ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

قوله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنَّى شئتم الحرث : المُزْدَرَعُ ؛ وجعل في هذا الموضع كناية عن الجماع. وسمَّى النساء حرثاً لأنهن مزدرع الأولاد. وقوله : فأتوا حرثكم أنى شئتم يدلّ على أن إباحة الوطء مقصورةٌ على الجماع في الفَرْجِ لأنه موضع الحرث.
واختلف في إتيان النساء في أدبارهن، فكان أصحابنا يحرّمون ذلك وينهون عنه أشد النهي، وهو قول الثوري والشافعي فيما حكاه المزني. قال الطحاوي : وحَكَى لنا محمد بن عبدالله بن عبدالحكيم، أنه سمع الشافعي يقول :" ما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه ولا تحليله شيءٌ والقياسُ أنه حلالٌ ". وروى أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم عن مالك : قال :" ما أدركتُ أحداً أقتدي به في ديني يشكّ فيه أنه حلالٌ " يعني وطء المرأة في دبرها ؛ ثم قرأ : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم قال :" فأيّ شيء أبْيَنُ من هذا ؟ وما أشكّ فيه ". قال ابن القاسم : فقلت لمالك بن أنس : إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدثنا عن الحارث بن يعقوب، عن أبي الحباب سعيد بن يسار قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجواري أنُحَمِّضُ لهنّ ؟ فقال : وما التحميض ؟ فذكرت الدُّبُرَ، قال : ويفعل ذلك أحْدٌ من المسلمين ؟ فقال مالك : فأشهد على ربيعة بن أبي عبدالرحمن يحدثني عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه، فقال : لا بأس به. قال ابن القاسم : فقال رجل في المجلس : يا أبا عبدالله فإنك تذكر عن سالم أنه قال :" كذب العبد أو كذب العِلْجُ على أبي يعني نافعاً كما كذب عكرمة على ابن عباس " ؟ فقال مالك : وأشهد على يزيد بن رومان يحدثني عن سالم عن أبيه أنه كان يفعله.
قال أبو بكر : قد روى سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر : أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك، فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ، إلا أنّ زيد بن أسلم لا يعلم له سماع من ابن عمر. ورَوَى الفضل بن فضالة، عن عبدالله بن عباس، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر، أنه قال لنافع مولى ابن عمر : إنه قد أكثر عليك القول إنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تُؤْتَى النساء في أدبارهن، قال نافع : كذبوا عليّ ! إن ابن عمر عَرَضَ المصحف يوماً حتى بلغ : نساؤكم حرث لكم فقال : يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية ؟ قلت : لا ! قال : إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، وكانت نساء الأنصار قد أخذن عن اليهود أنما يُؤْتَيْنَ على جنوبهنّ، فأنزل الله هذه.
فهذا يدلّ على أن السبب غير ما ذكره زيد بن أسلم عن ابن عمر، لأن نافعاً قد حُكي عنه غير ذلك السبب، وقال ميمون بن مهران أيضاً : قال ذلك نافع يعني تحليل وطء النساء في أدبارهن بعدما كبر وذهب عقله.
قال أبو بكر : المشهورُ عن مالك إباحةُ ذلك وأصحابهُ ينفون عنه هذه المقالة لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن يندفع بنفيهم عنه، وقد حكى محمد بن سعيد عن أبي سليمان الجوزجاني قال : كنت عند مالك بن أنس، فسئل عن النكاح في الدبر، فضرب بيده إلى رأسه وقال :" الساعة اغتسلت منه ". وقد رواه عنه ابن القاسم على ما ذكرنا ؛ وهو مذكور في الكتب الشرعية. ويروى عن محمد بن كعب القرظي : أنه كان لا يرى بذلك بأساً، ويتأول فيه قوله تعالى : أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم [ الشعراء : ١٦٥ ] مثل ذلك إن كنتم تشتهون. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال :" مَحَاشُّ النساء حرامٌ ". وقال عبدالله بن عمر :" وهي اللوطية الصغرى ". وقد اختلف عن ابن عمر فيه، فكأنه لم يُرْوَ عنه فيه شيء، لتعارض ما رُوي عنه فيه. وظاهر الكتاب يدلّ على أن الإباحة مقصورة على الوطء في الفرج الذي هو موضع الحرث، وهو الذي يكون منه الولد. وقد رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة في تحريمه، رواه خزيمة بن ثابت وأبو هريرة وعلي بن طلق كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا تَأْتَوا النِّسَاءَ في أدْبَارِهِنَّ ". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا تَأْتَوا النّسَاءَ في أدْبَارِهِنَّ ". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" هي اللوطيّةُ الصُّغْرَى " يعني إتيان النساء في إدبارهن. وروى حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" مَنْ أَتَى حَائِضاً أو امْرَأَةً في دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بما أُنْزِلَ عَلَى مُحَمّد ". ورَوَى ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر، أن اليهود قالوا للمسلمين : من أتى امرأته وهي مُدْبرةٌ جاء وَلَدُه أحولَ ؛ فأنزل الله تعالى : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً ما كان في الفَرْجِ " وروت حفصة بنت عبدالرحمن عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" في صِمَامٍ واحدٍ ". ورَوَى مجاهد عن ابن عباس مثله في تأويل الآية، قال :" إنما يعني كيف شئت في موضع الولد ". وروى عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يَنْظُرُ الله إلى رَجُلٍ أَتَى امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا ". وذكر ابن طاوس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دبرها، فقال :" هذا يسألني عن الكفر ! " وقد رُوي عن ابن عمر في قوله : نساؤكم حرث لكم قال :" كيف شِئْتَ إن شئت عَزْلاً أو غير عزل " رواه أبو حنيفة عن كثير الرياحي الأصم عن ابن عمر، ورَوَى نحوه عن ابن عباس. وهذا عندنا في ملك اليمين وفي الحرة إذا أذنت فيه ؛ وقد رُوي ذلك على ما ذكرنا من مذهب أصحابنا عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وآخرين غيرهم.
فإن قيل : قوله عز وجل : والذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [ المؤمنون : ٥ و ٦ ] يقتضي إباحة وَطْئهن في الدُّبُرِ، لورود الإباحة مطلقة غير مقيدة ولا مخصوصة. قيل له : لما قال الله تعالى : فأتوهن من حيث أمركم الله ثم قال في نسق التلاوة : فأتوا حرثكم أنى شئتم أبان بذلك موضع المأمور به وهو موضع الحرث، ولم يُرِدْ إطلاق الوطء بعد حظره إلا في موضع الولد، فهو مقصور عليه دون غيره، وهو قاضٍ مع ذلك على قوله تعالى : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [ المؤمنون : ٦ ] كما كان حظر وَطْءِ الحائض قاضياً على قوله : إلا على أزواجهم [ المؤمنون : ٦ ] فكانت هذه الآية مرتبة على ما ذُكر من حكم الحائض.
ومن يحظر ذلك يحتج بقوله : قل هو أذى فحظر وَطْءِ الحائض للأذى الموجود في الحيض وهو القَذَرُ والنجاسة، وذلك موجود في غير موضع الولد في جميع الأحوال، فاقتضى هذا التعليل حَظْرَ وطئهن إلا في موضع الولد. ومن يبيحه يجيب عن ذلك بأن المستحاضة يجوز وطؤها باتفاق من الفقهاء مع وجود الأذى هناك وهو دم الاستحاضة وهو نجس كنجاسة دم الحيض وسائر الأنجاس. ويجيبون أيضاً على تخصيصه إباحة مَوْضِع الحرث، باتّفاق الجميع على إباحة الجماع فيما دون الفرج وإن لم يكن موضعاً للولد، فدلّ على أن الإباحة غير مقصورة على موضع الولد، ويجابون عن ذلك بأن ظاهر الآية يقتضي كون الإباحة مقصورةً على الوطء في الفرج، وأنه هو الذي عناه الله تعالى بقوله : من حيث أمركم الله إذ كان معطوفاً عليه، ولولا قيام دلالة الإجماع لما جاز الجماع فيما دون الفرج، ولكنا سلمناه للدلالة وبقي حكم الحظر فيما لم تقم الدلالة عليه.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير