث، قلت : يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم عليه السلام مصلى فأنزل الله : وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال : وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن فأنزل الله عز وجل : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن *الآية رواه البخاري. وهذه الآية حجة لأبي حنيفة ومالك في القول بوجوب الركعتين بعد كل أسبوع من الطواف لأن صبغة الأمر للوجوب والإخبار أدل على الثبوت والوجوب، وكان القياس فرضية الركعتين للنص القطعي لكن لما ورد الآية في تلك الصلاة ثابتا بأحاديث الآحاد قلنا بالوجوب دون الفرضية، وأيضا ثبت الركعتين بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما من غير ترك مرة ولا مرتين مع قوله صلى الله عليه وسلم :«خذوا عني مناسككم »* عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما تقدم سعى ثلاثة ومشى أربعة ثم سجد سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة*متفق عليه، وفي البخاري تعليقا قال إسماعيل بن أمية : قلت للزهري إن عطاء يقول يجزئه المكتوبة من ركعتي الطواف قال السنة أفضل لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم أسبوعا قط إلا صلى ركعتين، وصله عبد الرزاق عن الزهري كما ذكرنا، ووصله ابن أبي شيبة عن الزهري بلفظ مضت السنة أن مع أسبوع ركعتين وقال أحمد بن حنبل الأمر للاستحباب وهي رواية عن مالك وللشافعي قولان، ولا يجوز حمل الأمر على الاستحباب لأن مجاز إلا عند عدم تصور الوجوب. ويجوز ركعتي الطواف في جميع المسجد بل خارج المسجد أيضا إجماعا. وفي الصحيحين في حديث أم سملة : قال إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون قالت ففعلت ذلك، ولم تصل يعني أم سلمة بعد الطواف حتى خرجت أي من المسجد أو من مكة، وروى البخاري تعليقا أن عمر رضي الله عنه صلى ركعتي الطواف خارج الحرم بذي طوى رواه مالك، قلت : وذلك للزوم الحرج غالبا في تقييد الصلاة بموضع معين، ألا ترى أنه كان القياس عدم جواز الصلاة والصوم والحج والزكاة إذا لم يقترن بالنية والإخلاص مع جميع أجزائها مقارنا للأداء لقوله تعالى : فادعوا الله مخلصين له الدين *قوله عليه السلام :«إنما الأعمال بالنيات »*متفق عليه من حديث عمر، لكنه للزوم الحرج في ذلك جازت الصلاة والحج بوجود النية عند الإحرام والزكاة بوجودها عند إفراز قدر الواجب عن المال، ولما كان في اشتراط النية عند أول جزء من الصيام يعني عند طلوع الفجر وهو أوان نوم وغفلة غالبا حرج جاز الصوم بالنية من الليل بل عند أبي حنيفة رحمه الله يجوز النية في الصوم إلى الضحوة الكبرى كذلك كان القياس تقييد ركعتي الطواف بالمقام لظاهر الآية، لكنه جازت ركعتا الطواف في المسجد بل في الحرم كلها للزوم الحرج في تعيين المصلى مع كثرة الطائفين، وقد سمى الله تعالى الحرم كله بالمسجد حيث قال : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ *الآية، وقال : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ * وأما صلاة عمر رضي الله عنه بذي طوى فكأنه قضاء للواجب للضرورة، أو نقول ذكر مقام إبراهيم وقع اتفاقا جريا على الغالب عند عدم الازدحام كما في قوله تعالى : ربائبكم اللاتي في حجوركم * وذلك لأن أسبوع الطواف ينتهي على الحجر الأسود عند المقام فالغالب الصلاة عند المقام إن لم يمنع مانع كما أن الغالب كون الربائب في الحجور والله أعلم.
قال البغوي : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة وأتت على ذلك مدة نزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر استأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم إبراهيم عليه السلام وقد ماتت هاجر فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته : أين صاحبك ؟ قالت : ذهب يتصيد وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد فقال لها إبراهيم : هل عندك ضيافة ؟ قالت : ليست عندي، وسألها عن عيشهم ؟ فقالت : نحن في ضيق وشدة وشكت إليه، فقال لها : إذا جاء زوجك فقرأيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، وذهب إبراهيم فجاء إسماعيل عليه السلام فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته : هل جاءك أحد ؟ قالت : جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه، قال : فما قال لكِ ؟ قالت : قال : أقرأي زوجك السلام وقولي فليغير عتبة بابه، قال : ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث إبراهيم عليه السلام ما شاء الله أن يلبث ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك ؟ قالت : ذهب يتصيد وهو يجيء إن شاء الله تعالى فأنزل رحمك الله قال هل عندك ضيافة ؟ قالت نعم فجاءت باللبن واللحم، وسألها عن عيشهم فقالت نحن بخير وسعة فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز برا وشعيرا وتمر لكانت أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا، وقالت : له : انزل أغسل رأسك فلم ينزل، فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولته إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي أثر قدميه عليه فقال لها إذا جاء زوجك فأقرأيه السلام وقولي له قد استقامت عتبه بابك فاضبطها، فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته : هل جاءك أحد ؟ قالت : نعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا، فقال : لي كذا وكذا وقلت له كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه، فقال : ذلك إبراهيم وأنت العتبة أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله تعالى ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل عليه السلام يبري نبلا تحت دوحة قريبة من زمزم لما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال : يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر أتعينني عليه قال أعينك عليه، قال : إن الله تعالى أمرني أن أبني بيتا فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتيه بالحجارة وإبراهيم عليه السلام يبني فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولا : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ .
وفي الحديث :«الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة » رواه مالك عن أنس مرفوعا، وعن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأصاءا ما بين المشرق والمغرب »*رواه الترمذي، وذكر البغوي بلفظ :«لولا ما مسته أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب » ولأهل الاعتبار ههنا استنباط وهو أن في كل مكان مكث فيه رجل من أهل الله تعالى حينا من الدهر ينزل هناك بركات من السماء وسكينة تجذب القلوب إلى الله تعالى ويتضاعف هناك أجر الحسنات وكذا وزر السيئات والله أعلم.
وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أي أمرناهما وأوصينا إليهما أن طهرا أي بأن طهرا ويجوز أن يكون أن مفسرة لتضمين العهد معنى القول بيتي أضافه إليه تفضيلا يعني ابنيا على الطهارة والتوحيد، قال سعيد بن جبير وعطاء : طهراه من الأوثان والريب وقول الزور، وقيل بخراه وخلقاه، قرأ نافع وهشام وحفص بفتح الياء ههنا وفي سورة الحج وزاد حفص في سورة نوح للطائفين حوله والعاكفين المقيمين عنده أو المعتكفين فيه والركع السجود جمع راكع ساجد يعين المصلين.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير