السدي: لَا يَنَالُ عَهْدِي أي: نبوتي (١). واختاره ابن كيسان، فقال: يعني: لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة في الدين من كان ظالمًا من ولدك، بل ينال عهدي من كان رسولًا إماما.
وقال الفراء: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ أي: لا يكون للناس إمام مشرك (٢). وقال عبد الله بن مسلم (٣): العهد هاهنا: الميثاق، يقول: لا ينال ما وعدتك من الإمامة الظالمين من ذريتك، والوعد من الله عز وجل ميثاق (٤). وهذه الأقوال متقاربة.
١٢٥ - قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا هذه الآية تنعطف على ما تقدمها من الآيات التي ذكر فيها (٥) (إذ)، ويريد بالبيت الكعبة التي هي القبلة اليوم، ولذلك ذكره بالألف واللام (٦).
قوله تعالى: مَثَابَةً لِلنَّاسِ المثاب والمثابة مصدران لقولهم: ثاب يثوب مثابًا ومثابة وثؤوبا وثَوَبانا، ذكر ذلك الفراء في كتاب "المصادر". فالمثابة هاهنا: مصدر وُصِف به، ويراد به الموضعُ الذي يُثاب إليه (٧)، كما يقال: درهمٌ ضربُ الأمير، والمصدر قد يوصف به كثيرًا، قال زهيرٌ:
(٢) "معاني القرآن" ١/ ٧٦.
(٣) يريد ابن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦ هـ
(٤) "تأويل مشكل القرآن" ص ٦٢، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ١٤١.
(٥) قوله: (التي ذكر فيها) ساقطة من (ش).
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" ١/ ٥٣٢.
(٧) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٧٦، الطبري ١/ ٥٣٢، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦ انظر البحث في مثابة في: "اللسان" ١/ ٥١٨ (ثوب).
| مَتَى يَشْتَجِرْ قَوْمٌ يَقُلْ سَرَوَاتُهُمْ | هُمُ بَيْنَنا فَهُمُ رضًا وَهُمُ عَدْلُ (١) |
| سقى الله نجدًا من ربيعٍ وصيّفِ | وماذا تُرْجَى (٢) مِن ربيعٍ سَقَى نَجْدا |
| بلى إنَّهُ قد كانَ للعيشِ مرةً | وللبيضِ والفتيانِ منزلةً حمدا (٣) |
| وفيهم مقاماتٌ حِسَانٌ وجوهُها | وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفِعْلُ (٥) |
(٢) ساقطة من (أ)، (م).
(٣) هما بلا نسبة في "المذكر والمؤنث" للأنباري ص ٢٤٦، "معجم البلدان" ٥/ ٢٦٣ (نجد). وينظر: "المعجم المفصل" ٢/ ٢٠٤.
(٤) ابن الأنباري.
(٥) البيت لزهير بن أبي سلمى، في "ديوانه" ص١١٣، "لسان العرب" ٦/ ٣٧٨٧ مادة (قوم)، "المعجم المفصل" ٦/ ٢٤٥.
(٦) في (ش): (لا تقضون).
وانصرفوا اشتاقوا إلى الرجعة إليه (١).
وروي أيضًا عن ابن عباس أنه قال في تفسير المثابة: معادًا (٢)، وعلى هذا فقال أبو إسحاق: الأصل في مثابة مثْوَبةٌ، ولكنَّ حركة الواو نُقلت إلى الثاء، وتبعت الواو الحركة فانقلبت ألفًا. قال: وهذا إعلال إتباع، تبع مثابةٌ بابَ ثاب (٣)، وأصلُ ثاب ثَوَبَ، ولكنَّ الواوَ قُلِبَت ألفًا؛ لتحركها وانفتاحِ ما قبلها، لا اختلاف بين النحويين في ذلك. انتهى كلامه (٤). وُينشدُ على أن المثاب والمثابة واحد قول ورقة في صفة الحرم:
| مَثَابًا لأَفْنَاءِ القبائلِ كُلِّها | تَخُبُّ إليها اليعملاتُ الطَّلائحُ |
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٦٠، البغوي في "تفسيره" ١/ ١٤٦، "البحر المحيط" ١/ ٣٨٠. ولفظهم: معاذًا وملجًا، بالذال، وليست بالدال. وقال الطبري ١/ ٥٣٢: وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذًا. وورد بالدال في "الوسيط" ١/ ٢٠٤.
(٣) في (ش): (وإعلال الألف اتباع تبع ألف مثابة ألف ثاب).
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٠٦.
(٥) نسبه إلى ورقة الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٣٢، وأبو حيان في "البحر المحيط" ١/ ٣٨٠، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٩٧. ورواية الطبري: مثابٌ، وذكره الشافعي في "الأم" (١/ ١٥٣ط. دار المعرفة) منسوبًا لورقة بن نوفل خلافًا لما ذكره الواحدي، لكنه قال: الذوامل بدل الطلائح وكذلك ذكره القرطبي في "تفسيره" ٢/ ١٠٠ وعدها أبو حيان رواية في البيت. وبمثل هذه الرواية ذكرها صاحب "اللسان" ٣/ ١٥١٦ منسوبًا لأبي طالب، وذكره في (مادة: ذمل) غير منسوب قال=
ومعنى ثاب في اللغة: عاد ورجع إلى وضعه الذي كان أفضى إليه، يقال: ثاب ماء البئر إذا عاد جُمَّتُها (١)، ومنه تثويب الداعي إذا عاد وكرَّر الدعاء.
وقال الأخفشُ: الهاء في المثابة للمبالغة في كثرة من يثوب إليه، كقولهم: رجل علامة ونسابة (٢).
وقوله تعالى: وَأَمْنًا أراد: مأمنا (٣)، وهو أيضًا مصدر وصف به، كما ذكرنا. قال ابن عباس: يريدُ: من دخله كان آمنًا، فمن أحدث حدثًا خارج الحرم ثم لجأ إليه أمن من أن يُهاجَ فيه. ولكن لا يُؤْذى (٤) ولا يخالط ولا يُبَايع، فإذا خرج منه أُقيم عليه الحدُّ، ومَنْ أحدثَ في الحرم أُقيمَ عليه الحد فيه (٥).
(١) في "تهذيب اللغة" ١/ ٤٦٣ (مادة: ثاب).
(٢) "معاني القرآن" ١/ ١٤٦.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ١/ ٥٣٤، "تفسير البغوي" ١/ ١٤٦.
(٤) في "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٦١: ولكن لا يُؤْوَي.
(٥) ذكره عنه الثعلبي ١/ ١١٦١ والسمعاني٢/ ٤٧، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ١٤١ وينظر: "تفسير السمرقندي" ١/ ١٥٧، القرطبي ٢/ ١١١، الرازي ٤/ ٥٢ =
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة: أن الجاني إذا لاذ بالحرم أمن (١)، ومذهب الشافعي: أنه لا يأمن بالالتجاء إليه، وُيسْتَوفى منه ما وجب عليه في الحرم (٢) (٣)، على ما قد روي في الخبر: لا يعيذ الحرم عاصيًا (٤).
وعلى هذا فمعنى قوله: وَأَمْنًا الأولى أن يأمن فيه الجاني، فإن أخيف بإقامة الحد عليه جاز، فقد قال كثير من المفسرين: من شاء أمن، ومن شاء لم يؤمن، كما أنه لما جعله مثابة من شاء ثاب ومن شاء لم يثب، وقد كان قبل الإسلام يرى الرجلُ قاتلَ أبيه في الحرم فلا يتعرض له، وهذا شيء كانوا توارثوه من دين إسماعيل، فبقُوا عليه إلى أيام النبي - ﷺ -، فاليوم من أصاب فيه جريرةً أقيم عليه الحد بالإجماع (٥).
(١) ينظر: "شرح السير الكبير" للسرخسي ١/ ٣٦٦ (ط. الشركة الشرقية)، "كشف الأسرار" للبزدوي ١/ ٢٩٦، قال في "المغني" ٩/ ٩٠ (ط. دار احياء التراث العربي): وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وعبيد بن عمير، والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه. وأحمد بن حنبل في القتل وأما في غيره فعنه روايتان.
(٢) ينظر: "الأم" للشافعي ٤/ ٢٩٠، وبه قال مالك وابن المنذر كما في "المغني" ٩/ ٩٠.
(٣) ساقطة من (أ)، (م).
(٤) ذكره البخاري (١٠٤) كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ومسلم (١٣٥٤) كتاب الحج، باب: تحريم مكة وصيده، قال ابن حجر: كلام ظاهره حق لكن أراد به الباطل، "الفتح" ١/ ١٩٩ وقال في "المغني" ٩/ ٩١: وما رووه من الحديث فهو من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يرد به قول رسول - ﷺ - حين روى له أبو شريح هذا الحديث [يعني إن الله حرم مكة] وقول الرسول أحق أن يتبع.
(٥) ينظر الخلاف الفقهي فيه في: "تفسير الطبري" ٤/ ١١ - ١٥، "غرائب النيسابوري" ١/ ٣٩٤، "الوسيط" ١/ ٢٠٤.
وقال أبو بكر بن الأنباري: معناه: وَأَمْنًا أن يُبخس القاصد له من الثواب الذي يوعده أمثاله، فهو واثق آمنٌ أنَّ أجرَه لا يضيعُ عند ربه (١) (٢)، وهذا قول قويم حسن؛ لأن الله تعالى وصف البيت بالأمن، وعلى ما ذكر أبو بكر يتعلق الأمن بالبيت، وعلى (٣) ما قاله غيره من المفسرين من أمْنِ الجاني إذا لاذ بالحرم، فهو أمن الحرم لا أمن البيت، إلا أن يقال: إن أمن الحرم لأجل البيت، فهو بسبب منه وعائد إليه (٤).
وقوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى هذا معطوف على ما أضيف إليه إذ، كأنه: وإذ اتخذوا.
قال الزجاج: وهو عطف جملة، على جملة (٥).
وقال الفراء: أي: جعلناه مثابةً لهم فاتخذوه مُصلَّى. والفتح في الخاء على معنى الخبر، قراءة أهل المدينة والشام (٦). ويؤكده أنَّ الذي قبله والذي بعده خبر، وهو قوله جَعَلْنَا و وَعَهِدْنَا.
ومن قرأ وَأتَّخِذُوا بالكسر على الأمر (٧) فحجته في ذلك: ما أخبرنا
(٢) ابن الأنباري.
(٣) ساقطة من (أ)، (ش).
(٤) ينظر: "البحر المحيط" ١/ ٣٨٠.
(٥) "معاني القرآن" ١/ ٢٠٧.
(٦) "معاني القرآن" ١/ ٧٧.
(٧) قرأ بفتح الخاء نافع وابن عمر، وبكسر الخاء على الأمر، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. ينظر: "السبعة" ص ١٦٩، "الحجة" ٢/ ٢٢٠، "المبسوط" لابن مهران ص ١٣٥، "التيسير" للداني ص ٦٥.
الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (١) -رحمه الله- ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد (٢)، ثنا عبدوس بن الحسين بن منصور (٣)، ثنا أبو حاتم الرازي (٤)، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري (٥)، حدثني حُميد الطويل (٦)، عن أنس بن مالك (٧)، قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: وافقني ربي في ثلاث. قلت: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى. فأنزل الله عز وجل:
(٢) هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أبو الحسين بن أبي إسحاق المزكي، من فقهاء نيسابور، قال الخليلي: كان ثقة، وقال الحاكم: كان من الصالحين العباد، التاركين لما لا يغني، قراء القرآن، المكثرين من سماع الحديث توفي سنة ٣٩٧. ينظر: "تاريخ بغداد"١٠/ ٣٠٢، "السير" ١٦/ ٩٧.
(٣) هو أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور النَّصْراباذي، سمع محمد بن عبد الوهاب الفراء وطبقته، روي عنه أبو علي الحافظ، ويقال: إن اسم عبدوس: عبد القدوس، والله أعلم ينظر: "الأنساب" ٥/ ٤٩٢.
(٤) هو: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، تقدمت ترجمته.
(٥) هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك، أبو عبد الله البصري القاضي، ثقةٌ، توفي سنة (٢١٤) أو نحوها. انظر: "تهذيب الكمال" ٢٥/ ٥٣٩، "تقريب التهذيب" ص ٤٩٠ (٦٠٤٦)، "تهذيب التهذيب" ٣/ ٦١٤.
(٦) هو: حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة مدلس، كثير التدليس عن أنس معظم حديثه عنه بواسطة ثابت وقتاده، وقد وقع تصريحه عن انس بالسماع وبالتحديث في أحاديث كثيرة في البخاري وغيره مات وهو قائم يصلي سنة ١٤٢ هـ ينظر: "تهذيب الكمال" ٧/ ٣٥٥، "التهذيب" ١/ ٤٩٣.
(٧) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، الخزرجي، خادم رسول الله - ﷺ -، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة ٩٢ وقيل: ٩٣ وقد جاوز المائة. ينظر: "الاستيعاب" ١/ ١٩٨، "أسد الغابة" ١/ ١٥١.
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. وقلتُ: يا رسولَ الله، إنه يدخُلُ عليك البرُّ والفاجرُ، فلو حجبت أمهات المؤمنين، فأنزل الله عز وجل آية الحجاب، قال: وبلغني شيءٌ كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي - ﷺ - فاستقريتُهن أقول: لتكُفُّنَّ عن رسول الله - ﷺ -، أو ليبدلَنَّه اللهُ أزواجًا خيرًا منكن، فأنزل الله عز وجل: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ الآية [التحريم: ٥] (١).
وهكذا قال ابن عباس في هذه، فقال في قوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى: وذلك أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، لو صليت بنا خلف المقام، فأنزل الله تعالى على ما قال عمر، ففعل رسول الله - ﷺ - (٢).
وعلى هذه القراءة يكون قوله: وَاتَّخِذُوا عطفا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن قوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً معناه: ثوبوا إليه واتخذوا.
واختلف في مقام إبراهيم، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: البيت (٣)، وقال النخعي (٤) (٥):
(٢) لعله من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها في المقدمة، والحديث رواه عدد كبير من الأئمة، وبعضهم أخرجه مختصرًا. وقد رواه الثعلبي بالإسناد نفسه ١/ ١١٦٣ بهذا اللفظ، وإسناده ورجاله ثقات عدا عبدوس فإنه لم يذكر بجرح أو تعديل، والحديث ثابت في البخاري (٤٤٨٤) كتاب التفسير: باب: قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وغيره من طريق آخر عن حميد الطويل عن أنس به.
(٣) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.
(٤) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي من أهل الكوفة، كان إماما مجتهدًا، له مذهب، صالح زاهد ثقة، إلا أنه يرسل كثيرًا ويدلس، توفي سنة ٩٧ هـ. ينظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٦/ ٢٧٠، "الأعلام" ١/ ٨٠.
(٥) "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٦٤، البغوي ١/ ١٤٦، القرطبي ٢/ ١٠٢، "البحر المحيط" ١/ ٣٨١، والآلوسي ١/ ٣٨٠.
الحرم كله مقام إبراهيم (١). وقال يمان: المسجد كله مقام إبراهيم (٢). وقال عطاء: التعريف والصلاتان بعرفة والمشعر ورمي الجمار والطواف بين الصفا والمروة مقام إبراهيم، سمعته من ابن عباس (٣).
وقال قتادة (٤) ومقاتل (٥) والسدي (٦) في هذه الآية: هو الصلاة عند مقام إبراهيم، أمروا بالصلاة عنده، ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله، والمقام في اللغة: موضع القدمين حيث يقوم عليه (٧). وروى عبد الله بن عمر (٨) أن النبي - ﷺ - قال: "الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن طمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" (٩).
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٦٤، والبغوي ١/ ١٤٦، وأبو حيان في "البحر المحيط" ١/ ٣٨١.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٢٢٦.
(٤) أخرجه الطبري ١/ ٥٣٧، وذكره الثعلبي ١/ ١١٦٤.
(٥) "تفسير مقاتل" ١/ ١٣٧ - ١٣٨، وذكره الثعلبي ٣/ ١١٦٤.
(٦) أخرجه الطبري ١/ ٥٣٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٢٧.
(٧) ينظر: "البحر المحيط" ١/ ٣٨١.
(٨) هكذا في الأصل، والصواب: عبد الله بن عمرو كما في مصادر تخريج الحديث.
(٩) أخرجه الترمذي (٨٧٨) كتاب الحج، باب: ما جاء في فضل الحجر الأسود، والإمام أحمد في "المسند" ٢/ ٢١٣ - ٢١٤ ابن خزيمة ٤/ ٢١٩ برقم ٢٧٣٢ في المناسك، باب صفة الركن والمقام، والبيان انهما ياقوتتان من يواقيت الجنة، والحاكم ١/ ٤٥٦ البيهقي ٥/ ٧٥ وعبد الرزاق في "المصنف" ٥/ ٣٩، الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٦٧. قال الترمذي: هذا يُرْوى عن عبد الله بن عمرو، موقوفًا من قوله، وفيه عن أنس أيضا، وهو حديث غريب وقال ابن خزيمة: لست أعرف (رجاء) [يعني رجاء بن صبيح الحَرَشي] هذا بعدالة ولا جرح، ولست أحتج بخبر مثله، اهـ. وقد ضعفه الحافظ في "الفتح" ٣/ ٤٦٢ وللحديث شواهد كثيرة حكم بعضها على الحديث بالحسن لغيره، كالدكتور خالد العنزي في تحقيق "تفسير الثعلبي".
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن إبراهيم عليه السلام استأذن سارة أن يزور إسماعيل عليه السلام، فأذنت له، واشترطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب (١) يتصيد، قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فجاءت باللبن واللحم فدعا لها بالبركة، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل به، فجاءته بالمقام، فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر، فغسلت شق رأسه الأيسر، فبقي أثر قدمه عليه (٢).
وذلك الحجر هو مقام إبراهيم الذي يعرفه الناس اليوم، وإذا أطلق مقام إبراهيم لم يفهم إلا الذي هو اليوم في المسجد، ويدل على هذا حديث عمر الذي رويناه آنفا (٣)، وجعل تأثير قدم إبراهيم في الحجر معجزة
(٢) ذكر القصة مطولة مبسوطة الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٦٤ وقد ذكر الواحدي منها موضع الشاهد، وقد أخرج القصة الطبري في "تاريخه" ١/ ١٥٤ من طرق عن سعيد بن جبير، وذكرها البغوي في "تفسيره" ١/ ١٤٧، الثعلبي أيضا من رواية السدي وغيره في كتابه: "عرائس المجالس" ص ٧١، ورواها الطبري مختصرة من كلام السدي ١/ ٥٣٧، وأصل القصة رواها البخاري (٣٣٦٤) كتاب الأنبياء، وليس عند البخاري غسل رأس إبراهيم ووضع رجله حينذاك على المقام، ومن طريق البخاري أخرجها ابن الجوزي في "المنتظم" ١/ ٢٦٨ ثم ذكر قصة غسل زوجة إسماعيل الثانية لرأس إبراهيم، من رواية عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٦٦ تحقيق د: العنزي.
(٣) قال في "البحر المحيط" ١/ ٣٨١ بعد أن ذكر اتفاق المحققين على هذا القول: ورجح بحديث عمر أفلا نتخذه مصلى. الحديث، وبقراءة رسول الله - ﷺ - لما فرغ من الطواف وأتى المقام وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فدل على أن المراد منه ذلك الموضع؛ ولأن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، ولأن الحجر صارت تحت قدميه في رطوبة الطين حين غاصت فيه رجلاه، وفي ذلك معجزة له، فكان اختصاصه به أقوى من اختصاص غيره، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى =
لنبوته.
وقال أنس بن مالك: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص
قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم (١).
ومعنى قوله تعالى: مُصَلًّى قال الحسن: قبلة (٢)، وقال مجاهد: مُدَّعى (٣)، أي: موضع دعاء. وقال قتادة: صلوا عنده (٤).
وقوله تعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أي: أمرناهما وأوصينا إليهما (٥): أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ قال سعيد بن جبير (٦)، وعبيد بن عمير (٧) (٨)،
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٦٧ وفي "عرائس المجالس" ص ٧٣، وأخرجه الواحدي بسنده من طريق الزهري، عن ابن أنس في "الوسيط" ١/ ٢٠٦، وذكره أبن كثير في "تفسيره" ١/ ١٨٢ من هذا الطريق، وذكره القرطبي ٢/ ١٠٢ وابو حيان في "البحر" ١/ ٣٨١ وروى الطبري ٣/ ٣٥ بسنده عن قتادة قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبيه وأصابعه فيه، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى.
(٢) في (ش): (وقبله).
(٣) أخرجه الطبري ١/ ٥٣٧، ابن أبي حاتم ١/ ٢٢٧.
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" ١/ ٥٣٧.
(٥) "تفسير الثعلبي" ١/ ١١٦٩.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٢٢٧، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١٦٩، البغوي ١/ ١٤٨، القرطبي ٢/ ١٠٣.
(٧) هو: أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، ولد على عهد النبي - ﷺ -، يعد من كبار التابعين، أجمعوا على توثيقه، كان من العباد، توفي سنة ٧٣ هـ. ينظر: "تقريب التهذيب" ص ٣٧٧ (٤٣٨٥)، "السير" ٤/ ١٥٦.
(٨) أخرجه الطبري ٣/ ٤٠، وذكره ابن أبي حاتم ١/ ٢٢٨، والثعلبي ١/ ١١٦٩.
وعطاء (١)، ومقاتل (٢): من الأوثان والريب وقول الزور. وقال الزجاج (٣) والفراء (٤): يريد من الأصنام ألا تعلّق فيه. وهذا الاختيار عند أبي علي، قال: لما جاء في المظهر منه لفظ (الرِّجْس) في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]. وقال ابن عباس ويمان بن رئاب (٥): يعنى بَخِّراه وخَلِّقاه (٦) ونظفاه.
وقوله تعالى: لِلطَّائِفِينَ قال الفراء (٧): يقال: طاف يطُوفُ طَوفًا وطَوافًا وطوفانًا، وطاف يطِيف، وأطَاف يُطِيفُ، بمعنى واحد (٨).
وقوله تعالى: وَالْعَاكِفِينَ العكوف: الإقامة (٩) على الشيء (١٠).
قال المفسرون: عنى بالطائفين: النُّزَّاع إليه من الآفاق، وبالعاكفين:
(٢) "تفسير مقاتل"١/ ١٣٨. وينظر: "الثعلبي" ١/ ١١٦٩، "البحر المحيط" ١/ ٣٨٢.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٠٧.
(٤) "معاني القرآن" ١/ ٧٧.
(٥) ذكره عنه الثعلبي ١/ ١١٧١ وينظر: البغوي ١/ ١٤٥٨، "البحر المحيط" ١/ ٣٨٢.
(٦) خَلَّقاه: أي طَيَّباه، والخلُوق والخِلاق: ضرب من الطيب وقيل: الزعفران وغيره، قال بعض الفقهاء: وهو مائع فيه صفرة. "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٩٤ "المصباح المنير" ص ١٨٠.
(٧) من قوله: (وقوله تعالى: للطائفين) ساقط من (ش).
(٨) هذا في كتاب "المصادر" للفراء وهو مفقود ينظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١٥٥، "لسان العرب" ٥/ ٢٧٢٢.
(٩) في (م): (القيام).
(١٠) ينظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٣٢.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي